موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٩ يوليو / تموز ٢٠٢٦

التعليم بالـdabar والـParabolin: بين كاتبي نبؤة أشعيا والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 55: 10- 11؛ مت 13: 1- 23)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 55: 10- 11؛ مت 13: 1- 23)


المقدّمة

 

ما هو ردّ فعلنا اليوم أمام الصوت الإلهي الذي يتواصل مع الإنسان، بأشكال مختلفة، على مرّ العصور؟ وأمام الرسائل والتعاليم الإلهية التي تصل إلى ذروتها، بشكلين شائعين، في هذا المقال من خلال مسيرتنا الكتابية بين العهدين؟

 

يعلن النبّي أشعيا (55: 10-11) قدرة الـ dabar التي تخترق العالم البشري وحالة السبي التي يعانيها بنو إسرائيل، فتأتي همسات إله العهد القديم برسالة تعزية ومعونة، كما سنحللها لاحقًا. وبالتوازي، يستمرّ الربّ في التواصل معنا كبشر بشكل مرئي من خلال يسوع الابن، الذي يرافق خطوات الإنسان في عصره وخطواتنا اليوم.

 

وتكشف البشارة المتّاوية (13: 1-23) عن سرّ الملكوت مستخدمًا وسيلة بسيطة وقوية في الوقت نفسه، من خلال تعليمه بالـParabolin ، وهي وسيلة مهمّة يكشف بها إلهنا عن عالمه الإلهي لنا نحن البشر، كما سيتضح في كل خطبة ليسوع بالأمثال.

 

 

1. التعليم بالـ dabar الإلهية (أش 55: 10-11)

 

يمنحنا سفر أشعيا، في الجزء الثاني من النبوءة، وهي ما نطلق عليها "كتاب التعزية"، آيات جوهرية شهيرة، بل يحفظها كثيرون عن ظهر قلب. تؤكد هذه الآيات القليلة مرافقة الربّ لشعبه في التحرير والخلاص من السبي، ومن خلال كلمته المُعلنة بواسطة أنبيائه، ليعزيهم عمّا عانوه من ألم واضطهاد في أرض السبي، بابل.

 

لذا تأتينا كلمات النبي في تلك الآيات مشيرة إلى قدرة الكلمة الإلهية التي لها تأثير لا يوصف، لأنها خرجت من فم الرب، مستخدمةً استعارة المطر والثلج، وممهِّدةً لهذه الآيات بالصيغة الكتابية الجوهرية في اللاهوت النبوي، قائلًا: «يقول الربّ» (أش 54: 17).

 

إذًا، نحن أمام كلمة مُعلنة، لكل بني إسرائيل في الماضي، ولنا في الحاضر، من الرب القائل: «لأَنَّه كما يَنزِلُ المَطَرُ والثَّلجُ مِنَ السَّماءِ ولا يَرجِعُ إِلى هُناك دونَ أَن يُروِيَ الأَرضَ ويَجعَلَها تُنتِجُ وتُنبِتَ لِتُؤتِيَ الزَّارعَ زَرعًا والآكِلَ طَعامًا، فكذلك تَكونُ كَلِمَتي الَّتي تَخرُجُ مِن فَمي: لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغةً، بل تُتِمُّ ما شِئتُ، وتَنجَحُ فيما أَرسَلْتُها لَه» (أش 55: 10-11).

 

إننا أمام الشخص الإلهي الذي لا يزال يتواصل معنا بكلمته القديرة، مبادرًا بتوجيه كلمته إلينا، ثم يعمل على أن تجد أرضًا صالحة في آذاننا وقلوبنا وحياتنا، كلما انفتحنا عليها، وقبلناها، وتجـاوبنا معها.

 

إن ملء كلمة الله يجعل من حياتنا حياةً خصبة، تتأثر بها وتحاول، بالرغم من الضعف البشري، أن تترك مساحة ليتمّ مخطط الله من خلالها، بالكلمة التي يوجهها إلى كل مؤمن بصورة شخصية.

 

ولفظ "كلمتي" يقابله في العبرية لفظ dabar، وهو يميز المتكلم الإلهي، الذي لكلمته من القدرة والملء ما يجعلها تصنع العجائب، بخلاف الكلمات البشرية التي قد لا يكون لها التأثير نفسه.

 

وعلى هذا المنوال، بعد أن ناقشنا ملء كلمة الرب في العهد القديم، في وقت كان فيه الإله غير مرئي، سنناقش قدرة وملء كلمة الإله المرئي في يسوع الابن، من خلال النص بحسب متّى في العهد الجديد.

