موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١١ مارس / آذار ٢٠٢٦
البابا: الكنيسة هي شعب الله وعلامة الرجاء والوحدة في العالم

أبونا :

 

تكلم البابا لاون الرابع عشر، اليوم الأربعاء، في إطار تعليمه في موضوع وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني عن الدستور العقائدي "نور الأمم"، وموضوعه الكنيسة. وصف الدستور الكنيسة وقال إنها شعب الله. أراد الله منذ البدء أن يخلص البشرية، فاختار إبراهيم ونسله ليكونوا له شعبه، وأقام معه عهدًا، ورافقه عبر التاريخ ليكون نورًا للأمم. كان هذا الشعب إعدادًا للعهد الجديد الذي اكتمل في يسوع المسيح الذي جمع في ذاته شعب الله الجديد من جميع الأمم بموتِه وقيامته من بين الأموات.

 

وأضاف: هذا الشعب هو الكنيسة، ومبدأ وحدته هو الإيمان بالمسيح، وجميع البشر مدعوون إلى أن يكونوا جزءًا منه. لذلك، الكنيسة مدعوة إلى أن تعلن الإنجيل وتشهد له في كل مكان، مع احترام ثقافات الشعوب، وأن تقدم ما هو جديد بنور الإنجيل. إذ ذاك، تبقى الكنيسة علامة رجاء في العالم، لأنها تتكون من مختلف الشعوب والثقافات في وحدة الإيمان، وتصبح علامة الوحدة والسلام التي يريدها الله لجميع البشر.

 

 

وفيما يلي النص الكامل للتعليم:

 

 

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير وأهلًا وسهلًا بكم!

 

نواصل التأمّل في الدّستور العقائدي، ”نور الأمم، ونتوقّف اليوم عند الفصل الثّاني منه، المخصَّص لشعب الله.

 

الله، الذي خلق العالم والبشريّة وأراد أن يخلِّص كلّ إنسان، أتمَّ عمله الخلاصيّ في التّاريخ فاختار شعبًا محسوسًا وسكن بينهم. لهذا، دعا الله إبراهيم ووَعَدَه بنسلٍ كثير مثل نجوم السّماء ومثل الرّمل الذي على شاطئ البحر (راجع تكوين 22، 17-18). ومع أبناء إبراهيم، وبعد أن حرّرهم من حالة العبوديّة، عقد الله عهدًا، ورافقهم، واهتمّ بهم، وجمّعهم كلّما ضلّوا. لذلك، فإنّ هويّة هذا الشّعب تتحدّد بعمل الله والإيمان به. وهو مدعوّ إلى أن يصير نورًا للأمم الأخرى، مثل منارة تشدّ إليها جميع الشّعوب، أي البشريّة بأسرها (راجع أشعيا 2، 1-5).

 

يؤكّد المجمع أنّ "كلّ هذا حدث إعدادًا ورمزًا لذلك العهد الجديد والكامل الذي سيُبرَم في المسيح، ولذلك الوَحي الكامل الذي سيُعلِنَه لنا كلمة الله نفسه الذي صار بشرًا" (نور الأمم، 9). في الواقع، المسيح هو الذي جمع في ذاته وبصورة نهائيّة هذا الشّعب، في بذل جسده ودمه. ويتكوَّن هذا الشّعب الآن من أناس يأتون من كلّ أمّة. وهو موحَّدٌ بالإيمان بالمسيح، وبالانضمام إليه، وبالحياة نفسها التي يحياها هو والتي يحرّكها روح الرّبّ القائم من بين الأموات. هذه هي الكنيسة: شعب الله الذي يستمدّ حياته من جسد المسيح وهو نفسه جسد المسيح. وهو ليس شعبًا مثل سائر الشّعوب، بل هو شعب الله الذي دعاه الله وجمّعه، ويتكوَّن من نساء ورجال يأتون من جميع شعوب الأرض. إنّ مبدأ الوَحدة فيه ليس اللغة ولا الثّقافة ولا العِرق، بل هو الإيمان بالمسيح. لذلك الكنيسة هي "جماعة الذين ينظرون إلى يسوع في الإيمان" (نور الأمم، 9)، بحسب هذا التّعبير البليغ للمجمع.

