موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كثيرا ما ينقصنا الصبر، كاشفا عن نقائص أخرى، ومسببا لنا أحيانا بعض المشكلات، ولهذا نشكر السيد له المجد على كلمته في هذا الأحد التي تحدثنا عن الصبر وتحثنا عليه. ولنا في القراءة الأولى كما في المزمور تعليم ثمين حول الموضوع عينه.
إن ميلنا العفوي هو تقسيم الإنسانية إلى فئتين كبيرتين: الأخيار من جهة، والأشرار من جهة أخرى. وهذا الميل حاضر فينا أيضًا على الصعيد الديني، إذ نطلب البركات لنا ولعائلاتنا ولجماعتنا الدينية، متجاهلين مَن يختلف عنا في الدين أو الطبع أو رؤية الأمور.
قد يتولد لدينا انطباع، نتيجة لقراءة سطحية للكتاب المقدس، خاصة سفر المزامير، بأن الله "غير صبور" ويستعجل الأمور. فهناك نداءات متكررة بالانتقام (راجع 1 ملوك 18، 40؛ مزمور 82 و108). لكن نصوصا ومواقف أكثر أهمية في الكتاب المقدس تدحض هذا الانطباع. فعلى سيبل المثال يُوبَّخ يعقوب ويوحنا على رغبتهما في إنزال الصاعقة على السامريين الذين لم يقبلوا يسوع (راجع لوقا 9، 55 ؛ متى 26، 51). إن الكتاب المقدس هو في الحقيقة كتاب الصبر الإلهي الذي يؤجل دائمًا عقاب شعبه (راجع خروج 32، 7-14).
صحيح أن الأنبياء يتحدثون عن غضب الله، لكن الغضب ليس المحطة الأخيرة والنهائية للتجلي الإلهي: الغفران ينتصر دائمًا. الله غني بالنعمة والأمانة، وهو مستعد دائمًا للتراجع عن وعيده، عندما يسلك إلشعب مجددًا طريق التوبة (القراءة الأولى).
يفتتح يسوع ملكوت "الأزمنة الأخيرة"، لا كقاضٍ يفصل الأخيار عن الأشرار، بل كراعٍ جاء من أجل الخطاة أولاً وقبل كل شيء. إنه لا يستثني أحدًا من هذا الملكوت: فالكل مدعو إليه، والجميع يمكنهم دخوله. في كل مواقف حياته، يجسد يسوع الصبر الإلهي. لا توجد خطيئة يمكنها أن تقطع الجسور نهائيًا مع قدرة الله الرحيمة (الإنجيل).
ورسالة الكنيسة، جسد المسيح السري، هي تجسيد صبر يسوع بين البشر. ومهمتها هنا على الأرض هي إظهار الوجه الحقيقي للحب. في هذه الدنيا، يختلط الزوان دائمًا بالقمح، والخط الفاصل بينهما يمر في قلب كل إنسان وضميره. علينا أن نتذكر دائمًا أن الفصل بين الأخيار والأشرار لن يتم إلا بعد الموت.
مما لا شك فيه أن الفكرة التي يكوّنها المرء عن الله تؤثّر على سلوكه تجاهه (العبادة، الصلاة...) وتجاه القريب، أي أن الإنسان يميل إلى عكس علاقاته مع الله على علاقاته مع الآخرين. إن كلمة الله (القراءة الأولى والإنجيل) تقدم طرحًا توضيحيًا للغاية حول مفهوم الله وصورته: الله يقبل واقع الإنسان المحدود والشرير، ويبدو المسيح وكأنه يستفز الآخرين بسلوكه، من خلال تعامله بحرية مع الأخيار والأشرار، مع الأبرار والخطاة. إنه لا يعلن عن جماعة من الأنقياء والقديسين فقط، بل هو صبور مع الجميع ويترك للخطاة الوقت لكي ينضّجوا توبتهم.
حتى واقع الكنيسة، إكليروسا ومؤمنين، البعيدة أحيانا عن المثال الإنجيلي للنقاء والقداسة والنزاهة، يجب ألا يزعزعنا. فكونها مكونة من بشر وتعيش منغمسة في العالم، تواجه الكنيسة باستمرار خطر التلوث بالعالم ورؤية نباتات الزؤان تنمو داخل صفوفها إلى جانب القمح الجيد. قد يرغب بعض المسيحيين في اللجوء إلى وسائل عنيفة وحاسمة غير متصالحة مع متطلبات الإنجيل.
وفي أساس هذه المواقف يوجد تشوهان: فكرة خاطئة عن الله (إله غيور من البشر، مستعد ل "إطلاق صواعقه"، وبالتالي إله ضيق الأفق، وليس الله الآب الرحيم)؛ ونقص في الثقة بالله، وبالتالي في الرجاء، مما يولّد الخوف وعدم الأمانة.
بدلاً من ذلك، فإن ملكوت الله يتسع للأشرار والخطاة، والذي يعرف كيف ينتظر القرار الحر للإنسان. لقد كتب البابا يوحنا الثالث والعشرون: "الوداعة هي كمال القوة".
إذن، ليس المطلوب قبولاً سلبيًا للأحداث ولا لامبالاة عامة، بل موقفًا بنّاء يُحييه الصبر واحترام أوقات النمو وإيقاعاته على صعيد الجماعات والأشخاص، والاهتمام الفعال بلحظات النعمة وعلامات الأزمنة التي ستظهر حتمًا في وقتها.
ولتتحول فينا الكلمة إلى صلاة: "لتعضُدْنا دائمًا يا رب قوة محبتك وصبرها، ولتُثمرْ فينا كلمتك، التي هي زرع كنيستك وخميرتها ، حتى يتجدد الرجاء في نمو الإنسانية الجديدة التي سيجعلها الرب تشرق عند عودته كالشمس في ملكوتك".