موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٩ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
البابا: على الأسقف تقديم تعليم واضح وسط أصوات كثيرة تدّعي السلطة على ضمائر المؤمنين
يدعو الرعاة إلى القرب من الناس والكهنة: بعض جوانب الأبرشية يصعب فهمها من خلف المكتب

أبونا :

 

دعا البابا لاون الرابع عشر أساقفة أميركا اللاتينية والكاريبي إلى أن يكونوا رعاة قريبين من شعوبهم، يخرجون شخصيًا للقاء جماعاتهم ويصغون إلى المؤمنين، ولا سيما الذين نادرًا ما تتاح لهم فرصة الاقتراب من الأسقف، مؤكدًا أن بعض جوانب حياة الأبرشية «يصعب فهمها من خلف المكتب».

 

جاء ذلك في رسالة وجّهها البابا إلى أساقفة أميركا اللاتينية والكاريبي بمناسبة الذكرى المئوية الثالثة لإعلان قداسة القديس توريبيو دي موغروفيخو، شفيع أساقفة أميركا اللاتينية، مستعيدًا خبرته الشخصية في الخدمة الأسقفية في البيرو، حيث قال إنه عرف عن قرب إيمان شعب «تلقيت منه الكثير»، وفهم بصورة أعمق معنى أن يكون الإنسان راعيًا.

 

واستوحى البابا رسالته من الطقس الذي يرافق استقبال الأسقف في كنيسته الكاتدرائية، متوقفًا عند رموز هذا الطقس ليقدم من خلالها صورة عن الخدمة الأسقفية، على مثال القديس توريبيو، رئيس أساقفة ليما الذي جاب مناطق واسعة خلال خدمته وسعى إلى إعلان الإنجيل باللغات المحلية والتقرب من الشعوب التي أُوكلت إليه.

 

وقال البابا: «بعض جوانب الأبرشية يصعب فهمها من خلف المكتب»، داعيًا إلى الحفاظ على حيوية الزيارات الراعوية، والخروج شخصيًا للقاء الجماعات والإصغاء إلى الرعية والبحث عن الأشخاص الذين لا تتاح لهم عادة فرصة الوصول إلى الأسقف. وأضاف: «إن خدمة خليفة الرسل تتطلب أن نعيش وقلوبنا في السماء وأقدامنا على الطريق».

 

 

الراعي لا يترك القطيع

 

وفي تأمله في الصليب الذي يتسلمه الأسقف ويقبّله عند دخوله الكاتدرائية، شدد البابا على أن الخدمة الأسقفية تتضمن الاستعداد للتضحية والبقاء إلى جانب المؤمنين عندما تأتي الأوقات الصعبة. وقال: «التخلي عن القطيع يمكن أن يبدأ قبل وقت طويل من أي هروب ظاهر، عندما تأخذ الراحة أو الخوف أو المصلحة الشخصية الأولوية على خير المؤمنين».

 

وأضاف: أن «الأجير يحسب ما قد يخسره؛ أما الراعي فيعلم أن عليه أن يبذل شيئًا من ذاته لكي يبقى أمينًا». ودعا الأساقفة إلى العودة باستمرار إلى «مدرسة الصليب»، مستذكرًا دفاع القديس توريبيو عن السكان الأصليين وقربه من الفقراء والمتألمين ومواجهته التجاوزات.

 

 

الأسقف تلميذ قبل أن يكون راعيًا

 

وتوقف البابا عند رمز الماء المقدس في طقس استقبال الأسقف، مؤكدًا أن الأسقف، قبل أن يكون راعيًا، هو تلميذ، وقبل أن يترأس شعب الله، هو واحد من المعمدين. وقال: «قداسة الراعي لا يمكن اعتبارها أمرًا مفروغًا منه».

 

ودعا الأساقفة إلى الاهتمام بحياتهم الداخلية وإدراك أنهم هم أيضًا تلاميذ يحتاجون إلى التوبة. وأضاف أن من أُوكلت إليهم مهمة تقديس الآخرين يحتاجون هم أنفسهم إلى التقديس، وأن من يبشرون بالرحمة يعيشون هم أيضًا منها.

