موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٨ يوليو / تموز ٢٠٢٦

فن الأيقونات المسيحية: الجذور التاريخية والتمايزات المعاصرة

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
فن الأيقونات المسيحية: الجذور التاريخية والتمايزات المعاصرة

فن الأيقونات المسيحية: الجذور التاريخية والتمايزات المعاصرة

 

ثمرةُ هذه المقالة دورةٌ دراسيةٌ مكثفةٌ شاركتُ فيها مؤخرًا حول هندسة الأيقونات، وقد أتاحت لي هذه التجربة أن أقترب من هذا الفن الكنسي العريق من زاويةٍ تجمع بين التاريخ، واللاهوت، والجمال، والرمزية. ولم يكن هدفي تقديم دراسةٍ موسَّعةٍ تُحيط بجميع جوانب الموضوع، بقدر ما كان السعي إلى تقديم قراءةٍ موجزةٍ تُعرِّف القارئ بأصول فن الأيقونات المسيحية، وتُبرز أهم محطاته التاريخية، وتوضح أبرز التمايزات الفنية بين تقاليد الكنائس المختلفة.

 

ومن هنا، لا تدَّعي هذه المقالة الإحاطة بهذا الحقل الواسع، بل تُقدِّم مدخلًا أوليًّا إلى موضوعٍ يستحق دراسةً أعمق وأشمل، في ضوء المصادر التاريخية والدراسات الأكاديمية المتخصصة.

 

 

مقدمة

 

يُعدُّ فنّ الأيقونات أحد أبرز وجوه التراث المسيحي، إذ يجمع بين البعد اللاهوتي والجمالي والليتورجي، ويعكس عبر تاريخه الطويل تطور الفكر المسيحي في الشرق والغرب. وتسعى هذه المقالة إلى تقديم قراءة موجزة في نشأة الأيقونة، وتطورها التاريخي، وأهم المدارس الفنية التي أسهمت في تشكيلها.

 

 

أولًا: الجذور التاريخية وفجر الأيقونات المسيحية

 

لا يمكن فهم الأيقونة المسيحية بمعزل عن التراث المادي والمعنوي لعالم البحر الأبيض المتوسط القديم. فمن الناحية التقنية، تعود جذور التصوير على الألواح الخشبية إلى «صور مومياوات الفيوم»  (Fayum   Mummy Portraits)  في مصر الرومانية (من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن الثالث الميلادي)، حيث رُسمت وجوهُ المتوفين بملامح واقعية على ألواحٍ خشبية باستخدام تقنية التصوير بالشمع المنصهر (Encaustic)، وهي التقنية التي مهّدت الطريق مبكرًا لصناعة الأيقونات الخشبية المحمولة.

 

أمّا في المسيحية المبكرة، فقد اتّسمت المرحلةُ الأولى بالحذر الشديد من تصوير الشخصيات المقدّسة، تجنبًا لمخالفة الوصية الثانية في الشريعة اليهودية (خروج 20)، وتفاديًا لأيّ شبهةٍ وثنية. واكتفى المسيحيون الأوائل باستخدام الرموز المشفّرة في سراديب الموتى، مثل السمكة والراعي الصالح. وفي القرن الثالث الميلادي بدأت تظهر طلائعُ الرسوم السردية في مواقع مثل كنيسة دورا أوروبوس في سوريا  (التي تعود تقريبًا إلى سنة 235م)، حيث عُثر على رسومٍ جداريةٍ تروي قصص معجزات الشفاء والراعي الصالح. ومع اعتناق الإمبراطور قسطنطين للمسيحية، بموجب مرسوم ميلانو سنة 313م، خرجت المسيحية إلى العلن، وانتقل الفنانون تدريجيًا إلى استخدام الألواح الخشبية وتقنية التمبيرا (Egg Tempera). وبحلول القرن السادس الميلادي استقرّت المعالمُ الأولى للأيقونة اللاهوتية بمعاييرها الواضحة، كما يتضح جليًا في المجموعات المحفوظة بدير سانت كاترين بسيناء.

 

 

 

ثانيًا: حروب الأيقونات (Iconoclasm): الصراع والتحولات الكبرى

 

شهدت الإمبراطورية البيزنطية واحدةً من أقسى أزماتها الفكرية والسياسية، تمثلت في «حرب الأيقونات». وقد بدأت الأزمة رسميًا عام 726م بمرسوم أصدره الإمبراطور ليون الثالث الإيساوري، الذي حظر فيه تكريم الأيقونات، مدفوعًا باعتباراتٍ عقديةٍ وسياسيةٍ وإصلاحية. وانقسم المجتمع بين «محطمي الأيقونات» الذين مثلتهم السلطة الإمبراطورية والجيش، و«المدافعين عن الأيقونات» وفي مقدمتهم الرهبان والعلماء، وعلى راسهم يوحنا الدمشقي.

 

وقد مرّت الأزمة بمرحلتين أساسيتين:

 

المرحلة الأولى: انتهت مؤقتًا بانعقاد المجمع المسكوني السابع (مجمع نيقية الثاني) سنة 787م، والذي أقرّ شرعية تكريم الأيقونات (لا عبادتها)، استنادًا إلى عقيدة التجسد الإلهي.

