موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
من بين أقوال يسوع في الأناجيل، هناك كلمات لا تُقرأ بطمأنينة، لأنها لا تُقال لتريح السامع، بل لتوقظه. كلمات لا تسمح لنا بالاختباء خلف الأخلاق أو التقاليد، لأنها تتوجه مباشرة إلى جوهر الدعوة الإلهية. ومن هذه الكلمات، دعوة يسوع في إنجيل لوقا عندما قال لأحدهم «ٱتْبَعْنِي». فأجابه: «يَا سَيِّدُ، ٱئْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلًا وَأَدْفِنَ أَبِي». فقال له يسوع:
«دَعِ ٱلْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَٱذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ ٱللهِ».
للوهلة الأولى، يبدو القول صادمًا، بل قاسيًا. كيف يمكن ليسوع، الذي بكى أمام قبر لعازر، والذي شدّد على المحبة والرحمة، أن يطلب من إنسان أن يترك دفن أبيه؟ غير أن التوقف عند الصدمة وحدها يُفقد النص عمقه. فالمشكلة في هذا المشهد ليست الدفن، ولا الأب، ولا الواجب العائلي، بل كلمة صغيرة تكاد تمرّ دون انتباه: «أولًا».
الرجل لم يرفض الدعوة. لم يقل: لا أريد أن أتبعك. بل قال: «دعني أولًا». أي أنه لم يلغِ الدعوة، بل أجّلها. وهذا التأجيل هو لبّ الإشكالية.
في التجربة الإنسانية، نادرًا ما نرفض النداء الإلهي صراحة، لكننا نُتقن تأجيله. نؤجّله باسم الحكمة، وباسم المسؤولية، وباسم الظروف. نؤجّله إلى وقت نظنه أكثر ملاءمة، دون أن ننتبه أن هذا الوقت قد لا يأتي أبدًا.
تشير القراءة السياقية للنص إلى أن الأب لم يكن قد مات بعد. فعبارة «أدفن أبي» في البيئة اليهودية كانت تعني البقاء مع الأب إلى أن يموت، ثم القيام بواجب الدفن. أي أن الطلب الحقيقي هو تعليق الدعوة إلى مستقبل غير مضمون.
يسوع، الذي يعرف ضعفات القلب البشري، يعرف أن الدعوة التي تُؤجَّل تتحول تدريجيًا إلى ذكرى، ثم إلى فكرة جميلة، ثم إلى شيء لم يعد له سلطان على الحياة.
حين يقول يسوع: «دَعِ ٱلْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ»، فهو لا يستخدم لغة حرفية، بل لغة رمزية مكثّفة. الموت هنا لا يُفهم فقط كحدث بيولوجي، بل كحالة روحية: انفصال عن حياة الله، وانغلاق داخل منطق هذا الدهر. هناك من يعيشون أحياء جسديًا، لكنهم محكومون بمنظومة تُدير الحياة دون انفتاح على قصد الله. هؤلاء قادرون على الاهتمام بالنهايات، لكنهم لم يدخلوا بعد إلى الحياة التي يعلنها المسيح.
الواجب العائلي، في هذا النص، ليس خطيئة. لكنه قد يتحول إلى ذريعة روحية لتأجيل الطاعة. الإنسان، حين يُدعَى إلى قرار يغيّر مسار حياته، يميل إلى الاحتماء بما هو مشروع ومقدّس، لا لأنه خطأ، بل لأنه أقل كلفة. الواجب يمنح شعورًا بالاستقرار، بينما الدعوة الإلهية تكشف منطقة الاتكال والإيمان.
يسوع لا يطلب من الإنسان أن يكون بلا قلب، بل أن يكون أمينًا للدعوة. فالأمانة، في المنظور الإنجيلي، ليست ترتيب الأولويات البشرية فحسب، بل إخضاعها لسيادة ملكوت الله.
