موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢١ أغسطس / آب ٢٠٢٦

من أنا في رأيك أنت؟ بين كاتبي نبؤة أشعيا والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 22: 19- 23؛ مت 16: 13- 20)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 22: 19- 23؛ مت 16: 13- 20)

 

الأحد الحادي والعشرين من الزّمن العادي (أ)

 

الـمقدّمة

 

سنناقش في قراءتنا الكتابية لهذا المقال نصين متوازيين بين العهدين، بحسب الطقس اللاتيني. يثير اهتمامنا، من الناحية الكتابية، تساؤل يسوع في المقطع بحسب إنجيل متى (16: 13-20)، حيث إن يسوع، الموجود في قيصرية فيلبس مع تلاميذه، يوجّه سؤالًا لهم ولكل منا.

 

وبحسب سياق النص، نجد أن متى يضع هذا التساؤل وسط أحداث معاشة بشكل يومي في قيصرية فيلبس. يطرح يسوع سؤالًا علنيًا عن رأي الشعب وتلاميذه فيه. وسنكتشف، بعد اعتراف بطرس وإعلان إيمانه الشخصي بيسوع، أنه سينال لقبًا جديدًا يشير إلى رسالته المستقبلية في الكنيسة، بعد إتمام يسوع سره الفصحي، مما يبرز دوره الرسولي في مقطع العهد الجديد.

 

أما في العهد القديم، فسنناقش، على ضوء هذا النص، الكلمات الموحى بها بحسب أشعياء النبي (22: 19-23)، حيث يأمر الرب النبي أشعياء، في هذا المقطع، باستبدال قيّم القصر شبنا بشخصية أخرى، هي ألياقيم، الذي سيصير كوتد الخيمة، لسبب سنتعرف إليه لاحقًا.

 

ونحن مدعوون إلى أن نقرأ، على ضوء كلمات الله للنبي ولقاء يسوع بتلاميذه، طريق الرب في حياتنا، لنتحرر من الجهل الذي عاشه مختارو الرب في الماضي، ولنتعرف إلى هوية المسيح الحقيقية في قلوبنا ومجتمعاتنا وكنائسنا.

 

ونهدف، من خلال مقالنا هذا، إلى أن نتعرف إلى المعنى الكتابي، ونتمكن من البحث عن إجابة عن تساؤل يسوع الموجّه إلى كل واحد منا اليوم، كشعب وككنيسة ننتمي إليه.

 

 

1. أين يُغرس الوتد؟ (اش 22: 19-23(

 

تشير الآيات النبوية، بحسب أشعياء النبي، السابقة لمقطع نقاشنا (أش 22: 15-18)، إلى نبوءة ضد مسؤول رفيع المستوى في المملكة، وهو شبنا. فهو بمثابة قيّم البيت والمسؤول الأول عن القصر الملكي، أشبه برئيس الوزراء في يومنا الحالي. كان شبنا رئيس الديوان في القصر الملكي، وهو مَن يقوم بتنظيم دخول بعض الأشخاص إلى حضرة الملك، وهو مَن يحمل مفاتيح القصر، وأيضًا هو الذي يقرر متى يُغلق ومتى يُفتح باب القصر، ومتى يُسمح بدخول إحدى الشخصيات إلى حضرة الملك ومتى تُمنع. كان شبنا رجلًا ماديًا كباقي رجال أورشليم (راجع أش 22: 13)، وربما كان يتحالف مع الأجانب. والأخطر أنه كان يتجاهل نصائح النبي أشعياء، بما فيها من إعلانات الرب له. ونجد في بدء مقطعنا إعلان الرب ضده، والقائل على لسان النبي صراحة: «أَطرُدُكَ عن مَنصِبِكَ وعن مَقامِكَ تُخلَع» (أش 22: 19)، مما يعلن أيضًا عن تقديم شخصية أخرى تحل محله، وهي ألياقيم، معلنًا: «وفي ذٰلك اليَومِ أَدْعو عَبْدي أَلْياقيمَ بنَ حِلقِيَّا وأُلبِسُه حُلَّتَكَ وأَشُدُّهُ بِزُنَّارِكَ وأَجعَلُ سُلْطانَكَ في يَدِه فيَكونُ أَبًا لِساكني أُورَشَليمَ ولِبَيتِ يَهوذا وأَجعَلُ مِفْتاحَ بَيتِ داوُدَ على كَتِفِه يَفتَحُ فلا يُغلِقُ أَحَد ويُغلِقُ فلا يَفتَحُ أَحَد. وأَغرِسُه وَتِدًا في مَكانٍ مَتين [صخر] فيَكونُ عَرشَ مَجدٍ لِبَيتِ أَبيه» (أش 22: 20-23).

