موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تُعدّ كلمات المسيح في متى 43:5-44: «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ...» من أكثر أقوال العهد الجديد تحديًا للفهم الأخلاقي واللاهوتي. غير أن فهمها الدقيق يتطلب تجاوز القراءة المباشرة التي تجعل المسيح ببساطة في مواجهة «عهد قديم يأمر بالكراهية». فالنص أكثر تعقيدًا: نصف العبارة الأولى يعود صراحةً إلى لاويين 18:19، أما «وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ» فلا نجدها أمرًا مباشرًا في التوراة. ومن هنا يبدأ السؤال عن الخلفية الدينية والفكرية التي صاغت هذا القول.
«أحبب قريبك» في العهد القديم
تأتي العبارة الأساسية في متى من لاويين 18:19: «لَا تَنْتَقِمْ وَلَا تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». والملاحظ أن «القريب» في السياق الأصلي يرتبط بأعضاء الجماعة، لكن العهد نفسه يوسع دائرة المسؤولية الأخلاقية. ففي لاويين 33:19-34 يُطلب من كل جماعة بني إسرائيل أن يحبوا الغريب المقيم في أرضهم «كأنفسهم».
ولا يقف العهد القديم عند هذا الحد؛ فخروج 4:23-5 يأمر برد حيوان العدو الضال ومساعدته في حمله، بينما يقول أمثال 21:25: «إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا، وَإِنْ عَطِشَ فَٱسْقِهِ مَاءً». ولذلك لا يمكن اختزال أخلاق العهد القديم في كراهية العدو. فهناك داخله توتر بين نصوص الحرب والدينونة من جهة، ونصوص الرحمة والإحسان إلى الخصم من جهة أخرى.
ومن هنا فإن عبارة متى 43:5 تحتاج إلى تمييز: المسيح يقتبس «أحبب قريبك»، لكنه لا يقتبس من التوراة نصًا يقول حرفيًا «أبغض عدوك».
من النص الكتابي إلى التفسير الديني
تفتح صيغة المسيح «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ» مجالًا للنظر في كيفية انتقال النص الكتابي إلى حياة الجماعة وتفسيرها. فالقول المسموع قد يكون نصًا مقدسًا، أو تفسيرًا له، أو تعليمًا دينيًا متداولًا. ولا يجوز، مع ذلك، افتراض أن كل عبارة من هذا النوع تشير إلى «التقليد الشفهي» بمعناه المتأخر، أو إلى مصادر مثل المشناه والتلمود التي دُوّنت بعد زمن المسيح.
والاحتمال الأقوى في حالة متى 43:5 هو أن «أبغض عدوك» تمثل استنتاجًا أو تفسيرًا شائعًا نشأ من تضييق مفهوم «القريب»، أو تلخص اتجاهًا دينيًا يرى أن الالتزام الأخلاقي تجاه أبناء الجماعة لا يمتد بالضرورة إلى الخصوم.
وهنا تصبح صياغة متى مهمة جدًا: «سَمِعْتُمْ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ». فالمسيح لا يواجه مجرد كلمة منفردة، بل يواجه طريقة في فهم الوصية.
قمران والخلفية اليهودية في القرن الأول
تقدم مخطوطات البحر الميت شاهدًا بالغ الأهمية على وجود لغة دينية تقوم على التمييز الحاد بين الجماعة وخصومها. ففي قاعدة الجماعة (1QS 1:9–10)، كما ترجمها جِيزا فيرمِس، يُطلب من أعضاء الجماعة أن «يحبوا جميع أبناء النور» وأن «يبغضوا جميع أبناء الظلمة».
هذه العبارة لا تثبت أن يسوع اقتبس من قمران، ولا تثبت أن جماعة قمران كانت مصدر متى 43:5، لكنها تقدم شاهدًا تاريخيًا على أن ثنائية المحبة داخل الجماعة والعداوة تجاه الخصوم كانت موجودة في بعض البيئات اليهودية السابقة للمسيحية والمعاصرة لها.
وتزداد أهمية ذلك عند قراءة تعليم الروحين في (1QS 3:13-4:26)، حيث يظهر تصور كوني وأخلاقي ثنائي: روح الحق وروح الضلال، طريق النور وطريق الظلمة، وأبناء كل منهما. فالعداوة هنا ليست مجرد خلاف شخصي، بل جزء من رؤية لاهوتية للعالم.
وهذا يجعل المقارنة مع متى أكثر إثارة: يسوع لا يكتفي بتوسيع دائرة المحبة، بل يقلب منطق الفصل بين الجماعة والعدو عندما يقول: «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ».
الفرق اللاهوتي بين قمران وتعليم المسيح
المقارنة الدقيقة لا تقول إن قمران «تكره» ويسوع «يحب» وحسب؛ بل تسأل: ما الأساس اللاهوتي لتحديد الآخر؟
في 1QS تظهر هوية الجماعة من خلال انتمائها إلى «أبناء النور» ومواجهتها لـ «أبناء الظلمة». أما يسوع فيربط هوية تلاميذه بسلوك الآب: «لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى ٱلْأَشْرَارِ وَٱلصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى ٱلْأَبْرَارِ وَٱلظَّالِمِينَ» (متى 45:5).
