موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بين الألم والرجاء: هكذا يصف الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، واقع الأرض المقدسة. وقد وصل الكاردينال إلى فرنسا في 8 حزيران، ومن المرتقب أن يشارك في نشاطات مزار باراي-لو-مونيال بين 11 و14 حزيران، بدعوة من الأب إتيان كيرن، رئيس المزار.
وبرفقة مؤسسة «عمل الشرق» Œuvre d’Orient، استُقبل نيافته في قصر الإليزيه حيث قلّده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسام جوقة الشرف، مشيدًا به عبر منصة «إكس» بوصفه «رسولًا لا يكلّ من أجل الحواربين الأديان والعدالة والسلام». ولعل صفة «الذي لا يكلّ» هي بالفعل الأكثر تعبيرًا عن شخصية الكاردينال بيتسابالا.
منذ السابع من تشرين الأول 2023 واندلاع الحرب في غزة، يواصل الكاردينال بلا كلل رسالته في خدمة الكاثوليك في الأرض المقدسة. وأوضح خلال مؤتمر صحفي عقد في مقر جمعية الشرق بتاريخ 11 حزيران: «الوضع مأساوي». وأضاف: «ما زلنا نبحث عن وجهتنا وعن آفاقنا وسط عنف حاضر في كل مكان. يبدو أن العنف أصبح اللغة الأولى للتواصل».
وأسف لما اسماه «نزع الإنسانية عن الآخر»، وهو أمر «يفتح الباب أمام جميع أشكال الوحشية». وتابع: «كلا الشعبين، الإسرائيلي والفلسطيني، يعانيان من صدمة عميقة؛ الأول بسبب هجمات السابع من تشرين الأول، والثاني بسبب الحرب في غزة». ومنذ بداية النزاع، رفض الكاردينال الانحياز إلى أي طرف، حتى وإن تسبب ذلك له بخصومات وانتقادات.
في غزة، وصف الكاردينال حالة من البؤس المستمر، حيث يكافح الشعب الفلسطيني للبقاء على قيد الحياة داخل قطاع دمّرته سنوات من القصف، في وقت يواجه فيه أيضًا انتهاكات من قبل حركة حماس. وإذ ذكّر بوجود رعيتين مسيحيتين في القطاع، إحداهما أرثوذكسية والأخرى كاثوليكية، عبّر عن قلقه العميق قائلًا: «لا نعلم متى ستنتهي الحرب فعليًا، ولا ما إذا كان كل شيء سيعود يومًا إلى طبيعته. كيف ستتمكن العائلات من إعادة بناء حياتها؟».
وكان آخر دخول للكاردينال إلى القطاع في عيد الميلاد عام 2025، ولا يعلم متى سيتمكن من العودة مجددًا. وأوضح أن الدخول إلى غزة يتطلب تصاريح من السلطات الإسرائيلية، وهي «صعبة المنال»، وذلك ردًا على سؤال طرحه صحفيو جريدة «لا كروا» الفرنسية.
أما في الضفة الغربية، فأكد أن العنف «أصبح مشكلة يومية»، خصوصًا مع تصاعد وتيرة الاستيطان. وقال: «الوضع يزداد تعقيدًا بالنسبة للفلسطينيين. فهناك تقريبًا كل يوم حوادث عنف، لا سيما في الطيبة». وتُعدّ بلدة الطيبة آخر بلدة فلسطينية ذات أغلبية مسيحية كاملة. وكان الأب بشار فواضلة، كاهن رعية اللاتين هناك، قد قال في تصريحات سابقة «إن مضايقات المستوطنين تفاقمت بشكل واضح منذ هجمات السابع من تشرين الأول».
حتى في القدس، تصاعدت حدة التوترات بشكل ملحوظ، كما يظهر من حادثة الاعتداء العنيف على راهبة فرنسية، ومن الشهادات المتعددة حول الإهانات والبصق التي يتعرض لها المسيحيون من قبل بعض يهود متشددين. وكان الكاردينال بيتسابالا نفسه قد مُنع لفترة وجيزة من دخول كنيسة القيامة للاحتفال بقداس أحد الشعانين.
وتحدث الكاردينال عن هذه الحادثة بمزيج من الهدوء والمرارة، قائلًا: «أفضل ألا أخبركم بما شعرت به خلال الساعتين الأوليين. بعد ذلك استوعبت الأمر كي أتمكن من التحرّك والحوار مع السلطات. فالمسألة لا تتعلق بي شخصيًا، بل بالجماعة التي أمثلها. هي التي تهم قبل كل شيء».
وفي ظل هذا المناخ المليء بعدم اليقين، يواصل المسيحيون، الذين يتناقص عددهم أصلًا، مغادرة الأرض المقدسة تدريجيًا. ويبلغ عددهم الإجمالي نحو 400 ألف شخص، أي ما يقارب 2% من مجموع السكان، بينهم حوالي 170 ألف كاثوليكي.
لذلك يتمثل التحدي الأساسي في الحفاظ على حضور مسيحي «فاعل ونوعي»، بحسب تعبير الكاردينال بيتسابالا، الذي يبقى رغم كل شيء واثقًا بالمستقبل، إذ يقول: «لا أعتقد أن المسيحيين سيختفون من الأرض المقدسة. لكن يجب أن نبذل كل ما في وسعنا لكي يبقوا. إنني أستمد رجائي من لقائي بالجماعات المسيحية، ومن إيمانها والتزامها».
وعندما سُئل الكاردينال عن إمكانية قيام البابا لاون الرابع عشر بزيارة إلى الأرض المقدسة عام 2033، بمناسبة مرور ألفي عام على آلام السيد المسيح وموته وقيامته، أبدى الكاردينال بيتسابالا حذرًا ممزوجًا بالرجاء. وقال: «نأمل ذلك. ما نريده قبل كل شيء هو أن يكون هذا الحدث شأنًا يخص جميع المسيحيين، لا الكاثوليك وحدهم».
وأضاف: «ليس لدينا في الوقت الراهن متسع كبير من الوقت للتفكير في هذا الأمر، لأن التحديات والاحتياجات الملحّة كثيرة جدًا. لكننا نرجو أن يشكّل عام 2033 ليس مجرد مناسبة تستقطب الزوار والحجاج، بل فرصة حقيقية لكي تقوم الكنائس بشيء مشترك معًا».
وحتى ذلك الحين، يتطلع الكاردينال بيتسابالا إلى مزار باراي-لو-مونيال ليستمد منه مصدرًا إضافيًا للرجاء. ويقول: «لقد أثّرت روحانية قلب يسوع الأقدس كثيرًا في طفولتي. وفي عالم يبدو فيه أن الكراهية تتغلب على كل شيء، أشعر أن الذهاب إلى مكان يفيض بالمحبة الكاملة، أي محبة قلب يسوع، أمر أساسي بالنسبة إليّ. إنه عزاء حقيقي».