 

ألياقيم، ابن حلقيا، رئيس القصر الجديد الذي سيخلف شبنا الفاسد، يحمل اسمًا يكشف عن هويته، من الجذر العبري «إلي-ياقيم»، أي «قام الله»! فهو المختار من الرب، وسيمارس السلطة المستمدة من خلال إعلان تلقاه من الرب ذاته. يدعوه الرب بلقب «عبدي»، كإبراهيم وموسى وداود، أولئك الذين أوكل الله إليهم مهمة، وعملًا مهمًا لمنفعة الشعب في أزمنتهم المختلفة. وعلى عكس شبنا، سيكون ألياقيم بمثابة «أب» لأورشليم ويهوذا. لن يسعى لمصلحته الشخصية، ولن يكون عبدًا للسلطة التي ينالها؛ بل سيكون شغفه نموّ مَن أُسندت إليه رعايتهم.

 

ألياقيم هو بمثابة الشخصية التي يحدثنا عنها النبي أشعياء، ونرى فيه سمات خادم الرب، فسيكون كوتد خيمة راسخ في الصخر، لا يجعل الخيمة تسقط، بل ستصمد أمام الرياح، خاصة رياح الآلهة الأخرى والخيانة. لكن هذا الثبات ليس تلقائيًا، ولا يمكن اعتباره أمرًا مفروغًا منه. بالرغم من هذه الدعوة الخاصة، إلا أن الوتد المختار، وهو ألياقيم، سينكسر عندما تغيب أمانته، وعندما لا يشعر بأنه شخص مدعو أُسندت إليه السلطة من قِبل الرب لخدمة الشعب. وأيضًا عندما لا يشعر بأنه خادم للرب، بل بأن عليه أن يؤدي مهمة؛ وأخيرًا عندما لا يشعر بأنه أب يريد خير مَن أُسندت إليه رعايتهم. فإن قوته وثبات بيته يعتمدان على إخلاصه لكلمة الله الذي اختاره ودعاه بحرية، وهذا، مع الأسف، لن يستمر بسبب الجهل، سواء لدى شبنا أم ألياقيم أم الشعب أيضًا!

 

هناك دعوة لنا، من خلال شخصية ألياقيم التي اختارها الرب ليصير كمفتاح لبيت داود. والمفتاح هنا ما هو إلا أداة في يد الرب ليتواصل مع شعبه، لكي نصير أدوات، لا جهلة، بل مدركين لهوية الرب. فنجد متى، في نص العهد الجديد، يستخدم هذه الصورة للحديث عن بطرس، الذي يُظهر نفسه لا كمتحدث فحسب، بل كقدوة لنا.

 

 

2. السؤال المُزدوج (مت 16: 13-15)

 

بحسب اللاهوت المتّاوي، بينما يسير يسوع في شوارعنا ليخبرنا عن الملكوت، كاشفًا لكل معاصريه ولنا اليوم عن وجه الآب، وفي لحظة حاسمة من خدمته، يترك صدى صوته على مسامعنا بسؤال مزدوج موجّه إلى كل واحد منا، قائلًا: «مَنِ ٱبنُ الإِنسانِ في قَولِ النَّاس؟ [...] ومَن أَنا في قَولِكم أَنتُم؟» (مت 16: 13ب-15). ماذا يعتقد الناس عن هويتي وحقيقتي؟ ثم يأتي سؤاله الثاني: مَن أنا بالنسبة لكم؟ بل نود أن نطرحه بصيغة المفرد: مَن أنا لك أنت؟

 

