موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٣٠ يوليو / تموز ٢٠٢٦

GRATIS: بين كاتبي نبؤة إشعياء والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 55: 1-3؛ مت 14: 13- 21)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 55: 1-3؛ مت 14: 13- 21)

 

المقدّمة

 

في مقالنا هذا، ضمن سلسلتنا الكتابيّة بين العهدين، سنناقش نصَّين متوازيين. وسنرتكز في قراءتنا الأولى، المأخوذة من العهد القديم، من سفر النبي إشعياء (55: 1-3)، على موضوع الجوع والعطش، حيث تأتي الرسالة النبويّة من خلال كلمات النبي، الذي يدعو معاصريه إلى التعرّف إلى حقيقة إلههم، فهو القادر على إشباع جوعهم وإرواء عطشهم.

 

أمّا بالنسبة إلى القراءة الثانية، المأخوذة من العهد الجديد، فيروي فيها متّى الإنجيلي الحدث الإعجازي، وهو تكثير الخبز، بحسب الإنجيل الأوّل (14: 13-21). وهو نصٌّ بليغ، يتميّز أيضًا بغنى الرموز التي يطرحها علينا الإنجيلي. وسنناقش كيف يرى يسوع الجمع الغفير واقفًا أمامه، وهو جمع من الجياع والعطاش. فماذا سيفعل يسوع؟ وهل سيهتمّ بالتعليم، ليدعوهم إلى الملكوت، كما ناقشنا في المقالات الثلاث الأخيرة؟

 

GRATIS كلمة من اللغة اللاتينيّة، وهي أيضًا العنوان الذي اخترناه لهذا المقال، وتعني «المجانيّة» أو «مجانًا». ولا يتطلّب هذا اللفظ تبادل شيء بشيء آخر، ولا يعني التجارة. فلفظ GRATIS هنا يعني المجّانيّة المطلقة التي اختبرها بنو إسرائيل في الماضي من يد الرب، ومجّانيّة يسوع مع معاصريه ومعنا حتى يومنا هذا. وهذا هو هدف مقالنا: أن نبحث في اللاهوت الذي تحمله الكلمة المقدسة، في كلا النصَّين، والتي تشير إلى مجانيّة الرب معنا في زمننا الحاضر.

 

 

1. مجانًا - Gratis (إش 55: 1-3)

 

سنناقش بعض الآيات القليلة من الإصحاح الأخير للجزء الثاني من نبؤة إشعياء، وهو ما نطلق عليه في اللاهوت الكتابي «سفر التعزية». ويشمل هذا الجزء الإصحاحات (40-55)، حيث يعلن الرب، بطرق عدة، نهاية سبي بني إسرائيل، ويهيئهم، من خلال الرسالة النبوية، بأن الخلاص والفرح سيتمّان من خلال العودة إلى أرضهم.

 

إن الكلمة النبوية الموجّهة إلى بني إسرائيل، وإلينا اليوم كمؤمنين بالرب، من قبل الرب بواسطة النبي إشعياء، تتعلّق تحديدًا ببعض الأبعاد الأساسية لحياتنا البشرية. ففي مستهل النص الإشعيائي نقرأ نداء الرب، على لسان النبي، القائل: «أَيُّها العِطاشُ جَميعًا هَلُمُّوا إِلى الـمِياه، والَّذينَ لا فِضَّةَ لَهم هَلُمُّوا [...] اِشتَروا وكُلوا، هَلُمُّوا اِشتَروا بِغيرِ فِضَّةٍ ولا ثَمَنٍ خَمْرًا ولبنًا» (إش 55: 1).

 

وهذا النداء موجَّه إلى شعب الله المنهك والمحبط في ذلك الوقت؛ فهو شعب يعاني اليأس، وفي الوقت نفسه لا يرى مستقبلًا زاهرًا. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تُعلَن كلمة الله لتشير إلى الاتجاه المناسب الذي ينبغي للشعب أن يسلكه.

