موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعا البابا لاون الرابع عشر أبرشية روما إلى مراجعة عملها الراعوي والعودة إلى جوهر رسالتها، محذرًا من أن تكاثر المبادرات والأنشطة واللقاءات قد يؤدي أحيانًا إلى فقدان المركز والمعنى الإنجيلي لما تقوم به الكنيسة، ومشددًا على أن المرحلة المقبلة لا تتطلب إضافة برامج جديدة، بل الإصغاء والتمييز وتقييم ما ينبغي الحفاظ عليه أو تصحيحه أو التخلي عنه.
جاء ذلك في كلمة ألقاها البابا، الجمعة 18 أيلول، خلال لقاء أبرشية روما في بازيليك القديس يوحنا اللاتران، بمناسبة افتتاح السنة الراعوية الجديدة، حيث اقترح أن تتمحور المرحلة المقبلة حول ما أسماه «التقييم الراعوي»، بمشاركة الجماعة بأسرها، والإصغاء، قدر الإمكان، حتى إلى الأشخاص الذين لا يرتادون الكنيسة وينظرون إليها «من الخارج».
وانطلق البابا في كلمته من لقاء مريم المجدلية بالمسيح القائم صباح الفصح، ومن السؤالين: «لماذا تبكين؟ من تطلبين؟»، معتبرًا أنهما يمكن أن يوجها مسيرة كنيسة روما اليوم. وقال إن العمل الراعوي ينبغي ألا يبدأ بالسؤال عمّا يجب فعله، بل عمّن ينبغي لقاؤه وكيفية لقائه، بحيث يشعر الأشخاص داخل الجماعات بأنهم مرئيون ومعروفون ومدعوون بأسمائهم.
وقال أسقف روما: «لا أقدّم لكم اليوم برنامجًا رعويًا جديدًا»، موضحًا أن المطلوب هو التوقف لإعادة قراءة ما حدث، والتعرف إلى ما أثمر، وفهم ما لم ينجح والبحث معًا في أسبابه. وأضاف أن التقييم يعني، «بكلمة واحدة، قول الحقيقة».
وحدد البابا أربع نقاط أساسية لهذا المسار: لقاء المسيح ومساعدة الآخرين على لقائه، وبناء الجماعة، والعيش في المدينة وخدمتها، وتكوين شعب الله. وشدد على أن نجاح أي نشاط لا يُقاس فقط بحسن تنظيمه أو عدد المشاركين فيه أو سنوات استمراره، بل بقدرته على قيادة الأشخاص فعليًا إلى المسيح وربط الإنجيل بحياتهم الملموسة.
وفي حديثه عن الشباب، دعا الجماعات إلى منحهم الوقت والإصغاء «داخل المبادرات وخارجها»، فيما شدد على أن روما ليست مجرد خلفية لنشاط الكنيسة، بل هي مكان رسالتها، وأن الجماعة المسيحية لا تستطيع الانغلاق على ذاتها، بل عليها مشاركة الناس تطلعاتهم وهشاشتهم وأسئلتهم.
ووضع البابا سؤالًا بسيطًا في قلب المنهج الذي اقترحه: «لماذا؟»، داعيًا الجماعات إلى التساؤل أمام كل نشاط: لماذا نقوم به؟ وما الغاية الإنجيلية التي تحركنا؟ وأي حاجة حقيقية نريد الاستجابة لها؟ ولماذا تنجح بعض المبادرات في إطلاق مسيرة بينما تبقى أخرى معزولة؟
وأوضح أن هذا التمييز يساعد على تحديد «ما ينبغي الحفاظ عليه، وتعزيزه، وتصحيحه، والتخلي عنه أو إطلاقه»، مؤكدًا أن المسيرة لن تكون مبادرة إضافية تُضاف إلى غيرها، بل منهجًا مشتركًا في الإصغاء والتمييز والتقييم والتغيير.
