موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في قلب أدب الحكمة في الكتاب المقدّس -العهد القديم- يبرز سفران كصوتين متفرّدين يرفضان الانسجام مع الأنساق الفكرية التقليدية: سفر أيوب وسفر الجامعة. فهما لا يشبهان التوراة في سردها التاريخي، ولا الأنبياء في خطابهم النبوي، ولا المزامير في لغتها الشعرية التعبدية. إنهما أقرب إلى مختبرٍ فكريٍّ وروحيٍّ تُطرح فيه الأسئلة الكبرى للوجود الإنساني: لماذا نتألّم؟ لماذا يموت الجميع؟ لماذا ينجح الشرير أحيانًا ويفشل البار؟ وهل يستطيع الإنسان أن يفهم مقاصد الله فهمًا كاملًا؟ ليقدّما لاهوتًا للواقع المرّ يٌقِرُّ بتعقيدات الوجود وتناقضاته.
إن دراسة المشترك بينهما ليست مجرد مقارنة نصيّة، بل هي رحلة في محاولة الإنسان لفهم صمت الله أمام صخب الألم والزوال. ولهذا السبب ظلّ هذان السفران، على مدى قرون طويلة، مصدر جذبٍ للفلاسفة واللاهوتيين والباحثين، بل وحتى للمتشككين؛ فهما لا يقدّمان أجوبة سهلة، بل يدعوان القارئ إلى رحلة تأمل في حدود الإنسان وأسرار الله.
نقد مبدأ الاستحقاق وتفكيك المعادلة
لطالما سادت في الفكر القديم معادلة الربط المباشر بين الفعل والمصير. أيوب، الذي خسر كل شيء رغم كماله، يمثّل الصرخة المدوية ضد هذه المعادلة. إن محاولات أصدقائه في إيجاد تفسير عقابي لألمه هي، في جوهرها، محاولات لحماية نظام فكري ينهار أمام الواقع (أيوب 7:4-8؛ 3:8-4؛ 20:8؛ 4:25-5).
على الجانب الآخر، يتبنى سفرالجامعة نهجًا مختلفًا؛ فهو لا يجادل في الأخلاق بقدر ما يجادل في المنطق. يراقب العالم بعين فاحصة ليرى أن «حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ لِلصِّدِّيقِ وَلِلشِّرِّيرِ» (الجامعة 2:9).
إن المشترك العميق هنا هو التحرر من التبسيط؛ فكلاهما يرفض اختزال علاقة الله بالإنسان في حدود المكافأة والجزاء المادي. إنها دعوة للبحث عن الله خارج إطار المنفعة أو العدالة التبادلية.
عبثية الوجود تحت الشمس وصوت الألم
يستخدم كاتب الجامعة مصطلح «هَبِل (הֶבֶל(Hebel) (». في اللغة الأصلية (الجامعة 2:1؛ 8:12)، الذي يعني «بخارًا» أو «نسمةً»، وقد تُرجم إلى «بَاطِلُ ٱلْأَبَاطِيلِ» لوصف الحياة التي تبدو بلا جوهر أو استمرارية. وهذا الوعي بالزوال ليس دعوة إلى العدمية، بل هو اعتراف بمحدودية الوجود تحت الشمس.
في المقابل، نجد أيوب في إصحاحاته الأولى، ولا سيما الإصحاح الثالث، يغرق في لغة وجودية تشبه تمامًا رؤية الجامعة للزوال، حيث يتمنى لو لم يولد، واصفًا حياته بأنها «كَٱلظِّلِّ» (أيوب 2:14).
المشترك بينهما هنا هو إدراك محدودية الكائن الترابي. فكلاهما يدرك أن الموت هو الموحِّد الكبير، وأن الطموحات البشرية - مهما عظمت - تصطدم بحقيقة الفناء. وهذا الوعي بالمحدودية هو الذي يكسر كبرياء الإنسان ويضعه أمام تساؤله الوجودي الأكبر: ما معنى الحياة إذا كان المصير هو الفناء؟
الصمت الإلهي وحدود المعرفة البشرية
تصل ذروة التشابه بين السفرين في الإقرار بعجز العقل عن استيعاب الخطة الإلهية. في سفر أيوب، تنتهي المحاكمة لا بإجابة فلسفية عن سؤال «لماذا؟»، بل بظهور الله في العاصفة ليطرح تساؤلات حول تعقيد الخليقة التي تعجز الحكمة البشرية عن إدراكها (أيوب 38-41).
وفي سفر الجامعة يؤكد الكاتب أن الله جعل «الأبدية في قلب الإنسان»، ومع ذلك يبقى الإنسان قاصرًا عن إدراك «ٱلْعَمَلَ ٱلَّذِي يَعْمَلُهُ ٱللهُ مِنَ ٱلْبِدَايَةِ إِلَى ٱلنِّهَايَةِ» (الجامعة 11:3).
كلاهما، يمثل لاهوت الغموض. فالمعرفة الحقيقية، في نظر السفرين، ليست في تراكم المعلومات أو في بناء أنظمة فلسفية محكمة، بل في الاعتراف المتواضع أمام الله المتعالي. إن الصمت الإلهي في أيوب ليس علامة غياب، بل هو مساحة لنمو الثقة التي تتجاوز العقل.