 

فإلى أين نتجه نحن، كشعب الله اليوم، بحثًا عن الماء الذي يروي عطشنا؟ وأين نجد الغذاء الحقيقي الذي يحيي حياتنا؟ إننا نأكل، ولكن هناك طعام لا يُشبعنا، فنأكل ثانية وثالثة، فلا حاجة إلى إنفاق أموالنا وجهدنا فيما لا ينفع. وهناك أيضًا ماء لا يروي ظمأنا البشري، فلا حاجة إلى الركض إليه. وفي واقع الأمر، ترشدنا هذه الكلمات إلى مفاجأة كبيرة وغير متوقعة، وهي أن الخبز الذي يُشبع جوعنا، والماء الذي يروي ظمأنا، يمكننا أن ننالهما «مجانًا» Gratis.

 

وبحسب دعوة الرب لنا في هذه الآيات، فلا داعي لشنّ الحروب أو القتال من أجل الطعام والشراب، فهما متوافران بكثرة، ويكفيان الجميع، من دون أن ينتزعهما أحد بالقوة.

 

ثم يوجّه النبي تساؤلًا بلاغيًا قائلًا: «لِماذا تَزِنونَ فِضَّةً لِما لَيسَ بِخُبْز، وتَتعَبونَ بما لا شَبَعَ فيه؟ اِسمَعوا لي سَماعًا وكُلوا الطَّيِّب، ولتتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ نُفوسُكم. أَميلوا آذانَكم وهَلُمُّوا إِلَيَّ، اِسمَعوا فتَحْيا نُفوسُكم، فإِنِّي أُعاهِدُكم عَهْدًا أَبَدِيًّا على الخَيراتِ الَّتي وُعِدَ بِها داوُد» (إش 55: 2-3).

 

هذا هو هدف الرب: أن نتمكن من السماع إليه، أي توطيد العلاقة معه، لأنه قطع في الماضي عهدًا مع الآباء، وآخرهم داود، وهو، بأمانته، سيتمّم ما وعد به. لذلك، فلا خوف من الجوع أو العطش، ولا داعي للقلق من المستقبل، لأن الرب يدبّر احتياجاتنا بحسب وعده، بمجانية متناهية.

 

فالرب إلهنا هو مصدر كل شيء، وهو الآب الذي يوفّر لأبنائه احتياجاتهم قبل أن يطلبوها. وترتكز دعوة النبي على التقدّم والحضور أمام الرب بقلب الأبناء. أي إنه لا مجال للتبادل أو الشراء من الرب، لأنه منح خيراته بمجانية مطلقة، انطلاقًا من محبته لشعبه ووعده للآباء، من خلال عهده الأبدي، الذي لا نهاية له.

 

وبحسب منطق المجانية الإلهية، سنناقش من جديد مفهوم المجانية بحسب متّى (14: 13-21)، في زمن يسوع، حيث يصف لنا حدثًا عاشه يسوع مع الجموع، في حضور تلاميذه، شهود العيان على هذه المجانية التي لا تنتهي. فبالرغم من تغيّر العصور والأماكن والأشخاص، يبقى الرب ثابتًا في أبوّته وعهده الأبدي مع البشرية.

 

 

2. Sbalangisomai (مت 14: 13-14)

 

يفتتح متّى الإنجيلي هذا الحدث الإعجازي بأفعال ديناميكية، يصف بها شخص يسوع، قائلًا: «فلَمَّا سَمِعَ يسوع، اِنصَرَفَ مِن هُناكَ في سَفينةٍ إِلى مَكانٍ قَفْرٍ يَعتَزِلُ فيه. فعَرَفَ الجُموعُ ذلك، فتَبِعوهُ مِنَ الـمُدُنِ سَيرًا على الأَقدام» (مت 14: 13).

 

ما هذا الخبر الذي سمعه يسوع، والذي دفعه إلى الانعزال بمفرده؟ يروي الإنجيلي، في المقطع السابق مباشرة (راجع مت 14: 1-12)، حدث مقتل يوحنا المعمدان على يد هيرودس، وهو حدث مؤلم، لذلك فضّل يسوع الانعزال أمام الآب.