 

 

2. كلمة المعلّم (مت 13: 1-23)

 

يبدأ متّى الإنجيلي في العظة الثالثة، وهي التي نطلق عليها «خطبة يسوع بالأمثال» (مت 13)، بحسب منهجيته. ويشير الإنجيلي إلى الأفعال الحركية ليسوع، التي يختتم بها سلسلة المعجزات في أحد البيوت (راجع مت 12: 47-50)، ليفتتح عدة لقاءات تعليمية مع الجموع، بحضور التلاميذ.

 

يهيئنا الإنجيلي متّى، وهو الذي رافقنا بولادة عمانوئيل (راجع مت 1-2)، في وصفه ليسوع الذي يخرج من البيت ليستمر في رسالته التعليمية، مبشرًا بالملكوت، قائلًا: «في ذلك اليوم خَرَجَ يسوعُ مِنَ البَيت، وجلَسَ بِجانِبِ البَحر. فازْدَحَمَت عليهِ جُموعٌ كَثيرة، حتَّى إِنَّه رَكِبَ سَفينةً وجَلَسَ، والجَمْعُ كُلُّه قائمٌ على الشَّاطِئ» (مت 13: 1-2).

 

لم يجلس يسوع على كرسي موسى كمعلم للشريعة، بل من واقع حياتنا اليومية، مما يشير إليه الإنجيلي بهذا الوصف، إلى أن يسوع، الذي وُلد في عالمنا البشري، أصبح الآن بإمكاننا أن نراه، ونسمع صوته، ونتبعه في أي مكان يذهب إليه. فهو ينظر إلينا ويحاورنا، والأهم أنه يكلمنا من واقع حياتنا اليومية ليعلن لنا الملكوت.

 

ومن خلال سلسلة الأمثال التي تسود آيات الإصحاح الثالث عشر كله، يوضح لنا معنى ملكوت الله.

 

المثل هو لفظ من اليونانية Parabolin، ويعني تفسير سرٍّ إلهي عظيم وغامض وصعب بطريقة تُسهِّل على المؤمن أن يفهم سرّ الله وسرّ ملكوته معًا. لذا يروي الإنجيلي ردّ فعل يسوع أمام الجموع التي تتبعه أينما يذهب، قائلًا: «فكلَّمَهُم بالأَمثالِ على أُمورٍ كثيرةٍ، قال: ...» (مت 13: 3).

 

من جديد، يفتح يسوع فمه، كما فعل إلهنا في العهد القديم، الذي بقوة كلمته المعلنة للأنبياء، كما ناقشنا أعلاه، فيستمر في التواصل معنا ليكشف لنا الجديد من العالم الإلهي.

 

يبدأ يسوع في هذا المقطع، الذي ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، بتعليم الجموع من خلال الأمثال، مبتدئًا بالمثل الشهير، مثل الزارع (مت 13: 3-9). ثم يجيب عن تساؤل أحد تلاميذه (مت 13: 10-17)، وأخيرًا يقوم يسوع، المعلّم، بتفسير المثل الذي أعلنه، ليكشف عن جوهر ملكوت الله (مت 13: 18-23).

 

ومن جديد تأتي كلمة الابن لتنير الإنسان، وتكشف عن حبّ الرب له.

 

وبسبب طول هذا المقطع، سأتوقف معكم عند تفسير الجزء الثاني منه (مت 13: 10-17).

 

 

3. التعليم بالـ Parabolin (مت 13: 10-17)

 

ها نحن بجوار البحر، حيث تأتينا تعاليم يسوع مع الجموع. ففي الجزء الأول من المقطع موضوع تأملنا (مت 13: 3-9)، يعلمنا يسوع من خلال مثل الزارع.

 

والسبب في اختيار يسوع لهذا المثل هو أن الحياة التي كان يعيشها الشعب الإسرائيلي المعاصر له كانت تتميز بالزراعة والرعي، إلى جانب كثير من الأعمال اليدوية والحِرَف التي تعتمد على الإنسان، كالنجارة والصيد وصناعة الفخار وغيرها.

 

وأشار، من خلال هذا المثل، إلى ثلاثة أنواع من الأراضي، كاشفًا أهمية الكلمة الإلهية من جهة، وأهمية تمييز الإنسان الصاغي بأذنيه للكلمة من جهة أخرى.

 

ويكشف لنا الإنجيلي هدفه اللاهوتي، وهو رغبة يسوع في أن يعلن العالم الإلهي، كاشفًا تفاصيله الدقيقة لكل واحد منا.

 

لذا تأتي إجابة يسوع الواضحة عن تساؤل تلاميذه: «لِماذا تُكلِّمُهم بالأَمثال؟» (مت 13: 10).

