موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في عالم تتقاسمه المسافات وتُرهقه الانقسامات، يأتي صوت الرسول بولس ليدق في ضمير الوجود المسيحي نداءً أزلياً: «إنّ الجسدَ واحد والرّوحَ واحد، كما دُعيتُم أيضًا برَجاء دعوتكم الواحد». إن هذا الشعار ليس مجرد كلمات تُتلى، بل هو "دستور حياة" ودعوة ملحّة للعودة إلى الجوهر الأصيل لإيماننا.
ان انقسام الكنيسة يلمس جوهر "الألم المسكوني" الذي يعيشه الكثير من المؤمنين اليوم. لنتأمل بعمق في هذا الانقسام بتشخيص المشكلة عبر الجذور التاريخية والكتابية، ودور الكنائس العربية وصولاً إلى الحل نحو قلب واحد وكنيسة واحدة.
أولاً: المشهد المؤلم (واقع الانقسام المسيحي)
• عثرة المؤمنين والباحثين: إن تشرذم الكنيسة إلى طوائف ومذاهب متعددة أصبح "مثار شك" لدى المسيحيين، وحائط صدٍ أمام الراغبين في التعرف على المسيح، حيث يقفون في حيرة أمام السؤال الصعب: "أين هي الكنيسة الحقيقية؟".
• انحراف عن الجوهر: هذا التعدد لا يعبر عن غنى التنوع بقدر ما يعبر عن عمق الانقسام، وهو واقع مرير يجعل الكنيسة تبدو وكأنها تتحدث بأصوات متضاربة بدلاً من أن تنطق بروح المسيح الواحد.
ثانيًا: الجذور البشرية للانقسام (تشخيص الداء)
• بشرية الدوافع: الانقسامات، منذ بداياتها، لم تنبع من رسالة المسيح أو جوهر الإيمان، بل كانت نتيجة لضعف الأشخاص والمصالح، وحب السلطة والمناصب.
• مؤامرة "الزؤان": خلف كل شقاق يكمن "عدو الخير" الذي يسعى لغربلة المؤمنين كما تغربل الحنطة، مستغلاً الأنانية البشرية لزرع الفرقة في الحقل الواحد.
• صراع المناصب: حتى التلاميذ الأوائل وقعوا في فخ "من هو الأكبر؟"، وهو ما نراه يتكرر اليوم بأشكال مختلفة من التمسك بالهويات الضيقة على حساب وحدة الجسد.
ثالثًا: المرجعية الكتابية (التحذير والوصية)
• توبيخ القديس بولس: صرخة بولس الرسول لأهل قورنتس لا تزال تدوي: "أتُرى المسيح انقسم؟"، رافضاً التحزب للأشخاص (بولس، أبلوس، صخر) على حساب المصلوب.
• منطق الخدمة لا السيادة: حسم السيد المسيح الجدال حول المناصب بقوله: "من أراد أن يكون فيكم كبيراً فليكن لكم خادماً". هذا هو الميزان الذي افتقدته الكثير من القيادات عبر التاريخ.
رابعًا: خارطة الطريق نحو الإصلاح (ماذا علينا أن نفعل؟)
• الاعتراف بالخلل: لا يمكن العلاج دون الشعور بالألم. علينا أن نتألم لانقسامنا كما نتألم لانقسام أفراد الأسرة الواحدة في البيت الواحد.
• تنقية القلوب بالكلمة: عيش الكتاب المقدس بروح التسامح والمحبة هو السبيل الوحيد لتصفية النفوس وتكاتف الجهود.
• نبذ التعصب الادعائي: التوقف عن توجيه التهم، والكف عن الاعتقاد بأن "مفاتيح الملكوت" حكرٌ على كنيسة دون غيرها. فالحقيقة لا تُعاش بدون محبة.
• أولوية المحبة: الله محبة، وعلامة التلمذة الحقيقية للمسيح هي المحبة المتبادلة، وليست مجرد التوافق العقائدي الجاف.
خامسًا: الوحدة كفعل صلاة (الرجاء الباقي)
• الاتحاد بصلاة المسيح: أن نضم صوتنا لصلاة يسوع الكهنوتية: "ليكونوا بأجمعهم واحداً".
