موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٧ أغسطس / آب ٢٠٢٦

مغامرة الــTEOFANIA بين كاتبي سفر الملوك الأول والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (1مل 19: 9-13؛ مت 14: 22- 33)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (1مل 19: 9-13؛ مت 14: 22- 33)

 

المقدّمة

 

هل يتجلّى الربّ في حياتنا اليوم؟ أين يظهر الله؟ وهل الربّ دائمًا في السماء وعرشه في الأعالي؟ لقد سادت هذه التصوّرات في الفكر البشري، ولا سيّما في العهد القديم. غير أنّ نصَّي هذا المقال، في كلٍّ من العهدين، يقدّمان منظورًا جديدًا يصحّح هذا الفهم. ففي سفر الملوك الأوّل (19: 9-13)، نلتقي برجل الله إيليّا في لحظةٍ حاسمة من حياته، حيث نجد إجابة واقعية عن هذه التساؤلات من خلال خبرته الشخصية، إذ يسمع صوت الله ويلتقيه.

 

وعلى المنوال نفسه، يقدّم لنا يسوع، بحسب إنجيل متّى (14: 22-33)، استكمالًا لما تناولناه في المقال السابق، إذ يكشف لتلاميذه، وبصورة خاصة لا أمام الجموع، عن هويته الإلهية. ويفاجئنا بهذه المبادرة الفريدة، من خلال أقوال وأفعال تجعلنا، مع التلاميذ، نتعرّف إلى الله الحقيقي وإلى سماته، عبر أحداث تتّسم بما يُعرف بـ الثيوفانيا (Theophany)، أي التجلّي الإلهي، وهو المفهوم الذي سنحلّل معناه في ضوء النصّين. فهذا التجلّي يفسح المجال أمام الله ليدخل إلى عالمنا، لا بحسب توقّعاتنا البشرية، بل بحسب حقيقته الإلهية. وهنا تكمن الجِدّة: فالعالم الإلهي يدخل إلى العالم البشري، لنكتشف حضور الله في أحداث حياتنا اليومية.

 

1. الهروب والثيوفانيا (1مل 19: 9-13)

 

يروي كاتب سفر الملوك الأوّل حدثًا مميّزًا من حياة رجل الله إيليّا. ففي أثناء رسالته، شعر النبيّ بالوحدة، وبأنّه تُرك وحده بين أنبياء الربّ، في وقت بدا فيه أنّ بني إسرائيل قد انحرفوا إلى عبادة الأوثان. ففي الإصحاح السابق (1مل 18)، واجه إيليّا أنبياء البعل، وانتصر عليهم بقدرة إله إسرائيل، كما واجه الملك آخاب موبّخًا إيّاه على ابتعاده عن الله.

 

ولهذا السبب، تلقّى تهديدات متكرّرة من إيزابل، زوجة الملك آخاب، وأمام خطر الموت، قرّر الهرب وهو يقول: «كَفَى الآنَ يَا رَبُّ! خُذْ نَفْسِي، لأَنِّي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي» (1مل 19: 4). وسار إيليّا في الصحراء متسلّحًا بالقوّة التي منحها له الطعام الذي أعدّه الله له (راجع 1مل 19: 5-8)، أربعين يومًا وأربعين ليلة، حتى بلغ حوريب، جبل الله. وهناك، وسط الخوف والحيرة، استعاد شيئًا من قوّته، وعاد إلى منبع حياته، أي إلى الله. وفي الوقت نفسه، كان يحمل في قلبه همّ شعب إسرائيل الذي ابتعد، بإرادته، عن إلهه، بينما بقي إيليّا وحده يخدم الربّ ويقاوم الفكر الوثني.