تأتي إجابة التلاميذ بشكل تلقائي، قائلين: «بَعْضُهم يقول: هو يوحَنَّا الـمعمَدان، وبَعضُهمُ الآخَرُ يقول: هو إِيلِيَّا، وغيرُهم يقول: هو إِرْمِيا أَو أَحَدُ الأَنبِياء» (مت 16: 14). إذن، يسوع بالنسبة لمعاصريه هو يوحنا المعمدان، وآخرون يعتقدون أنه إيليا، وآخرون إرميا، أو أحد الأنبياء. يوحنا المعمدان هو آخر الأنبياء، وأعظم مَن وُلدوا من النساء، لكن أصغرهم في ملكوت السماوات أعظم منه (راجع مت 11: 11ت). وإيليا هو أول الأنبياء وأعظمهم، بحسب قول الحكيم ابن سيراخ، الذي أعلن عنه بأنه: «نبّي كالنّار، كلـمته كالشعلة» (سي 48: 1). نبي ذو غيرة متقدة على الرب، ومع ذلك قادر على تمييزه في الصمت الخافت (راجع 2مل 19: 1ت).

 

أما بالنسبة للنبي الشاب إرميا، فهو حقيقة النبي المضطهد، وهو الذي عانى على أيدي قادة شعبه، وهو الذي سيق في أورشليم كحمل وديع إلى الذبح (راجع إر 11: 19)، بل شارك مصير شعبه ومدينته المقدسة حتى السبي.

 

أشار التلاميذ إلى أن يسوع ليس شخصًا عاديًا بحسب اعتقاد الشعب، فهو كأحد الأنبياء، أي رجال الله، مفتونًا بكلمته، ومحبًا لإسرائيل بلا كلل، في اختيار الرب له ودعوته من بين الجموع لرسالة سامية. كل إجابات التلاميذ، في واقع الأمر، صحيحة، فهي تعرّف يسوع بأنه النبي والأخ الذي بشّر به موسى (راجع تث 18: 18)؛ فهو نبي آخر الأزمنة، بل هو كلمة الله الأخيرة الباحثة عن البشرية.

 

 

3. مَن أنا في رأيك يا...؟ (مت 16: 16)

 

بالرغم من صدق وصحة كل إجابات التلاميذ السابقة، إلا أن بطرس كُشف له إعلان خاص عن حقيقة الله الدائمة. إلهنا لا يسمح لنا بأن نتحدث عنه في زمن الماضي فقط، بل لديه دائمًا كلمة أخرى، تلك الكلمة الإضافية التي تُفرح أيامنا البشرية، تلك الكلمة الإضافية التي تعيد إحياء كلمات التاريخ القديمة.

 

هذا هو السؤال الإنجيلي الذي ينير عصرنا اليوم. إن مسيرتنا الروحية تُبنى ويُعاد بناؤها بقدر إجابتنا الشخصية، وبشكل يومي، عن سؤال الرب القائل لي ولك: «مَن أَنا في قَولِكم أَنتُم؟». هذا السؤال لا يعرف السكون، ولا يُجاب عنه مرة واحدة وإلى الأبد. سؤال يتطلب انخراطًا شخصيًا عميقًا، لا مجرد التزام بارد بمتطلبات خارجية لحقيقة غالبًا ما تُستخدم للمعارضة أكثر من كونها اقتراحًا لبدائل للحياة. سؤال يجب أن يشكّل قلبنا وعقلنا وينمّي إنسانيتنا، تلك الإنسانية المؤلفة من حياتنا البشرية كنساء ورجال يكتشفون، في النهاية، أنفسهم كأبناء وإخوة. نعم، جميعنا مدعوون لمواصلة عمل الخلق، سامحين للإمكانيات التي تمنحنا الحياة إياها لتظهر في فيض متواصل.

 

يرغب يسوع اليوم في أن يعرف ما يدور حوله من شائعات، فيوجّه سؤاله لي ولك، وكأننا بمثابة أقرب الناس إليه، كتلاميذه. ومن خلال هذا السؤال، يستمر يسوع في تبشيرنا بالجديد، مخترقًا قلوبنا بهذا السؤال الأزلي: هل نختار العيش وفقًا للدين أم للإيمان؟ يفتح يسوع الطريق إلى حداثة الله وملكوته، التي لا تُخدّر الضمائر، بل تُفيض القلوب حماسة وتدعونا للعمل بحزم لإتمام عمل الخليقة.

