موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٤ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٦
البابا للشباب: احملوا إلى المسيح جراحكم وجراح العالم المنقسم
في رسالته لليوم العالمي للشبيبة، لاون الرابع عشر يدعو الشباب إلى الشجاعة والتواضع وفتح القلوب للمسيح

أبونا :

 

دعا البابا لاون الرابع عشر الشباب في مختلف أنحاء العالم إلى فتح قلوبهم للمسيح، وحمل أسئلتهم وجراحهم إليه، إلى جانب الجراح التي تمزق المجتمعات وتضع البلدان في مواجهة بعضها بعضا، مؤكدًا أن الشجاعة المسيحية لا تنبع من القوة الشخصية، بل من الثقة بالمسيح ومحبته القادرة على مواجهة الخوف والانقسامات.

 

وجاءت دعوة البابا في رسالة صدرت بمناسبة اليوم العالمي الحادي والأربعين للشبيبة، الذي تحتفل به الكنائس المحلية في 22 تشرين الثاني 2026، بالتزامن مع عيد يسوع المسيح ملك الكون. وتتطلع الرسالة أيضًا إلى اليوم العالمي للشبيبة في سيول بكوريا الجنوبية، من 3 إلى 8 آب 2027، تحت شعار "ثقوا إني قد غلبت العالم" (يوحنا 16: 33).

 

وكتب البابا مخاطبًا الشباب: "احملوا إلى المسيح أسئلتكم وجراحكم، وكذلك التي تمزق مجتمعاتكم وتجعل بلدانكم تصارع بعضها بعضًا. احملوا إليه هذه الخليقة التي تئن وتتألم، وصرخة الأرض والفقراء التي علمنا البابا فرنسيس أن نصغي إليها. شاركوا يسوع أفراحكم وآمالكم".

 

 

من أين تأتي الشجاعة؟

 

توقف البابا عند المخاوف والضغوط التي يواجهها الشباب، من القلق بشأن المستقبل والحاجة المستمرة إلى النجاح والظهور بمظهر مثالي، إلى المقارنة بالآخرين وبالنماذج المصطنعة التي تروج لها وسائل التواصل الاجتماعي. وأشار إلى أن تراكم الصور الرقمية قد يجعل من الصعب على الشباب اكتشاف هويتهم وقبولها، فيما تزداد الحاجة إلى علاقات إنسانية صادقة في عالم تستطيع فيه التكنولوجيا تقليد التعاطف، لكنها لا تستطيع أن تحل محل القرب الإنساني الأصيل.

 

وشبّه البابا هذه المخاوف بما اختبره التلاميذ عندما كانوا في قارب صغير وسط بحيرة مضطربة، قبل أن يأتي يسوع إليهم قائلا: "أنا هو، لا تخافوا!". وأكد أن المسيح يسبق الإنسان في البحث عنه، حتى وسط اضطرابات الحياة.

 

وقال: "فالشجاعة المسيحية لا تأتي أولا من قوتنا، بل من حضوره هو»، مشددا على أن المسيح لا يعد أتباعه بحياة خالية من العواصف، لكنه لا يتركهم في مواجهتها وحدهم، إذ «لا ظلمة ولا ألم أقوى من محبته".

 

 

شجاعة من أجل الحياة والسلام

 

وأوضح البابا أن انتصار المسيح على العالم لا يعني الانتصار على الخليقة التي أحبها الله، بل على عالم الظلمات الذي يقاوم الله ويعارضه. ومن خلال موته وقيامته، فتح المسيح أمام البشرية الطريق إلى السعادة والعدل والسلام.

 

وفي هذا السياق، شدد على أن الشجاعة المسيحية ليست موجهة ضد الآخرين، بل هي شجاعة من أجل الحياة والحقيقة والحرية والعدل. وقال إن المسيح لا يدعو الشباب إلى الهروب من العالم، وإنما إلى النظر إليه بعينيه ولمسه بمحبته.

 

وتحدث البابا عن عالم جريح بالمظالم والتوترات والمخاوف، حيث يتطلع كثيرون إلى السلام لكنهم يواجهون العنف، ويرغبون في الوحدة فيما يختبرون العزلة. ودعا المسيحيين إلى الاقتداء بشجاعة المسيح الوديعة، قائلاً إنها تعني "الشجاعة ليكونوا محبين حين تبدو القسوة أسهل وأكثر حسمًا، والشجاعة ليبحثوا عن السلام حين يبدو الصدام أكثر منفعة، والشجاعة ليحافظوا على الرجاء حين يبدو الانتقام أكثر إقناعًا".

