موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الخامس والعشرون من الزمن العادي (أ)
الـمقدّمة
نتناول في هذا الأسبوع مضمونًا حول «هذا ظُلم، أين العدل؟» بين مقطعين متوازيين من كلا العهدين. في عالمنا اليوم نطالب بحقوقنا، وندافع عنها بشدة. وتأتي كلمة الله في هذا الأسبوع لتفتح أمامنا أفقًا جديدًا، حيث إنّ ما نعتقد أنّه ظُلم وغير عادل، نُفاجأ بأنّه يُتمّم المخطط الإلهي، إذ يكشف عن عدل من نوع جديد؛ عدل لا يتماشى مع حساباتنا البشرية. لذا تأتي كلمة الله في هذا المقال كالمطرقة التي تدعونا، وبشدة، إلى أن نُغيّر من منطقنا البشري، وننفتح على منطق إلهي جديد، حيث إنّ عدله يفوق بكثير توقعاتنا.
من العهد القديم، سنناقش آيات قليلة بحسب نبوءة أشعياء (55: 6-9)، حيث تدعونا الرسالة النبوية إلى التعمق في موضوعين محددين: الأول، التعرّف على مساحة خاصة بين طريقة تفكير الله وطريقة تفكيرنا البشري؛ والثاني، العدل الإلهي. ويستمر هذا المضمون في العهد الجديد، حيث سنناقش مقطعًا بحسب الإنجيل المتّاوي (20: 1-16)، إذ يعلّمنا يسوع من جديد، من خلال مثل العمال المدعوين للعمل في الكرم في أوقات مختلفة من اليوم، معنى جديدًا للعدل الإلهي الذي لا نتوقعه. ولكن، بسبب سخاء الرب معنا، ننظر نظرة خاطئة ونعتقد أنّ سخاءه هو بمثابة ظُلم للبعض ومكافأة للبعض الآخر. نهدف في هذا المقال إلى الخروج من قوقعة تفكيرنا النمطية، وقبول الدخول في منطق إلهي جديد يكشف عن عدل سامٍ لا يُقارن بالتعاملات البشرية مهما كانت سخية.
1. طُرق وأفكار جديدة (اش 55: 6- 9)
في نص أشعياء، يدعونا النبي، في افتتاحية هذا المقطع، من جهة إلى طلب الرب قائلًا: «إِلتَمِسوا الرَّبَّ ما دامَ يوجَد أُدْعوه ما دامَ قَريباً لِيَترُكِ الشِّرِّيرُ طَريقَه والأَثيمُ أَفْكارَه ولْيَرجِعْ إِلى الرَّبِّ فيَرحَمَه وإِلى إِلهِنا فإِنَّه يُكثِرُ العَفْوَ» (أش 55: 6-7). والسبب هو أنّه الإله الحاضر والموجود في حياة شعبه، ويدعونا أيضًا إلى التدرّب على العودة إليه، فهو الذي يغفر ويغفر بفيض. حيث تُبنى العودة إلى الرب الرحيم على رحمته وشفقة قلبه. فبما أنّه كريم في غفرانه، يمكننا أن نتقرّب إليه بثقة. وفي هذا، يجب أن ندرك أنّ هناك فارقًا بين مخطط الرب ومخططنا البشري: «فإِنَّ أَفكاري لَيسَت أَفْكارَكم ولا طرقُكم طُرُقي، يَقولُ الرَّبّ كما تَعْلو السَّمواتُ عنِ الأَرض كذلك طُرُقي تَعْلو عن طُرُقِكم وأَفْكاري عن أَفْكارِكم» (أش 55: 8-9). فلو سلك الله طرقنا، وفكّر كما نفكّر، لربما يئسنا من غفرانه وبقينا بعيدين عنه. لكن، كما يعلن النبي أشعياء صراحة، بالنفي ثم بالإيجاب، ليؤكد أنّ أفكار الرب ليست كأفكارنا، وطرقه ليست كطرقنا، وهنا ندرك كيفية انقلاب الموازين في الوقت الذي لا نعلمه. فالمقياس الإلهي يختلف عن التوقعات والمقاييس البشرية! وكثيرًا ما نُفاجأ بطريق أو فكر جديد لم نتوقعه، لأنّ الرب السامي هو الذي يفكّر، وطريقه ليس كطريقنا، بل يفوقنا كثيرًا. وهذا يؤكد قول الرب بحسب نبوءة هوشع: «لِأَنِّي أَنا اللهُ لا إِنْسان» (هو 11: 9). تكشف هذه الآيات عن الطرق والأفكار التي يُتمّمها الرب لأجلنا، دون أن نلومه أو نتهمه بالظلم، والسبب هو أنّ طرقه وأفكاره ليست كطرقنا وأفكارنا.
