موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كلمة الله هي محور قراءات هذا الأحد.
"لَها أَفْواهٌ وَلا تَتَكَلَّم" (مزمور 113ب، 5). بهذا الهجاء الساخر لـ "الأوثان البكماء" يسلَّط سفر المزامير الضوء، من خلال التناقض الصارخ، على إحدى السمات الأكثر تميزًا للإله الحي: إنه يتكلم إلى البشر. فهو لا يكشف عن نفسه فقط في لغة الطبيعة الصامتة وعلامات المخلوقات، ف"السموات تنطق بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه" (المزمور 19: 1)؛ بل "يتكلم" أيضا من خلال تدخلاته التاريخية للرحمة والخلاص، وللتنبيه والعقاب. إنه تكلم في العهد القديم عبر الأنبياء، وسطائه المختارين وبمثابة المتحدثين باسمه. كلمهم في الأحلام والرؤى (راجع عدد 12، 6)؛ وكشف عن نفسه في الإلهامات الشخصية (راجع 2 ملوك 3، 15)؛ أمّا موسى فكلمه "فَمًا لِفَم" (عدد 12، 8).
في العهد القديم، كلمة الله هي أولاً وقبل كل شيء حَدثٌ وخبرة: الله يتكلم مباشرة إلى بشر اصطفاهم، ومن خلالهم يتكلم إلى شعبه بأكمله. إنّ مركزية كلمة الله في العهد القديم تمهد للحدث المزلزِل في العهد الجديد، حيث هذه الكلمة - Logos - تصير جسدًا. إن قراءات اليوم تدعونا إلى تعميق موضوع هذه الكلمة بشكل موحَّد وشامل.
من ضمن صفات كلمة الله أنها َمتممة للإرادة الإلهية التي هي مصدرها. هذا ما سمعناه في القراءة الأولى: "لا ترجِع إلي -كلمة الله- فارِغة، بل تتم ما شئت وتنجح فيما أرسلتها له". وهي كذلك خصبة بخصب مبارك مشبِع، يشمل عالمي النبات والحيوان، ويُدخل البهجة والترنيم فرحًا إلى قلب المؤمن المصغي، كما ورد في المزمور. والكلمة عينها تمنحنا الحكمة الضرورية ليبقى رجاؤنا حيًا عندما يزورنا الألم، مدركين أن لا مقارنة بين آلام الزمن الحاضر ومجد الدهر الآتي، كما يعلّم القديس بولس في رسالة اليوم. ويحدثنا السيد له المجد عن مصير الكلمة عند مستمعيها المتنوعين، مصلين ومجتهدين وآملين أن نكون من غزيري الثمار.
في تاريخ الكنيسة، كانت حقبات "التجديد" تؤدي دومًا إلى إحياء الإصغاء إلى كلمة الله والمواجهة معها. وهذا هو بالضبط ما يحدث في زمننا. ويثبت ذلك زخم الدراسات الكتابية التي أحدثها المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، وأكده الإصلاح الليتورجي الذي سعى جاهدًا لإعادة الاحتفال بالكلمة إلى المكانة التي تليق به، إضافة إلى إعطاء "مائدة الكلمة" المكانة التي تستحقها.
واليوم أيضًا، كما في زمن يسوع، الكلمة هي التي تدعو الكنيسة وتجمعها حول الآب، ومن خلال التعمق في الكلمة يدرك المسيحيون أنهم عائلة الله، وشعبه الجديد من المخلَّصين. كما أن الموقف تجاه الكلمة -سواء كان اللامبالاة، أو الرفض، أو الاهمال ، أو القبول- هو الذي يحدد موقعنا في ملكوت الله، اليوم وعندما يبلغ كماله.
إن موقف عدم الإصغاء أو رفض كلمة الله في زمن يسوع يقابله في أيامنا هذه موقف من اللامبالاة وعدم الفهم من جانب كثيرين. ونتيجة لذلك، يتولد في بعض الأحيان لدى الرعاة والوعاظ والمرسلين انطباع بأنهم يتحدثون ب "لغة أجنبية" غريبة عن إنسان اليوم.
ويشعر المسيحيون أنفسهم بأن هناك نوعًا من الفجوة بين حياتهم اليومية والكلمة التي يُبشَّرون بها في احتفال الإفخارستيا: تبدو الكلمة مرتبطة جدًا بأزمنة أخرى، وتبدو جامدة وبلا تأثير على الحياة الواقعية. فهل كلمة الله هي موضع التساؤل؟ أم أن اللقاء مع العالم والإنسان المعاصر لم يجد بعد "الموجة الصحيحة والتردد المناسب"؟
على مر قرون المسيحية، ركّز اللاهوت الخاص بالكلمة بشكل شبه حصري على إعلانها. كانت الكلمة موضوع وعظ "مُعطى" يجب تسليمه بأمانة، ونقله كوديعة ثمينة. أما حياة المسيحي، وخبرته اليومية، فكانت تُعتبر فقط بمثابة أرض تُوضَع فيها الكلمة موضع التطبيق. ولم تكن الخبرة، والحياة، والوجود الملموس تُعتبر عناصر "ناطقة"، ولا حتى كاشفة عن جوانب ومعانٍ جديدة للكلمة. كان الله يتكلم فقط حيث تُعلَن الكلمة، وحيث تُقرأ الأسفار المقدسة وتُشرَح.
منذ فترة وجيزة، يحدث تحول في النظر إلى كلمة الله وفهمها. حيث يُعاد اكتشاف أنَّ إله الإيمان يتكلم كذلك في الحدث، أي من خلال التاريخ، والحياة المعاشة لشعب الله المنخرط في المغامرة الإنسانية الواحدة. وفي الممارسة الرعوية، ولا سيما في التنشئة المسيحية، من خلال التعليم المسيحي وغيره من المساحات التربوية، يتم استيعاب خبرة الإنسان بشكل كامل ومتزايد، ليس فقط كوسيلة تعليمية أو كمدخل نفسي، بل حقًا ك "المكان المختار"، حيث تتجلى كلمة الله بكل غناها وقوتها.
وبدلاً من تعليمٍ يُفهَم على أنه حديث من الله وإصغاء من الإنسان، ينمو تدريجيًا تعليم مسيحي أكثر تجسدًا في المواقف، وأكثر انتباهًا لمشكلات الإنسان، أي تعليم أكثر "إنسانية"، يمكننا التعبير عنه على النحو التالي: "الإنسان يسأل والله يجيب". أي أن هناك انقلابًا في المنظور، لا يُنقص شيئا من أهمية كلمة الله ودورها، بل يصب تمامًا في مصلحة فهم أعمق لها.
يجب على الرسالة أن تنير الوجود. فالخبرة لا تُوضع في خدمة الرسالة لتوضيحها، بل إن الرسالة هي التي تُستخدم لِتَمنح الوجود كل معناه في الإيمان. بهذه الطريقة تُعلن الكلمة حقًا، لأنه هكذا تتردد أصداؤها في عمق خبرة إنسان اليوم.
ويمكننا أن نختم مُصلّين: "أنم فينا، يا أبانا، بقدرة روحك القدوس، الاستعداد لقبول بذار كلمتك التي لا تزال تزرعها في أتلام البشرية، لكي تثمر أعمال عدل وسلام، وتكشف للعالم عن رجاء ملكوتك".