موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد السابع عشر من الزمن العادي (أ)
المقدمة
"القلب المُصغي" هو عنوان مقالنا الحالي، الذي يذكّرنا بأهمية الإصغاء من خلال "الأذن الثالثة"، أي الأذن الباطنية التي تتيح للإنسان أن يسمع صوت الله في أعماق قلبه.
في القسم الأول من هذا المقال، سنتوقف عند الحوار الذي دار بين الرب والملك سليمان، حينما بادره الله بعرض غير متوقّع، طالبًا منه أن يسأل ما يشاء. وسنفاجأ أيضًا بجواب سليمان، الذي يدفعنا إلى التفكير في الجواب الذي سنقدّمه نحن لو وجّه الرب إلينا السؤال ذاته، وذلك من خلال تأملنا في نص سفر الملوك الأول (3: 4-12).
وانطلاقًا من جواب سليمان، يقدّم يسوع، في إنجيل متّى، تعليمًا جديدًا من خلال الأمثال الثلاثة التي تختتم خطبته الثالثة (13: 44-52). ففي هذه الأمثال يضع أمامنا شخصيتي المزارع والتاجر، ويكشف كيف يبلغ كلٌّ منهما ملكوت السماوات بحسب حقيقة قلبه. لذلك نسعى في هذا المقال إلى الإجابة عن السؤال الآتي: هل قلبي مُصغٍ؟ ولأي كلمات يصغي؟
1. القلب الـShama (مل 3: 4-12)
من خلال حلم الملك سليمان، يكشف كاتب سفر الملوك الأول عن هدف لاهوتي بالغ الأهمية. ويبدأ الكاتب بتمهيد يسلّط الضوء على الحياة الروحية للملك، إذ يقول: «وذَهَبَ الـمَلِكُ إلى جِبْعونَ لِيَذبَحَ هُناكَ، لأنّها هي الـمَشرَفُ الأَعظَم، وأَصعَدَ سُلَيمان أَلفَ مُحرَقَةٍ على ذلِكَ الـمَذبَح. وفي جِبْعونَ تَراءَى الرَّبُّ لِسُلَيمان في الحُلْمِ لَيلاً وقالَ الله: "اطلُبْ ما تُريدُ أن أُعطِيَكَ"» (1مل 3: 4-5).
تمثل جبعون مكان لقاء الإنسان بالله، والمساحة التي يقف فيها الإنسان أمام الرب بكل شفافية، من دون أقنعة، ليكشف له حقيقة قلبه. وعلى أرض جبعون يبادر الله بالحوار مع سليمان، الذي يمثّل كل واحد منا، ويفتح أمامه بابًا واسعًا بقوله: «اطلب ما تريد أن أعطيك». إنه عرض سامٍ وغير متوقّع. فماذا سيطلب الملك؟ هل يطلب الغنى؟ أم طول العمر؟ أم كثرة النسل؟ أم سلطانًا يرسّخ به مُلكه على الأرض؟
غير أن صلاة سليمان تكشف لنا تعليمًا لاهوتيًا ثمينًا، يشكّل نورًا وكنزًا لكل من يؤمن بالله، إذ يقول: «أنتَ صَنَعتَ إلى عَبدِكَ داوُدَ أبي رَحمَةً عَظيمةً... والآن، أيُّها الرَّبُّ إِلهي... فهَبْ عَبدَكَ قَلبًا فَهيمًا لِيَحكُمَ شَعبَكَ ويُمَيِّزَ بينَ الخَيرِ والشَّرّ... فقالَ لَه الله: بِما أنَّكَ سَأَلتَ هذا الأمر... بل سَأَلتَ لَكَ التَّمييزَ لإِجراءِ الحُكم، فهأنذا قد فَعَلتُ بحَسَبِ كَلامِكَ، وهأنذا قد أَعطَيتُكَ قَلبًا حَكيمًا فَهيمًا» (1مل 3: 6-12).
تفاجئنا إجابة سليمان، إذ تكشف عن قلب يتمتع بحسّ مرهف، قادر على الارتقاء فوق المغريات الزمنية. فهو لا يطلب كثرة الماديات، ولا توسيع نفوذ مملكته، بل يطلب ما هو جوهري: قلبًا يصغي إلى الله، ويقوده إلى التمييز بين الخير والشر.
