موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تُعتبر تقدمة الطفل يسوع إلى الهيكل (أو ما يُعرف بـعيد دخول السيد المسيح إلى الهيكل) حدثًا محوريًا في التاريخ الخلاصي، فهو يجمع بين إتمام الشريعة اليهودية القديمة وإعلان الخلاص المسكوني لكل البشر.
إليكم موضوعًا متكاملاً يتناول هذا الحدث من جوانبه الكتابية، الروحية، واللاهوتية:
1. الخلفية الكتابية والشريعة
"وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا، حَسَبَ شَرِيَعَةِ مُوسَى، صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحِ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوساً لِلرَّبِّ." (لوقا 2: 2).
بحسب إنجيل لوقا تمت هذه التقدمة بعد أربعين يومًا من ميلاد يسوع. التزمت العائلة المقدسة (مريم العذراء ويوسف البار) بشريعة موسى التي تنص على أمرين:
• تطهير الأم: بعد الولادة (لاويين 12).
• فداء البكر: تقديم كل بكر للرب (خروج 13)، تذكارًا لنجاة أبكار العبرانيين في مصر.
• قدمت العائلة "زوج يمام أو فرخي حمام"، وهي تقدمة الفقراء، مما يعكس اتضاع المسيح ومشاركته حياة المساكين منذ صغره.
2. الشخصيات المحورية والرموز
لم يكن اللقاء مجرد طقس ديني، بل كان "لقاءً بين العهدين":
سمعان الشيخ (العهد القديم): "فحمله عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: «الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْداً لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ»." (لوقا 2: 28-32). كان سمعان الشيخ بارًا تقيًا، أُوحي إليه بالروح القدس أنه لن يرى الموت قبل أن يعاين "مسيح الرب". بمجرد حمله للطفل، نطق بنشيده الخالد: الان تطلق عبدك بسلام.
حنة النبية: الأرملة التي لم تفارق الهيكل، تمثل الصبر والخدمة. صارت تبشر كل المنتظرين بأن الفداء قد حضر. "فَهِيَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ، وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ." (لوقا 2: 38).
3. المعاني اللاهوتية والروحية
• لقاء العهد القديم والجديد: الهيكل (رمز العهد القديم) يستقبل ربه (صاحب العهد الجديد). هنا ينتهي زمن الرموز ويبدأ زمن الحق.
• المسيح هو الهيكل الحقيقي: بدخوله إلى الهيكل المبني بالحجارة، قدّس يسوع مفهوم العبادة، معلناً أنه هو "نور الأمم" ومجد إسرائيل.
• النبوءة بالألم: قال سمعان لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: «هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وَأَنْتِ أَيْضاً يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ»." (لوقا 2: 34-35).
كانت هذه أول إشارة واضحة إلى الآلام والصلب، وكيف أن حياة هذا الطفل ستكون "علامة تُقاوم".
4. الغاية من تقدمة يسوع الى الهيكل
تتمحور الغاية من تقدمة الرب يسوع إلى الهيكل حول عدة أبعاد (شرعية، لاهوتية، وإنسانية)، ويمكن تلخيص هذه الغايات في النقاط التالية:
- إتمام الشريعة والناموس:
جاء يسوع ليتمم الشريعة لا لينقضها. وبحسب شريعة موسى، كان يجب تقديم كل بكر للرب (خروج 13: 2).
• الغاية إظهار خضوع المسيح للناموس الذي وضعه هو نفسه، لكي "يفتدي الذين هم تحت الناموس" كما يقول القديس بولس. لقد تمم كل الطقوس (الختان، التقدمة) ليصبح هو "نهاية الناموس" وبداية عهد النعمة.
- إعلان هوية المسيح للعالم (الاستعلان):
لم تكن التقدمة مجرد طقس عائلي خاص، بل كانت لحظة "إعلان إلهي".
• الغاية: الكشف عن أن هذا الطفل هو "مسيح الرب" المنتظر. فمن خلال روح النبوة التي نطق بها سمعان الشيخ وحنة النبية، أُعلن للجميع أن هذا هو "نور الأمم" و"خلاص الشعوب".
- لقاء العهدين (القديم والجديد)
تجسيد اللقاء بين العهد القديم (ممثلاً في الهيكل، وسمعان الشيخ، وحنة النبية) والعهد الجديد (ممثلاً في الطفل يسوع والعذراء). هو إعلان أن الوعود القديمة قد تحققت أخيراً في شخص المسيح.
- تكريس الذات لله
كان تقديم البكر قديماً يعني أنه "مخصص للرب".
• الغاية: في حالة يسوع، كانت هذه التقدمة إشارة استباقية لتقديم نفسه "ذبيحة حية" على الصليب من أجل خلاص العالم. فدخول الهيكل كطفل كان الخطوة الأولى نحو دخوله لاحقاً ككاهن أعظم يقدم نفسه فداءً عن الكثيرين.
- تقديس الطبيعة البشرية والتواضع
• الغاية: أراد المسيح أن يشارك البشرية في كل تفاصيل حياتها، حتى في خضوعها للفرائض. وبتقديمه "زوج يمام" (تقدمة الفقراء)، قدّس الفقر والتواضع، وأثبت أنه جاء ليكون قريباً من المسحوقين والمتألمين.
- الربط بين الميلاد والآلام
من خلال نبوة سمعان الشيخ للعذراء ("وأنتِ أيضًا يجوز في نفسك سيف")، تحولت لحظة التقدمة من مجرد احتفال بالميلاد إلى تذكير بالصليب.
• الغاية: توضيح أن "التجسد" (الميلاد) هدفه النهائي هو "الفداء" (الصليب والقيامة).
باختصار: الغاية هي أن يلتقي الله بشعبه في بيته (الهيكل)، ليعلن لهم أن زمن الانتظار قد انتهى، وأن عصر الخلاص قد بدأ.
يا رب، يا من دخلت الهيكل طفلاً لتُتمم وعودك، استقبل قلبي اليوم في هيكل قدسك.
أعطني عينَيْ سمعان الشيخ لأبصر نورك في كل ضيقة، وصبره لأنتظر فرجك بإيمان.
أنِر عتمة نفسي بحضورك، واجعل حياتي تقدمة حية مريحة لقلبك وطوع مشيئتك.
لك المجد يا مخلصنا، يا من جمعت في لقائك الأرض بالسماء، والآن وإلى الأبد، آمين