موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الثالث عشر من الزّمن العادي (أ)
المقدّمة
مضمون مقالنا غريب بعض الشيء، وهذا يتضح من العنوان الذي أعطيناه إياه: «موجة الخير الأسمى». حيث سنناقش في المقطع الأوّل بحسب سفر الملوك الثاني (4: 8-16) نصًا يشير إلى مشاركة الخير من قِبل امرأة شونميّة كنوع من ترحيبها برجل الله، أليشاع النبيّ، مما يعود عليها بما هو غير متوقع منها نهائيًا.
ونجد أنّ تعليم يسوع في العهد الجديد، في النص الثاني بحسب إنجيل متّى (10: 37-42)، يتوازى مع «موجة الخير الأسمى»، حيث يعكس الجديد من المفاهيم اللاهوتيّة التي تشير إلى أنّ الصليب هو مصدر الخير الأسمى، مما يجعلنا نتعمّق في الانقلاب الوارد بالنص؛ إذ في الوقت الذي، بحريّتنا، نفقد حياتنا ونبذلها، نجد أنّ هناك خيرًا أسمى غير متوقع من قِبلنا.
نهدف من خلال مقالنا هذا إلى التعمّق في الخير الذي يسمح لنا به الرب، مما يدعونا في الوقت ذاته إلى الانطلاق للمشاركة به، ليس طمعًا في الجزاء الإلهي، بل حبًا في اتّباع يسوع الذي يدعونا ويؤهلنا لحمل الصليب، مع إعطاء الأولويّة للرب وليس لأشخاص أو لأشياء، كما سنعرض لاحقًا.
1. مشاركة الخير (2 مل 4: 8-17)
في الجزء الذي نصنّفه بالكتب التاريخيّة بحسب الكتب المقدّسة المسيحيّة في العهد القديم، ينتمي هذا السفر إلى الكتب الأخرى بحسب الكتب المقدّسة العبريّة. وسفر الملوك، الذي ينقسم إلى جزأين، ينتمي إلى مجموعة الكتب التي تسرد أحداثًا تمّت معايشتها.
ففي سفر الملوك الأوّل ترد رواية إيليّا الشهيرة (راجع 1 مل 18: 1 ت). ونجد أيضًا أنّ شخصيّة أليشاع النبي، بحسب قول الرب لإيليّا: «... وامسح أليشاع بن شافاط من آبَل محولة نبيًّا مكانك» (1 مل 19: 16ب).
ومن هنا بدأت شخصيّة أليشاع تظهر مرتبطة بشخصيّة إيليّا، معلّمه، والذي قبل رسالة الرب له وبدأ في التواصل مع إيليّا (راجع 1 مل 19: 19-21). وبعد نهاية رسالة إيليّا الأرضيّة، استمرّ أليشاع في رسالته النبويّة استمرارًا لرسالة إيليّا.
تشير قراءتنا الأولى في العهد القديم (2 مل 4: 8-11، 14-16)، والتي تتمحور حول الدور النبوي الذي يقبل موجة الخير، والمفاجأة هي المبادلة بخير آخر وأعظم، لأنه غير متوقع وغير منتظر.
يروي هذا النص لقاءً غريبًا بين النبيّ أليشاع وامرأة شونميّة، حيث بادرت هذه المرأة بالخير بشكل مسبق بحسب سرد الكاتب: «وكان في بعض الأيام أن أليشاع مرّ بشونم. وكانت هناك امرأة غنيّة، فأمسكته ليأكل. وأخذ، كلّما مرّ، يميل إلى هناك ليأكل. فقالت لزوجها: قد علمت أنّ هذا الذي يمرّ بنا دائمًا هو رجل الله وقدّيس. فلنبنِ له عليّة صغيرة ونضع له فيها سريرًا ومائدة وكرسيًّا ومنارة، حتى إذا جاءنا يأوي إلى هناك» (2 مل 4: 8-11).
بقبول أليشاع لهذا الاستقبال مع خادمه جيحزي، رغب في أن يبادل فعلها الخيّر بخير آخر، فتساءل في حواره مع خادمه: «ماذا أصنع لها؟ [...] ليس لها ولد ورجلها شيخ كبير». فقال: «إنكِ، في مثل هذا الوقت من السنة المقبلة، ستحتضنين ابنًا» (2 مل 4: 14-16).