 

وفي هذا السياق، دعا البابا إلى جعل السجود للقربان الأقدس أولوية راعوية، وإتاحة الوقت والمكان أمام المؤمنين للبقاء أمام الرب وتشجيع السجود المطوّل. وقال: «أنا مقتنع بأن حضور الرب المقدس، حين يُستقبل بأمانة ويُعبد، يسند ما لا تستطيع قوانا تحقيقه، ويفتح طرقًا لا يمكن لأي خطة أن تتصورها»، مضيفًا أن محبة الرب هي التي ستغيّر الأبرشيات.

 

 

تعليم واضح وسط كثرة الأصوات

 

وفي حديثه عن مسؤولية الأسقف في التعليم، شدد البابا لاون الرابع عشر على أن الأسقف لا يحمل كلمة خاصة به يريد فرضها، بل يتلقى إيمان الكنيسة ويُدعى إلى حفظه والتعمق فيه وتقديمه بصورة مفهومة للمؤمنين.

 

وقال: «في زمن تدّعي فيه أصوات كثيرة السلطة على ضمائر المؤمنين، من واجب الأسقف أن يقدم تعليمًا واضحًا، بصبر ومتجذرًا في هذه الشركة، لكي يساعد شعبه على تمييز صوت الراعي الواحد». وأكد أن رسالة الأسقف ليست نابعة من ذاته، بل هي رسالة تلقاها ويمارسها في شركة مع الكنيسة، متحدًا بخليفة بطرس ومجمع الأساقفة.

 

 

قفوا إلى جانب كهنتكم

 

وخصّ الحبر الأعظم العلاقة بين الأسقف والكهنة بمساحة واسعة من رسالته، داعيًا الأساقفة إلى القرب منهم، والاهتمام بصورة خاصة بالإكليريكيات والسنوات الأولى من الخدمة الكهنوتية، وتعزيز الأخوّة الحقيقية بينهم.

 

وقال: «أيها الإخوة الأعزاء، قفوا إلى جانب كهنتكم»، مضيفًا: «احرصوا على ألا يشعر أي كاهن بأنه لا يستطيع الاقتراب من أسقفه إلا عندما تكون هناك مشكلة ينبغي حلها». وأكد أن أبوّة الأسقف تظهر بصورة خاصة «عندما يعرف الكاهن أنه يستطيع أن يطرق باب مقر الأسقف بثقة».

 

 

الصلاة قبل الكلام

 

وتوقف البابا كذلك عند ترتيب طقس استقبال الأسقف، حيث يصغي ويصلي قبل أن يخاطب شعبه، معتبرًا أن في ذلك درسًا ينبغي ألا يغيب عن حياة الرعاة. وقال إن الأساقفة، وسط كثرة المهام التي تملأ أيامهم، أُرسلوا أولًا لإعلان البشرى السارة، داعيًا إلى عدم السماح لأي أمر عاجل أو مهمة راعوية، مهما كانت ضرورية، بأن تؤدي إلى إهمال الصلاة.

 

وأضاف: «لنخصص دائمًا الوقت الذي نحتاج إليه للإصغاء إلى الكلمة والتفكير بعناية في كيفية تقديمها إلى شعبنا». وأكد الأب الأقدس أن واجب الأسقف هو أن يبذل ذاته بأمانة، أما الثمر فيعود في النهاية إلى الله، مشيرًا إلى أن كل ما يقوم به الراعي، من أعمال ومشاريع وقرارات وهموم وآمال، يمكن أن يضعه بين يدي الرب.

 

 

القديسون يواصلون تنشئة القديسين

 

وأشار إلى أن تاريخ الكنيسة في أميركا اللاتينية شهد كوكبة من الأساقفة القديسين والطوباويين الذين جمعوا بين المذبح وحياتهم اليومية، مستذكرًا إلى جانب القديس توريبيو عددًا من الرعاة. ودعا إلى التعمق في خدمتهم وكتاباتهم والتعريف بهم في الكنائس المحلية، ولا سيما في تنشئة الإكليريكيين والكهنة، وقال: «إن القديسين يواصلون تنشئة القديسين».

 

وفي ختام رسالته، أوكل البابا أساقفة أميركا اللاتينية والكاريبي إلى سيدة غوادالوبيه، داعيًا إياهم إلى الانتباه إلى عمل الله الذي «يظهر غالبًا بطرق غير متوقعة، ويستخدم أشخاصًا قد لا نتوقعهم»، وأن يعرفوا الكنائس الموكلة إليهم ويخدموها ويحبوها بأمانة.