• شفاعة أم الكنيسة: الالتجاء إلى السيدة العذراء، التي جمعت التلاميذ في علية صهيون، لتجمعنا اليوم بروح الصلاة والانتظار، متمثلين بكلمتها الخالدة: "افعلوا ما يأمركم به يسوع "
سادسًا: دور الكنائس في شرقنا العربي في مسيرة الوحدة
في مشرقنا العربي تكتسب الصلاة بعدا تاريخيا ووجوديا فريدا، فلا يُعدّ "أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين" مجرد طقسٍ مستورد، بل هو نابع من قلب المعاناة والآمال المشتركة. فالمسيحيون العرب، الذين ينتمون إلى أعرق الكنائس (الأنطاكية، والقبطية، والسريانية، والمارونية، واللاتينية، وغيرها)، يدركون أن ما يربطهم هو "وحدة الحياة" قبل أن تكون وحدة الأوراق والاتفاقيات.
1. مسكونية الدم والحضور: لقد صاغت التحديات التي مرت بها المنطقة ما يسميه البابا فرنسيس "مسكونية الدم". فحينما واجهت الكنائس في فلسطين والعراق وسوريا ولبنان ومصر الصعاب والتهجير، لم يُسأل المؤمن عن طائفته. إن الألم المشترك قد وحّد القلوب قبل المذاهب، وجعل من الصلاة لأجل الوحدة ضرورة للبقاء والحفاظ على الحضور المسيحي المشرقي الأصيل.
2. مجلس كنائس الشرق الأوسط رائد العمل المشترك: يبرز دور "مجلس كنائس الشرق الأوسط" كنموذج رائد عالمياً، حيث استطاع أن يجمع العائلات الكنسية الأربع (الأرثوذكسية الشرقية، والأرثوذكسية، والكاثوليكية، والإنجيلية) تحت سقف واحد. ومن خلاله، يتم تنسيق أسبوع الصلاة في منطقتنا بلمسة شرقية، تُستخدم فيها الألحان السريانية، والقبطية، والبيزنطية، لتمتزج الأصوات في صلاة واحدة بلغة المسيح ولغة الضاد.
3. الوحدة كرسالة للعيش المشترك: إن وحدة الكنائس في العالم العربي ليست انعزالاً، بل هي قوة لتعزيز العيش المشترك مع الآخرين . فعندما تتحدث الكنائس بلغة واحدة وصوت واحد، تصبح رسالتها في المواطنة، والعدالة، والسلام أكثر تأثيراً ومصداقية. إنها رسالة تؤكد أن التنوع داخل الوحدة هو سر جمال المشرق وقوته.
4. الصلاة مسك الختام: ان أسبوع الصلاة في بلادنا هو صرخة أمل من الأرض التي انطلقت منها البشارة الأولى. هو تأكيد على أن مسيحيي الشرق، رغم كل الجراح، ما زالوا يرفعون صلاتهم لكي يظلوا "ملحاً للأرض ونوراً للعالم"، مجسدين الوحدة في أبهى صورها: وحدة المصير، ووحدة الصلاة، ووحدة الرجاء.
انه أكثر من مجرد اسبوع من الصلوات والطقوس، إنه وقفة مع الذات واستعادة للبوصلة الحقيقية. إن الوحدة المنشودة لا تعني ذوبان التنوع أو إلغاء الخصوصيات التاريخية لكل كنيسة، بل هي "وحدة القلوب" التي تتجاوز جدران المباني لتلتقي في فضاء المحبة الإنسانية.
إن نجاح هذا الأسبوع لا يُقاس بما نردده داخل الكنائس فحسب، بل بما نحمله معنا إلى الخارج؛ حين يتحول المصلي إلى صانع سلام، وحين تصبح الكنائس صوتاً واحداً يدافع عن المظلومين ويضمد جراح المتألمين. فلنجعل من هذه الصلاة قوة دافعة تكسر قيود العزلة، ولنتذكر دائماً أننا "أعضاء في جسد المسيح"، وأن قوتنا ليست في تماثلنا، بل في قدرتنا على السير معاً نحو غدٍ يملؤه الرجاء، محققين تلك الشهادة التي ينتظرها العالم منا: "بِهذا يَعْرِفُ الجَميعُ أَنَّكُمْ تَلاميذي: إِنْ كنتم تحبون بعضكم بعضا" يوحنا ٣٥:١٣