 

ولكن، بمجرد وصوله إلى المكان المنعزل، يفاجئنا السرد المتّاوي بقوله: «فلَمَّا نَزلَ إِلى البَرِّ رأَى جَمْعًا كَثيرًا، فأَخَذَته الشَّفَقَةُ علَيهِم، فشَفى مَرضاهُم» (مت 14: 14).

 

لقد غيّر هذا الجمع برنامج يسوع بالكامل؛ فلم يعد هناك مجال للعزلة مع الآب، بل على العكس، فما إن رفع عينيه حتى وجد أمامه جمعًا غفيرًا.

 

وإذا تساءلنا عن السبب الذي جعل الجموع تتبع يسوع، فإننا، بحسب متّى، ما زلنا أمام معجزة تكثير الخبز الأولى، أي إنهم لم يكونوا قد اختبروا بعد هذا العمل الإعجازي. فما الذي دفعهم إذًا إلى اتباعه؟ ولماذا لم يبدأ يسوع بتعليمهم في تلك اللحظة، كما فعل في مواقف أخرى؟

 

يقدّم متّى تفسيرًا مختلفًا، من خلال قوله: «فلَمَّا نَزلَ إِلى البَرِّرأَى جَمْعًا كَثيرًا، فأَخَذَته الشَّفَقَةُ [Sbalangisomai] علَيهِم، فشَفى مَرضاهُم» (مت 14: 14).

 

ما معنى لفظ Sbalangisomai بحسب اللاهوت المتّاوي؟ إنه اللفظ الذي يهيمن على هذا المقطع. فالشفقة هي الدافع الذي جعل يسوع يغيّر برنامجه حبًا بالجموع.

 

وفي العهد الجديد، ومن الوجهة اللاهوتية، تعبّر الشفقة عن تواصل بين الفكر والقلب، بعد نظرة ثاقبة، يعقبها تحرّك باطني في الأحشاء. وهذا هو الفكر اللاهوتي الذي يرغب متّى في الكشف عنه.

 

فيسوع حاضر، قلبًا وقالبًا، في حياة الشعب؛ يحيا معهم ويحملهم في أحشائه، ليولدهم لحياة أفضل. ومن هنا تستمر أعماله الإعجازية، إذ يؤكد الإنجيلي أن أول ما يفعله يسوع، من وجهة نظر متّى، هو شفاء مرضى الجموع الواقفين أمامه.

 

فبحسب كاتب الإنجيل الأول، جاء يسوع ليشفي أمراضنا الروحية والجسدية، بدافع شفقته، فيمنحنا حياة صحيحة، متحررة من المرض.

 

 

3. العمل الإعجازي (مت 14: 15-20)

 

بعد أن أشار متّى الإنجيلي إلى الهدف الجوهري لحضور يسوع في حياتنا البشرية، إذ إن هذا الحضور بين الجموع يحمل طابعًا مميزًا، يتمثل في الشفاء النابع من ترابط العقل بالقلب، والتواصل بالأحشاء الباطنية، بما يشير إلى الشفقة الإلهية التي تشمل الحياة البشرية وتعالج هشاشتها، ينتقل إلى وصف الحدث الإعجازي الذي صنعه يسوع في حضور التلاميذ والجموع، وهو ما نطلق عليه معجزة «تكثير الخبز».

 

إن لفظ «تكثير» لا يرد في أصل النص اليوناني، وإنما أُعطي عنوانًا لهذا الحدث ليعبّر عن جوهر العمل الإلهي الإعجازي، الذي يُظهر عمليًا شفقة يسوع على الجموع. فعندما يكون الجمع جائعًا، لا يكون التعليم هو الأولوية، بل إشباع هذا الجوع، لأنه الخطوة الأولى في تضامن الرب مع هشاشة الإنسان، وتعبير عن شفقته عليه.