 

ولهذا السبب، يأتي سؤال يسوع ليذكّرنا، كتلاميذ له نتبعه في مسيرة، بإعلان كل ما هو جديد عن الآب الذي يكشف لنا وجهه في يسوع، ويرغب في السير معنا على دروب تاريخنا. إنه إلهنا الحاضر بيننا، ولا نلتقي به إلا من خلال علاقة حيوية وأصيلة مع الرب، وليس مع فكرة نكوّنها عنه. ما هي إجابتك عن مثل هذا السؤال المعقد؟

 

 

4. إجابة بطرس (مت 16: 17-20)

 

لا يطلب يسوع إجابات نمطية، ولا يشترط صياغات عقائدية صحيحة، بل يطلب منا أن نجازف، مجيبين بحريتنا الشخصية المتنامية في إطار العلاقة الخاصة معه، لنعبر عن هويته وحقيقته بالنسبة لي ولك، مما يدعونا إلى التعرف إلى ذواتنا أيضًا، واتخاذ خطوة جريئة لنبدي ردًا شخصيًا، كاشفين مرارًا وتكرارًا عن مدى استعدادنا لتبعيته متى عرفناه حقًا وأبدينا رأينا فيه. تكمن المفارقة الإنجيلية هنا تحديدًا: كلما تقبلنا سؤال الرب القائل: «مَن أنا بالنسبة لك ولكِ؟»، وكلما أعطينا إجابة عن تساؤل الرب، كشفنا عن حقيقة علاقتنا به واستطعنا اكتشاف ذواتنا. وهذا ما يكشفه لنا بطرس، إذ يكشف عن حقيقة علاقته بيسوع، المعلم والرب معًا.

 

تلك الكلمة الإضافية التي ينطق بها بطرس في وجه المسيح، مجيبًا: «أَنتَ الـمسيحُ ٱبنُ اللهِ الحَيّ» (مت 16: 16). يمنحنا بطرس لقبين، بحسب اللاهوت المتّاوي، ذوي أهمية كتابية وكريستولوجية خاصة، مشيرًا إلى أن يسوع هو ذاته «المسيح، أي المسيا المنتظر» و«ابن الله الحي»، قبل إتمامه سره الفصحي! ومن خلال إجابة بطرس، يلخص متى، بحسب منهجيته، حقيقة يسوع من الجهة اللاهوتية في هذين اللقبين. إذن، أي كلمة أخرى لا تنفي الكلمات السابقة، بل تحملها في طياتها، وتجعلها حاملة للمستقبل. مما يفسر لنا إلحاح متى الإنجيلي على التأكيد أن رسالة يسوع هي ملء وذروة رسالة الأنبياء، سواء في الماضي، إيليا وإرميا، أو يوحنا المعمدان معاصره.

 

يفاجئنا متى بهذا الحوار الذي دار بين يسوع وبطرس في حضور التلاميذ، والإنجيلي ذاته شاهد عيان. وبينما الكل يصمت، تأتي إجابة يسوع على رد بطرس الشخصي، كاشفة عن المستقبل الذي ينتظر بطرس، قائلًا: «طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هٰذا، بل أَبي الَّذي في السَّمَوات. وأَنا أَقولُ لكَ: أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هٰذا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الـموت. وسأُعطيكَ مَفاتيحَ مَلَكوتِ السَّمَوات. فما رَبَطتَهُ في الأَرضِ رُبِطَ في السَّمَوات. وما حَلَلتَه في الأَرضِ حُلَّ في السَّمَوات» (مت 16: 17-20أ).

 

يُدعى بطرس مطوبًا من يسوع، لأن من الله وحده تأتي هذه الحداثة وهذا الكشف عن هوية وحقيقة يسوع؛ فهي لا تأتي من لحم أو دم، ولا تولد بقوة بشرية، فنحن البشر لا نستطيع تصورها لصغرنا، بل علينا أن نتدرب على استقبالها كنعمة وعطية من يد الرب. ولهذا السبب، يُفسر اسم بطرس، وهو اسم يعبر عن هويته، على أنه الحجر، الصخرة، لأن ما وُلد فيه هو من الله وليس ثمرة مواهبه. إنه كوتد خيمة ألياقيم، وتد مغروس في مكان صلب. هذا السلطان الخاص الذي سلّمه يسوع لبطرس يكشف لنا عن عمق العلاقة بالرب، فمَن يتمكن من الارتباط به ينال كشفًا إلهيًا خاصًا، ويتسلم نعمة خاصة: «مفاتيح ملكوت السماوات».

