موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كنت أتردد على البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم في مقره البطريركي في دمشق في الأعياد والمناسبات. وخلال إحدى تلك الزيارات، دخلت بطريق الصدفة غرفة نومه. هل أسميها غرفة؟ متر بمترين، أو أوسع قليلاً. سرير ضيّق لا جوانب له، مركون إلى الجدار. أمامه طاولة صغيرة عليها نسخة من الانجيل المقدّس، وفوق رأسه رسم حزين لمريم العذراء.
كان البطريرك هزيم يمارس إيمانه بالحب. وكان يعالج المشاكل والصعوبات بالحب. وكان يجد طريقه إلى قلوب الآخرين بالحب. ولو كان له أعداء لأحبهم. ولكنه بالحب جعلهم أحباء له. ولقد شملني هذا الحب النوراني منذ اللقاء الأول قبل أن يتبوّأ السدّة البطريركية. يومها عرف بقصّتي مع خَلَفه البطريرك الياس الرابع من الأستاذ غسان تويني رحمه الله. فتأثّر بها. ومنذ ذلك الوقت كان يضع كل ما أكتبه وأقوله، وكل ما أعمله وأقوم به في إطار العلاقات الإسلامية المسيحية، في ميزان تلك القصّة. وحتى قبل أسابيع قليلة من انتقاله إلى ملكوت الله، وفي لقاء في مقرّه هنا في البلمند بحضور الرئيس فؤاد السنيورة والصديق الدكتور طارق متري، لم يترك المناسبة تمر من دون أن يجدّد محبّته على قاعدة تأكيده أنني لم أُخْسر الميزان..
والقصة باختصار هي أنه في عام 1974 أثناء انعقاد مؤتمر القمة الإسلامية في لاهور باكستان، التي كانت مخصّصة لقضية القدس، اتّخذ البطريرك الياس الرابع مبادرة شكلت سابقة في تاريخ القمم الإسلامية، وذلك عندما طلب أن يتحدث إلى القمة في جلستها الافتتاحية العلنية. يومها استغرب أمين عام المنظمة الدكتور حسن التهامي (من مصر) الطلب، وعارضه على أساس أنه إذا فتحت القمة الإسلامية أمام المؤيدين فاللائحة تطول كثيراً. وكان ردّ البطريرك: "أنا لا أعتبر نفسي مؤيداً للقمة الإسلامية، أنا أعتبر القمة مؤيدة لي في قضية القدس التي هي قضيتي الأولى". ومنذ ذلك الوقت أصبح بطريرك انطاكيا وسائر المشرق يلقب ببطريرك العرب.
لفتت هذه القضية يومها الإعلام الباكستاني، فطلب رئيس تحرير إحدى الصحف المحلية (Pakistan Times) إجراء مقابلة مع البطريرك.
طلب مني البطريرك الياس الرابع أن أتولى الترجمة بينه وبين الصحافي الباكستاني الذي لم يكن يتحدث إلا بالانكليزية التي لم يكن يجيدها البطريرك. وبعد انتهاء الحديث، أراد الصحافي أن يلتقط صورة للبطريرك. فأمهله حتى يلبس كامل ملابسه الكهنوتية الرسمية، ودعاني باسمي لمرافقته إلى الغرفة المجاورة لمساعدته.
ولما عدنا إلى الصالون بادرني الصحافي الباكستاني بالسؤال: "كيف تكون مسيحياً واسمك محمد؟". قلت له أنا مسلم. قال "إذاً، كيف تكون مسلماً وأنت في خدمة الكفار؟". أجبته بأنّ المسيحيين أهلَ كتاب وليسوا كفاراً، وقال عنهم القرآن الكريم بأنهم مؤمنون، وأشاد بقسيسيهم ورهبانهم ووصفهم بأنهم أقرب مودّة للذين آمنوا.
هنا قاطع البطريرك الياس الرابع حوارنا متسائلاً: "ماذا يدور بينكما من حديث؟" فلما أجبته، تولى هو المبادرة شارحاً للصحافي الباكستاني موقع المسيحية في الإسلام من خلال النص القرآني والأحاديث النبوية..
وبدا للبطريرك، ولي أيضاً، أن الصحافي قد فهم الأمر وأنه استوعب الدرس. وبعد أن إلتقط الصور للبطريرك، استأذن بالانصراف، فتمنى عليّ غبطته مرافقته إلى باب المصعد لوداعه تكريماً له، وهناك وعلى مرأى من البطريرك، ما أن وقف الصحافي الباكستاني أمام المصعد حتى تصرف معي بشكل غير لائق وتلفظ بعصبية واضحة مردداً كلمات بالأردية بدت نابية، لم نهتم لترجمتها.
تأثر البطريرك كثيراً مما حدث وقال لي: "الله ينجينا من هؤلاء المتطرفين".
