موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إن هذا الأحد يفتتح زمن الصليب من السنة الليتورجية المارونية، هذا الزمن الذي يمتد إلى زمن الميلاد. وهو زمن يضع أمام أعيننا سرًّا عميقًا من أسرار الحياة المسيحية: أن الطريق إلى الله لا يمرّ دائمًا من حيث نريد نحن، بل من حيث يقودنا هو؛ وأن المسيح لا يدعونا إلى أن نبحث عن المكان الأول، بل إلى أن نتعلّم معه سرّ النزول، حيث يصبح الحبّ أعمق من الرغبة في الظهور، ويصبح العطاء طريقًا إلى الحياة.
الإنجيل لا يخفي ضعف التلاميذ، بل يكشفه بصدق. فنقرأ أن يعقوب ويوحنا اقتربا من يسوع وقالا له: «يا معلّم، نريد منك أن تصنع لنا ما نطلبه منك». وحين سألهما: «ماذا تريدان أن أصنع لكما؟» أجاباه: «أعطنا أن نجلس في مجدك، واحد عن يمينك والآخر عن شمالك». يا لها من مفارقة عميقة! يسوع يتجه نحو أورشليم، نحو الصليب، نحو بذل حياته، وهما يفكران في المقاعد الأولى. هو يرى الطريق الذي سيمرّ فيه الحب، وهما يفكران في المكان الذي سيحتلانه في النهاية.
لكن ربما يكون هذا هو حال الإنسان في مسيرته مع الله. قد نسير مع المسيح، ونسمع كلماته، ونصلّي، ونخدم، ومع ذلك يبقى في داخلنا شيء يريد أن يعرف: ماذا سيكون نصيبي؟ أين سيكون مكاني؟ ماذا سأحصل من هذه العلاقة؟
ولهذا فالإنجيل لا يدعونا فقط إلى تغيير بعض السلوكيات، بل إلى تبديل نظرتنا إلى الحياة وإلى الله. فليس كافيًا أن نلتقي بالمسيح؛ ينبغي أن نسمح له أن يغيّر الطريقة التي ننظر بها إليه وإلى أنفسنا وإلى الآخرين وحتى إلى الطريق الذي نسير فيه.
وقد تكون التجربة الخفية هي أن نجعل علاقتنا بالله مرتبطة بما ننتظره منه. نطلب منه أن يفتح لنا الأبواب، أن يمنحنا النجاح، أن يحمينا من الألم، أن يجعل الطريق واضحًا. لكن الصلاة العميقة تبدأ أحيانًا عندما نتوقف عن سؤال الله: «ماذا ستعطيني؟» ونبدأ بالصمت أمامه، قائلين في أعماقنا: «يا رب، ماذا تريد أن تصنع فيّ؟». وهنا يبدأ التحول.
يسوع لا يعطي التلاميذ درسًا في التواضع فحسب، بل يكشف لهم سرًّا عن طريق الله: «من أراد أن يكون عظيمًا فيكم فليكن لكم خادمًا، ومن أراد أن يكون الأول فيكم فليكن عبدًا للجميع. فإن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم، بل ليَخدُم ويبذل حياته فداءً عن كثيرين».
العظمة، في منطق الإنجيل، ليست في أن يكون الإنسان فوق الآخرين، بل في أن يصبح قلبه قادرًا على أن يتّسع لهم. ليست في أن يحتل مكانًا أعلى، بل في أن يصبح أكثر قدرة على الحب.
وهنا يلامس الإنجيل سرًّا صوفيًا عميقًا: كلما خرج الإنسان من انشغاله الدائم بمكانه، أصبح أكثر قدرة على أن يجد مكانه الحقيقي في الله.
فالحب لا يسأل دائمًا: «ماذا سأحصل؟»، بل يتعلم أن يقول: «ماذا أستطيع أن أعطي؟».
لا يعود الآخر مجرد وسيلة لسعادتي، بل يصبح شخصًا أستطيع أن أكون له حضورًا يحمل شيئًا من نور الله. لا أعود أطلب من العلاقات أن تملأ كل فراغاتي، بل أتعلم أن أدخل إليها بقلب قادر على العطاء. ولا أطلب من الله فقط أن يغيّر ظروفي، بل أسمح له أن يغيّر قلبي في وسط هذه الظروف.
وهذا التحول لا يحدث بالعنف، بل ببطء، في الخفاء، كما تنضج البذرة في أعماق الأرض دون أن يراها أحد.
إن الله يعمل في الإنسان بطريقة هادئة. يأخذ منه شيئًا فشيئًا الحاجة إلى أن يكون في المركز، ويعلّمه فرح الحضور دون مطالبة، والمحبة دون امتلاك، والعطاء دون انتظار المقابل. وحين يحدث ذلك، يكتشف الإنسان أنه لم يخسر شيئًا، بل بدأ يجد نفسه بطريقة جديدة.
فالحرية لا تعني أن أحصل دائمًا على ما أريد، بل أن أتحرر شيئًا فشيئًا من حاجتي إلى أن يكون كل شيء كما أريد.
وهذا هو الطريق الذي سار فيه المسيح.
لم يأتِ ليُخدَم، بل ليبذل حياته. لم يصعد إلى مجده عبر القوة، بل مرّ من الطريق الخفي للصليب. لم يبحث عن المقعد الأول، بل اختار أن يكون قريبًا من الإنسان في ضعفه وألمه وفقره.
لذلك فإن زمن الصليب الذي ندخله اليوم ليس مجرد زمن نتأمل فيه آلام المسيح، بل هو دعوة إلى الدخول معه في هذا السرّ. أن نسمح للصليب بأن يغيّر فينا منطق الحياة: أن نتوقف عن التشبث بما نريد، وأن نتعلم شيئًا من التسليم؛ أن نخفف من بحثنا عن الاعتراف، وأن نكتشف جمال العطاء؛ أن نقبل أحيانًا أن نكون في المكان الأخير، لأن الله قد يكون هناك أقرب مما نظن.
والتلاميذ أنفسهم احتاجوا إلى وقت طويل لكي يفهموا ذلك. كانوا يمشون مع يسوع، لكن قلوبهم كانت لا تزال تتعلم طريقه. كانوا يسمعون كلامه، لكن معنى الصليب لم يكن قد وصل بعد إلى أعماقهم.
وهكذا معنا أيضًا. الحياة الروحية ليست انتقالًا مفاجئًا من إنسان إلى إنسان آخر، بل هي مسيرة هادئة يعمل فيها الله في أعماقنا. يأخذنا من الرغبة في الامتلاك إلى فرح العطاء، ومن البحث عن المكان إلى اكتشاف الحضور، ومن التشبث إلى الثقة، ومن الخوف من النزول إلى حرية أن نكون حيث يريدنا الله.
وربما يكون سرّ الصليب كله هنا: أن ما نظنه نزولًا قد يكون في الحقيقة اقترابًا من الله؛ وما نظنه خسارة قد يكون بداية امتلاء؛ والمكان الذي لا يرغب فيه أحد، قد يصبح، في نظر الله، مكانًا للقاء.
فربما يكون المكان الأخير الذي نخاف أن ننزل إليه، هو المكان الذي ينتظرنا فيه المسيح.