موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
واصل البابا لاون الرابع عشر، السبت 7 تشرين الثاني 2026، زيارته الرسولية إلى الأوروغواي، في يوم ثانٍ حافل بالمحطات الروحية والراعوية والاجتماعية، شمل الاحتفال بالقداس الإلهي في مدينة بايساندو، ولقاء العائلات المحتاجة في حي كاسافالي بالعاصمة مونتفيديو، وزيارة الجامعة الكاثوليكية، قبل أن يختتم يومه بأمسية حاشدة في ملعب سنتيناريو.
استهل البابا برنامجه بالتوجه جوًا من مونتفيديو إلى مدينة بايساندو، حيث ترأس القداس الإلهي في حديقة باريس-لندن، بمشاركة نحو 40 ألف مؤمن، بينهم حجاج من البلدان المجاورة. ولدى وصوله، جال بين الحشود في سيارة مكشوفة، وسط أجواء من الفرح والترحيب.
وفي عظته، استذكر البابا الرجال والنساء الذين حملوا الإيمان المسيحي إلى المنطقة، ولا سيما الطوباوي خاسينتو فيرا، أول أسقف لمونتفيديو، الذي تميز بخدمته للفقراء والمرضى وتفانيه في رسالته الرسولية. وأكد أن مسؤولية الأجيال الحاضرة تتمثل في مواصلة الإرث الذي تركه هؤلاء، بأمانة وعدالة واستقامة، مدركين أن الإيمان كنز تسلموه من الرب وعليهم نقله إلى الأجيال الجديدة.
واستعان البابا بثلاثة رموز من الحياة المحلية، هي جسر الجنرال أرتيغاس الدولي، وبساتين النخيل، ومشروب المتة التقليدي، ليؤكد أهمية بناء جسور التواصل، وتعزيز الأخوّة، والعيش في جماعة تستمد قوتها من كلمة الله والأسرار المقدسة والصلاة وأعمال المحبة.
وشدد على ضرورة مواصلة تنشئة الأطفال والشباب على الإيمان، ومرافقة العائلات، ومساندة المسنين، وخدمة المحتاجين، داعيًا المؤمنين إلى أن يكونوا جسورًا تقود الآخرين إلى اللقاء بالمسيح. ووجّه إليهم نداءً مباشرًا: "إن المسيح يعتمد عليكم!".
وعقب القداس، توقف البابا في بازيليك سيدة الوردية، حيث أمضى وقتًا في الصلاة، وحيّا نحو ألف شخص تجمعوا في الساحة الخارجية، والتقى عددًا من المرضى، وكشف عن لوحة تذكارية لزيارته، قبل عودته إلى مونتفيديو.
وفي فترة بعد الظهر، زار البابا رعية سيدة غوادالوبي في حي كاسافالي، إحدى المناطق التي تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية في العاصمة. واطلع على مشروع سكني نفذته الرعية لمساعدة العائلات محدودة الدخل، بدعم من محسنين عبر المؤسسة البابوية (Papal Foundation)، والتقى عددًا من الأسر المستفيدة.
وأعرب البابا عن فرحته بالمبادرة، متمنيًا أن تكون المنازل الجديدة أكثر من مجرد سقف يحمي ساكنيها، وأن تتحول إلى بيوت حقيقية تنمو فيها العائلات بكرامة وسلام ورجاء.
وخلال لقائه أبناء الحي، استمع إلى شهادات تناولت تجارب الفقر والعنف والتضامن، ثم توقف في كلمته عند مثل السامري الصالح، محذرًا من اللامبالاة تجاه معاناة الآخرين، ومؤكدًا أن المحبة المسيحية تتطلب الاقتراب من الأشخاص المتألمين والاستجابة لاحتياجاتهم بصورة ملموسة.
وأعرب عن قلقه إزاء انعدام الأمن والعنف اللذين يهددان حياة العائلات والأطفال، مشددًا على أنه لا يجوز أن يخشى الأطفال الذهاب إلى مدارسهم خوفًا من عدم العودة، أو أن تعجز أم عن إطعام أبنائها، أو أن يُحرم إنسان من التعليم والمستقبل الكريم بسبب العنف في الشوارع.
ودعا البابا الكنيسة والمجتمع المدني والدولة إلى توحيد الجهود من أجل الخير العام، مؤكدًا أن مواجهة الفقر والإقصاء لا يمكن أن تقتصر على المبادرات الفردية، بل تتطلب مسؤولية مشتركة وتعاونًا مؤسسيًا. كما أشاد بالشهادات التي قدمها أبناء الحي وبالعمل الاجتماعي الذي تنفذه الرعية، داعيًا إلى بناء مجتمع لا يُستبعد فيه أحد.
وكان البابا قد توقف، قبل وصوله إلى كاسافالي، في دار لإقامة الكهنة المسنين تحمل اسم المطران خاسينتو فيرا، حيث التقى نحو عشرين كاهنًا، وشكرهم على سنوات خدمتهم، مؤكدًا قيمة الحياة الإنسانية حتى عندما تصبح هشة بسبب التقدم في العمر أو المرض.
وانتقل البابا بعد ذلك إلى الجامعة الكاثوليكية في الأوروغواي، حيث التقى أساتذة وطلابًا ومسؤولين عن مؤسسات تربوية، بحضور الكاردينال دانيال ستورلا، رئيس أساقفة مونتفيديو، والأب اليسوعي خوليو فرنانديز تيشيرا، رئيس الجامعة.