 

1.3. بين العجز والسخاء! (مت 14: 15-18)

 

وهنا تظهر عين الرب التي ترى حقيقة واقعنا كخليقته، إذ يصف الإنجيلي حنان يسوع بقوله: «ولَمَّا كانَ الـمَساء، دَنا إِلَيهِ تَلاميذُهُ وقالوا لَه: "الـمكانُ قَفْرٌ وقَد فاتَ الوَقْت، فاصرِفِ الجُموعَ لِيَذهَبوا إِلى القُرى فيَشتَروا لَهم طَعامًا". فقالَ لَهم يسوع: "لا حاجَةَ بِهِم إِلى الذَّهاب. أَعطوهُم أَنتُم ما يأكُلون". فقالوا لَه: "لَيس عِندَنا ههُنا غَيرُ خَمسَةِ أَرغِفَةٍ وسَمَكَتَين". فقالَ: "هاتوا لي إِيّاها"» (مت 14: 15-18).

 

أمام هذا القليل من الخبز والسمك، الذي يشير إلى ضعف الإنسان وعجزه، يبدو من المستحيل أن تُقدَّم وجبة تكفي هذا الجمع الغفير. وهنا يلتقي عجز الإنسان، الظاهر في كلمات التلاميذ: «ليس عندنا»، مع قدرة الرب الفائقة للطبيعة، التي تتجلى في العمل الإعجازي.

 

وكخطوة أولى، نحن مدعوون إلى طاعة كلمات يسوع: «هاتوا لي إياها». فهذا القليل الذي نملكه، بل ما نحن عليه في واقع الأمر، يكفي أن نضعه بين يدي الرب. فلسنا بحاجة إلى الذهاب إلى آخر، لأن الرب حاضر في حياتنا. وما علينا إلا أن نضع ما لدينا بين يديه، وهو سيفاجئنا بأعماله الإعجازية الفائقة للطبيعة.

 

2.3.  من الجوع إلى الفيض! (مت 14: 19-22)

 

أما الخطوة الثانية، فهي التي تدهشنا حقًا. فيسوع الحنون يقوم بكل شيء، لكنه يطلب أيضًا معاونة تلاميذه في هذا العمل الفائق للطبيعة، إذ يقول الإنجيلي: «ثُمَّ أَمَرَ الجُموعَ بِالقُعودِ على العُشب، وأَخَذَ الأَرغِفَةَ الخَمسَةَ والسَّمَكَتَين، ورَفَعَ عَينَيه نَحوَ السَّماءِ، وبارَكَ وكَسَرَ الأَرغِفَةَ، وناوَلَها تَلاميذَه، والتَّلاميذُ ناوَلوها الجُموع. فأَكَلوا كُلُّهم حتَّى شَبِعوا، ورَفَعوا ما فَضَلَ مِنَ الكِسَر: اثنتَي عَشرَةَ قُفَّةً مُمتَلِئةً» (مت 14: 19-20).

 

إن أفعال يسوع الصامتة، التي يصفها متّى بتدرّج، تشير إلى الاتحاد بين السماء والأرض، من خلال رفع عينيه نحو السماء. وبعد أن رفع عينيه ورأى واقع الجموع الجائعة والمرضى، وكل من يعانون الظمأ إلى ما هو أساسي في الحياة البشرية (راجع مت 14: 14)، يستعيد يسوع علاقته الحميمة بالله الآب، بحسب تعبير متّى.

 

وهنا يكشف الإنجيلي سرّ هذا المقطع: فما لم يتمكن يسوع من أن يفعله سابقًا، أي الانفراد بالآب (راجع مت 14: 13)، يلخّصه متّى في هذه اللحظة، حيث يتعاون الابن مع الآب من خلال البركة، وهي سر المسيّا.

 

وتلك الأفعال هي نفسها التي يعلنها الكاهن في كل ذبيحة إلهية، فيتحول الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه. وهنا يحل الروح القدس بنعمة فائقة للطبيعة، فيصيران، ببركة الرب، جسده ودمه، ويتصالح عالمنا البشري، بكل ما فيه من هشاشة، مع العالم الإلهي، من خلال تكرار كلمات يسوع. وهكذا تنتقل حياتنا، بفعل يسوع الإعجازي، من الجوع إلى الفيض.

