موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٣ يوليو / تموز ٢٠٢٦
البابا يتحدث دائمًا بصفته راعيًا

أندريا تورنييلي :

 

حتى عندما يتحدث عن الحرب والسلام، أو الهجرة، أو كيفية الحفاظ على إنسانيتنا في عصر الذكاء الاصطناعي، فإن خليفة بطرس يبقى، قبل كل شيء، قائدًا روحيًا. فكون أسقف روما، بموجب اتفاقيات اللاتران الموقعة عام 1929 والتي أنهت ما عُرف بـ«المسألة الرومانية»، هو أيضًا حاكم أصغر دولة في العالم، التي لا تتجاوز مساحتها نصف كيلومتر مربع في قلب العاصمة الإيطالية، لا يعني أنه يتصرف أو يتحدث بصفته سياسيًا عندما يتناول القضايا التي تمس شؤون البشرية.

 

وقد عبّر البابا بولس السادس عن هذا المعنى بوضوح في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4 تشرين الأول 1965، إذ قال: «إن هذا الاجتماع، كما تعلمون جميعًا، يجمع بين البساطة والعظمة في آن واحد. فهو بسيط لأن الذي يخاطبكم هو إنسان مثلكم، أخ لكم، بل واحد من أصغركم بين ممثلي الدول ذات السيادة، لأنه لا يملك -إذا أردتم النظر إلينا من هذه الزاوية- سوى سيادة زمنية صغيرة جدًا، تكاد تكون رمزية، وهي الحد الأدنى الضروري لضمان حريته في ممارسة رسالته الروحية، ولطمأنة كل من يتعامل معه بأنه مستقل عن أي سيادة أرضية».

 

وأضاف البابا، الذي كان حينها في زيارة إلى الولايات المتحدة، متحدثًا عن نفسه: «إنه لا يملك سلطة زمنية، ولا يطمح إلى منافستكم. وفي الواقع، ليس لدينا ما نطلبه، ولا قضية نثيرها، بل لدينا، في أقصى الأمر، رغبة نعبّر عنها، وإذن نلتمسه، وهو أن يُسمح لنا بأن نخدمكم في المجال الذي يدخل ضمن رسالتنا، بكل تجرد وتواضع ومحبة».

 

صحيح أنه، ومن أجل ضمان الحرية الكاملة لنائب المسيح، تقرر قبل نحو قرن أن تكون هناك بقعة صغيرة من الأرض يكون فيها أسقف روما وراعي الكنيسة الجامعة أيضًا صاحب سيادة، وبالتالي رئيسًا للدولة. غير أن هذا الترتيب كان، ولا يزال، يهدف إلى تأكيد استقلاله عن أي دولة أخرى، وليس إلى إضفاء رسالة مزدوجة عليه. ولذلك، فإن أي تمجيد أو مبالغة في إبراز دور البابا بصفته رئيس دولة، أو إعطاء هذا الدور أهمية تفوق حجمه، يعد أمرًا مضللًا، لأنه يأتي على حساب رسالته الحقيقية والوحيدة بوصفه راعيًا للكنيسة الجامعة؛ راعيًا يخاطب الكاثوليك والمسيحيين والمؤمنين وجميع ذوي الإرادة الصالحة، بهدف وحيد هو إعلان الإنجيل، برسالته القائمة على المحبة، والأخوّة، والسلام «الأعزل والمجرّد من السلاح».

 

وقد شدّد على هذا المعنى أيضًا الكاردينال جوفاني باتيستا مونتيني، رئيس أساقفة ميلانو آنذاك، في خطابه الذي ألقاه في مبنى الكابيتول في روما يوم 10 تشرين الأول 1962، عشية افتتاح المجمع الفاتيكاني الثاني. ففي حديثه عن نهاية السلطة الزمنية للكنيسة مع سقوط الدولة البابوية عام 1870، قال البابا المستقبلي: «منذ ذلك الحين استعادت البابوية، بقوة غير معهودة، رسالتها في تعليم الحياة والشهادة للإنجيل، فبلغت في قيادتها الروحية للكنيسة وفي تأثيرها الأخلاقي في العالم مكانة لم تعرفها من قبل».

 

وعندما يدعو البابا إلى احترام الحياة البشرية وحمايتها في جميع مراحلها، أو يتحدث عن السلام واضعًا خير جميع الشعوب نصب عينيه، ويدعو إلى وضع حد لسباق التسلح المجنون، بل ويتجاوز حتى مفهوم «الحرب العادلة»؛ وعندما يحث على الحوار والتفاوض مستندًا إلى تعليم الكنيسة الاجتماعي؛ وعندما يطالب بالنظر إلى المهاجرين بوصفهم أشخاصًا ينبغي استقبالهم، من دون أن تُنسى كرامتهم الإنسانية؛ وعندما يذكّر بأن الفقراء هم في قلب الإنجيل، وأن علينا بناء مجتمعات أكثر عدلًا وإنصافًا؛ وعندما يدافع عن الحق في الحرية الدينية؛ وعندما يشدد على أهمية العناية بالخليقة لكي نورثها لأبنائنا وأحفادنا، فإن خليفة بطرس لا يتحدث بصفته رئيس دولة، بل يعلن الإنجيل بكل بساطة.