موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تأمل البابا لاون الرابع عشر، خلال تعليمه الأسبوعي حول وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، في الدستور الخاص بالليتورجيا المقدسة «المجمع المقدس»، مسلطًا الضوء على سرّ الإفخارستيا باعتباره قلب الحياة المسيحية ومصدر الوحدة والتحول الروحي.
وقال إن المؤمن، عندما يشارك في مائدة الرب ويصغي إلى كلمة الله، يصبح عضوًا في جسد المسيح. وأوضح أن الإفخارستيا هي استمرار لذبيحة المسيح على الصليب وذكرى موته وقيامته، وهي سرّ حبّه وعلامة الوحدة بين المؤمنين وعربون المجد الآتي.
وأضاف أن الاشتراك في الإفخارستيا يعلّم المؤمنين أن يقدّموا ذواتهم مع المسيح ذبيحة روحية، فينمون في الاتحاد بالله وببعضهم البعض، وتتحول حياتهم إلى عطاء ومحبة. كما شدد على أن ليتورجيا الكلمة وليتورجيا الإفخارستيا تشكلان معًا عبادة واحدة متكاملة، إذ تهيئ كلمة الله المؤمن لفهم سرّ الإفخارستيا، فيما تنير الإفخارستيا معنى الكتاب المقدس وتمنح حياة جديدة في المسيح.
وفي ختام تعليمه، دعا البابا المؤمنين إلى أن يستمدوا من سرّ الإفخارستيا نعمة التحول الداخلي، وأن يسمحوا لله بأن يغيّر قلوبهم وحياتهم، ليعيشوا منذ الآن عربون ملكوت الله الآتي.
وفيما يلي النص الكامل للتعليم:
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير وأهلًا وسهلًا بكم!
نواصل دروسنا في وثائق المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، وخاصّة في الدّستور المجمعيّ، "المجمع المقدّس" في الليتورجيّا المقدّسة.
عندما أراد القدّيس أغسطينس أن يشرح للمعمَّدين حديثًا في الإيمان سرّ جسد المسيح، استعاد كلام القدّيس بولس الذي سمعناه في القراءة: "أَنتُم جَسَدُ المَسيح وكُلُّ واحِدٍ مِنكُم عُضوٌ مِنه" (1 قورنتس 12، 27). وأضاف: "إنّكم تقبلون السّرّ الذي هو سرّكم. وعلى ما أنتم عليه تجيبون: آمين، وجوابكم هو بمثابة توقيعكم. يُقال لكم: ”جسد المسيح“، فتجيبون: ”آمين“. فكونوا إذًا أعضاء في جسد المسيح لكي يكون قولكم ”آمين“ صادقًا. [...] كونوا ما ترونه، واقبلوا ما أنتم عليه" (عظات 272، مجموعة المؤلّفات لآباء الكنيسة اللاتينيّة 38، 1247).
مباشرة بعد أن أشار الدّستور في الليتورجيّا المقدّسة إلى عشاء يسوع الأخير، تكلّم على الإفخارستيّا بهذه النّبرة الأغسطينيّة. فبالنّسبة إلى المسيحيّين، المشاركة في مائدة الرّب يسوع تعني "أن يتفقهوا بكلام الله، ويتقوّوا بالغذاء من مائدة جسد الرّبّ، ويؤدّوا الشّكر لله". فعندما نقبل المسيح في كلامه وفي الإفخارستيّا، نصير ما نقبله. نصير جسد الرّبّ، ورأسُه المسيح القائم من بين الأموات، والجالس عن يمين الآب (راجع قولوسي 1، 18)، الذي يُعِدّ لنا مكانًا في السّماوات (راجع يوحنّا 14، 3). وهكذا تكون الإفخارستيّا سرّ الملكوت الآتي. إنّها خبز المسيرة الذي يقودنا إلى الوطن السّماويّ، وإلى اليوم المبارك الذي فيه "يكون اللّه كُلّ شَيء في كُلِّ شيَء" (1 قورنتس 15، 28).