 

بعد أن أُسندت إلى بطرس المفاتيح، أصبح بمثابة وكيل يسوع، وهذا ما سنكتشفه بحسب كلمات كاتب سفر أعمال الرسل (راجع 1-12) في قيادة بطرس للكنيسة. بطرس هو بمثابة النموذج الأمثل لتلميذ يسوع الذي يصبح وسيلة للقاء المعلم. لقد أُسندت إليه مسؤوليتنا جميعًا، كنساء ورجال، للتواصل مع الرب وإظهار وجهه للجميع من خلالنا. هذه المسؤولية التي أُسندت إلى بطرس في هذا الحوار بشكل خاص سنجدها لاحقًا مُسندة لي ولك، كتلاميذ الرب (راجع مت 18: 18).

 

لكن ثبات بطرس كالوتد في الصخر، كثبات ألياقيم بن حلقيا، يكمن في إخلاصه لما أُعطي له من فوق بدون استحقاق، وفي شعوره بأنه مدعو يقوم بمهمة لأنه اختير بحرية، ليس شخصًا مميزًا، ولا خارقًا، بل أخًا بشريًا مدعوًا من بين إخوته؛ وفي شعوره بأنه خادم لا يعمل من تلقاء نفسه، بل من أجل الآخر العظيم، وهو الرب. بطرس هو الخادم الفقير، وبعد أن أدى واجبه، لا يسعه إلا أن يدرك أنه لم يفعل إلا ما أُمر به. وفي الشعور كأب يفرح برؤية أبنائه يكبرون، ويعرف كيف يتنحى جانبًا في الوقت المناسب، ليفسح المجال لحياة وافرة، وبركة لأبناء أبنائه (راجع مز 127: 6).

 

يختتم الإنجيلي هذا النص بوصية يسوع لتلاميذه «بِأَلَّا يُخبِروا أَحَدًا بِأَنَّه الـمسيح» (مت 16: 20ب)، وهذه لن تكون المرة الأولى، بل سيوصي تلاميذه الحميمين أيضًا بعد معايشتهم تجليه (راجع مت 17: 9). هذا هو السر الإلهي الذي يرغب يسوع في مشاركتنا به، وفي التعرف إلى هويته الإلهية؛ فهو المسيا، مسيح الرب المنتظر، الذي فيه يتم كشف الملكوت والخلاص بشكل نهائي.

 

 

الخلاصة

 

كلمتان موجّهتان من قِبل الرب إلى كل منا في ختام هذا المقال. الكلمة الأولى موجّهة إلى ألياقيم، والثانية موجّهة إلى بطرس. ألياقيم، بحسب أشعياء (22: 19-23)، هو المدعو ليصير كالوتد الذي يثبت خيمة بني إسرائيل. وهي رمز لعلاقته بالرب، التي من خلالها يرتبط الشعب به كإلههم الحقيقي.

 

أما الكلمة الثانية، فيوجّهها لنا الرب، بحسب إنجيل متى (16: 13-20)، من خلال إجابة بطرس، وهو أول الاثني عشر ونموذجنا في التلمذة، لأننا جميعًا مدعوون لنصير خدامًا بعد أن نعطي إجابة عن التساؤل الذي وجّهه يسوع إلى كل منا.

 

كل مؤمن منا اليوم هو بمثابة تلميذ للرب، بنعمة خالصة، مدعو ليكون حارسًا للرجاء وشاهدًا على تجدد الله، حاملًا تلك الكلمة الإضافية لتاريخ البشرية التي لا ينطق بها إلا الله. لهذا السبب، يمكننا نحن أيضًا أن نكون ثابتين، لأننا مدعوون للتعرف إلى هوية الرب؛ فننال نعمة البركة من قِبل الرب، لأننا حاملون حقيقة الكلمة الإلهية، في كل مرة يهمس يسوع في آذاننا متسائلًا: «مَن أنا بالنسبة لك؟»، ونحن نبحث عن الإجابة بشكل يومي، فيصير هو إجابتنا، ونكتشف هويته وهويتنا معًا.