حدث بعد ذلك إمران؛
الأمر الأول هو أنّ أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي حسن التهامي الذي اعترض على السماح للبطريرك بمخاطبة القمة ولقد خاطبها رغم ذلك -، كان أول مبعوث للرئيس أنور السادات إلى إسرائيل. وهو الذي تولى إعداد زيارته للقدس المحتلة التي أسفرت في ما بعد عن معاهدة كامب دافيد، وعن الصلح المصري الإسرائيلي المنفرد. وفي عام التوقيع على المعاهدة (1979) شاءت إرادة الله أن يتوفى البطريرك.
أما الأمر الثاني فهو أنّ التطرّف لم يأكل الأخضر واليابس في باكستان وحدها.. ولكن نيرانه المدمّرة وصلت إلى دول عالمنا العربي عبر أفغانستان. ولقد دفع ويدفع مسيحيو الشرق اليوم ثمن هذا التطرّف غالياً.. الأمر الذي يحملنا على أن نردد اليوم مع البطريرك: "الله ينجّينا من هؤلاء المتطرفين".
لقد عانى البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم هو نفسه أيضاً من صعود هذا التطرف، وأدرك مبكراً خطره، ليس على المسيحية المشرقية فقط، ولا على العلاقات المسيحية الإسلامية، بل حتى على الإسلام نفسه.
ولذلك دعانا إلى عقد لقاءات إسلامية مسيحية في مقره في باب توما بدمشق قبل سنوات من انفجار بركان التطرّف الذي يقذف حممه اليوم في كل اتجاه، وذلك في محاولة لاحتوائه بالحوار والتفاهم والتعاون.. وقبل كل شيء بالمحبة.
وفي تلك اللقاءات كان البطريرك هزيم يؤكد على ثوابته التي لم يتخل عن أي منها حتى اللحظة الأخيرة من عمره المديد. وفي مقدمة هذه الثوابت أن المسيحيين هم من أهل البلاد الأصليين، وأنهم قائمون ومستمرون في المنطقة بإرادة الله وبإرادتهم.
والبطريرك هزيم هو القائل وباعتزاز: "نحن هنا في الشرق في بيتنا، آمالنا هي آمال منطقتنا، ومأساتها مأساتنا إن كان هناك مأساة (اليوم نحن في مأساة)، نحن المسيحيون الأصليون، الآخرون أتوا كضيوف لنا، من المؤكد أن الماضي كان قاسياً علينا، أتت الامبراطوريات (والآن أتى التطرّف) توعّدت وهدّدت ثم رحلت (والتطرّف سيرحل) ونحن بقينا ثابتين بإيماننا، متواضعين؛ ولكن فخورين وجريئين بقناعاتنا (هكذا يجب أن تبقوا). نحن خميرة هذه الأرض (وما زلتم). نحن لسنا عدداً، لسنا كميات، نحن نشكل النوعية والقيمة". فما بال أولئك الذين يحاولون أن يصوّروا المسيحيين اليوم وكأنّهم مجرّد أقلية؟
لقد حمل مسيحيو الشرق مشعل العلم والثقافة، وأرسوا قواعد الهوية العربية، وكانوا روّاد النهضة والتحرير.
وللمسيحيين العرب اليوم "دور لا يستطيع أحد أن يلعبه، كما قال البطريرك الراحل هزيم، نحن نفسّر المسيحية للعرب، والإسلام للعالم". ومع ظاهرة التطرّف والغلو في العالم العربي فإننا نحتاج إلى هذا الدور المسيحي، تفسير المسيحية للعرب وليس الانكفاء عنهم -. ومع ظاهرة الإسلاموفوبيا في العالم فإننا نحتاج إلى هذا الدور المسيحي أيضاً، تفسير الإسلام للعالم وليس الهجرة إليه -. ولذلك لا عالم عربي من دون مسيحييه العرب. فالمسيحيون العرب والمشرقيون لا يكونون بالهجرة ولا بالانكفاء، ولكنهم كانوا وسيبقون، بإيمانهم المسيحي، وبدورهم الوطني، ملح هذه الأرض وخميرتها، وشعلة من نورها، على النحو الذي تمثله هذه الجامعة، جامعة البلمند التي أنشأها البطريرك الراحل من لا شيء.
لن ينقطع ذكر البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم مع استمرار هذه الجامعة التي أرادها أن تكون نموذجاً لدور المسيحيين العرب في العلم والثقافة وفي الانفتاح والمحبة.
أمّا التطرف بما هو إلغائي للآخر المختلف، فإنّه كالزبد يذهب جفاء.. وإن ما ينفع الناس من إيمان صادق ومن تقبّل واحترام للاختلاف والتنوّع القائم فينا والمستمر بإرادة إلهية، فإنّه يمكث في الأرض.