 

إنّه الشعب نفسه الذي خرج إلى الصحراء ليعبد الربّ (راجع خر 7: 16؛ 8: 27؛ 10: 26)، فإذا به ينحرف إلى عبادة البعل، منافس إله إسرائيل. وكأيّ إنسان، شعر إيليّا بالوحدة، واستعاد في ذاكرته مسيرة الأربعين يومًا، وما ارتبط بها من أحداث عاشها الشعب مع الله في الصحراء حتى دخول أرض الموعد. ويكشف الكاتب، من خلال هذا المشهد، إنسانية إيليّا، الذي يمثّل كلّ واحد منّا حين يشعر بالتيه، والخوف، والحيرة، واليأس.

 

وفي وسط هذا الخوف، يبادر الله إلى النبيّ بسؤال يحمل في طيّاته العناية والافتقاد: «ماذا تفعل ههنا يا إيليّا؟» (1مل 19: 9). عندها، يستعيد إيليّا علاقته بالله الذي جاء يبحث عنه، ليعود إلى منبع حياته وحياة إسرائيل، ويكتشف معنى جديدًا لتلك المرحلة التي عاشها تحت وطأة الخوف واليأس والألم. إنها صورة الإنسان حين يبتعد عن الله.

 

ثم يروي الكاتب مرور الريح العاتية، فالزلزال، فالنار، لكنه يؤكّد ببراعة أنّ الربّ لم يكن في أيٍّ من هذه الظواهر الطبيعية. فالريح، والزلزال، والنار، لم تكن سوى صورة لما كان يعتمل في قلب إيليّا. ففي داخله ريح عاتية قادرة على شقّ الجبال وتحطيم الصخور (راجع 1مل 19: 11)، تعبّر عن غضبه وغيرته بعد قتله أنبياء البعل. وكان في داخله أيضًا زلزال عنيف، إذ هرب مذعورًا من تهديدات إيزابل، وانقلبت حياته رأسًا على عقب، حتى بدا وكأنّ ثقته بقدرة الله قد تزعزعت. كما كانت في قلبه نار مشتعلة (راجع 1مل 19: 12)، تعبّر عن غيرته الشديدة على الربّ (راجع 1مل 19: 10)، وهي الغيرة التي دفعته إلى مواجهة الشعب الذي ترك الله واتّبع آلهة أخرى.

 

كان إيليّا يتوقّع إلهًا يشبه ما يختلج في داخله؛ إلهًا للريح، والزلزال، والنار. لكن الله لم يكن في أيٍّ من هذه الظواهر، لأنّه ليس صورةً عن الإنسان، ولا يمكن اختزاله في تصوّراتنا البشرية. لقد أخطأ إيليّا، على الرغم من كونه رجل الله، في تصوّره لله الحقيقي.

 

فالله هو المختلف تمامًا، والآخر الإلهي، الذي يتجلّى في صوت منخفض خفيف، بل في الصمت نفسه. وحين كشف الله عن ذاته الحقيقية، غطّى إيليّا وجهه، لأنّه أدرك حضور الله غير المتوقّع (راجع 1مل 19: 13).

 

ومن هنا، يبرز السؤال: هل أعرف الله الحقيقي وأتواصل معه بحسب حقيقته الإلهية، أم بحسب تصوّراتي البشرية؟ وكم مرّة يبادر الله في حياتنا، من خلال كلمته، أو أحداثنا اليومية، أو أشخاص يضعهم في طريقنا، ليكشف لنا ذاته من خلال الثيوفانيا، أي التجلّي الإلهي؟

 

وعلى ضوء هذه المبادرة الإلهية مع إيليّا، يواصل يسوع، ابن الله المتجسّد، الكشف عن ذاته لتلاميذه، مستخدمًا الديناميكية نفسها التي أعلن بها الله حضوره في العهد القديم، ولكن هذه المرّة في إطار الثيوفانيا في العهد الجديد.

