موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢٦ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

ماذا يعني: خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
ماذا يعني: خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

ماذا يعني: خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

 

نقرأ في سفر التكوين (1: 26): «وَقَالَ ٱللهُ: نَعْمَلُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ ٱلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ ٱلْأَرْضِ...» ثم يأتي العدد (27) ليؤكد الفكرة: «فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ».

 

لدينا هنا ثلاث ملاحظات أساسية:

 

الصورة مرتبطة بالإنسان نفسه: النص لا يقول إن الإنسان اكتسب صورة الله بعد أن بلغ درجة معينة من المعرفة أو الأخلاق، بل يؤكد أنه خُلق عليها.

 

الصورة تشمل الذكر والأنثى: لا يحصر النص هذه الكرامة في رجل دون امرأة، ولا في فئة بشرية دون أخرى.

 

الصورة تظهر في سياق المسؤولية عن الخليقة: يأتي ذكر التسلط على الأرض والكائنات في السياق نفسه، وهو ما يفتح بابًا لفهم الإنسان بوصفه مسؤولًا عن العالم، لا مجرد مالك له.

 

ومن المهم هنا أن نلاحظ أن النص يقول «صورة الله» و«شبهنا»، لكنه لا يقدّم تعريفًا فلسفيًا مباشرًا لكل من الكلمتين. فهو يُعلن حقيقة لاهوتية عن الإنسان، لكنه لا يشرحها في صورة قائمة صارمة من الصفات، كأن يقول إن الصورة تعني العقل وحده، أو الحرية وحدها، أو القدرة على الكلام وحدها.

 

وهذه نقطة البداية التي أود أن نضعها أمامنا: النص يعلن هوية الإنسان وكرامته وعلاقته بالله، أما تحديد كيفية فهم هذه الصورة فيحتاج إلى قراءة النص في سياقه الأوسع.

 

هل تعني صورة الله أن الإنسان يشبه الله في الشكل؟

 

هذا سؤال طبيعي، وقد يكون هو السبب الأول في استعصاء النص على بعض القراء. فإذا سمع شخص أن الإنسان خُلق على صورة الله، فقد يتخيّل صورة جسدية، وكأن الله له جسد بشري، أو كأن الإنسان نسخة مصغرة عن الله.

 

لكن هذا ليس الاستنتاج اللازم من النص. ففي سفر التكوين (الإصحاح الأول)، لا يقدّم كاتب السفر وصفًا لهيئة الله الجسدية، ولا يحدّد أعضاء أو ملامح مشتركة بين الله والإنسان. لذلك لا يوجد ما يبرر اختزال «الصورة» في التشابه الجسدي.

 

ويأتي سفر التثنية (4: 15-16) ليحذر الشعب القديم من صنع صورة منحوتة على هيئة إنسان أو أي كائن آخر، ويذكّر الشعب بأنه لم يرَ صورة عندما كلمه الله في حوريب. وفي إنجيل يوحنا (4: 24) يقول يسوع: «ٱللهُ رُوحٌ».

 

في القراءة المسيحية التقليدية، تساعد هذه النصوص على التمييز بين الله بوصفه الله، وبين الصور المادية التي يحاول الإنسان أن يصنعها له. إذن، عندما نقول إن الإنسان صورة الله، فهذا لا يعني أن الله يشبه الإنسان جسديًا، أو أن الإنسان يحمل هيئة إلهية مصغرة.

 

بل إن السؤال الأعمق هو: ما نوع العلاقة التي يقيمها النص بين الله والإنسان، وما الذي يجعل حياة الإنسان ذات كرامة خاصة في هذه العلاقة؟

 

 

ثلاثة اتجاهات رئيسية في تفسير «صورة الله»

 

عندما ننتقل من قراءة النص إلى تاريخ تفسيره، نكتشف أن المسيحيين لم يقدّموا إجابة واحدة مطابقة عن السؤال: ما الذي تعنيه الصورة تحديدًا؟

 

يمكننا أن نجمع أهم الاتجاهات في ثلاثة تصورات أساسية، مع التنبيه إلى أن بعضها يتداخل مع بعض، وأن كثيرًا من اللاهوتيين يجمعون بينها بدلًا من الاكتفاء بواحد منها فقط:

 

الاتجاه الأول: الصورة بوصفها قدرات أو خصائص في الإنسان وفق هذا الاتجاه، ترتبط صورة الله بما يتمتع به الإنسان من عقل، وإرادة، وقدرة على الاختيار، ووعي أخلاقي، واستعداد لمعرفة الله. الفكرة هنا أن الإنسان لا يعيش بالغريزة وحدها، بل يستطيع أن يفكر في الحقيقة والخير، وأن يتساءل عن معنى وجوده، وأن يتحمل المسؤولية عن أفعاله.

 

قوة هذا التصور: أنه يفسر بعض أوجه التميز الإنساني، ويساعدنا على فهم الصلة بين العقل والمسؤولية الأخلاقية.

 

حدوده: إذا جعلنا الصورة مساوية للذكاء أو القدرة العقلية وحدها، فكيف نتحدث عن كرامة طفل لم تتطور قدراته بعد، أو شخص يعاني ضعفًا إدراكيًا، أو إنسان فقد بعض قدراته؟ يصعب قبول هذه النتيجة لاهوتيًا وأخلاقيًا.