وتُترجم الكلمة العبرية Shama' عادةً بـ"القلب الحكيم"، إلا أن معناها الحرفي هو "القلب المُصغي"، أي القلب الذي يمتلك نعمة الإصغاء العميق، والتمييز، والفطنة التي تتجاوز حدود التفكير البشري. ومن خلال هذه الصلاة، يدعونا سليمان إلى الاعتراف بفقرنا البشري، وأن نطلب قبل كل شيء نعمة الإصغاء والتمييز، لكي نحيا بحسب مشيئة الله، لا بحسب منطق العالم.
ومن هنا ينطلق تعليم يسوع في إنجيل متّى، إذ يكشف حقيقة ملكوت السماوات من خلال رمزية الكنز واللؤلؤة الثمينة والشبكة، ويبيّن لنا أن القلب المُصغي وحده هو القادر على اكتشاف الكنز الحقيقي الذي يغيّر الحياة، ويقود الإنسان إلى عيش الملكوت منذ الآن.
2. لقاء الملكوت (متّى 13: 44-52)
نواصل تأملنا في الخطبة الثالثة ليسوع بالأمثال، على ضوء نص سفر الملوك الأول، وبروح المؤمن صاحب القلب المُصغي. ففي هذا المقطع من إنجيل متّى (13: 44-52)، يقدّم يسوع ثلاثة أمثال جديدة، تتمحور جميعها حول ملكوت السماوات، مستخدمًا ثلاث صور مختلفة: المزارع، والتاجر، والشبكة.
ومن خلال هذه الأمثال، يكشف يسوع وجهًا جديدًا من حقيقة الملكوت. فإعلان ملكوت الله، بحسب اللاهوت المتّاوي، هو محور رسالة يسوع وغاية خدمته على الأرض. وتساعدنا هذه التشبيهات الثلاثة على فهم كيفية لقاء الإنسان بالملكوت، والطرق المختلفة التي يدخل بها الله إلى حياة كل واحد منا.
المزارع العامل (متّى 13: 44)
«مَثَلُ مَلَكوتِ السَّماواتِ كَمَثَلِ كَنْزٍ مَدْفونٍ في حَقْلٍ، وَجَدَهُ رَجُلٌ فأَعادَ دَفْنَه، ثُمَّ مَضى لِشِدَّةِ فَرَحِهِ، فباعَ جَميعَ ما يَملِكُ واشْتَرى ذلكَ الحَقْل» (متّى 13: 44).
يشبّه يسوع ملكوت السماوات برجلٍ وجد كنزًا مدفونًا في حقل أثناء قيامه بعمله اليومي. لم يكن هذا الرجل يبحث عن كنز، بل كان يحرث الأرض، غير أن الكنز باغته وغيّر مسار حياته. ومن أجل هذا الاكتشاف العظيم، باع كل ما يملك ليقتني الحقل الذي يخفي الكنز.
إن هذا المزارع لا يرمز إلى إنسان يبحث عن الله بوعي، بل إلى شخص يعيش أمانة حياته اليومية، فيفاجئه الله بحضوره. وهذا ما حدث أيضًا للصيادين الذين كانوا يمارسون مهنتهم على شاطئ بحر الجليل، حين دعاهم يسوع ليتبعوه (راجع متّى 4: 18-22)، كما حدث مع متّى العشّار، الذي كان جالسًا في مكان عمله عندما دعاه الرب (راجع متّى 9: 9-10).
فالكنز لا يأتي دائمًا نتيجة بحث، بل قد يلتقي الإنسان بالله وسط تفاصيل حياته اليومية، فيتغير كل شيء. وحين يختبر هذا اللقاء، يكتشف أن ترك كل شيء من أجل المسيح ليس خسارة، بل أعظم ربح.
التاجر الباحث (متّى 13: 45-46)
«ومَثَلُ مَلَكوتِ السَّماواتِ كَمَثَلِ تاجِرٍ كانَ يَطلُبُ اللُّؤلُؤَ الكَريم، فَوَجَدَ لُؤلُؤةً ثَمينة، فمَضى وباعَ جَميعَ ما يَملِكُ واشْتَراها» (متّى 13: 45-46).
في هذا المثل، يشبّه يسوع ملكوت السماوات بتاجر يبحث عن اللآلئ الثمينة. وعلى خلاف المزارع، فإن هذا الرجل كان يسعى منذ البداية إلى العثور على شيء ذي قيمة. وبعد بحث طويل، وجد اللؤلؤة التي كان ينشدها، فأدرك أنها تستحق أن يبيع كل ما يملك من أجل اقتنائها.