نستخلص من اللاهوت النبوي بحسب أشعياء، والذي يحمل الجديد، ما يعاوننا على إعادة قراءة المثل التعليمي الوارد على لسان يسوع بحسب إنجيل متّى، لنقبل هذا الجديد وغير المعتاد لدينا. إنّه مثل تشبيهي للملكوت، أي إنّه أحد الأمثال المتّاوية لتشبيه ملكوت الله بفعل بشري: «فَمَثلُ مَلكوتِ السَّمَوات» (مت 20: 1). هذا الجانب يرشدنا إلى قبول الجديد من خلال قراءتنا للمثل بفكر ومنطق جديدين، لا كما تعوّدنا من قبل. إنّه إعلان عن ملكوت الله، يهدف إلى تفسير كيفية تواصل الرب معنا، وكيف يتصرّف في تاريخنا البشري. هذا المنظور يُجنّبنا التوقف عند قراءة النص من وجهة نظر أخلاقية بحتة، لأنّه ليس نصًا يدعونا فقط إلى التدرّب على أن نتصرّف أخلاقيًا تجاه الآخرين، ولا هو مجرد تحذير من الحسد. إنّه إعلان جديد يكشف عن حقيقة الرب، وعن أفكاره تجاهنا، وعن طرقه التي يفتحها أمام كل واحد منا، وكيف لنا أن نتعلّم هذا الفكر الإلهي ونقبل الطريق الجديد الذي يهيئه أمامنا، دون التمسك بأفكارنا وطرقنا.
2. رب البيت! (مت 20: 1- 6)
بحسب الوصف المتّاوي، ومن خلال المثل التعليمي الذي يضعه الإنجيلي على لسان يسوع، يروي المثل قائلًا: «فَمَثلُ مَلكوتِ السَّمَوات كَمَثلِ رَبِّ بَيتٍ خَرَجَ عِندَ الفَجرِ لِيَستأجِرَ عَمَلةً لِكَرمِه فاتَّفقَ معَ العَمَلةِ على دينارٍ في اليَوم وأَرسَلهم إِلى كَرْمِه» (مت 20: 1-2). هناك رجل يُوصف بأنّه ربّ البيت، وهو تعبير يظهر مرات عديدة بحسب إنجيل متّى، ونجده تحديدًا في سياق الأمثال، كما في مثل الزؤان (راجع مت 13: 27)، وهو مثل آخر عن الملكوت. في مثل الزؤان أيضًا، ربّ البيت هو الله ذاته، ويُصوّر المثل طريقة تصرّفه الغريبة، والتي قد تبدو للوهلة الأولى ظالمة، لأنّها لا تشير إلى العدالة بحسب منطقنا البشري. ففي واقع الأمر، تصرّف «ربّ البيت» لا يتوقعه الأجراء.
ثم يروي أنّ ربّ البيت يمتلك، في مثلنا، كرمًا، وعليه أن يستأجر عمّالًا للعمل لديه. في الكتاب المقدس، يشير مصطلح «الكرم» عامةً إلى شعب إسرائيل. على سبيل المثال، في نشيد النبي أشعياء عن الكرم (5: 1-7). في ذلك السياق، ذُكر صراحةً: «كَرمَ رَبِّ القواتِ هو بَيتُ إِسْرائيل» (أش 5: 7). لذلك، ليس المقصود إسرائيل في المثل، ولا ينطبق الاستنتاج بحسب قول متّى: «كَثيرٌ مِنَ الأَوَّلينَ يصيرونَ آخِرين، وَمِنَ الآخِرينَ أَوَّلين» (مت 19: 30؛ 20: 16) على علاقة الكنيسة بإسرائيل.