وتأتي المفاجأة غير المتوقعة بحسب سرد الراوي قائلًا:
«ثم حملت المرأة وولدت ابنًا في مثل هذا الوقت من السنة التالية، كما قال أليشاع» (2 مل 4: 17).
مدعوّون من خلال هذا الحوار إلى أن ننفتح على العمل الإلهي الذي تمّ كشفه من خلال النبي، ونتتبّع مبادرة الشونميّة بموجة الخير العارمة تجاه النبي. هذا الانطلاق بتقديم الخير أعان المرأة على أن تتحقّق رغبتها وتصير أمًا لابن ذكر.
يشكّل الخير مفتاحًا لفهم الدور النبوي وتعليم يسوع بحسب متّى الإنجيلي، الذي سنفسّره لاحقًا على لسان يسوع. ويتضح مضمون مقالنا الرئيسي المستقى من قراءاتنا بين العهدين، وهو التعرّف على الخير الذي يحيط بنا.
ففي كلّ مرة نقبله ونشاركه بخير آخر، يجعل روح التلميذ الذي نحمله مبشّرًا بوجه الرب الذي يبثّ موجات خيره العظيمة من خلالنا.
2. الخير الأسمى: يسوع (مت 10: 37-39)
بينما ينتمي سفر الملوك إلى قسم الكتب التاريخيّة في العهد القديم، نقرأ بشكل متوازٍ مقطعًا من الإنجيل المتّاوي، الذي ينتمي بل يفتتح الأناجيل الإزائيّة في العهد الجديد.
يتّبع كاتب الإنجيل المتّاوي منهجيّة خاصة بحسب لاهوته، الذي يتميّز بكشف هويّة يسوع «مصدر كلّ خير» من خلال العظات الخمس في الإنجيل.
في هذا المقطع سنتوقّف أمام بعض تعليم يسوع في عظته الثانية «العظة الإرساليّة أو التبشيريّة»، والتي تبدأ من مت 9: 23 وتنتهي في مت 11: 1. ففي هذا المقطع، وقبل ختام يسوع لعظته الثانية، نناقش الآيات التعليميّة ليسوع حول موجة الخير الأسمى التي تجد مصدرها في الله الآب، الذي أرسل يسوع ليس كنبيّ فقط، بل مُعلنًا للخير الأعظم الذي سيتمّمه من خلال الخير الناتج عن صليبه.
وهذا ما سنكشفه من خلال تركيز يسوع في كلماته التي يوجّهها بصيغة المفرد، أي لي ولك بشكل خاص. ولفهم أفضل لهذه الآيات، ينبغي علينا أن نعود إلى الوراء لقراءة هذا النص الإنجيليّ (مت 10: 37-42)، وربطه بالآيات السابقة لهذا المقطع (راجع مت 10: 34-36)، حيث نجد نبرة يسوع التحذيريّة بسبب سوء فهم هويّته ورسالته من جهة معاصريه غير المدركين للخير الذي بينهم.
في الواقع، يرتكز الإنجيلي في هذه الآيات على تنبيهنا، نحن القرّاء المؤمنين اليوم، إلى أنّ هويّتنا كتلاميذ ورسالتنا ترتبطان بشكل قوي بهويّة يسوع الحقيقيّة ورسالته. هذا الترابط بين يسوع المعلّم والتلاميذ الرسل، الذين يمثّلوننا اليوم، يمتدّ في جميع جوانب العظة الإرساليّة بحسب إنجيل متّى.
«مَن كان أبوه أو أمّه أحبّ إليه منّي، فليس أهلًا لي.
ومن كان ابنه أو ابنته أحبّ إليه منّي، فليس أهلًا لي.
ومن لم يحمل صليبه ويتبعني، فليس أهلًا لي».
تؤكّد الآيات الأولى (مت 10: 37-38) على أولويّة الله، التي يجب علينا كتلاميذ، أنا وأنت، أن نتذكّرها دائمًا كي لا نضيّع رسالتنا.
وهنا يأتي دورنا واختيارنا الحرّ، حيث إنّ لفظ «مَن» يضعنا أمام مفترق الطرق لنختار بروح التمييز الحقيقي الحبّ، ولنضع في المقدّمة «أولويّة الربّ» في اختياراتنا.