 

من الرائع في هذا الحوار التعليمي الذي يقدمه متّى كشفُ جوهرية تعليم يسوع بالأمثال، بوصفها ضرورةً لمن لم يعرف الرب ولم يلتقِ به بعد، موضحًا الفرق بين تابعيه من التلاميذ وبين الذين لم يعرفوه حتى الآن، بقوله:

 

«لأَنَّكم أُعطيتُم أَنتُم أَن تَعرِفوا أَسرارَ مَلكوتِ السَّمَوات، وأَمَّا أُولَئِكَ فلم يُعطَوا ذلك [...] وإِنَّما أُكلِّمُهم بِالأَمثال لأَنَّهم يَنظُرونَ ولا يُبصِرون، ولأَنَّهم يَسمَعونَ ولا يَسمَعون ولا هم يَفهَمون. وفِيهِم تَتِمُّ نُبُوءةُ أَشَعيا حَيثُ قال: "تَسمعونَ سَماعًا ولا تَفهَمون، وتَنظُرونَ نَظرًا ولا تُبصِرون. فقد غَلُظَ قَلبُ هذا الشَّعب، وأَصَمُّوا آذانَهم، وأَغمَضوا عُيونَهم، لِئَلاَّ يُبصِروا بِعيونِهم، ويَسمَعوا بِآذانِهم، ويَفهَموا بِقُلوبِهم، ويَرجِعوا، فأَشفِيَهم". وأَمَّا أَنتُم، فَطُوبى لِعُيونِكم لأَنَّها تُبصِر، ولآذانِكم لأَنَّها تَسمَع. الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِنَّ كثيرًا مِنَ الأَنبِياءِ والصِدِّيقينَ تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فلَم يَرَوا، وأَن يَسمَعوا ما تَسمَعونَ فلَم يَسمَعوا» (مت 13: 11-17).

 

إن جوهرية تعليم يسوع بالأمثال هي جوهر رسالته؛ إذ يفتح آذاننا لنبصر حقيقة ما هو أمامنا، وأن نسمع ما يوجهه إلينا من كلمات ورسائل إلهية، وأخيرًا أن نفهم. أي إن هناك مسيرة توبة تبدأ بالبصر، ثم السمع، وتبلغ ذروتها عندما نحيا ونطبق ما نبصره من أعمال إلهية، وما نسمعه من كلمات وتعليم، بالكلمات وبالأمثال، أي بالـ dabar والـ Parabolin.

 

ففي الفهم يُتَّخذ قرار التوبة، واللاعودة إلى غلاظة القلب، أي الاستمرار في اتخاذ اتجاه يختلف عن الاتجاه الذي يرشدنا إليه الرب بكلمته وبتعليمه.

 

ويختتم متّى هذا الحوار بين يسوع والتلاميذ، بتقديم يسوع إجابة واضحة عن تساؤلهم، حيث يتوجه بنظرة خاصة إليهم، كاشفًا عن الطوبى الخاصة بهم، بوصفهم تابعيه، قائلًا: «وأَمَّا أَنتُم، فَطُوبى لِعُيونِكم لأَنَّها تُبصِر، ولآذانِكم لأَنَّها تَسمَع. الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِنَّ كثيرًا مِنَ الأَنبِياءِ والصِدِّيقينَ تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فلَم يَرَوا، وأَن يَسمَعوا ما تَسمَعونَ فلَم يَسمَعوا» (مت 13: 16-17).

 

إن اللقاء الحقيقي بالرب، والتتلمذ على يديه، واتباعه عن قرب، هو ضمان ونعمة في آنٍ معًا. وهذه الكلمات يوجهها لنا يسوع، نحن المؤمنين به، إذ إن تبعيتنا له، وانفتاح القلب والأذن والعين على تعليمه، يجعله من جديد يكشف أسرار الملكوت لي ولك.

 

 

الخلاصة

 

ناقشنا في هذا المقال، الذي أعطيناه عنوان «التعليم بالـ dabar والـ Parabolin»، أن قوة الكلمة الإلهية، كما رأينا في نصوص العهد القديم، بحسب أشعيا (55: 10-11)، لا تزال تتواصل معنا، وتهدف إلى تجديدنا، والأهم إلى قبولها في حياتنا، فلا تعود فارغة، بل تحيي علاقتنا بالله.

 

وفي العهد الجديد، مع متّى الإنجيلي، تناولنا أحد أمثال الإصحاح الشهير بخطبة الأمثال (13: 1-23)، إذ كشف، بصورة خاصة، لتلاميذه الذين تبعوه، والتقوا به، ورأوه، وسمعوه، أن أسرار الملكوت تُكشف لكل من يلتقي بالرب، ويستعد لأن يسمع صوته، ويميّزه من بين الأصوات المحيطة به، وينظر بعينيه إلى أحداث حياته، ويفهمها بالفكر السامي، فيكتشف أن الملكوت يبدأ من هنا والآن، وهو جوهر الكلمات الإلهية والأمثال التعليمية في كلا العهدين.

 

دمتم في لقاءٍ حقيقي مع الرب، كتلاميذ مُطوَّبين منه.