 

إنّه شعب مسيحانيّ، لأنّ رأسه هو المسيح. والذين ينتمون إليه لا يفتخرون باستحقاقات أو ألقاب، بل بعطيّة واحدة هي أن يكونوا، في المسيح وبواسطته، بناتِ وأبناءَ الله. وقبل أيّ مهمّة أو وظيفة، فإنّ ما يهمّ حقًّا في الكنيسة هو أن نكون مغروسين في المسيح، ونكون أبناء الله بالنّعمة. وهذا هو أيضًا اللقب والشّرف الوحيد الذي ينبغي أن نبحث عنه لكوننا مسيحيّين. نحن في الكنيسة لكي ننال الحياة باستمرار من الآب، ولكي نعيش أبناءً له، وإخوةً بعضُنا لبعض. ومِن ثَمَّ، فإنّ الشّريعة التي تُحيِي العلاقات في الكنيسة هي المحبّة، كما نلناها واختبرناها في يسوع. وغايتها هي ملكوت الله الذي تسير الكنيسة نحوه مع كلّ البشريّة.

 

الكنيسة الموحَّدة في المسيح، الرّبّ والمخلّص لكلّ إنسان، رجلٍ وامرأة، لا يمكنها أبدًا أن تنغلق على نفسها، بل هي منفتحة على الجميع ومن أجل الجميع. إن كان المؤمنون بالمسيح ينتمون إليها، فإنّ المجمع يذكّرنا بأنّ "كلّ النّاس مدعوّون إلى أن يكونوا شعب الله الجديد. لذلك على هذا الشّعب، مع بقائه واحدًا ووحيدًا، أن يمتدّ إلى كلّ العالم والى كلّ الأزمنة، حتّى يتِمَّ ما دبّرته إرادة الله، الذي خلق منذ البدء الطّبيعة الإنسانيّة وجعلها واحدة، وأراد أن يجمع في واحد أبناءَه المشتّتين" (نور الأمم، 13). حتّى الذين لم يتلقّوا الإنجيل حتّى الآن، هُم، بطريقة أو بأخرى، موجّهون نحو شعب الله، الكنيسة، التي تتعاون مع رسالة المسيح، وهي مدعوّة إلى نشر الإنجيل في كلّ مكان وللجميع (راجع نور الأمم، 17)، حتّى يستطيع كلّ واحد أن يتواصل مع المسيح. هذا يعني أنّه يوجد في الكنيسة ويجب أن يوجد مكان للجميع، وأنّ كلّ مسيحيّ مدعوّ إلى أن يُعلن الإنجيل وإلى أن يؤدِّيَ شهادة في كلّ بيئة يعيش ويعمل فيها. هكذا يُبَيِّن هذا الشّعب كاثوليكيّته، شموليّته، فيستقبل غنى الثّقافات المختلفة ومواردها، وفي الوقت نفسه، يقدّم لها كلّ ما هو جديد في الإنجيل لكي يُنَقِّيَها ويَسمُوَ بها (راجع نور الأمم، 13).

 

بهذا المعنى، الكنيسة هي واحدة ولكنّها تشمل الجميع. هكذا وصفها أحد كبار اللاهوتيّين: "سفينة الخلاص الوحيدة، التي يجب عليها أن تستقبل في أروِقَتِها الواسعة كلّ تنوّعات البشر. وهي قاعة الوليمة الوحيدة، وتستمدّ طعامها الذي توزّعه من كلّ الخليقة. وهي ثوب المسيح غير المَخِيط، وهي أيضًا –الشّيء نفسه– ثوب يوسف المتعدّد الألوان".

 

إنّها علامة رجاءٍ كبيرة، ولا سيّما في أيّامنا هذه، التي تشهد الصّراعات والحروب الكثيرة، أن نعلَم أنّ الكنيسة هي شعبٌ يعيش فيه معًا، بقوّة الإيمان، نساءٌ ورجالٌ مختلفون في الجنسيّة واللغة والثّقافة. إنّها علامةٌ موضوعة في قلب البشريّة نفسها، ونداءٌ ونبوءةٌ بتلك الوَحدة والسّلام اللذين يدعو الله الآب إليهما جميع أبنائه.