 

والمفاجأة أن الجموع استعادت الحياة وشبعت، بل إن الفائض بلغ اثنتي عشرة قفة. كيف؟ أمام يسوع نعجز، بشريًا، عن الإحاطة بكل شيء، لكننا مدعوون إلى الاعتراف بسخاء الله وعمله المجاني. فبالرغم من عدم استحقاقنا وعدم أمانتنا، يأتي عمل الله المجاني ليضع نهاية إيجابية غير متوقعة لكل أشكال هشاشتنا البشرية.

 

وهنا يختتم الإنجيلي المشهد بقوله: «وكانَ الآكِلونَ خَمسَةَ آلافِ رَجُلٍ، ما عدا النِّساءَ والأَولاد» (مت 14: 21).

 

هذا هو إلهنا، السخي في عطائه، الذي لا ينتظر أن يطلب أحد طعامًا أو شفاءً، بل يأتي، بدافع الشفقة المجانية (gratis)، ليغمرنا بعطاياه، ويدعونا إلى الشكر والامتنان لهذا السخاء الإلهي المطلق.

 

وبنهاية هذا النص، وقبل أن يبدأ يسوع عملًا إعجازيًا آخر، يؤكد متّى أن يسوع اتخذ قرارًا بأن يكشف لتلاميذه هويته الحقيقية، ابنًا لله، إذ يقول: «أَجبَرَ [يسوع] التَّلاميذَ لِوَقتِه أَن يَركَبوا السَّفينَةَ وَيَتَقَدَّموهُ إِلى الشَّاطِئِ الـمُقابِل حتَّى يَصرِفَ الجُموع» (مت 14: 22). وهناك سيعلن يسوع سرًا جديدًا، ويكشف عن ذاته لتلاميذه.

 

 

الخلاصة

 

دار نقاشنا حول مجانية الرب مع بني إسرائيل في الماضي، وفي زمن يسوع، وحتى يومنا هذا. فما كشفه لنا الكتاب المقدس، بعهديه، هو أن كل ما يقدّمه الله يتم gratis، أي بمجانية متناهية، تدل على سخائه وكرمه اللذين لا حدود لهما. فقد توقفنا عند رسالة إشعياء النبوية، حيث كشف، في آيات قليلة (إش 55: 1-3)، عن دعوة الله القريب من كل إنسان، ليجدّد معه العهد الذي أقامه مع البطاركة والأنبياء والملوك، ولا سيما داود. وهنا فتح بابًا جديدًا أمام حب الله المجاني في كل الأزمنة، داعيًا الإنسان إلى التقدم والحضور أمام الرب كابن أمام أبيه.

 

وإذا تساءلنا: «ما هو هذا الخبز الذي يُشبع حياتنا؟»، فإن أفعال يسوع، بحسب إنجيل متّى (14: 13-22)، وكلماته في هذا الحدث المجاني (gratis)، تساعدنا على الإجابة. فنحن مدعوون إلى إدراك أن حياتنا لا تعتمد على ذواتنا، بل على حب الرب المجاني. وكما أعلن إشعياء أن هناك خبزًا يُشبع الجوع، وشرابًا يروي عطش شعب الله، بمجانية وبسخاء، فإن إشارات يسوع وكلماته هي نفسها التي سيكررها في العشاء الأخير (راجع لو 22)، قبل أن يبذل حياته على الصليب، لتساعدنا على فهم مجانية الرب الذي يحبنا حقًا.

 

وهكذا نفهم أن الخبز الذي يُشبع جوعنا ويروي عطشنا هو حياة تُعاش في بذل الذات، لا في السعي وراء خبز لا يُشبع. فيسوع ذاته هو الخبز الذي أعطانا إياه الله، وهو وحده الذي يُشبعنا. وهذا الخبز هو حياة الابن، الذي يدعونا إلى أن نحيا حياته.

 

كلا النصين يدعوانا إلى إدراك مجانية الله لنا، التي أعلنها علانية في ابنه يسوع المسيح. فكما كانت الجموع الجائعة تبحث عن يسوع، فنحن أيضًا اليوم نتبعه، لنمكث تحت نظره الرحيم، فنُشفى من أمراضنا، ونتغذّى بالطعام الذي يقدّمه لنا. دمتم في البقاء تحت النظرة الإلهية، الغنية بمجانية وسخاء لا يوصفان.