 

 

الاتجاه الثاني: الصورة بوصفها علاقة هنا لا يكون السؤال الأساسي: ما الخاصية التي يمتلكها الإنسان؟ بل: من هو الإنسان في علاقته بالله وبالآخرين؟ فإنسان مخلوق مدعو إلى معرفة الله ومحبته، وإلى العيش في شركة مع الآخرين. ولا تتحدد هويته بالعزلة، بل بالانتماء والعطاء والاستجابة والوفاء. وتساعدنا نصوص مثل تكوين (1: 27)، الذي يربط الصورة بالذكر والأنثى، على الانتباه إلى أن الحياة الإنسانية ليست مشروع فرد معزول.

 

قوة هذا التصور: أنه لا يجعل الكرامة مسابقة في الذكاء، وأنه يأخذ العلاقة والمحبة على محمل الجد.

 

حدوده: ينبغي ألا نفهم الأمر وكأن الإنسان لا يكون صورة الله إلا إذا نجح تمامًا في إقامة علاقات سليمة؛ فالصعوبات العلائقية أو العجز المؤقت لا يسلبان الإنسان كرامته الأساسية.

 

 

الاتجاه الثالث: الصورة بوصفها تمثيلًا لله ومسؤولية في العالم هذا اتجاه بارز في الدراسات الحديثة للعهد القديم. ففي بعض ثقافات الشرق الأدنى القديم، ارتبط مفهوم صورة الإله بالتماثيل التي تمثله، وبالملوك الذين كانوا يُقدَّمون بوصفهم ممثلين لسلطته. وفي سفر التكوين (1)، ثمة تحول لافت: النص لا يحصر صورة الله في الملك أو النخبة، بل ينسبها إلى الإنسان عمومًا (ذكرًا وأنثى)، ثم يربطها بمسؤولية الإنسان عن الأرض والكائنات. وفق هذه القراءة، الإنسان مدعو إلى أن يمارس سلطته في العالم بوصفه وكيلًا مسؤولًا أمام الخالق، لا بوصفه مالكًا مطلقًا يفعل ما يشاء.

 

قوة هذا التصور: أنه يربط الكرامة بالمسؤولية، ويجعل العناية بالخليقة جزءًا أصيلًا من فهمنا للصورة الإلهية.

 

حدوده: لا ينبغي اختزال الإنسان في وظيفته أو في مقدار ما ينجزه؛ فالكرامة عطية إلهية وليست مجرد مكافأة على حسن أداء المهمة.

 

وتوجد بالطبع قراءات أخرى، منها القراءة المسيحانية التي ترى أن صورة الله تتجلى على نحو كامل وأخير في المسيح (آدم الأخير)، وهذه ستساعدنا لاحقًا عندما ننتقل إلى العهد الجديد.

 

وأود هنا أن أؤكد نقطة منهجية هامة: هذه الاتجاهات ليست ثلاثة تعريفات جامدة يفرضها نص التكوين بمعزل عن بعضها، بل هي محاولات تفسيرية تكمل بعضها لفهم النص في سياقه اللغوي والتاريخي والكتابي واللاهوتي الأوسع.

 

هل هناك نصوص أخرى تساعدنا على الفهم؟

 

نعم، وأفضل طريقة لتوضيح هذا الموضوع لشخص قد يستعصي عليه النص، هي ألّا نتركه مع سفر التكوين وحدَه، بل أن نقرأ معه شواهد كتابية أخرى تضيء جوانب مختلفة من الفكرة، ومنها:

الصورة والنسل والامتداد البشري: (سفر التكوين 5: 1-3).

صورة الله أساسٌ لاحترام الحياة البشرية: (سفر التكوين 9: 6).

كرامة الإنسان حتى في سياق الخصومة وضعف اللسان: (رسالة يعقوب 3: 9-10).

المسيح هو صورة الله غير المنظور: (رسالة كولوسي 1: 15).

التجدد المستمر في المعرفة والبر والقداسة: (رسالة كولوسي 3: 10؛ رسالة أفسس 4: 24).

 

من هذه الشواهد المتكاملة يمكن أن نصل إلى نتيجة جامعة: صورة الله ليست مجرد وصف لوظيفة أو قدرة مجردة في الإنسان، بل هي الأساس العميق الذي تُبنى عليه هويته، وكرامته، ومسؤوليته، ودعوته في الوجود.

 

 

مراجع مفيدة:

أتكنسون، ديفيد. سفر التكوين. الجزء الأول. سلسلة تفسير الكتاب المقدس يتحدث اليوم. ترجمة نكلس نسيم. القاهرة: دار النشر الأسقفية، 1999.

الفغالي، بولس. منسّق ومقدم. القراءة المسيحية للعهد القديم. حصيلة المحاضرات التي تليت في مؤتمر لارنكا الكتابي الثاني 8-13 فبراير (شباط) 1988. سلسلة دراسات بيبلية، 1. بيروت: الرابطة الكاثوليكية العالمية، 1991.

---------. سفر التكوين أو تاريخ الكون والإنسان. سلسلة المجموعة الكتابية، 2. بيروت: منشورات المكتبة البولسية، 1988.

كدنر، ديريك. سفر التكوين. ترجمة بخيت متى. سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس – العهد القديم. القاهرة: دار الثقافة، 1995.