 

 

2.  مغامرة الثيوفانيا (مت 14: 22-33)

 

الثيوفانيا (Theophany) لفظٌ يوناني الأصل يشير إلى حدث إلهي عظيم، يبادر فيه الله إلى الاقتراب من الإنسان بصورة مباشرة، ويكشف له، من خلال الحوار، عن بعض سماته الإلهية الخاصة. وتعني الثيوفانيا التجلّي أو الظهور الإلهي في العالم البشري، بحيث يكتشف الإنسان بُعدًا جديدًا من حقيقة الله، لم يكن يعرفه من قبل.

 

وكما افتقد الله نبيَّه إيليّا في العهد القديم، في لحظة يأسه وألمه، يأتي يسوع، بحسب رواية الإنجيلي متّى، ليقدّم لتلاميذه خبرة مماثلة. غير أنّ الثيوفانيا هنا لا تتمّ على جبل، ولا في البرية، بل في وسط البحر الهائج، حيث يتجلّى يسوع ويكشف عن هويته الإلهية في قلب الخوف والاضطراب.

 

وفي هذا المقطع الإنجيلي (مت 14: 22-33)، واستكمالًا لما تناولناه في المقال السابق، نجد يسوع يُلزم تلاميذه بالصعود إلى القارب والعودة إلى كفرناحوم، ثم يبادر إلى الكشف عن حقيقة إلهية فائقة للطبيعة، إذ يلحق بهم من دون أي وسيلة بشرية، معلنًا بذلك سلطانه الإلهي. فهو ابن الله، العارف بكل شيء، والقادر على أن يفعل ما يشاء.

 

 

3. الرياح اليومية (مت 14: 22-24)

 

بحسب السرد المتّاوي، كانت الأمواج تتقاذف القارب ليلًا، فيما كانت الرياح المعاكسة تعيق تقدّم التلاميذ (راجع مت 14: 24). ولم يكن أمامهم سبيل إلى الهرب، كما فعل إيليّا إلى الجبل، بل وجدوا أنفسهم تحت رحمة البحر.

 

ويرمز البحر، كما المياه في الكتاب المقدس، إلى الشرّ والخطر والهشاشة. وبينما كان التلاميذ يصارعون الأمواج، بقي يسوع وحده على الجبل يصلّي (راجع مت 14: 22). وكان التلاميذ قد انطلقوا في رحلتهم بعد أن أشبعهم يسوع مع الجموع من الخبز، بسخاء ومجانية عظيمين (راجع مت 14: 13-21).

 

وفي خضمّ هذه المعاناة، يبادر يسوع إلى اتخاذ الخطوة الأولى، فيفتقد تلاميذه في محنتهم، إذ يرى قلوبهم مضطربة وقلقة، تمامًا كما كان البحر هائجًا من حولهم. ويرمز القارب، في اللاهوت المتّاوي، إلى الكنيسة؛ أي إلى جماعة المؤمنين التي تواصل مسيرتها وسط رياح الحياة وتحدياتها، ثابتة بالإيمان بالرب.

 

 

4. الصراع والتجلّي (مت 14: 25-33)

 

في لحظة اضطراب التلاميذ وخوفهم، كما في لحظات اضطرابنا نحن أيضًا، يأتي يسوع، بحسب وصف الإنجيلي، «ماشيًا على البحر» (مت 14: 25). وبشريًا، يبدو هذا الحدث غير متوقَّع ولا يمكن تفسيره بمنطق الإنسان. لكن يسوع يبادر إلى تحدّي كل ما يرعبنا، ويُظهر سلطانه على قوى الشر، متجلّيًا ربًّا وإلهًا.

 

ولم يأتِ يسوع إلى تلاميذه بالطريقة التي ظهر بها الله لإيليّا في الصوت الخفيف، بل تجلّى لهم بما يناسب واقعهم، وسط البحر الهائج. وكان التلاميذ، في خوفهم، يصرخون ظانّين أنهم يرون شبحًا، لكن يسوع جاء ليبدّد خوفهم، ولم يسمح للأمواج أن تنال منهم.