الجماعة الليتورجيّة تقدّم الذّبيحة الطّاهرة "التي لا تقدَّم بيد الكاهن منفردًا بل تكون الجماعة كلّها متّحدة معه". من هذا المنظور، الإفخارستيّا هي صورة ذبيحة المسيحيّين الرّوحيّة (راجع عبرانيّين 13، 16؛ رومة 12، 1)، باعتبارها طريقًا للاتّحاد مع الله والاتّحاد المتبادل. وباشتراكهم في هذه الذّبيحة الطّاهرة، فإنّهم يتعلّمون "أن يقدّموا ذواتهم [...] فيذوبوا يومًا فيومًا في المسيح، في الوَحدة مع الله وفيما بينهم" (المرجع نفسه). وهكذا، باندماجنا مع المسيح، تعلّمنا الإفخارستيّا أن نتّخذ أسلوب حياة الرّبّ يسوع نفسه، المتميّز بعطاء الذّات مجّانًا. هذا العطاء يُدخلنا في ديناميكيّة الوَحدة، التي تقدّم علاجًا فعّالًا لبذور الانقسام التي تنخر عالمنا، وجماعاتنا المسيحيّة، وعائلاتنا، وقلوبنا.
أيّها الأعزّاء، عندما نشارك في الإفخارستيّا فنحن مدعوّون إلى أن نصغي إلى كلام الله وأن نتغذّى من مائدة الرّبّ يسوع، حيث يقدِّم نفسه للآب. هذَان القِسمان من القدّاس، أي ليتورجيّا الكلمة وليتورجيّا الإفخارستيّا، "يرتبطان فيما بينهما ارتباطًا وثيقًا، فيكوِّنان شيئًا واحدًا وعبادةً واحدة".
أمّا في ما يختصّ بكلام الله، فينبغي أن نتذكّر أنّ هذا لا يعني فقط أن نكتسب معرفة نظريّة للكتب المقدّسة، بل أن نتقبّل كلام الله "الحَيٌّ النّاجِع" (عبرانيّين 4، 12)، الذي يوجّهه الله إلى الجميع وفي الوقت نفسه إلى كلّ واحد. وهو كلام يُغذّي وينعش، مع الخبز الإفخارستيّ، ويَنقُلنا من فساد الخطيئة إلى الحياة الجديدة في المسيح. "الإفخارستيّا تمنحنا قدرة على فهم الكتاب المقدّس، كما أنّ الكتاب المقدّس، بدوره، ينير السّرّ الإفخارستيّ ويكشف معناه" (بندكتس السّادس عشر، الإرشاد الرسوليّ ما بعد السّينودس، كلمة الرّبّ، 55).
طلب المجمع الفاتيكانيّ المسكونيّ الثّاني "أن تُفتح كنوز الكتاب المقدّس بصورة أوسع، لكي تُقدَّم للمؤمنين بقَدَرٍ أوفر مائدة كلمة الله". وقد أدّى هذا الطّلب في الإصلاح الليتورجيّ إلى تقديم الكنز الذي هو ”كتاب القراءات الليتورجيّة“، أي الكتاب الذي يجمع كلّ قراءات الكتاب المقدّس الخاصّة بالاحتفالات الليتورجيّة. وقد استقت الكنيسة هذا الغنى من أنقى ينابيع التّقليد الحيّ، الذي يجمع بين ”الأمانة للتقليد“ و”الانفتاح على تطوّرٍ مشروع“.
مطلع الفصل الثّاني من الدّستور في الليتورجيّا منسوج بإشارات متعدّدة إلى نهر التّقليد الكبير، الممتدّ من آباء الكنيسة وصولًا إلينا. وأقتبس منه ما يلي: "إنّ مخلّصنا يسوع المسيح أسّس في العشاء الأخير، ليلة أُسلم، ذبيحة جسده ودمه الإفخارستيّة لكي تستمر بها ذبيحة الصّليب على مرّ الأجيال، إلى أن يجيء، ولكي يودع الكنيسة، عروسه الحبيبة، ذكرى موته وقيامته من بين الأموات: التي هي سرّ وأداة حبّه، وعلامة الوَحدة، ورباط المحبّة، والوليمةَ الفصحيّة التي يكون المسيح فيها هو الغذاء، وتمتلئ فيها النّفس بالنّعمة، ونُعطَى عربون المجد الآتي".
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لنستمّد بإيمان من ينبوع الحياة الإلهيّ، ولنترك السّرّ الذي نحتفل به يُحوّلنا ويبدّلنا.