وفي كلمته، أشاد البابا برسالة التعليم الكاثوليكي، مستذكرًا زيارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني إلى الجامعة قبل أكثر من 38 عامًا، ومؤكدًا أن التربية لا تقتصر على نقل المعارف والمهارات، بل تهدف إلى تنمية الإنسان بصورة متكاملة، ومساعدته على اكتشاف كرامته ومسؤوليته تجاه الآخرين والعالم.
واختار البابا الحواس الإنسانية الخمس مدخلًا للتأمل في رسالة التربية، متوقفًا عند أهمية التأمل والإصغاء والحكمة واللقاء الإنساني، ومشددًا على أن التعليم ينبغي أن يفسح المجال للصمت والتمييز والتفكير العميق، في عالم تتزايد فيه المشتتات وتتراجع فيه القدرة على الانتباه.
وحذر من الاستخدام غير المسؤول للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، داعيًا المؤسسات التعليمية إلى وضع الإنسان قبل الخوارزمية، وإلى الجمع بين الذكاء التقني والعاطفي والاجتماعي والروحي والبيئي. وأوضح أن جمع المعلومات وحده لا يصنع الحكمة، ما لم يقترن بالتمييز والتأمل وفهم السياقات.
كما توقف عند الحروب والعنف وثقافة الإقصاء، مؤكدًا أن التربية الكاثوليكية مدعوة إلى تنشئة أشخاص يصنعون السلام ويحترمون كرامة كل إنسان، بعيدًا عن اختزال قيمته في إنتاجيته أو قدراته الاقتصادية. وشدد على ضرورة احترام الحياة الإنسانية في جميع مراحلها وظروفها، ورفض التعامل مع الأشخاص الضعفاء أو غير المنتجين بوصفهم عبئًا يمكن الاستغناء عنه.
ودعا المؤسسات التعليمية إلى الانفتاح على العائلات والمجتمع المدني والسلطات والقطاعات المهنية، وإلى الإصغاء إلى احتياجات الأجيال الجديدة، ومواكبة التحولات المتسارعة دون التخلي عن القيم الأساسية للتربية المسيحية. وفي ختام اللقاء، بارك البابا الحاضرين، وظهر عند إحدى نوافذ الجامعة لتحية الموجودين في ساحتها، قبل أن يوقع سجل الشرف ويكشف عن لوحة تذكارية لزيارته.
واختتم البابا يومه بأمسية صلاة في ملعب سنتيناريو بالعاصمة مونتفيديو، شارك فيها، بحسب تقديرات السلطات المحلية التي نقلها إعلام الفاتيكان، نحو 70 ألف شخص داخل الملعب، فيما تابع نحو 30 ألف آخرين الاحتفال من محيطه عبر شاشات عملاقة. وشهدت الأمسية أجواء من الصلاة والترانيم والشهادات الإيمانية، وسط مشاركة واسعة للشباب والعائلات، رغم انخفاض درجات الحرارة.
وفي كلمته، تناول البابا واقع الإيمان المسيحي في مجتمع تتراجع فيه الممارسة الدينية، مشجعًا المؤمنين على عدم قياس حيوية الكنيسة بعدد أعضائها أو بحجم حضورها الاجتماعي وحده، بل بقدرتها على الشهادة للمسيح ونقل نوره إلى الآخرين.
واستحضر صورة بيت لحم، المدينة الصغيرة التي اكتسبت مكانتها من ميلاد السيد المسيح فيها، ليؤكد أن الجماعات المسيحية الصغيرة قادرة على حمل رسالة كبيرة، وأن قوتها لا تكمن في أعدادها، بل في أمانتها للإنجيل. وحذر من اللامبالاة الدينية ومحاولة بناء عالم يستبعد الله من حياة الإنسان، داعيًا المؤمنين إلى المحافظة على علاقتهم بالمسيح من خلال الصلاة والقداس وسر المصالحة والتأمل في الإنجيل.
وتوجه بصورة خاصة إلى الشباب، مشجعًا إياهم على عدم الخوف من اتخاذ قرارات مصيرية، بما فيها الزواج وتأسيس عائلة، وعدم التردد أمام الالتزام الدائم. كما دعا الأزواج إلى الانفتاح على الحياة، وحث الذين يشعرون بدعوة إلى الكهنوت أو الحياة المكرسة على الإصغاء إليها بشجاعة.
واستعان البابا بصورة المجوس الذين ساروا وراء النجم بحثًا عن المسيح، مؤكدًا أن المسيحيين مدعوون إلى أن يكونوا علامات تقود الآخرين إلى الله من خلال شهادتهم اليومية، وأمانتهم للحق، واستعدادهم للمغفرة وخدمة الآخرين. كما استذكر الرعاة الذين تلقوا بشرى ميلاد المسيح في ظلمة الليل، مشددًا على أن الرجاء المسيحي لا يلغي الصعوبات، بل يمنح الإنسان القدرة على مواجهتها بإيمان وثقة.
ودعا المؤمنين إلى السعي نحو القداسة وعدم الاكتفاء بإيمان شكلي أو اعتيادي، مؤكدًا أن اللقاء الحقيقي بالمسيح ينبغي أن ينعكس على القرارات والعلاقات وأسلوب الحياة. واختتم البابا كلمته بالتشديد على مركزية الإفخارستيا في الحياة المسيحية، داعيًا المؤمنين إلى العودة باستمرار إلى المسيح، خبز الحياة، وإلى تسليم حياتهم لله على مثال مريم العذراء.