موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تبحث الدراسة في أوجه التشابه العميقة بين سفري راعوث وأستير من منظور علم السرد، رغم الاختلاف الواضح في البيئة واللغة والمضمون.
البيئة: تجري أحداث سفر راعوث في بيت لحم يهوذا، في أيام حكم القضاة، أي قبل قيام النظام الملكي. أما سفر أستير فتدور أحداثه في شوشن القلعة، العاصمة الحصينة للإمبراطورية الفارسية، في زمن الملوك الفرس، في أيام الملك أحشويروش، بعد أكثر من خمسة قرون من ذلك العصر، وبعد زوال المملكة اليهودية.
اللغة: يستخدم سفر راعوث العبرية الكلاسيكية على غرار سفري صموئيل والملوك، مع بعض التعابير التي تظهر غالبًا في العبرية التوراتية المتأخرة. أما سفر أستير فينتمي إلى العبرية التوراتية المتأخرة، ويزخر بالألفاظ والعادات الفارسية.
الزواج والعائلة: تبدأ القصتان بفقدان شريك حياة وتنتهيان بزواج يعيد بناء الواقع. تقوم نُعمي (في راعوث) ومردخاي (في أستير) بدور المرشد، بينما تنجح راعوث وأستير في تحويل مجرى الأحداث بمبادرة شخصية.
في سفر راعوث تتزوج امرأة موآبية رجلًا إسرائيليًا، ويؤدي هذا الزواج في نهاية المطاف إلى ولادة سلالة ملكية. أما في سفر أستير فتتزوج امرأة إسرائيلية ملكًا أمميًا، من دون أي إشارة إلى ذرية أو ورثة.
يدور سفر راعوث حول الأسرة والعلاقات العائلية، بينما يدور سفر أستير حول السياسة وشؤون الحكم. إذ تلعب النساء أدوارًا استشارية مؤثرة، وتنتهي الروايتان بخلافة أو امتداد غير متوقع: داود في راعوث، ومردخاي نائبًا للملك في أستير.
المضمون: راعوث قصة ريفية هادئة ومثالية، تتناول التفاعل بين السلبية والمبادرة. من دون شخصيات شريرة أو بطولات درامية صاخبة. أما أستير فهي قصة حضرية قائمة، تقوم على الصراع بين الخير والشر، وتزخر بالأبطال والأشرار. في راعوث، أسوأ الاحتمالات هو افتقار أرملتين وعوزهما. أما في أستير، فإن أسوأ الاحتمالات هو إبادة شعب بطلة السفر.
السرد وعلم السرد
على مستوى السرد الظاهري، لا يجمع بين راعوث وأستير إلا القليل. غير أن القصة يمكن تحليلها أيضًا من زاوية علم السرد، أي من حيث كيفية بنائها وطريقة روايتها.
يركز علم السرد على أسئلة الحبكة وكيفية تشييدها؛ أي على الطريقة التي تُصاغ بها البنية السردية من خلال ربط عناصر القصة المختلفة في إطار متماسك. ويتضمن ذلك ترتيب العناصر الجزئية ضمن إطار أشمل يمنح السرد إحساسًا بالغاية والاتجاه.
وباختصار، السرد يهتم بالحبكة نفسها، أما علم السرد فيهتم بكيفية بناء تلك الحبكة. ومن هذا المنظور يمكن القول إن راعوث وأستير يتباعدان بوصفهما قصتين، لكنهما يتقاربان بوصفهما بنائين سرديين.
سرديتان مكتفيتان بذاتهما
أبرز أوجه التشابه بين القصتين يتمثل في أن راعوث وأستير هما البطلتان الرئيسيتان بالمعنيين معًا: فهما الشخصيتان الأكثر إثارة للإعجاب، وهما أيضًا الأكثر فاعلية في دفع الأحداث نحو خاتمتها.
لكن هذا التشابه وحده ليس ذا دلالة كبيرة، إذ إن الكتاب المقدس يضم بطلات كثيرات أسهمن في تحديد مصير الأحداث، من حواء ورفقة، إلى راحيل وثامار، ومن راحاب ويَاعيل، إلى دبورة وأبيجايل، ثم لاحقًا يهوديت في الأسفار القانونية الثانية. أما الأمر الأكثر أهمية فهو اشتراك السفرين في ما يُعرف بوحدات السرد الثلاث؛ الزمان، والمكان، والشخصيات.
وحدة الزمان، ووحدة المكان، ووحدة الشخصيات
فعلى خلاف قصص إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وصموئيل وداود، التي تمتد عبر حياة كاملة أو تجرى في بلدان متعددة أو تتبدل فيها الشخصيات الرئيسية، فإن راعوث وأستير:
- يمتدان لأقل من سنتين.
- يجريان أساسًا في مدينة واحدة؛ بيت لحم في راعوث، وشوشن في أستير.
- ويبدآن وينتهيان بالشخصيات نفسها: نُعمي وراعوث في الأول، ومردخاي وأستير في الثاني.
لذلك يشكل كل سفر وحدة سردية مستقلة بذاتها، لا مجرد حلقة ضمن سرد تاريخي أوسع كما هو الحال في التكوين والخروج أو يشوع والملوك.
إضافة إلى ذلك، يحتل الله في كلا السفرين موقعًا خلفيًا؛ فهو لا يتكلم، ولا يخاطب مباشرة، ولا يتدخل بصورة ظاهرة.
تنسب راعوث كثيرًا من الأحداث إلى الله، سواء على نحو إيجابي (6:1؛ 13:4) أو سلبي (13:1، 21-22)، لكن الذي يوحي أكثر بوجود مخرج خفي يدير الأحداث هو سلسلة المصادفات:
- فتصادف راعوث أن تلتقط السنابل في حقل بوعز، قريب نُعمي.
- ويتصادف أن يأتي بوعز إلى الحقل وهي هناك.
- ويتصادف أن يمر الوليّ الآخر الذي له حق الفداء بينما كان بوعز جالسًا عند باب المدينة.
والمصادفة عنصر أساسي أيضًا في سفر استير:
- فمردخاي يتصادف أن يسمع مؤامرة اثنين من خدم الملك.
- وهامان يتصادف أن يدخل القصر في اللحظة التي قرر فيها أحشويروش مكافأة مردخاي.
الفداء والخلاص
راعوث تقدم خلاصًا مرتبطًا بالأرض والنسل، بينما تقدم أستير خلاصًا مرحليًا في المنفى. وهكذا، فإن غياب الله الصريح في كلتا القصتين يقابله حضور إلهي ضمنيّ يعمل من وراء الستار.