موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٥ مارس / آذار ٢٠٢٦
الكاردينال بيترو بارولين: الحروب الوقائية تُهدّد بإشعال العالم
حاوره أندريا تورنيلي

ترجمة موقع أبونا :

 

قال الكاردينال بيترو بارولين، أمين سرّ دولة حاضرة الفاتيكان، «إنّ تآكل القانون الدولي أمرٌ مقلقٌ للغاية: فقد حلّت القوة مكان العدل؛ واستُبدلت قوّة القانون بقانون القوّة». وفي مقابلة أجراها الأربعاء مع وسائل إعلام فاتيكانية حول الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، أعرب عن قلقه من أنّ «تعدّدية الأقطاب، التي تتّسم بأولوية القوّة والانكفاء على الذات، آخذة في الترسّخ بشكلٍ خطير».

 

 

صاحب النيافة، كيف تعيشون هذه الساعات العصيبة؟

 

بكثيرٍ من الحزن، لأن شعوب الشرق الأوسط -بما في ذلك المجتمعات المسيحية الهشّة أصلًا- قد انزلقت مجدّدًا إلى أهوال الحرب، التي تحطّم حياة البشر بوحشية، وتخلّف الدمار، وتجرّ أممًا بأكملها إلى دوّامات عنفٍ ذات مآلات غير مؤكدة. يوم الأحد، في صلاة التبشير الملائكي، تحدّث البابا عن «مأساة ذات أبعاد هائلة» وعن خطر «هاوية لا يمكن إصلاحها». وهي كلماتٌ بليغة بما يكفي لوصف اللحظة التي نمرّ بها.

 

 

ما رأيكم في الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران؟

 

أؤمن أنّ السلام والأمن ينبغي تنميتهما والسعي إليهما من خلال الإمكانات التي تتيحها الدبلوماسية، ولا سيّما الدبلوماسية التي تُمارس ضمن الأطر المتعدّدة الأطراف، حيث تتاح للدول إمكانية حلّ النزاعات بغير إراقة دماء وبصورةٍ أكثر عدلًا.

 

بعد الحرب العالمية الثانية، التي أودت بنحو ستين مليون قتيل، أراد الآباء المؤسسون، من خلال إنشاء الأمم المتحدة، أن يجنّبوا أبناءهم أهوال ما عاشوه هم أنفسهم. ولهذا سعوا، في ميثاق الأمم المتحدة، إلى وضع توجيهاتٍ واضحة لإدارة النزاعات.

 

اليوم، يبدو أنّ تلك الجهود قد أُهدرت. بل إنّ البابا ذكّر السلك الدبلوماسي في مطلع العام بأن «دبلوماسيةً تعزّز الحوار وتسعى إلى توافقٍ بين الجميع تُستبدل بدبلوماسية القوّة، سواء من أفرادٍ أو مجموعات حلفاء»، وأنّ البعض يظنّ أنّ السلام يمكن السعي إليه «بوسائل السلاح».

 

وعند الحديث عن أسباب الحرب، من المعقّد تحديد من هو على حق ومن هو على خطأ. غير أنّ المؤكّد أنّ الحرب ستخلّف دائمًا ضحايا ودمارًا، فضلًا عن آثارٍ مدمّرة على المدنيين. لذلك يفضّل الكرسي الرسولي التذكير بضرورة استخدام جميع الأدوات التي تتيحها الدبلوماسية لحلّ النزاعات بين الدول. فقد علّمتنا التجربة التاريخية أنّ السياسة وحدها -عبر العمل الجاد في التفاوض ومراعاة توازن المصالح- قادرة على تعزيز الثقة بين الشعوب، ودفع التنمية، وصون السلام.

 

 

بُرّر الهجوم بالحؤول دون إنتاج صواريخ جديدة، أي «حرب وقائية»

 

كما ينصّ ميثاق الأمم المتحدة، لا يُلجأ إلى القوّة إلا كملاذٍ أخير وخطير للغاية، بعد استنفاد جميع أدوات الحوار السياسي والدبلوماسي، وبعد تقييمٍ دقيق لحدود الضرورة والتناسب، استنادًا إلى تحقّقٍ صارم وأسبابٍ راسخة، ودائمًا ضمن إطار حوكمةٍ متعدّدة الأطراف.

 

وإذا ما أُقرّ للدول بحقّ «الحرب الوقائية» وفق معاييرها الذاتية ومن دون إطارٍ قانوني فوق وطني، فإنّ العالم بأسره يعرّض نفسه لخطر الاشتعال. إنّ هذا التآكل في القانون الدولي مقلقٌ حقًا: فقد حلّت القوة مكان العدل؛ واستُبدلت قوّة القانون بقانون القوّة، مع الاعتقاد بأنّ السلام لا يمكن أن ينشأ إلا بعد القضاء على العدو.

 

 

ما وزن التظاهرات الشعبية الواسعة التي شهدتها إيران في الأسابيع الأخيرة وقُمعت بعنف؟ هل يمكن تجاهلها؟

 

بالتأكيد لا؛ فقد شكّلت هي الأخرى مصدر قلقٍ عميق. ينبغي أخذ تطلّعات الشعوب بعين الاعتبار وضمانها ضمن إطارٍ قانوني يتيح للجميع التعبير بحرية وعلانية عن آرائهم - وهذا ينطبق أيضًا على الشعب الإيراني العزيز. وفي الوقت عينه، يمكن أن نتساءل عمّا إذا كان أحدٌ يعتقد حقًا أنّ الحلّ يمكن أن يأتي عبر إطلاق الصواريخ والقنابل.