 

المرحلة الثانية: تجددت في القرن التاسع، وانتهت نهائيًا سنة 843م، عندما ثبّتت الإمبراطورة ثيودورا (Theodora) قرار مجمع نيقية، وأعادت الأيقونات  إلى الكنائس في احتفالٍ مهيب، لا يزال معروفًا في الكنيسة الأرثوذكسية حتى اليوم باسم «عيد الأرثوذكسية».

 

ولم تكن هذه المعركة مجرد نقاشٍ جمالي، بل تقاطعت فيها دوافعُ لاهوتيةٌ تتعلق بطبيعة التجسّد، ودوافعُ سياسة هدفت إلى توحيد الدولة وإرضاء التيارات المتشددة، إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية ارتبطت بنفوذ الأديرة.

 

 

ثالثًا: التباين العقائدي: الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين

 

انعكس الانقسام اللاهوتي الذي أعقب مجمع خلقيدونية (451م) بوضوح على المدارس الفنية. فالأيقونة البيزنطية (الخلقيدونية) مالت إلى «الواقعية المثالية» المعبّرة عن لاهوت الطبيعتين، مع بنيةٍ فنيةٍ تتسم بالوقار وتعكس هيبة الإمبراطورية.

 

وفي المقابل، انطلقت الكنائس غير الخلقيدونية (الأقباط والسريان والأرمن) من رؤيتها اللاهوتية،  فاتجه فنها نحو «التجريد الرمزي». وقد تجلّى ذلك  في تضخيم الرأس، رمزًا للعقل والروح والتأمل، واتساع العينين بوصفهما «نافذتين روحيتين» لاستقبال النور الإلهي، مع تقليص حجم الجسد تعبيرًا عن الزهد والتخفف من ثقل المادة. وهكذا غدت الأيقونة بيانًا بصريًا للهوية المستقلة والمقاومة الثقافية في مواجهة المركز الإمبراطوري.

 

 

رابعًا: الفن المعاصر والتفاصيل التقنية للكنائس الثلاث

 

في العصور الحديثة، تبلورت مساراتٌ متميزة لكل كنيسة، وانعكست خصائصها التقنية والفنية على النحو الآتي:

 

الكنيسة الأرثوذكسية (الروم/البيزنطية): تتمسك بالتقليد الصارم (Neo-Byzantine)، وتعتمد تقنية البناء من الداكن إلى الفاتح، دون دمجٍ حادٍّ للألوان، في إشارةٍ إلى انبثاق النور. كما تعتمد المنظور المعكوس، بحيث يكون المشاهد في مركز الحدث. وتستخدم الخامات التقليدية، مثل الخشب، والكتان، والجص، والأصباغ الممزوجة بصفار البيض، والذهب الخالص.

 

الكنيسة الكاثوليكية: تتميز بانفتاحها الفني الواسع، ولا سيما منذ المجمع الفاتيكاني الثاني. وتعتمد على الدمج الناعم للألوان (Sfumato/Blending)، والتشريح الواقعي، والمنظور الخطي الهندسي، لإيجاد تدرجات واقعية للظل والنور، مستلهمةً تقنيات الرسم الزيتي أو الأكريليك، إلى جانب فن الزجاج المعشَّق.

 

الكنيسة القبطية: تركز على إحياء التراث الأصيل وجداريات الأديرة، وتعتمد المساحات المسطحة والخطوط الحادة السوداء الواضحة، مع إخضاع النِّسب لميزانٍ روحيٍ لا تشريحي؛ فتظهر الرؤوس الكبيرة، والعينان الواسعتان لوزيتي الشكل، والفم صغيرًا، مع استخدام الألوان الترابية الصريحة، التي تعبر عن الهوية المحلية والروحانية العميقة.

 

 

خاتمة

 

لا تدّعي هذه المقالة الإحاطة بجميع الجوانب التاريخية واللاهوتية والفنية لفن الأيقونات المسيحية، وإنما تُعدُّ مدخلًا موجزًا إلى هذا الموضوع الواسع، وتمهيدًا لدراسةٍ أكثر تفصيلًا تتناول نشأة الأيقونة، وتطور مدارسها، وأبعادها اللاهوتية والليتورجية، وعلاقتها بتاريخ الكنيسة الشرقية والغربية، في ضوء المصادر التاريخية والدراسات الأكاديمية المتخصصة.

 

 

 

مراجع للقراءة والدرس:

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ. دليلك لفهم الأيقونات. دار المشرق، بيروت، 2023.

ميشيل بي. براون. الدليل إلى الفن المسيحي. ترجمة ماهر نكلس و حنا يوسف. مكتبة دار الكلمة، القاهرة، 2013.

القديس يوحنّا الدمشقي. الدفاع عن الأيقونات المقدّسة. بدون اسم مترجم، دير سيّدة حماطورة، لبنان، 1997.

رؤوف حبيب. الأيقونات القبطية. مكتبة المحبة، مصر، بدون تاريخ.

رؤوف حبيب. الأثر المصري القديم في الفن القبطي. مكتبة المحبة، مصر، بدون تاريخ.

جلال أحمد أبو بكر. الفنون القبطية. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2011.

Susan Walker, Ed., Ancient Faces: Mummy Portraits from Roman Egypt. The Metropolitan Museum of Art, New York, 1997.

Marie Svoboda & Caroline R. Cartwright, Ed., Mummy Portraits of Roman Egypt.  J. Paul Getty Museum, Los Angeles, 2020.