موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
منذ بداية منتصف القرن العشرين أنعم الله على المسيحيين ودعاة السلام والإنفتاح بكوكبة من الباباوات الذين أثروا بآرائهم ومواعظهم الكنيسة الكاثوليكية وأرسوا منافذ جديدة وحقيقية نحو الإنفتاح على باقي الكنائس والأديان والمعتقدات الإيمانية في العالم، هذه النزعة اللاهوتية الجديدة ومن خلال مساهمة بعض الشخصيات الرائدة في مسائل الحوار الديني من أمثال لويس ماسينيون الذي لقبه البابا بولس السادس بالكاثوليكي المسلم، والمستشرق لويس غارديه ومكسيموس الرابع تطورت بشكل أساسي وجوهري لتصبح نظرة لاهوتية منفتحة على العالم وعلى الأديان والثقافات وذلك من خلال إصدار وثيقة الفاتيكان الرئيسية في علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالأديان الأخرى "نوسترا أيتايتي"(Nostra Aetate) الصادرة عام 1965، والتي جاء فيها :
"تنظر الكنيسة بتقدير إلى المسلمين أيضا، الذين يعبدون الله الواحد، الحيّ القيّوم، الرّحمن القدير بارئ السّماء والأرض، ومكلّم النّاس. ويسعون بقصارى ما أوتوا لمراعاة أحكام الله، وإن خفيت مقاصده، كما سلّم له إبراهيم الذي يفخر الدّين الإسلامي بالانتساب إليه. وإن كانوا لا يقرّون بيسوع إلهاً فإنهم يجلّونه نبيّاً، ويكرمون أمّه العذراء مريم، مبتهلين إليها أحيانا بإيمان. فضلا عن ترقّبهم يوم الدّين، الذي يجازي فيه الله جميع النّاس حين يبعثون. من أجل هذا يقدرون الحياة الأبدية، ويعبدون الله بأداء الصّلاة والصّدقة والصّوم. ولئن نشبت عبر الزّمن كثير من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجْمَع يحرّضهم سوياً على التغاضي عن ذلك، والعمل بإخلاص وصدق لغرض التّفاهم، وأن يحموا ويعزّزوا معا العدالة الاجتماعية، والقيم الرّوحية، والسّلام والحرّية، من أجل جميع النّاس".
تبع هذه الوثيقة فيما بعد عدة بيانات لاهوتية مثل البيان اللاهوتي الذي قدمه لويه غارديه سنة 1966، وقد أشار فيه إضافة إلى ضرورة دعوة المسلمين والمسيحيين إلى تبديل الأفكار الزائفة وتغيير سوء التفاهم المتبادل بينهما، إلى موضوع عظمة وسمو الله تعالى والعلاقة بين الله والإنسان وبين الله والعالم، كما يعتبر موقف الكنيسة الرسمي مشجعاً لاستتباب السلام في العالم ومناصرة الحقوق المشروعة للشعوب، كما تضاف الى قائمة المساهمات الكنسية من أجل السلام في العالم أو في بلاد الشرق الأوسط ما جاء في الإرشاد الرسولي الأخير الذي وقع في بيروت سنة 2012 والذي جاء فيه : "من إنَّ مفهومَ السَّلام، وفقاً للكتاب المُقَدَّس، ليس مجرَّدَ اتّفاقٍ أو معاهدةٍ تسمح بعيش حياةٍ هادئةٍ مطمئنةٍ، ولا يمكن أن يقتصر تحديدُه على غيابِ الحربِ وحسب. السَّلام يعني أن نكون كاملين، محميِّين من الأذى، يعني تحقيق شيء ما لبلوغ الطُّمأنينة التّامَّة. السَّلام هو حالة الإنسان الَّذي يعيش بتناغم مع الله، ومع ذاته، ومع قريبه ومع الطَّبيعة. السَّلام باطنيِّ قبل أن يكون ظاهريَّاً. إنَّه نِعْمَة. إنَّه تَوقٌ إلى واقع ما. السَّلام أمر منشود كثيرا لدرجة أنَّه تَحَوَّل، في الشَّرق الأوسط، إلى تحيِّة، والسَّلام أيضاً هو عدالة".