ثم يأتي بوضوح تعليم يسوع عن الصليب في ختام هذه الآيات قائلًا: «ومن لم يحمل صليبه ويتبعني». فإذا لم «يحمل التلميذ الصليب» و«يتبع» يسوع، فإنّه لم يعد تلميذًا حقيقيًا. فتصبح هويّتنا كتلاميذ على المحك.
الصليب نفسه مصدر للمقاومة، بل منه تتفجّر الخيرات الخلاصيّة، ولذلك هناك إغراءات دائمة بالتخلّي عنه. لكن الصليب يحمل في طيّاته معنى الخير الأسمى: يسوع.
3. الصليب: قلب الخير (مت 10: 39-42)
يستكمل يسوع تعليمه مباشرةً في الآيات اللاحقة قائلًا:
«مَن حفظ حياته يفقدها، ومَن فقد حياته في سبيلي يحفظها» (مت 10: 39).
يفسّر يسوع عبارة «حمل الصليب»، فهي تعني التضحية بالحياة الخاصة بشكل إرادي وطواعيّة وبدون إجبار، أي عيشها في «العطاء» و«الحبّ». هذا هو جوهر حياة يسوع معلّمنا وربّنا؛ ونحن مدعوّون لأن يكون الهدف ذاته جوهر حياتنا كتلاميذ.
هذا الانعكاس في التعبيرات التي يستخدمها الإنجيلي يبرز معنى «فقدان الحياة»، مما يعني «إيجادها». إنّ استخدام الإنجيلي للفعل الأوّل «يفقد» نابع من الحاجة إلى موازاته مع الفعل الثاني «يجد». إنّه مبدأ لاهوتي بالغ الأهميّة، فمن يهب حياته، ومن يحياها كخير من الربّ له، أي من يحبّ، يحيا حقًا، وبالحبّ «يجد» حياته.
وقد تحدّثنا هنا في الآيات الأولى عن «حرية» التلاميذ، والآن عن «حبّ» التلاميذ؛ هاتان الصفتان هما اللتان تضفيان على الحياة ثقلًا وعمقًا.
فالنص الإنجيلي لا يدعونا إلى «إنكار الحياة» بمعنى ازدراء الحياة الحاضرة، بل إلى «عيشها حقًا» بحرية وبحبّ. يحرم الإنسان ذاته من إمكانية «الحياة» حين يقيّد ذاته في عبوديّة الانغلاق والأنانيّة والعلاقات بمن يحبّهم.
وهنا يسوع يفتح أمامنا حبًّا أسمى حاملًا للخير، فيصير الصليب قلب كلّ الخير الآتي من الربّ، ويصبح كموجة خير عذبة، وقت صعوبة اتّخاذ قرار حمل الصليب دون الفرار منه.
4. قبول الخير (مت 10: 39-42)
يدعونا تعبير «حمل الصليب واتّباع يسوع» بحسب اللاهوت المتّاوي إلى الانفتاح على ما وراء الصليب، وهو القيامة التي تتجسّد من خلال الصليب.
عندما يتحدّث يسوع في النص الإنجيلي (مت 10: 40-42) عن استقبال الرسل مؤكدًا:
مَن قَبِلَكم قَبِلَني أنا،
ومَن قَبِلَني قَبِلَ الذي أرسلني.
مَن قَبِلَ نبيًّا لأنّه نبيٌّ فأجر نبيٍّ ينال،
ومَن قَبِلَ صدّيقًا لأنّه صدّيقٌ فأجر صدّيقٍ ينال.
ومَن سقى أحد هؤلاء الصغار، ولو كأس ماء بارد، لأنّه تلميذ، فالحقّ أقول لكم إنّ أجره لن يضيع.
في المقام الأوّل، رسالة يسوع التعليميّة ليست موجّهة إلى من أُرسل إليهم التلاميذ، بل إلى التلاميذ أنفسهم (راجع مت 10: 1، 5). ومرة أخرى، هو تأكيد لهويّة التلميذ المُرسَل.
فمن هو المُرسَل؟ إنّه الشخص الذي يعتمد كليًا على يسوع، المتحدّث الحقيقي باسمه، ومن يتمكّن من استقبال الخير الأسمى الوارد من المعلّم، ويدرك أنّه مدعوّ للمشاركة به.