يقرر «ربّ البيت» الخروج في أوقات مختلفة من اليوم، داعيًا باستمرار عمّالًا جددًا إلى كرمه. ويتفق مع العامل الأول على أجر: «دينار في اليوم». ويتكرر فعل الخروج، إذ يؤكد يسوع خروج ربّ البيت عند الفجر، وفي التاسعة صباحًا، وعند الظهر، وحوالي الثالثة عصرًا، وفي الخامسة مساءً. يخرج ويمرّ بهدف أن يدعو آخرين للعمل في كرمه. ربّ البيت دائم الحركة، لا يهدأ طوال اليوم، يبحث باستمرار عن عمّال جدد لكرمه، ولا يطيق أن يرى أحدًا عاطلًا أو مستثنى على جانب الطريق: «ثُمَّ خَرَجَ نَحوَ السَّاعةِ التَّاسِعة، فرأَى عَمَلةً آخَرينَ قائمينَ في السَّاحَةِ بَطَّالين. فقالَ لَهم: "اِذهَبوا أَنتُم أَيضاً إِلى كَرْمي، وسَأُعطيكُم ما كانَ عَدْلاً" [...] خَرَجَ نَحوَ الخامِسةِ بَعدَ الظُّهْر، فَلَقِيَ أُناساً آخرينَ قائمينَ هُناك، فقالَ لَهم: لِماذا قُمتُم هَهُنا طَوالَ النَّهارِ بَطَّالين؟» (مت 20: 3-6).
غريبٌ ربّ البيت وصاحب الكرم معًا، إذ يذهب باحثًا عن عمّال، فيما هؤلاء العاطلون لا يذهبون إليه باحثين عن العمل! إنها الدعوة القائمة دائمًا لنتحرر من البطالة ونتنعّم بكرامة العمل من خلال دعوة صاحب الكرم.
3. هذا ظُلم، أين العدل؟ (مت 20: 7- 12)
يبدأ المشهد الثاني في المثل، إذ انتهى يوم العمل، وعلى العمال العودة إلى منازلهم في انتظار أجرهم، ولا تزال كلمات ربّ الكرم تترك صدى في آذانهم حينما قال لهم: «سَأُعطيكُم ما كانَ عَدْلاً [...] ولـمَّا جاءَ الـمساء قالَ صاحِبُ الكَرْمِ لِوَكيلِه: "أُدعُ العَمَلَةَ وادفَعْ لَهُمُ الأُجرَة، مُبتَدِئاً بِالآخِرين مُنتَهِياً بِالأَوَّلين". [...] ثُمَّ جاءَ الأَوَّلون، فظَنُّوا أَنَّهم سيَأخُذونَ أَكثَرَ مِن هؤُلاء، فَأَخَذَ كُلٌّ مِنهُم أَيضاً ديناراً» (مت 20: 5-10). عندما حلّ المساء، حان موعد دفع أجر العمال، فأعطى السيّد، خلافًا لما كان يتوقعه مَن دُعوا أولًا، كل واحد منهم دينارًا، وهو المبلغ الذي اتفق عليه مع الأوّلين. هذا السلوك غريب بلا شك، ولا «يليق» بصاحب البيت، لكن، على أي حال، كان من حقه تمامًا تحديد أجور خدمه. سلوك ربّ البيت المفاجئ والمربك يخالف منطق المصلحة الذاتية والربح.
هذا السلوك الغريب أثار استياء الخدم: «كانوا يأخُذونَه [أجرهم] ويقولون مُتَذَمِّرينَ على ربِّ البَيت: "هؤُلاءِ الَّذينَ أَتَوا آخِراً لم يَعمَلوا غَيرَ ساعةٍ واحدة، فساوَيتَهم بِنا نحنُ الَّذينَ احتَمَلْنا ثِقَلَ النَّهارِ وَحَرَّه الشَّديد"» (مت 20: 11-12). هؤلاء الأجراء الذين يمثلوننا، في الواقع، يفكرون بحسب منطقهم البشري، وهو المعتاد عليه، أي المساواة والعدل بين الذي عمل ساعات كثيرة والذي عمل ساعات أقل، بل ساعة واحدة. يطالبون بأن يكون الأجر متناسبًا مع ساعات عملهم! لماذا يحصل عامل قام بالعمل طوال ساعات اليوم على الأجر نفسه الذي يحصل عليه مَن بدأ العمل في الخامسة مساءً، وهي الساعة الأخيرة، هذا بالإضافة إلى تجنبه ساعات العمل الأكثر حرارة وإرهاقًا؟ هذا ظُلم، وليس من العدل أن يتساوى الجميع في الأجر! أيصحّ لربّ الكرم أن يظلم البعض ويعطي أجرًا متساويًا؟ لماذا؟
4. منطق الـملكوت العادل (مت 20: 13- 16)
ثم يجيب ربّ البيت بحسب عدالته ومنطقه قائلًا: «يا صَديقي، ما ظَلَمتُكَ، ألـم تَتَّفِقْ مَعي على دينار؟ خُذْ ما لَكَ وَانصَرِفْ. فَهذا الَّذي أَتى آخِراً أُريدُ أَن أُعطِيَهُ مِثلَك: أَلا يَجوزُ لي أَن أَتصرَّفَ بِمالي كما أَشاء؟ أَم عَينُكَ حَسودٌ لأَنِّي كريم؟» (مت 20: 13-15). يكمن في هذه الكلمات حلّ المثل. لا يهدف المثل إلى لفت الانتباه إلينا، نحن الخدم المتذمرين، بل إلى سلوك ربّ البيت العادل والمتناقض مع عدالتنا البشرية، والذي يمثّل سلوك الله وطريقة تفكيره. بل نعتقد، خطأً، أنّ ربّ البيت غير عادل! بحسب اعتقادنا البشري، فإنّ أجرنا سيكون بناءً على أدائنا أو بحسب المدة الزمنية (بالساعة، باليوم...)، ونُفاجأ بأنّ الله ليس كذلك. إنّه لا يدفع بالساعة ولا بحسب الأداء.