وتوقف البابا بصورة خاصة عند العاملين في الخدمة الراعوية والكهنة، معترفًا بأن الخدمة اليوم «أكثر تعبًا من الأمس»، وداعيًا إياهم إلى عدم حمل أعبائهم بمفردهم. وقال بوضوح: «إن فنّ التقييم الراعوي لا يطلب منكم أن تفعلوا أكثر؛ بل يمنحكم، في الواقع، الإذن بأن تفعلوا أقل وبصورة أفضل»، محذرًا من أن تحوّل التقييم إلى عبء إضافي يعني فقدان الغاية منه.
وفي حديثه عن الكاهن الذي تحتاج إليه روما، قال إن عليه أن يكون «إنسانًا يصغي قبل أن يجيب، ويميّز قبل أن يقرر»، وأن يبقى أمام الرب لأنه «لا يستطيع أن يقود الآخرين إلى لقاء لا يعيشه هو». وشدد البابا على أن الكاهن لا ينبغي أن يحتكر المسؤوليات، بل أن يتعرف إلى المواهب ويكوّن الضمائر ويفتح المجال أمام المسؤولية المشتركة للعلمانيين.
وقال: «الجماعة التي يعتمد فيها كل شيء على كاهن الرعية هي جماعة هشة، والترؤس لا يعني القيام بكل شيء»، موضحًا أن مهمة الكاهن هي بناء الشركة وتقدير طاقات الآخرين وربط الأشخاص والواقع بعضهم ببعض والحفاظ على الوحدة.
ودعا إلى أن تصبح مناطق أبرشية روما أماكن حقيقية للأخوّة الكهنوتية، يستطيع فيها الكاهن أن يتحدث حتى عن تعبه «من دون أن يخجل»، مؤكدًا أن الكهنوت ليس مجموعة من الكهنة يجتمعون بسبب الضرورات التنظيمية، بل أخوّة.
وخصّ البابا الإكليريكيين بكلمة، داعيًا إياهم إلى الانخراط منذ الآن في مسيرة التقييم الراعوي، وأن يسمحوا بأن يتكوّنوا ليس فقط من خلال الكتب، بل أيضًا من خلال وجوه الناس. وقال لهم: «دعوا الكتب تكوّنكم، فهي ضرورية للقاء المعلّمين الجيدين، وكذلك الوجوه: الفقراء والمرضى وأبناء رعايانا»، مضيفًا أن «الشباب لا يسلّمون أنفسهم لدور، بل يتبعون رجالًا ونساءً يبدون سعداء بما هم عليه».
وكشف البابا خلال كلمته أنه وافق «بفرح» على اتخاذ الخطوات اللازمة لبدء التحقيق الأبرشي في حياة وفضائل وشهرة قداسة الأب لويجي دي لييغرو، كاهن أبرشية روما الذي توفي في 12 تشرين الأول 1997، والمعروف بخدمته للفقراء والمهمشين. واستعاد البابا منهجه القائم على قراءة الواقع قبل إطلاق المبادرات، مستشهدًا بآخر مداخلاته قبل وفاته بأسابيع، حين قال للعاملين معه: «التمييز هو هذا السؤال: يا رب، أين أنت؟».
واختتم البابا لاون الرابع عشر كلمته بالدعوة إلى السير بصبر وشجاعة، حتى لو تطلب ذلك التخلي عن بعض الأمور التي اعتادت عليها الجماعات، معربًا عن أمله في أن تقود هذه المسيرة إلى تجديد الخبرات الراعوية وبناء مسار مشترك استعدادًا ليوبيل الفداء عام 2033. وقال مخاطبًا أبناء أبرشية روما: «لا تخافوا أن تدعوا الرب يناديكم من جديد بأسمائكم»، مؤكدًا أن المسيح الحي يلتقي بمن يواصل البحث عنه «حتى وسط الدموع، وحتى في الظلام».