موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، أن الإيمان بالله والثقة بعمله في حياة الإنسان يبقيان الجواب الأعمق أمام الحروب والأزمات والقلق الذي يعيشه العالم اليوم، مشددًا على أن «لا شيء مستحيل عند الله» وأن «لا شيء، مطلقًا لا شيء ولا أحد، يستطيع أن يفصلنا عن محبة الله».
جاء ذلك خلال ترؤسه القداس الاحتفالي بعيد العذراء سيدة الجبل في مزار سيدة الجبل ببلدة عنجرة، في محافظة عجلون، أحد مواقع الحج المسيحي المعترف بها في الأردن، بحضور شخصيات كنسية ورسمية وجموع من المؤمنين.
وفي مستهل عظته، أشار الكاردينال بيتسابالا إلى الأهمية الروحية والوطنية للمزار، مؤكدًا أن المؤمنين يجتمعون في «أحد الأماكن المقدسة في الأردن المعترف بها من قبل الكنيسة»، لافتًا إلى الاهتمام الذي يحظى به الموقع من الديوان الملكي الهاشمي وبدعم مباشر من سمو الأمير غازي بن محمد ووزارة السياحة والآثار، إلى جانب المؤمنين القادمين من مختلف أنحاء المملكة.
وتوقف البطريرك عند الاستعدادات الجارية للاحتفال عام 2030 بيوبيل مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح، مؤكدًا أن الأردن يحمل رسالة روحية تتجاوز حدوده الجغرافية. وقال إن موقع المعمودية «مكان للإيمان والروحانية ليس لنا فقط، بل للعالم كله»، مشددًا على أن الكنيسة في الأردن ستواصل العمل من أجل تعزيز دعوة هذه الأرض باعتبارها «أرض إيمان وملتقى للتاريخ والحضارات». وأضاف أن الاحتفال بعيد سيدة الجبل يشكل مناسبة لرفع الصلاة من أجل الأردن والعائلات والكنيسة، وطلب شفاعة العذراء كي ترافق أبناء البلاد في مسيرتهم الإيمانية والوطنية.
وتأمل الكاردينال في حدث بشارة الملاك للعذراء مريم، معتبرًا أن الرسالة الأولى التي يقدمها الإنجيل هي الإيمان بأن الله قادر على صنع ما يبدو مستحيلًا في نظر البشر. وأشار إلى أن الإنجيل يعرض حالتين تبدوان مستحيلتين من الناحية البشرية: حبل العذراء مريم دون أن تعرف رجلًا، وحبل أليصابات المتقدمة في السن بعد سنوات طويلة من العقم، موضحًا أن الله أظهر قدرته على أن «يُزهر الحياة حيث لم يعد ممكنًا أن تولد الحياة».
وقال إن الإنسان المعاصر يعيش في زمن التقدم العلمي والتكنولوجي، حيث أصبح قادرًا على إنجاز أمور كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات قليلة، ما دفع الكثيرين إلى الثقة المطلقة بقدراتهم البشرية والشعور بأنهم قادرون على التحكم بمصيرهم.
وأضاف: «لكن مرضًا يصيب شخصًا نحبه، أو موتًا مفاجئًا، أو حربًا مدمرة، تكفي جميعها لتنهار أوهام القوة هذه»، مشيرًا إلى أن الإنسان يكتشف فجأة هشاشته وعجزه أمام الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والمستقبل. وأكد أن الإنجيل يدعو المؤمنين إلى رفع أنظارهم نحو الله وعدم الاكتفاء بالاعتماد على القدرات البشرية، موضحًا أن الإيمان لا يعني الهروب من الواقع، بل العيش فيه برجاء مسيحي حقيقي.
وقال: «الإيمان هو الاعتراف بأن يد الله الخفية ما تزال تعمل وتصل إلى حيث لا يستطيع الإنسان أن يصل»، مضيفًا أن الإيمان يعني أيضًا الإصغاء والثقة والتسليم لله حتى في أكثر الظروف صعوبة وثقلًا. وشدد على أن الاضطرابات التي يشهدها العالم اليوم لا ينبغي أن تمحو يقين المؤمنين بأن الله لا يترك أبناءه وحدهم، مؤكدًا أن حضور الله في حياة الإنسان يمنحه القدرة على مواصلة السير رغم الألم وعدم اليقين.