 

 

الانتصار الحقيقي ليس في فرض الذات

 

وفي حديثه عن معنى الانتصار، ميّز البابا بين المفهوم السائد الذي يربط النجاح بالتفوق على الآخرين وإثبات القوة، وبين انتصار المسيح القائم على المحبة وبذل الذات.

 

وقال للشباب: "الانتصار الحقيقي ليس في فرض ذاتنا، بل في إعطاء ذاتنا"، داعيًا إياهم إلى التحرر من الحاجة المستمرة إلى إثبات قيمتهم أو إخفاء ضعفهم وشكوكهم وحدودهم.

 

وأكد أن كرامة الإنسان لا تنبع من الصورة التي يصنعها عن نفسه، بل من كونه مخلوقًا على صورة الله ومحبوبا منه. ومن هذا الإدراك، بحسب الرسالة، تنشأ الحرية الحقيقية التي تتيح للإنسان تجاوز الانشغال بذاته والانفتاح على الآخرين بالمحبة والعطاء.

 

 

شجاعة التواضع وقبول المساعدة

 

وتناول البابا ما وصفه بـ"شجاعة التواضع"، منتقدًا العقليات التي تدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه قادر على إنجاز كل شيء بمفرده، وأن عليه تحسين ذاته باستمرار حتى يصبح أقوى وأكثر نجاحًا. وأوضح أن الإنجيل يقدم طريقًا مختلفًا، يقوم على الاعتراف بالمحدودية وقبول مساعدة الآخرين والإصغاء وتسليم الحياة إلى الله، بدلاً من الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يخلص نفسه بنفسه.

 

وأكد أن فتح القلب للمسيح لا يعني فقدان الهوية الشخصية، بل اكتشافها بصورة أعمق، وأن هذا اللقاء ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية، من الأمانة للأصدقاء واحترام المختلفين، إلى الاهتمام بالوحيدين والضعفاء، وحتى طريقة التصرف في العالم الرقمي. وقال: "بالنسبة إلى كثيرين، المحبة هي شكل من أشكال الضعف، لكن المسيح يبين لنا أنها مصدر للحرية والقوة".

 

 

 سلام يتجاوز الجراح والانقسامات

 

واستعاد البابا مشهد التلاميذ المجتمعين في العلية بعد قيامة المسيح، حين كانوا خائفين والأبواب مغلقة، لكن يسوع جاء إلى وسطهم وحيّاهم بقوله: "السلام عليكم". وأشار إلى أن القلوب والجماعات المسيحية قد تبقى فيها أبواب مغلقة بسبب الفشل والجراح والاستياء والشعور بالذنب، إلا أن المسيح يأتي ليمنح سلامه ويحقق المصالحة.

 

وشدد على أن الإيمان لا يبدد الظلمات بصورة فورية، لكنه لا يترك الإنسان وحيدا فيها، مؤكدًا أن سلام المسيح يمنح المؤمنين شجاعة لا يستطيع العالم أن يقدمها، "شجاعة ليس للخوف فيها الكلمة الأخيرة، على الرغم من الجراح".

 

 

افتحوا قلوبكم للمسيح

 

وفي ختام رسالته، دعا البابا الشباب إلى الاستعداد للقاء العالمي المرتقب في سيول، ليس فقط من خلال التحضيرات العملية للسفر، بل أيضا من خلال تهيئة قلوبهم للقاء المسيح. وأشار إلى أن اجتماع شباب من شعوب ولغات وثقافات مختلفة سيجسد جمال الكنيسة الجامعة، ويؤكد أن الإنجيل يتجاوز الحدود ويتوجه إلى جميع الشعوب.

 

واستعاد البابا كلمات القديس يوحنا بولس الثاني في بداية حبريته: "لا تخافوا! افتحوا الأبواب للمسيح، بل افتحوها على مصراعيها!"، مضيفًا: "لا تنتظروا حتى تصيروا كاملين لكي تفتحوا أنفسكم له. هو يأتي للقائكم كما أنتم".

 

وحث الشباب على فتح حياتهم وجماعاتهم المسيحية أمام المسيح، ومد الجسور نحو الآخرين، قائلاً: "لا ترضوا بحياة أضيق من التي يدعوكم المسيح إليها. اتركوا محبته توحدكم وتغيركم". وختم البابا رسالته بالتعبير عن شوقه للقاء الشباب في سيول، موكلاً إياهم إلى شفاعة مريم العذراء، أم الكنيسة، لكي تساعدهم على فتح قلوبهم للمسيح، والثقة بكلمته، وقبول سلامه ومشاركته مع الجميع.