ذروة النص تأتي في الجملة الثانية: «وَأَمَّا أَنْتَ فَٱذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ ٱللهِ». يسوع لا يدعو إلى انسحاب من العالم، بل إلى شهادة داخله. الفرق واضح بين من يعيش ليُدير ما هو زائل، ومن يُرسَل ليعلن ما هو أبدي. الملكوت ليس مفهومًا نظريًا، بل حضور الله الفعّال في التاريخ، ودعوة إلى حياة جديدة تبدأ من الآن.
هذا المنطق متجذّر في التقليد الكتابي كله، وقد قرأه الآباء بوصفه منطق الدعوة الذي يكشف تمييزًا حاسمًا بين الزمن الطبيعي وزمن الخلاص. يرى أوريجانس أن قول يسوع لا يهدف إلى إلغاء الوصية أو الروابط العائلية، بل إلى كشف ترتيب جديد للحياة، حيث لا يُفهَم القريب إلا في ضوء الدعوة الإلهية. فالذي يتأخر عن الكلمة بحجة ما هو صالح، يخاطر بأن يفقد الكلمة ذاتها.
ويذهب أغسطينوس إلى أن «الموتى» هم أولئك الذين يعيشون خارج محبة الله، حتى وإن بدت حياتهم مملوءة حركةً ونشاطًا. فالموت الحقيقي، في نظره، هو الانغلاق على الذات، أما الحياة فهي الانفتاح على النداء الذي يخرج الإنسان من مركزية ذاته إلى شركة الملكوت. من هنا، لا يكون الطلب الإنجيلي قسوة، بل شفاءً لإرادة اعتادت أن تؤجّل الله.
أما يوحنا الذهبي الفم، فيشدّد على أن المسيح لا يحتقر الواجب، بل يرفض أن يتحول الواجب إلى سيّد. فكل ما لا يُوضَع في خدمة الملكوت، مهما كان صالحًا في ذاته، يبقى دون اكتمال. الدعوة، في هذا الفهم الآبائي، لا تُلغِي ما هو إنساني، بل تعيد توجيهه نحو غايته الصحيحة.
الزمن، في هذا النص، ليس إطارًا محايدًا (χρόνος) ، بل كَيرُس إلهي (καιρός) أي زمن الزيارة والنداء. فالـ(χρόνος) هو الزمن المتعاقب الذي يُقاس ويُدار ويُستثمر، بينما الـ(καιρός) هو اللحظة التي يقتحم فيها الله هذا التتابع، فيصير الحاضر محمّلًا بالمطالبة والنعمة معًا. لذلك لا يُفهم قول يسوع داخل منطق الترتيب الزمني، بل داخل منطق الاستجابة.
«ٱلْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلَا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ». هذا «اليوم» ليس وحدة زمنية، بل كَيرُس: لحظة ينفتح فيها الزمن على الأبدية. من هنا، يصبح التأجيل أكثر من تأخير عملي؛ إنه خروج من لحظة النعمة نفسها.
في هذا الأفق، لا تنفصل الدعوة عن مسيرة التألّه .(θέωσις) فالنداء الإنجيلي لا يستدعي الإنسان ليترك واجبًا من أجل آخر، بل ليعبر من زمن يُدار إلى زمن يُعاش أمام الله. هكذا يُفهم قول يسوع لا كقطيعة قاسية مع الواقع، بل كفتح لطريق الحياة: طريق يبدأ بكَيرُس الطاعة، وينفتح على أفق الشركة الأبدية.
وهكذا، يتحول هذا القول من عبارة صادمة إلى دعوة فاحصة. ليس السؤال: هل نقوم بواجباتنا؟ بل: هل نخضعها لملكوت الله؟ ليس: هل نحب من حولنا؟ بل: هل نضع محبة الله أولًا؟
الملكوت لا يُؤجَّل، ولا يُدار من مسافة. إما أن يُعاش في طاعة اليوم، أو يُفوَّت.