تقدير الحياة والرد على العبث
من المفارقات المذهلة أن السفرين اللذين يوصفان بأنهما الأكثر سوداوية في الكتاب المقدّس، ينتهيان بدعوات إلى تقدير الحياة.
فالجامعة، في خضم تأمله للعبث، يعود ليؤكد أن البركة الحقيقية للإنسان هي التمتع بالبسيط من الأمور كعطية من الله: «عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ خَيْرٌ، إِلَّا أَنْ يَفْرَحُوا وَيَفْعَلُوا خَيْرًا فِي حَيَاتِهِمْ. وَأَيْضًا أَنْ يَأْكُلَ كُلُّ إِنْسَانٍ وَيَشْرَبَ وَيَرَى خَيْرًا مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ، فَهُوَ عَطِيَّةُ ٱللهِ» (الجامعة 12:3-13).
وأيوب، بعد استعادة حياته، يعود ليجد في الطعام واللقاء مع الإخوة والأسرة بركة إلهية: «فَجَاءَ إِلَيْهِ كُلُّ إِخْوَتِهِ وَكُلُّ أَخَوَاتِهِ وَكُلُّ مَعَارِفِهِ مِنْ قَبْلُ، وَأَكَلُوا مَعَهُ خُبْزًا فِي بَيْتِهِ، وَرَثَوْا لَهُ وَعَزَّوْهُ عَنْ كُلِّ ٱلشَّرِّ ٱلَّذِي جَلَبَهُ ٱلرَّبُّ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ كُلٌّ مِنْهُمْ قَسِيطَةً وَاحِدَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ قُرْطًا مِنْ ذَهَبٍ» (أيوب 11:42).
إن هذا ليس تناقضًا، بل هو لاهوت الحاضر المُعطى. فعندما يدرك الإنسان أنه لا يملك السيطرة على العدل الكوني ولا على الزمان، تصبح الحياة اليومية البسيطة -الخبز، والصداقة، والعمل- عطايا مقدسة.
ويتفق السفران على أن الإيمان لا يعني الهروب من العالم، بل عيشه بامتنان رغم غموضه.
دعوة إلى الاستقامة وسط الغموض
في الختام، يمثل سفر أيوب وسفر الجامعة معارضةً بنّاءة داخل الكتاب المقدّس. فهما يرفضان أن يكون الإيمان مجرد غطاء للهروب من الواقع أو التهرب من طرح الأسئلة الصعبة.
إن الروابط بين السفرين، من تشابه إلى النظرة للموت، والاعتراف بمحدودية المعرفة، والتشكيك في عدالة الجزاء الحتمي، ترسم ملامح إيمان ناضج.
فالإيمان كما يقدّمه السفران، ليس هو اليقين المطلق الذي لا يهتز، بل هو الثقة المستمرة بالله رغم انكسار التوقعات، ورغم ضبابية المشهد «تحت الشمس».
إن الدراسة المعمّقة لهذين السفرين معًا تفتح أمام القارئ آفاقًا لفهم أن المعاناة ليست دليلًا على فشل الإيمان، وأن الشك في جدوى المساعي البشرية قد يكون الخطوة الأولى نحو التواضع الحقيقي أمام عظمة الخالق.
إن أيوب والجامعة يخبراننا أننا، مهما بحثنا عن إجابات نهائية، سنظل دائمًا أمام سرّ، وهذا السرّ هو بالضبط المكان الذي يبدأ فيه الإيمان الحقيقي.
استدراك:
في الترجمات العربية الشائعة للكتاب المقدّس (مثل ترجمة فانداياك والترجمة اليسوعية)، لا توجد كلمة «بخار» بشكل لفظي صريح داخل نصوص سفر الجامعة.
ومع ذلك، إذا كان أحدهم قد سمع أن سفر الجامعة يتحدث عن «البخار»، فذلك يرجع إلى الأصل العبري للسفر وليس للترجمة العربية. ويمكن توضيحه كالتالي:
الأصل اللغوي (الكلمة المفتاحية في السفر):
العبارة الشهيرة التي تتردد في السفر وتفتح وتختم بها تفتيشات «الجامعة» هي:
«بَاطِلُ ٱلْأَبَاطِيلِ، ٱلْكُلُّ بَاطِلٌ» (الجامعة 2:1؛ 8:12).
· الكلمة العبرية المستخدمة هنا للفظة «باطل» هي «هَبِل (הֶבֶל(Hebel) (».
· المعنى الحرفي والدقيق لهذه الكلمة العبرية هو «بخار»، أو «ضباب»، أو «نسمة هواء عابرة» (مثل البخار الذي يخرج من الفم في يوم بارد فيختفي سريعًا).
لماذا تُرجمت «باطل» وليس «بخار»؟
المترجمون آثروا استخدام المعنى المجازي للكلمة؛ فالبخار شيء يظهر لثوانٍ ثم يزول ويصعب الإمساك به، وهو ما يرمز في السفر إلى «الأمر المؤقت، العابر، أو الذي لا جدوى من السعي وراءه».
لذلك، عندما نقرأ في السفر عبارات مثل «ٱلْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ ٱلرِّيحِ»، فإن الكاتب في الحقيقة يشبّه الحياة والجهد البشري بـ «البخار» الذي يتبدد سريعًا ولا يمكن الإمساك به.