يمكن القول بشكل عام بأن توجه الانفتاح على الأديان الأخرى والدعوة إلى بناء أسس للسلام لم يكن أمرا شخصيا حددته شخصية البابا بمقدار ما كان اتجاهاً عاماً للكنيسة الكاثوليكية منذ منتصف الستينيات، وخير دليل على ذلك هو أن حظوظ الباباوات اللاحقين من هذا التفاعل كانت واضحة وفاعلة، فنذكر في هذا الشأن البابا يوحنا الثالث والعشرون والبابا بولس السادس اللذين أنجزا في عهدهما وثيقة الفاتيكان الثانية التي سبق ذكرها، والتي فتحت الباب للحوار والتعاون مع الأديان الأخرى، خاصة الإسلام واليهودية. كما جاء من هذه الكوكبة الكاثوليكية البابا يوحنا بولس الثاني فلا ننسى دوره من أجل دعم السلام العالمي والمساهمة الحقيقية في إقصاء الشيوعية عن بولونيا وعن سائر بلاد أوروبا الشرقية، ولا ننسى على صعيد العلاقات الاسلامية المسيحية من أنه البابا الأول في تاريخ الكنيسة الذي جال العالم شرقا وغربا وخلع نعليه على عتبة مسجد وسأل الصفح والغفران عن أخطاء وخطايا الماضي تجاه العالم العربي والإسلامي شفاهة في العديد من المناسبات والزيارات التي قام بها. وقد خص لبنان في زيارته سنة 1997، حيث يذكر بأنه أشار الى لبنان في خلال حبريّته الطويلة التي دامت سبعة وعشرين عامًا، أكثر من ثلاثمئة وثلاث وثلاثين مرّة، وردت ضمن نصوص كاملة عنه. ووصف البابا يوحنا بولس الثاني لبنان بأنه "أكثر من بلد، إنّه رسالة حرّية وتعدّدية للشرق والغرب"، كما لم ينس المسلمون دعوته المسيحيين في العالم بصيام آخر يوم جمعة من رمضان تضامناً مع المسلمين. ثم تسارعت وتيرة الإنفتاح الفاتيكاني مع تولي البابا فرنسيس على الكرسي الرسولي خلفاً للبابا يوحنا بولس الثاني، ففي عهده أقرت أول وثيقة عالمية تجاوزت ببعدها الإنساني وثيقة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وهي وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعت بين أعلى قمتين روحيتين في الإسلام والمسيحية البابا فرنسيس والشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر.
بعد أن فقد العالم أحد أبرز القادة الروحيين في العصر الحديث، البابا فرنسيس، تاركاً إرثاً إنسانياً ودينياً استثنائياً، ارتفعت الأمنيات للمسيحيين والمسلمين على حد سواء بأن يخلفه على الكرسي الرسولي شخصية تتمتع بصفات مماثلة من أجل أن يستمر المؤمنون في التعاون والتحاور والإيمان بالقيم الإنسانية التي توحدنا جميعاً والتي نستقي منها تعاليم ديانتينا الإسلامية والمسيحية ونربي عليها أجيالنا القادمة، المتشوقة للسلام والمؤمنة بعبثية الحروب وبأحقية الشعوب في تحرير أراضيها وتقرير مصيرها، فجاء الإختيار على البابا لاوون الرابع عشر، الذي أعرب عن زيارته المرتقبة إلى لبنان بين 30 تشرين الثاني و2 كانون الأول 2025، حيث يأتي الأعلان عن هذه الزيارة في وقت يحتاج فيه لبنان، المعروف بتنوعه الثقافي والديني، إلى دعمٍ معنوي واضح، وفهم عميق لأهمية التعاون والتعايش بين الأديان من أجل الحفاظ على كينونته التي ارتضاها المسلمون والمسيحيون على حد سواء ليكون وطنياً نهائياً لهم رغم كل الصعاب والحروب والفتن.
تُعتبر هذه الزيارة مناسبة تعكس روح الحوار والتسامح، وأملاً جديداً رحبت بها المرجعيات الدينية كافة سواء من المسلمين أو المسيحيين. من أهم الرسائل التي نتمنى أن يحملها البابا خلال زيارته، مواجهة خطاب التطرف وتعزيز ثقافة السلم، مما يشجع على الحوار وإعادة بناء الثقة بين الأديان، وعلى التأكيد على دور لبنان كأرض رسالة، حيث يمكن للتنوع الثقافي والديني أن يتحول إلى مصدر غنى، بدلاً من كونه سببًا للصراع.
علاوة على ذلك، نأمل أن تركز زيارة البابا على تعزيز الحوار الإسلامي المسيحي كخيار استراتيجي، وعلى تأكيد عمق مبادرتنا التي تحدثت بها معه شخصياً خلال استقباله لنا في الفاتيكان في شهر تشرين الأول من هذا العام وهي المبادرة التي أطلقناها في لبنان في تكريس عيد بشارة العذراء مريم عليها السلام يوم 25 عيداً وطنياً مشتركاً بين المسلمين والمسيحيين. والتي نأمل أن يساعدنا على نشرها وتعميمها على كافة الدول المتعددة الأديان، المسيحية والإسلامية على وجه الخصوص.
نتمنى، مسيحيين ومسلمين، أن يكون هذا الحدث المرتقب انتقالًا ملحوظًا في مسيرة لبنان نحو السلام والوحدة، وفرصة تاريخية للإصلاح والتجديد. إذا تمكن اللبنانيون من تحويل هذه الزيارة إلى نقطة انطلاق جديدة نحو التغيير الفعلي، فإنها ستبقى علامة فارقة في تاريخ البلاد، تؤكد أن لبنان قادر على السير نحو نموذج حضاري فعّال وجديد، بشرط أن يلتقط أبناؤه الرسالة ويديموا أثرها على أرض الواقع، فلبنان الذي نؤمن به هو أكبر من وطن هو رسالة حرّية وتعدّدية للشرق والغرب.