وهنا يحدث تحول جوهري: علامة البنوة لله ليست مجرد الانتماء إلى جماعة صحيحة أو الوقوف ضد جماعة خاطئة، بل محاكاة محبة الله.
ومن ثم فإن المسيح لا يقول فقط: «لا تبغضوا أعداءكم»، بل يأمر: «أحبوا»، ثم يضيف «باركوا»، و«أحسنوا»، و«صلوا». إنه يحول العلاقة مع العدو من الامتناع عن الانتقام إلى إرادة الخير.
«العدو» في تعليم المسيح
العدو في متى 5 ليس مفهومًا سياسيًا أو عرقيًا محددًا؛ إنه الإنسان الذي يلعن ويكره ويضطهد ويسيء. ولذلك لا يجعل المسيح المحبة مرهونة باستحقاق الآخر.
لكن المحبة هنا لا تعني محبة الشر، ولا الموافقة على الظلم، ولا التخلي عن العدالة. إنها محبة الإنسان بوصفه إنسانًا، ورغبة في خلاصه وتوبته وخيره. ولهذا تصبح الصلاة من أجل العدو ذروة التعليم: فحين أصلي لمن أساء إليّ، أرفض أن أجعل شره معيارًا لرد فعلي.
وهذا يفسر صلة النص بالصليب. فالمسيح لا يقدم نظرية أخلاقية فحسب، بل يجسدها في قوله: «يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ» (لوقا 34:23)، كما يظهر النموذج نفسه في صلاة استفانوس لأجل راجميه (أعمال 60:7).
من الشريعة إلى كمال المحبة
لا ينبغي فهم قول المسيح «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ» بوصفه إلغاءً للشريعة، لأن المسيح نفسه يقول قبل ذلك: «مَا جِئْتُ لِأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ» (متى 17:5). إنما يكشف المسيح عن العمق الذي تصل إليه الشريعة عندما تُقرأ في ضوء طبيعة الله.
ولهذا تنتهي هذه الوحدة بعبارة: «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (متى 48:5). وفي السياق المباشر يبدو أن «الكمال» مرتبط بكمال المحبة التي لا تتوقف عند حدود الصديق أو القريب.
وهنا تصبح محبة العدو فعلًا لاهوتيًا قبل أن تكون مجرد فضيلة أخلاقية: المؤمن يحب عدوه لأنه يريد أن يكون ابنًا للآب، وأن يعكس في العالم شيئًا من محبة الله الشاملة.
خاتمة
تكشف المقارنة بين العهد القديم، والبيئة اليهودية في القرن الأول، ونصوص قمران، ومتى 43:5-44، أن تعليم المسيح لا يظهر في فراغ تاريخي، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن اختزاله في مجرد امتداد لأحد التيارات اليهودية المعاصرة له.
فالعهد القديم يحتوي أساس محبة القريب، كما يحتوي نصوصًا تدعو إلى الإحسان إلى العدو، إلى جانب نصوص الحرب والدينونة. وقمران تكشف عن وجود جماعة يهودية صاغت علاقتها بالآخر ضمن ثنائية «أبناء النور» و«أبناء الظلمة». أما المسيح فيدخل هذا العالم الديني ويقدم إعادة توجيه جذرية: لا تجعل عداوة الآخر مبررًا لكراهية الإنسان، بل اجعل العداوة مجالًا لإظهار محبة الله.
ولهذا فإن العبارة الأكثر أهمية ليست «وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ»، وإنما جواب المسيح عليها:
«أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ... وَصَلُّوا لِأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ».
فالانتقال الذي يحدث هنا ليس من «الكراهية» إلى «التسامح» فقط، بل من منطق المعاملة بالمثل إلى منطق النعمة، ومن حدود الجماعة إلى اتساع الرحمة، ومن الأخلاق الإنسانية إلى الاقتداء بالآب السماوي.
وفي هذا المعنى يمكن القول إن متى 43:5-44 لا يقدم مجرد تشريع أخلاقي جديد، بل يكشف منطق ملكوت الله ذاته: الشر لا يُغلب بتكرار الشر، والعدو لا يُهزم بأن نصير مثله، وإنما حين يرفض الإنسان أن يسمح لعداوة الآخر بأن تعيد تشكيل قلبه.
مراجع مختارة:
أغسطينُس، القديس. عظة الجبل. ترجمة يوحنا الحلو. بيروت: دار المشرق، 2017.
فرانس، ر. ت. إنجيل متى. ترجمة أديبة شكري. القاهرة: دار الثقافة، 1990.
Vermes, Geza. The Complete Dead Sea Scrolls in English. New York: Allan Lane, The Penguin Press, 1997.