موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٨ فبراير / شباط ٢٠٢٦
البابا في تعليمه الأسبوعي: الكنيسة سر وعلامة وأداة

أبونا :

 

في مقابلته العامة مع المؤمنين، وفي إطار تعليمه حول وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، تحدّث البابا لاون الرابع عشر، اليوم الأربعاء، عن الدستور العقائدي "نور الامم" الذي يتناول موضوع الكنيسة. وقد وصف الدستور الكنيسة بأنها "سر". وليس المقصود بذلك أنها أمر غامض أو غير مفهوم، بل هي حقيقة تكشف لنا مخطط الله الأزلي الذي كان مكتومًا منذ بدء الدهور ثم أعلنه الله في يسوع المسيح، وهدفه وحدة البشرية ومصالحتها، وهي الوحدة التي حققها يسوع المسيح بموته وقيامته من بين الأموات.

 

وأضاف: هذا السر يظهر أولًا في الاحتفال الليتورجي الجماعي، حيث تتلاشى الفروقات ويجتمع المؤمنون بمحبة المسيح الذي هدم جدار الفصل بين الناس وكل الجماعات. الكنيسة هي للجميع، وهي في المسيح بمثابة السر، أي العلامة والأداة للإتحاد الحميم بالله ووحدة الجنس البشري كله. وهي تعمل على إظهار مخطط الله في التاريخ، وتجعل البشر شركاء في عمله الخلاصي، وتعلن حضور المسيح وعمله بيننا، فتغدو علامة فعالة للوحدة والمصالحة في العالم.

 

 

وفيما يلي النص الكامل للتعليم:

 

 

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير وأهلًا وسهلًا بكم!

 

المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي بدأنا ننظر في وثائقه في لقاءاتنا هذه، عندما أراد أن يتكلّم على الكنيسة، اهتمّ أوّلًا بتوضيح هذا السّؤال: من أين تستمدّ أصلها. للجواب على ذلك، لجأ الدّستور العقائدي، ”نور الأمم، الذي أُقِرّ في 21 تشرين الثاني 1964، إلى مصطلح ”السّرّ“ الوارد في رسائل القدّيس بولس. وباختياره هذا المصطلح لم يُرِد أن يقول إنّ الكنيسة أمرٌ غامض أو غير قابل للفهم، كما نظنّ أحيانًا حين نسمع لفظة ”السّرّ“. بل العكس تمامًا: في الواقع، عندما استخدم القدّيس بولس هذه الكلمة، ولا سيّما في رسالته إلى أهل أفَسُس، أراد أن يشير بها إلى حقيقة كانت مخفيّة من قبل ثم أُعلِنت الآن.

 

إنّه مخطّط الله وله هدف محدّد: أن يوحّد كلّ الخليقة بعمل المصالحة الذي حقّقه يسوع المسيح، بموته على الصّليب. ونختبر هذا أوّلًا في الجماعة المجتمعة في الاحتفال الليتورجيّ: فيه تتلاشى الفروقات، وما يهمّ هو أن نكون معًا لأنّنا منجذبون بمحبّة المسيح، الذي هدم جدار الفصل بين النّاس والجماعات (راجع أفسس 2، 14). بالنّسبة إلى القدّيس بولس، السّرّ هو ظهور ما أراد الله أن يحقّقه في البشريّة جمعاء، ويظهر في الخبرات المحليّة التي تتّسع تدريجيًّا حتّى تشمل جميع البشر، بل الكون أيضًا.

 

حالة البشريّة هي حالة انقسام لا يستطيع البشر إصلاحها، على الرّغم من أنّ التّوق إلى الوَحدة يسكن قلوبهم. في هذه الحالة يأتي عمل يسوع المسيح، الذي يغلب بقوّة الرّوح القدس قِوى التّفرقة، والمفَرِّقَ نفسه. أن نكون معًا للاحتفال، بعد الإيمان ببشارة الإنجيل، بفعل جاذبيّة صليب المسيح وتأثيره فينا، هذا هو إعلان محبّة الله الأسمى، أي أن نشعر بأنّ الله نفسه يدعو الجميع معًا: لهذا تُستَخدَم لفظة ”إكليسيا، أي جماعة الأشخاص الذين يعترفون بأنّهم مدعوّون. ومن ثمّ يوجد توافق بين هذا السّرّ والكنيسة: فالكنيسة هي السّرّ الذي صار ظاهرًا لنا.

 

هذه الدّعوة، بما أنّ الله هو الذي يدعو، لا يمكن أن تنحصر في جماعة من الأشخاص، بل هدفها أن تصير خبرة جميع البشر. لذلك يقول المجمع الفاتيكاني الثّاني، في مستهلّ الدّستور، ”نور الأمم“ "الكنيسة هي في المسيح بمثابة السّرّ، أيّ العلامة والأداة للاتّحاد الصّميم بالله ووَحدة الجنس البشريّ برمتّه" (رقم 1). استخدام مصطلح ”سرّ“ مع الشّرح المرافق له، يشير إلى أنّ الكنيسة هي في تاريخ البشريّة تعبير عمّا يريد الله أن يحقّقه. لذلك، إذا نظرنا إليها، أدركنا إلى حدّ ما تدبير الله، أي السّرّ: بهذا المعنى الكنيسة هي علامة. وإلى جانب لفظة ”سرّ“ يُضاف أيضًا لفظة ”أداة“، للدلالة على أنّ الكنيسة علامة فاعلة. في الواقع، عندما يعمل الله في التّاريخ يُشرك في عمله الأشخاص الذين يوجّه إليهم عمله. وبواسطة الكنيسة يبلغ الله هدفه في أن يوحِّد النّاس معه، وأن يوحِّدهم بعضهم مع بعض من جديد.

 

الاتّحاد بالله يجد انعكاسه في اتّحاد البشر بعضهم مع بعض. وهذه هي خبرة الخلاص. وليس من قبيل الصّدفة أنّ الدّستور، ”نور الأمم، في الفصل السّابع المخصَّص لطابع الكنيسة الاسكاتولوجيّ (في الأزمنة الأخيرة) وهي تسير حاجّةً في التّاريخ، في الرّقم 48، يعود إلى وصف الكنيسة بأنّها ”سرِّ“، ويضيف إليها كلمة ”الخلاص“. يقول المجمع: "فالمسيح الذي رُفِعَ  من الأرض، جَذَبَ إليه كلَّ البشر (راجع يوحنّا 12، 32 يوناني). ولمّا قام من بين الأموات (راجع رومة 6، 9) أرسل روحه المحيي إلى رسله وكوَّن بواسطته جسده، الذي هو الكنيسة، وهو سرّ وأداة الخلاص الشّامل. ولمّا جلس عن يمين الآب، ظلّ يعمل دائمًا في العالم ليقود النّاس إلى الكنيسة، ويضمّهم إليه بواسطتها ضمًّا حميمًا، ويشركهم في حياته الممّجدة إذ يغذِّيهم بجسده ودمه".

 

هذا النّص يسمح لنا بأن نفهم العلاقة بين عمل يسوع الفصحيّ الموحِّد، أي بين سرّ آلامه وموته وقيامته من بين الأموات، وبين هويّة الكنيسة. في الوقت نفسه يجعلنا شاكرين وممتنّين لانتمائنا إلى الكنيسة، جسد المسيح القائم من بين الأموات وشعب الله الواحد الحاجّ في التّاريخ، الذي يعيش حضورًا مُقدِّسًا في وسط بشريّة لا تزال منقسمة، كعلامة فعّالة للوَحدة والمصالحة بين الشّعوب.