 

ويمثّل بطرس، في هذا المشهد، كل تلميذ، بل كل واحد منّا. فعندما طلب من يسوع أن يسير هو أيضًا على الماء، بدأ يشارك في هذه الخبرة الفريدة، لكنه، ما إن رأى شدّة الريح، امتلأ خوفًا، وأخذ يغرق في أمواج البحر. عندئذٍ مدّ يسوع يده إليه، وانتشله وأنقذه.

 

ويرتبط تجلّي يسوع لتلاميذه على المياه، قبل قيامته، ارتباطًا وثيقًا بتجلّي الله لإيليّا على جبل حوريب. فكلا الحدثين يجسّدان الظهور الإلهي للبشر، ويكشفان عن حضور الله الذي يبادر إلى لقاء الإنسان في مختلف الأزمنة.

 

وفي وسط صراع التلاميذ، وشعورهم بالوحدة في القارب، وبين أمواج البحر ورياح الشرّ التي كانت تهدّدهم وتملأ قلوبهم بالخوف، حتى حجبت عنهم القدرة على إدراك حضور يسوع، جاءت الثيوفانيا لتعيد إليهم الرؤية الحقيقية. فالخطر لا يكمن في الأمواج أو الرياح فحسب، بل في أن تصبح هذه الظروف هي المعيار الوحيد الذي من خلاله نحاول أن نفهم يسوع ونحدّد هويته.

 

إنّ الثيوفانيا تمثّل جواب الله على مخاوفنا وتحدياتنا اليومية. فإيماننا يدعونا إلى الثقة بأن يسوع يأتي إلينا، حتى عندما يبدو الشرّ محيطًا بنا من كل جانب. وعندما يصعد إلى قارب حياتنا، وسط أحداثها اليومية، يهدّئ اضطرابها، ويملأ قلوبنا سلامًا، لأنه يبادر دائمًا إلى لقائنا وإنقاذنا، كلما ظننا أننا وحدنا نصارع أمواج الحياة.

 

 

الخلاصة

 

في ختام هذا المقال، نجد أنّ كلا النصّين (1مل 19: 9-13؛ مت 14: 22-33) يطرحان علينا سؤالًا جوهريًا: كيف ندرك الحضور الإلهي حين تجتاحنا أحداث الحياة، ونشعر برياحٍ، وزلازل، ونيرانٍ تعصف في داخلنا وتحيط بنا؟

 

إنّ الجواب يكمن في البحث عن الصوت الخافت وسط الصمت. فلقاؤنا بالله، الذي يبادر إلينا بمحبة وصلاح، يقتضي استعدادًا داخليًا للتخلّي عن تصوّرنا له بوصفه مجرد استجابة تلقائية لتوقعاتنا أو لمخاوفنا. فالسلام لا يعود إلينا عندما يحقّق الله ما ننتظره، بل عندما نفسح له مكانًا في قارب حياتنا اليومية، ذلك القارب الذي تتقاذفه الأمواج وتعصف به الرياح.

 

ولا يستطيع التلميذ أن يثبت في وسط العاصفة إلا إذا ظلّ سائرًا على خطى الرب. وهكذا نصبح نحن أيضًا قادرين على معايشة الثيوفانيا (التجلّي الإلهي)، من دون أن نجعل من ذواتنا المرجع الأول أو المعلّم الأوحد لحياتنا. وهنا يكمن التحذير: أن ننتبه، نحن التلاميذ، أي الكنيسة، إلى ألّا نضع أنفسنا مكان يسوع، لأنّ أقلّ هبّة ريح كفيلة بأن تزعزعنا، بل قد تُغرقنا.

 

إنّ الكنيسة تتعلّم، في عبورها اليومي عبر مياه التاريخ، أن تنتقل من إيمان الأمس الضعيف إلى ثقةٍ أعمق وإيمانٍ أكبر بالرب، اليوم وغدًا. فلتبقوا متحلّين بروح المغامرة الروحية التي تدفعنا إلى اكتشاف تجلّيات الله (الثيوفانيا) في أحداث حياتنا، يومًا بعد يوم.