يقول ربّ البيت: «أَلا يَجوزُ لي أَن أَتصرَّفَ بِمالي كما أَشاء؟». هذا هو منطق ملكوت الله: إنّه ملكوت إلهي لا يُدفع فيه الأجر بالساعة، بل يُعطى كل شيء وفقًا لرحمة الرب وكرمه. نحن مدعوون إلى أن نكافح من أجل تبنّي هذا النهج الإلهي وجعله نهجنا، فنحن نحسده على كرمه ونتناسى أنّنا لا يمكننا أن نفرض على الله نوعية عدالتنا. لذا، نحن مدعوون إلى أن ندخل في هذا الفكر والمنطق الإلهي، وألا نطالب الرب بأن يتبع فكرنا ومنطقنا. وهذا هو الجديد: الملكوت هو قبول الأجر ذاته للآخر الذي أتى في الساعة الأخيرة مثلنا، والترحاب به في حقل الملكوت. فجميعنا أبناء للرب، الذي هو بمثابة ربّ الكرم، والذي لا يزال يدعونا لنعمل ونكون في الملكوت معه، دون أن نشعر بالظلم، بل أن نتعلّم من هذه العدالة الفائقة للطبيعة البشرية دون تذمّر.
الخلاصة
في ختام مقالنا الذي أعطيناه عنوانًا باسم: «هذا ظُلم، أين العدل؟»، تتبعنا فكرًا نبويًا بحسب أشعياء (55: 6-9)، وفكر متّى الإنجيلي (20: 1-16). كلا الكاتبين كشفا مفهومًا جديدًا عن عدالة الرب التي نجهلها. فقد أشار يسوع في ختام المثل بقوله: «فهَكذا يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلين والأَوَّلونَ آخِرين» (مت 20: 16). مَن هم الأولون، ومَن هم الآخرون؟ ليس هذا ما يحاول المثل إيصاله لنا. يهدف سياق متّى إلى كشف أفكار الله واختلافها عن أفكارنا، كما أشار النص الإشعيائي (55: 6-9) قبلًا. ليس القصد من المثل القول بوجود الأول والأخير، بل تزويدنا بالأفكار والطرق لنتجنب أن نكون الآخرين.
الآخرون هم أولئك الذين، حتى وإن تمت دعوتهم قبلًا، وبالتالي هم مؤمنون منذ زمن طويل، لا يعرفون كيف يتبنّون نهج الله في الحياة وأفكاره. الآخرون هم أولئك الذين لا يقبلون نظام الأجر في ملكوت الله، الذي لا يُحسب بالساعة، بل معياره الوحيد هو رحمته وعدالته التي تفوق منطق العدالة البشرية. الآخرون هم الحاسدون، مَن يحسدون الرب الذي يُنعم بفيض نعمته على جميع الأبناء دون استثناء. لكن الشاكر للرب، أولًا وقبل كل شيء، هو مَن يعرف كيف يقبل عطية الله، حتى لو دُعي في الخامسة مساءً، أي في الساعة الأخيرة. إنّ الأجر الإلهي ليس مكافأة على عملنا، بل هو مقياس رحمة الرب الذي يتناسب مع نهجه وفكره وحبّه لكل واحد منا. نحن مدعوون إلى أن نحمل الفكر والمنطق الإلهيين نفسيهما في نظرتنا إلى الآخرين، فنكون جميعنا أبناء وورثة للملكوت بالإيمان المتجدد.