 

 

لماذا يشهد القانون الدولي والدبلوماسية هذا التراجع اليوم؟

 

ما فُقد هو الوعي بأنّ الخير العام يعود بالنفع على الجميع حقًا - أي إنّ خير الآخر هو أيضًا خيرٌ لي، وبالتالي تتحقق العدالة والازدهار والأمن بقدر ما يستفيد منها الجميع. إنّ هذا المبدأ يشكّل أساس إنشاء النظام المتعدّد الأطراف، وكذلك مشروعٍ طموح مثل الاتحاد الأوروبي. وقد ضعف هذا الوعي، ومعه تنامى السعي إلى المصالح الخاصة.

 

ولهذا تبعاتٌ أخرى: فالنظام الدبلوماسي المتعدّد الأطراف في العلاقات بين الدول يمرّ بأزمةٍ عميقة، من جملة أسبابها انعدام الثقة الذي تكنّه الدول للقيود القانونية التي تحدّ من حركتها. وهذا الموقف يمثّل الوجه الآخر لإرادة القوّة: الرغبة في التصرّف بحرية وفرض نظامٍ خاص على الآخرين، وتجنّب الجهد الدؤوي -وإن كان نبيلًا- للعمل السياسي القائم على النقاشات والمفاوضات وتحقيق مكاسبٍ للذات وتقديم تنازلاتٍ للغير. إنّ تعدّدية قطبية تتّسم بأولوية القوّة والانكفاء على الذات آخذةٌ في الترسّخ بشكلٍ خطير.

 

وللأسف، تُعاد التساؤلات حول مبادئ أـساسية مثل حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وسيادة الدول على أراضيها، والقواعد الناظمة للحرب ذاتها (قانون النزاعات المسلحة). كما يُشكَّك في مجمل القانون الدولي المتراكم في مجالات نزع السلاح، والتعاون الإنمائي، واحترام الحقوق الأساسية، والملكية الفكرية، والتجارة والعبور، ويجري تهميشه تدريجيًا.

 

وقبل كل شيء، يبدو أنّ الوعي بما كتبه إيمانويل كانط عام 1795 قد تلاشى: «إنّ انتهاك الحق في جزءٍ من العالم يُشعر به في جميع أجزائه». والأخطر، في بعض الجوانب، هو الاحتكام إلى القانون الدولي بحسب ما يلائم المصالح الخاصة.

 

 

إلى ماذا تشيرون؟

 

أشير إلى أنّ هناك حالاتٍ يستنفر فيها المجتمع الدولي ويعبّر عن غضبه ويتحرّك، وأخرى لا يفعل فيها ذلك -أو يفعل بصورةٍ أضعف بكثير- بما يعطي الانطباع بأنّ ثمة انتهاكاتٍ يُعاقَب عليها وأخرى يُتسامَح معها، وضحايا مدنيين يُرثى لهم وآخرين يُنظر إليهم على أنّهم «أضرار جانبية».

 

لا يوجد قتلى من درجة أولى وآخرون من درجة ثانية، ولا أناس يملكون حقًا في الحياة أكثر من غيرهم لمجرّد أنهم وُلدوا في قارةٍ دون أخرى أو في بلدٍ بعينه. وأودّ التذكير بأهمية القانون الدولي الإنساني، الذي لا يجوز أن يتوقّف احترامه على الظروف أو على المصالح العسكرية والاستراتيجية. ويؤكد الكرسي الرسولي بقوة إدانته لكل أشكال إشراك المدنيين والمنشآت المدنية -كالمنازل والمدارس والمستشفيات وأماكن العبادة- في العمليات العسكرية، ويطالب بصون مبدأ حرمة الكرامة الإنسانية وقدسية الحياة دائمًا.

 

 

ما الآفاق القريبة لهذه الأزمة الجديدة؟

 

آمل وأصلّي أن يُصغى إلى نداء المسؤولية الذي وجّهه البابا لاون الرابع عشر يوم الأحد، وأن ينفذ إلى قلوب صانعي القرار. وأرجو أن يخفت قريبًا صخب السلاح وأن نعود إلى طاولة التفاوض.

 

لا يجوز إفراغ المفاوضات من معناها: من الضروري منحها الوقت اللازم لتحقيق نتائج ملموسة، والعمل بصبرٍ وتصميم. كما ينبغي الإقرار بأنّ النظام الدولي تغيّر بعمق عمّا كان عليه قبل ثمانين عامًا عند تأسيس الأمم المتحدة.

 

ومن دون حنينٍ إلى الماضي، يجب مقاومة كل مسعى لنزع الشرعية عن المؤسسات الدولية، وتعزيز القواعد فوق الوطنية التي تساعد الدول على حلّ نزاعاتها سلميًا عبر الدبلوماسية والسياسة.

 

 

ما الرجاء في مواجهة كل ذلك؟

 

المسيحيون يرجون لأنهم يثقون بالله الذي صار إنسانًا، والذي أمر بطرس في الجسمانية أن يُعيد سيفه إلى غمده، والذي اختبر على الصليب بنفسه فظائع العنف الأعمى والعبثي. وهم يرجون أيضًا لأنه، رغم الحروب والدمار واللايقين والشعور الواسع بالضياع، لا تزال ترتفع من أنحاء كثيرة في العالم أصوات تنادي بالسلام والعدالة. إنّ شعوبنا تطلب السلام! وهذا النداء ينبغي أن يهزّ قادة الأمم وكل العاملين في مجال العلاقات الدولية، ويدفعهم إلى مضاعفة جهودهم من أجل السلام.