موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٤ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

من هم ملح الأرض؟

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
من هم ملح الأرض؟

من هم ملح الأرض؟

 

نقرأ في الجزء الأخير من الإصحاح الرابع من الإنجيل بحسب القديس متّى أن الرب يسوع كان يطوف في الجليل كله، يعلّم في مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب: «فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ ٱلسُّقَمَاءِ ٱلْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَٱلْمَجَانِينَ وَٱلْمَصْرُوعِينَ وَٱلْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ». لذلك: «تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ ٱلْجَلِيلِ وَٱلْعَشْرِ ٱلْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَٱلْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ ٱلْأُرْدُنِّ».

 

وفي مطلع الإصحاح الخامس، يذكر كاتب الإنجيل أن يسوع، لما رأى الجموع، صعد إلى الجبل. وربما كان المكان مرتفعًا ومفتوحًا، بما يتيح للصوت أن ينتشر، ويلتف حوله حشد كبير قادم من مناطق متعددة، منها الجليل والعشر المدن وأورشليم واليهودية. وكان جلوس يسوع موافقًا لوضعية المعلّم التقليدية في ذلك الزمان؛ إذ كان المعلّم يجلس بينما يلتف الطلاب والسامعون حوله. وهكذا تحيط الحشود بالمشهد كله، ونكون قد دخلنا في أجواء «الموعظة على الجبل».

 

بعد أن بدأ يسوع موعظته بـ«التطويبات»، توجّه إلى تلاميذه، وإلى الجموع التي كانت وراءهم، قائلًا: «أَنْتُمْ مِلْحُ ٱلْأَرْضِ، وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ ٱلْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لَا يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلَّا لِأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ ٱلنَّاسِ» (متّى 5: 13). في هذه المقالة، سنبحث في الجزء الأول من موعظة يسوع، حيث وصف تلاميذه بأنهم «ملح الأرض»، مع الجموع التي كانت وراءهم. أما الجزء الثاني، الذي وصفهم فيه بأنهم «نور العالم»، فنتركه لدراسة لاحقة. تبدأ العبارة في اليونانية بـ Ὑμεῖς ἐστε، أي حرفيًا: «أنتم تكونون»، أو، بصياغة عربية طبيعية: «أنتم». والضمير ὑμεῖς هو ضمير المخاطب الجمع، مع أن الفعل ἐστε يدل، في حد ذاته، على المخاطب الجمع؛ لذلك فإن ذكر الضمير يضفي على العبارة نبرة توكيدية.

 

لم يكن يسوع يطلق تشبيهات عابرة، بل استند إلى ركائز عميقة الجذور في بيئة الشعب اليهودي وثقافته وتاريخه الديني في ذلك العصر. لذلك، يمكننا استكشاف مصادر هذه الفكرة وخلفياتها من زوايا أساسية عدة:

 

 

الاستخدام اليومي والعملي للملح في الشرق الأوسط القديم

 

كان الملح في العالم القديم مادة حيوية وثمينة، لا غنى عنها في الحياة اليومية، ولا سيما في جانبين رئيسيين:

 

· حفظ الطعام ومنع فساده: في زمن لم تكن فيه وسائل التبريد متاحة، كان الملح من الوسائل الأساسية لحفظ اللحوم والأطعمة من التلف والفساد. وعندما يشبّه المسيح تلاميذه بالملح، يمكن فهم ذلك على أنه إشارة إلى دورهم في مقاومة الفساد الأخلاقي والروحي في المجتمع المحيط بهم.

 

· إضفاء النكهة والطعم: يُحسّن الملح مذاق الطعام ويجعله مستساغًا. وهكذا، يكون للمؤمن تأثير إيجابي في بيئته، إذ ينشر المحبة والسلام، ويُحدث أثرًا طيبًا في حياة الناس من حوله.

 

 

الخلفية الاقتصادية والتاريخية: الملح بوصفه سلعة ثمينة

 

· القيمة العالية: نظرًا إلى أهميته في حفظ الطعام وتجفيفه، وفي تجارة الأسماك، كان الملح سلعة استراتيجية تُفرض عليها ضرائب باهظة.

 

· رواتب الجنود: من الطريف أن كلمة Salary الإنجليزية، التي تعني «راتبًا»، ترتبط اشتقاقيًا بالكلمة اللاتينية sal، التي تعني «ملحًا». وتشيع رواية مفادها أن الجنود الرومان كانوا يتقاضون أحيانًا جزءًا من أجورهم في صورة حصص من الملح.

 

· لذلك، حين يقول المسيح لتلاميذه إنهم «ملح الأرض»، فهو يمنحهم قيمة كبيرة ومكانة استثنائية بوصفهم «ثروة» حية للمجتمع، على الرغم من بساطة أحوالهم ومهنهم، ومن كون كثير منهم صيادين، يُدركون أهمية الملح في حفظ الأسماك.

 

 

الجذور الكتابية والتاريخية في العهد القديم

كان للملح دلالات دينية عميقة في التراث اليهودي:

 

· عهد الملح، أو العهد الدائم: كان الملح يُستخدم في الذبائح والتقدمات المقدَّمة لله، بوصفه علامة على العهد والثبات. ويرد تعبير «عهد ملح دهري» في العهد القديم للدلالة على عهد دائم (كما في سفر العدد 18: 19 وسفر أخبار الأيام الثاني 13: 5). ويرتبط هذا الرمز، في سياق المقالة، بما للملح من قدرة على حفظ الطعام من الفساد.

 

· الرمزية التطهيرية: كان الملح يُستخدم أحيانًا في بعض ممارسات التطهير. ويذكر سفر حزقيال (16: 4) رشّ المولود بالملح ضمن وصفه للعناية التي لم يتلقّها عند ولادته.

 

 

والسؤال الآن: من هو ملح الأرض؟

 

إذا كان يسوع قد وجّه هذا القول إلى التلاميذ بالدرجة الأولى، كما نقرأ في الآية 13، فإن الجموع التي كانت تستمع إليه قد يكون لها أيضًا نصيب من قوله: «أنتم ملح الأرض». ويمكن الاستئناس بما ورد في ختام الموعظة (متّى 7: 28–29): «فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هَذِهِ ٱلْأَقْوَالَ بُهِتَتِ ٱلْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَٱلْكَتَبَةِ». وبعبارة أخرى، فإن تأثّر الجموع بتعليم يسوع يدل على أنها كانت حاضرة ومتفاعلة مع الموعظة، وإن لم يكن ذلك وحده دليلًا قاطعًا على أن كل قول فيها وُجّه إليها مباشرة.

 

خلاصة القول: استقى السيد المسيح هذه الصورة من واقع حياة الناس اليومية، بما فيها حفظ الطعام وإضفاء النكهة والقيمة، ومن عمق تراثهم الديني، بما يحمله من دلالات العهود والذبائح. وهكذا وضع أمام تلاميذه مرآة تكشف هويتهم ورسالتهم: فهم ليسوا فئة منفصلة عن المجتمع، بل يُدعون إلى أن يكونوا قوة للخير فيه، كالملح الذي يحفظ من الفساد. ويأتي التحذير في ختام القول واضحًا: لئلا يفقد الملح وظيفته، فيُطرَح خارجًا ويُداس من الناس.