موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٨ أغسطس / آب ٢٠٢٦

عظة الأحد التاسع عشر من الزمن العادي - السنة أ

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
المونسنيور خالد عكشة

المونسنيور خالد عكشة

 

هناك صفحات في الإنجيل المقدس نكاد نقتصر في قراءتها على اعتبارها مجرد رواية لمعجزة، في حين أنّ متى الإنجيلي يضعها ضمن سياق من الألم والإيمان. إن حادثة مشي يسوع على الماء تأتي غداة مقتل يوحنا المعمدان. هذا الخبر جرح يسوع في الأعماق، لأنه، إضافة لصلة القرابة التي تربطه بيوحنا، فإنه رأى في مصير المعمدان سابقه، مقدمة لمصيره هو. ولهذا السبب صعد إلى الجبل ليصلي. فيسوع الذي يوافي التلاميذ ماشيا على البحيرة في هزيع الليل، ليس رجلاً يبتغي استعراض قدرته، بل هو رجل اختبر الألم وعاشه، واستعاد في حواره مع الآب القوة لمواصلة طريقه.

 

في هذا المنظور تُفهم بشكل أفضل أيضًا القراءة الأولى من سفر الملوك. فإيليا، الهارب والفاقد الأمل، يصعد إلى جبل حوريب ليلتقي بالله، ويكتشف أن الرب لا يتجلى في الريح العاصفة، ولا في الزلزال، ولا في النار، بل في صوت نسيم عليل كأنه صمت. إنها رؤيا تخترق الكتاب المقدس بأكمله: الله لا يحب أن يفرض نفسه بضجيج القوة، بل يعطي الفرصة ليُعرَف في حضور هادئ لا يُحدِث جلبة.

 

في هذه الأثناء، كان التلاميذ في البحيرة. كانت الريح معاكسة، وتراءى لهم أن العبور لن ينتهي أبدًا. يركّز متى كل مشقة وجودنا كبشر في ثلاث صور: الليل، والبحر، والريح. فالليل هو زمن الشك وعدم اليقين؛ والبحر يمثّل الفوضى، أي ما يخرج عن سيطرة الإنسان؛ والريح هي القوة التي تبعثر كل مشروع. إنها صور لمخاوفنا، ولتلك المراحل من الحياة التي نواصل فيها التجديف بجهود تتضاعف، ومع ذلك يبدو وكأننا نراوح مكاننا.

 

المياه تُعدّ، في الفكر الكتابي، رمزًا للفوضى والشر والعدم. غير أن التفصيل الحاسم هو أمر آخر: ليس التلاميذ هم من يصِلون إلى المعلم، بل المعلم هو من يبادر ويسير نحوهم: الإيمان يولَد دائمًا من هذه الحركة الإلهية التي يتقرب فيها الله من الإنسان المدعو بدوره للاستجابة لها.

 

متّى وحده يروي ما حدث لبطرس. كان طلبه مفاجئًا: "يا رب، إن كنت إياه، فمُرني أن آتي إليك على الماء". لم يطلب بطرس معجزة، بل رغب في الوصول إلى يسوع عِبر الشيء نفسه الذي يخيفه. لقد أدرك أن المعجزة الحقيقية لا تكمن في المشي على البحر، بل في عدم السماح لأي شيء أن يفصله عن الرب، حتى عندما يتزعزع كل شيء حوله.

 

طالما يُبقي بطرس نظره مثبّتًا على يسوع، فإنه يمشي؛ أما عندما يعود ليرقب الريح، يبدأ في الغرق. إنها صورة ذات حقيقة فائقة. ليست الصعوبات هي ما ينسينا إيماننا، بل اللحظة التي تحتل فيها تلك الصعوبات أفقنا بالكامل. ولهذا السبب، فإن الصرخة: "يا رب، نجّني!" هي واحدة من أكثر الصلوات أصالة في الإنجيل. ويسوع، دون تردد، يمد يده إلى بطرس ويمسكه بثبات. هذه هي اليقينية التي تسلّمها ليتورجيا هذا الأحد لنا أيضًا. فمِثل إيليا، نودّ أن نلتقي بالله في الآيات الخارقة؛ ومثل بطرس، نرغب في بحر هادئ أخيرًا. غير أن الرب يعلّمنا أن الإيمان لا يكمن في النجاة من العواصف، بل في اكتشاف أنه، في الوقت الذي تواصل فيه الريح الهبوب، يأتي هو نحونا ويمدّ لنا يده.