في هذه المرحلة من قراءتنا للنص الإنجيلي، من الضروري العودة إلى قراءتنا الأولى في العهد القديم (2 مل 4: 8-11، 14-16)، حيث استقبلت امرأة شونم النبيّ أليشاع، كرجل من رجال الله، فباركها الله بخير أسمى بإنجابها ابنًا ذكرًا (فالنسل في الكتاب المقدّس علامة على البركة).
وينطبق الأمر نفسه على تلاميذ يسوع، الذين وُصفوا بالصفات نفسها التي وُصف بها أنبياء العهد القديم. ويؤكّد المقطع من سفر الملوك الثاني على قيمة الضيافة، وفي الوقت نفسه يؤكّد على هويّة أليشاع كرجل الله، كما ورد في الإنجيل: فكون استقبال التلاميذ المُرسَلين علامة على البركة، يُعدّ دلالة على أهميّة الضيافة، وكذلك هويّتهم وارتباطهم بمن أرسلهم.
ثمة جانب أخير بالغ الأهميّة. يُطلق على التلاميذ المُرسَلين لقب «الصغار». وفي رحلتهم يحملون سمات «الصغار» و«الفقراء» المذكورين في التطويبات (راجع مت 5: 3؛ 18: 6، 10، 14). فهم يسلّمون أنفسهم كليًا لله، ولا يملكون ما يفتخرون به.
هذا الوصف الذي يُطلق عليهم «الصغار» ليس إضافةً إلى رسالتهم، بل هو، كالكرم (راجع مت 10)، جزءٌ منها، «الفعل» الذي يصاحب الكلمة. فإذا غاب هذا «التواضع» المتجلّي في غياب الموارد الشخصيّة، تصبح الرسالة ناقصة، بل متناقضة.
لذلك نحن مدعوّون إلى قبول الخير لنشارك به، فيصبح أسمى، لأننا بمشاركته مع الآخرين نقوم باسترداده للربّ من خلال المشاركة به.
الخلاصة
نختم مقالنا الذي ناقشنا فيه نصّين متوازيين بين العهدين. ففي النص الأوّل بحسب كاتب سفر الملوك الثاني (2 مل 4: 8-11، 14-16)، ناقشنا دور المرأة الشونميّة التي بادرت بموجة خير، فكافأها الربّ برغبة قلبيّة لم تطلبها ولم تتوقّعها في الوقت ذاته، وهي ولادة ابن وإعطاء النسل لزوجها.
وعلى ضوء هذا الخير السامي الذي كافأ به الربّ المرأة الشونميّة، ولخير البشريّة، قدّمنا اقتراحًا كرابط شامل بين قراءتنا الأولى، التي تشكّل مفتاحًا لفهم النص الإنجيلي بحسب متّى (10: 37-39).
كما بدا أنّ الموضوع الرئيسي في مقالنا الحالي، المستقى من قراءاتنا بين العهدين، هو التعمّق لتتبّع موجة الخير العظيم، من خلال تعليم يسوع الذي أبرز هويّة التلميذ المُرسَل، والخير الذي يقبله بحياته كلّما قبل الصليب وكانت أولويّته هي الربّ وتبعيّته.
يدعونا هذان النصّان إلى اختزالهما في قراءة واحدة، وهي النظر إلى يسوع كمصدر الخير، بل هو ذاته جوهر الخير الأسمى، بمنحنا خيرًا أبديًا وخلاصًا بصليبه.
كمؤمنين، نحن مدعوّون اليوم إلى استقبال هذه الموجة التي أطلقنا عليها عنوان «موجة الخير الأسمى» في حياتنا. وتتّاح نعمة الخير الأسمى كشهود لملكوت الله الذي يقترب؛ فما علينا إلّا أن نشهد بسيادة الله، وبضرورة استقبال الزمن الجديد الذي يمنحه الله بسخاء.
وأن نُظهر أنّنا لا نحمل شيئًا من عندنا، بل إنّ الربّ وحده هو مصدر كلّ خير. فإنّ قبول الخير الإلهي من قِبلنا ومشاركتنا إيّاه في رسالتنا هو الذي يحدّد هويّتنا كرسل، وليس العكس.
فإنجيل الملكوت يتطلّب منّا أن نكون مبشّرين صغارًا وفقراء ومنفتحين على الربّ، فهو خيرنا الأسمى.
دُمتم في قبول دائم لموجات الخير الأسمى.