وأضاف: «الصعوبات الحالية وحالة الضياع التي ترافقها يجب ألا تلغي يقيننا الراسخ بأن الله لا يتخلى عن الذين يحبونه وأننا لسنا وحدنا». ودعا المؤمنين إلى تجديد إيمانهم بعناية الله وعمله الخلاصي، مرددًا مع إنجيل مرقس: «أؤمن يا رب، فأعن عدم إيماني».
وفي المحور الثاني من عظته، توقف الكاردينال بيتسابالا عند مثال العذراء مريم باعتبارها نموذجًا للصبر والثقة بمواعيد الله، مؤكدًا أن أعمال الله لا تتحقق بصورة فورية، بل تحتاج إلى زمن طويل من النمو والنضج.
وقال إن مريم علمت الكنيسة أهمية الدخول في «زمن الحمل والانتظار»، وهو زمن يتطلب الصمت والصبر والإصغاء والثقة، موضحًا أن الإنسان المعاصر أصبح معتادًا على السرعة والحصول على كل شيء بشكل فوري، حتى بات يظن أن الحلول والشفاء وتجاوز الأزمات يجب أن تتحقق في اللحظة نفسها. وأضاف أن «زمن الله يمتد على فترات طويلة، ويحفر في العمق ويضع أسسًا متينة»، مشيرًا إلى أن الثمار الحقيقية تحتاج إلى وقت كي تنضج.
وتأمل في مسيرة العذراء خلال فترة حملها بالمسيح، معتبرًا أنها كانت مسيرة امتلأت بالإيمان والصلاة والإصغاء، ما مكّنها من رؤية عمل الله في الأشخاص والأحداث من حولها، سواء في حياة أليصابات أو في حياة القديس يوسف.
وفي ضوء الحروب والصراعات التي يشهدها العالم، قال البطريرك إن كثيرين يشعرون اليوم بالضياع لأنهم لا يفهمون ما يجري حولهم ولا يمتلكون تفسيرًا واضحًا للأحداث المأساوية التي يعيشها البشر. وأوضح أن الإنجيل يدعو المؤمنين إلى منح الزمن فرصة كي يكشف معاني الأحداث، لأن الفهم الحقيقي لا يأتي دائمًا بشكل فوري، بل ينضج تدريجيًا في ضوء الصلاة والتأمل والإصغاء إلى الله.
وقال: «اليوم لا نفهم كل شيء، ولسنا قادرين على تفسير ما يحدث في هذا العالم الممزق بالحروب والكراهية»، مضيفًا أن الإنسان يحتاج إلى أن يسمح للوقت بأن يكشف له حضور الله وعمله وسط الأحداث. وأكد أن المؤمن مدعو إلى تنمية «ذكاء القلب» من خلال الإصغاء إلى صمت الله، والثقة بأن الأحداث التي تبدو اليوم غامضة ستكتسب معناها في ضوء الإيمان مع مرور الزمن.
وفي ختام عظته، شدد الكاردينال بيتسابالا على أن العلاقة بالله لا يمكن أن تهتز حتى في أحلك الظروف، مؤكدًا أن محبة الله تبقى ثابتة رغم المآسي والتجارب.
وقال: «إن اليقين بأن لا شيء سيفصلنا عن محبة الله، والثقة بأمانته، لا يمكن أن يتزعزعا»، مضيفًا أن سر البشارة ليس حدثًا بعيدًا عن حياة المؤمنين اليومية، بل هو صورة للعلاقة المستمرة بين الله والإنسان. وأكد أن الله ما يزال يرغب في التدخل في حياة البشر وصنع الجديد فيها، لكنه ينتظر من الإنسان أن يفتح قلبه ويقول له «نعم» كما فعلت العذراء مريم.
واختتم بدعوة المؤمنين إلى طلب نعمة الثقة بالله وبعمله في العالم، مؤكدًا أن هذه الثقة قادرة على أن تمنح حياة جديدة كما منح الله الحياة في أحشاء العذراء مريم، وكما أخرج الحياة من القبر الفارغ يوم القيامة. وقال: «يد الإنسان أعطت الموت، لكن يد الله وحدها استطاعت أن تعيد الحياة»، داعيًا الجميع إلى أن يجددوا، مع العذراء مريم، تسليم حياتهم لمخطط الله بثقة ورجاء.