 

آباء الكنيسة، من جهتهم، سواء في الشرق أو في الغرب، علّقوا بوفرة على رواية مشي بطرس على المياه مع يسوع. وفي تفسيرهم لا يُعدّ هذا الحدث معجزة مذهلة فحسب، بل هو خلاصة شامِلة لللاهوت، ومسيرة الكنيسة، والحياة الروحية.

 

بالنسبة للقديس أغسطينس (المواعظ، 75)، السفينة هي الكنيسة، والبحر هو هذا الدهر المضطرب بالشرور والاضطهادات. يبدو يسوع بعيدًا أو غائبًا في لحظة التجربة، لكنه يعود "في الهزيع الرابع من الليل"، أي في نهاية الأزمنة أو في لحظة أشتداد الحاجة، جالبًا الخلاص.

 

يمثّل بطرس كلاً من المؤمن بالمفرد وقائد الكنيسة. إنّ طلبه المشي على المياه ينبع من رغبته في الاتحاد بالمسيح الذي يحب، غير أن سقوطه يُظهر ضعف الطبيعة البشرية بدون النعمة.

 

ويلفت النظر الأسقف الملفان إلى أنّ بطرس تجرأ بسبب المحبة، لكنه شكّ بسبب الضعف: "كان بطرس يمشي على المياه بفضل كلمة المسيح، ولكنه كان يغرق بسبب هشاشته. فما دام يثبّت عينيه على المسيح، كان البحر يحمله؛ وعندما نظر إلى الريح، بدأ يغرق. هكذا هي حياة المؤمن: عندما تنظر إلى نعمة المسيح، تسير فوق عواصف الحياة؛ وعندما تنظر إلى نفسك وإلى مخاوفك، تغرق".

 

أما القديس يوحنا فم الذهب (عظات على إنجيل متى، 50)، فيلاحظ التباين بين جرأة بطرس وخوفه. يتجاوز بطرس الطبيعة البشرية بمشيه على الماء بفضل أمر المسيح ("تَعَال!")، ولكنه يبدأ في الغرق بمجرد أن يحوّل نظره عن يسوع ليركّز على الريح والعاصفة. ويؤكد الذهبي الفم أنّ ما أدى إلى غرقه لم يكن قوة الريح، بل تزعزُع إيمانه.

 

ويفسّر الآباء اللحظة التي يغرق فيها بطرس ويصرخ: "يا رب، نجّني!" كنموذج مثالي لصلاة التضرع. القديس كروماتيوس من أكويلا (مقالات على إنجيل متى) يشدد على سرعة العون الإلهي، فيسوع لا يدع بطرس يهلك، بل يمد يده إليه. يد المسيح هي رمز التجسد وعون النعمة: الله لا يلغي العاصفة فورًا دائمًا، ولكنه يُمسك بالمؤمن لكي لا يبتلعه الغرق. والقديس إيرونيمس (تفسير إنجيل متى) يسلّط الضوء على عتاب يسوع ("يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟"). يُظهر هذا العتاب أنّ إيمان بطرس لم يكن غائبًا، بل كان غير كامل. لقد أدت تجربة الماء الذي كاد يغرق فيه إلى تطهيره من كبريائه وتعليمه التواضع.

 

وعندما يصعد يسوع وبطرس إلى السفينة، تهدأ الريح ويقرّ التلاميذ قائلين: "أنت ابن الله حقّا!". يرى القديس كيرلس الإسكندري في هدوء الريح إعلانًا لألوهية المسيح؛ فالخالق وحده هو من يملك السلطان على عناصر الطبيعة. تقود المعجزة التلاميذ من الخوف إلى الاعتراف بالإيمان بالثالوث وبشخص المسيح.

 

ومع التلاميذ نعلن إيماننا بيسوع ابنا الله ومسيحا، ونصلي: "أيها الرب القدير، يا مَن تسود على الخلائق كلها، قوِّ إيماننا واجعلنا ندرك حضورك في كل حدث من أحداث الحياة والتاريخ، لنواجه كل محنة بطمأنينة ونسير مع المسيح نحو سلامك".