موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٣ مايو / أيار ٢٠٢٦
البابا من أرض الحرائق: ليتحمّل كل واحد منا مسؤوليته والخير العام قبل مصالح القلة

أبونا :

 

في زيارة رعوية إلى بلدة أشيرا في محافظة نابولي الإيطالية، وجّه البابا لاون الرابع عشر نداءً قويًا إلى المسؤولين والسكان المحليين من أجل تحمّل المسؤولية وحماية الحياة والخليقة، في منطقة تُعرف باسم «أرض الحرائق» بسبب التلوث البيئي المستمر منذ سنوات.

 

ووصل الأب الأقدس صباح السبت، حيث التقى الأساقفة والكهنة وعائلات ضحايا التلوث في كاتدرائية القديسة مريم العذراء، تلاه لقاء آخر مع رؤساء البلديات والسكان المحليين، ركّز خلاله على البعد البيئي والأخلاقي للأزمة التي تعيشها المنطقة.

 

وتقع بلدة أشيرا في إقليم كامبانيا جنوب إيطاليا بين نابولي وكازيرتا، وهي جزء من المنطقة المعروفة باسم «أرض الحرائق»، وقد ارتبط هذا الاسم بظاهرة التخلّص غير القانوني من النفايات وحرقها في الأراضي الزراعية، ما أدى إلى تلوث بيئي واسع طال التربة والمياه وصحة السكان. ورغم طابعها الزراعي، أصبحت المنطقة خلال السنوات الأخيرة محورًا لاهتمام بيئي ورسمي بسبب تداعيات الجرائم البيئية فيها.

 

 

دموع الضحايا ومسؤولية الكنيسة

 

في اللقاء الأول، أعرب البابا عن قربه من العائلات التي فقدت أحبّاءها نتيجة التلوث البيئي، مشيرًا إلى أن هذه المأساة نتجت عن «أشخاص ومنظمات بلا ضمير عملت لفترة طويلة بلا عقاب». وأكد أنه جاء «ليجمع دموع الذين فقدوا أحبّاءهم»، وليشكر في الوقت نفسه الكنيسة المحلية التي واجهت الواقع بشجاعة ونبوة، وجمعت الناس حول الرجاء. واستحضر إرث البابا فرنسيس في رسالته العامة كن مسبحًا، داعيًا إلى قراءة الأزمة البيئية في ضوء الإيمان والمسؤولية المشتركة.

 

وفي تأمله من سفر حزقيال عن «العظام اليابسة»، قال البابا إن ما تعيشه المنطقة يشبه أرضًا فقدت خصوبتها، لكن الله قادر على إحياء ما يبدو ميتًا. وأضاف: «إذا سألنا الرب: أتحيا هذه العظام؟ فنجيب: أنت تعلم أننا نستطيع أن ننهض لأنك تمسك بأيدينا». وشدّد على أن الاختيار اليوم هو بين اللامبالاة أو المسؤولية، مؤكدًا أن أبناء المنطقة «اختاروا طريق المسؤولية والعدالة رغم الألم».

 

 

نداء إلى المسؤولين والمجتمع

 

وفي لقائه مع رؤساء البلديات والسكان، قال البابا إن وجوده في أشيرا يهدف إلى «تأكيد وتشجيع الشعور بالكرامة والمسؤولية الذي يشعر به كل قلب أمين عندما تُهدَّد الحياة بالموت». وأشار إلى أن جمال المنطقة «لا يمكن لأي ظلم أن يمحوه»، لكنه يحتاج إلى رعاية ومسؤولية أكبر.

 

وحذّر من الاستسلام للقدرية أو التذمر أو إلقاء اللوم، معتبرًا أن هذه المواقف تُغذّي اللاشرعية وتؤدي إلى «تصحّر الضمائر». ودعا الجميع إلى اختيار العدالة وخدمة الحياة، قائلاً: «ليتحمل كل واحد منا مسؤوليته، فالخير العام يأتي قبل مصالح القلة».

 

وأكد البابا أن طريق التجدد يبدأ من التربية، داعيًا إلى تعليم الشباب والكبار معًا، لأن «كل شخص لديه ما يعطيه، لكن عليه أولًا أن يتعلم كيف يستقبل». وشدد على أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى «تحول في الذهنية الاقتصادية والمدنية وحتى الدينية»، إضافة إلى تعاون واسع بين المؤسسات والمجتمع. كما دعا إلى حماية الخليقة «كما نحرس باب بيتنا»، محذرًا من أن أنماط النمو غير المنضبطة تسببت في «تلوث الأرض والمياه والهواء والعلاقات الإنسانية».

 

وختم البابا لاون الرابع عشر كلمته بالدعوة إلى بناء «عهد جديد» يقوم على الوعي والالتزام والعمل المشترك، قائلاً إن الطريق يبدأ من كل شخص ومن المكان الذي يعيش فيه. وأضاف: «مشكلات هذا البيت هي مشكلاتنا، وجماله هو جمالنا… نحن مدعوون لأن نسهر كحراس في الليل، لنكون من الذين يشهدون الفجر الجديد».