فعمّ نبحث نحن اليوم؟
أليس هذا ما حدث مع الشاب الغني الذي سأل يسوع: «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟» (راجع متّى 19: 16-22). لقد كان يبحث، لكنه عندما وجد اللؤلؤة الحقيقية، لم يستطع أن يدفع ثمنها، فرحل حزينًا، لأنه لم يكن مستعدًا للتخلي عما يملك.
إن قلب التاجر هو قلب الساعي، الذي لا يفقد رجاءه رغم مشقة الطريق وطول الانتظار. إنه قلب يثابر في البحث حتى يبلغ غايته. وهكذا أيضًا القلب المُصغي، الذي يوجّه كل أشواقه نحو الرب، حتى يكتشف فيه اللؤلؤة الثمينة التي تستحق أن يُضحّى بكل شيء من أجلها.
الشبكة (متّى 13: 47-50)
«ومَثَلُ مَلَكوتِ السَّماواتِ كَمَثَلِ شَبَكَةٍ أُلقِيَت في البَحر، فَجَمَعَت مِن كُلِّ جِنْس...» (متّى 13: 47-50).
في هذا المثل الثالث، يشبّه يسوع ملكوت السماوات بشبكة أُلقيت في البحر، فجمعت من كل نوع. وهنا يوسّع الرب أفق الأمثال السابقة، مبيّنًا أن دعوة الملكوت موجّهة إلى الجميع. فقد يلتقي الإنسان بالله مصادفة، كما حدث مع المزارع، أو بعد رحلة بحث طويلة، كما حدث مع التاجر. لكن في كل الأحوال، يبقى الله هو الذي يبادر أولًا ويلقي شبكة نعمته في بحر حياتنا.
إن شبكة الملكوت تُلقى كل يوم في حياتنا من خلال كلمة الله، والأسرار المقدسة، والأشخاص الذين نلتقيهم، والأحداث التي نعيشها، حتى تلك التي تبدو عادية أو غير متوقعة. وما علينا إلا أن نفتح قلوبنا، فنسمح لمحبة الله بأن تجذبنا إلى داخل شبكة خلاصه، فنصير من أهل الملكوت.
3. كنز المؤمن (متّى 13: 52)
يُضيء لنا متّى الإنجيلي، في ختام الخطبة الثالثة بالأمثال، بُعدًا لاهوتيًا عميقًا، إذ يضع على لسان يسوع قوله: «فقال لهم: لذلك كلُّ كاتبٍ تتلمذ لملكوت السماوات يُشبِه ربَّ بيتٍ يُخرج من كنزه الجديد والقديم» (متّى 13: 52).
تشكل هذه الأمثال الثلاثة منارة تنير طريق المؤمن. فكما اختبر المزارع والتاجر لقاءهما بالكنز واللؤلؤة الثمينة، كذلك نحن مدعوون إلى أن نختبر ملكوت السماوات في حياتنا. غير أن يسوع يدعونا إلى ما هو أبعد من مجرد اللقاء، إذ يريدنا أن نصبح «كتبةً تتلمذوا لملكوت السماوات»، قادرين على استخراج الجديد والقديم من كنزهم.
وكنز المؤمن هو الكتاب المقدس، الذي لا ينضب عطاؤه. ففي كل مرة نقرأ فيه كلمة الله بقلبٍ مُصغٍ، نكتشف معاني جديدة تُنير حياتنا، دون أن تفقد الكلمات القديمة قيمتها أو عمقها. فالكتاب المقدس يظل دائمًا حيًا، لأنه كلمة الله الموجَّهة إلى الإنسان في كل زمان.
ومن يتتلمذ لملكوت السماوات، ويتغذى يوميًا من كلمة الله، يكتسب نعمة التمييز، فيعرف كيف يكتشف الكنز المخفي، واللؤلؤة الثمينة، ويميّز ما يقوده إلى المسيح وما يبعده عنه. وهكذا يصبح قادرًا على أن يعيش الملكوت منذ الآن، وأن يشهد له في حياته اليومية.
الخلاصة
في ختام هذا المقال، تأملنا في نصَّين كتابيَّين يلتقيان حول محور لاهوتي واحد، هو «القلب المُصغي». ففي سفر الملوك الأول (3: 4-12)، امتدح الله الملك سليمان لأنه لم يطلب غنىً ولا سلطانًا، بل التمس قلبًا مُصغيًا، قادرًا على التمييز بين الخير والشر. إنها دعوة موجَّهة إلى كل مؤمن، لكي يجعل الإصغاء إلى الله أولويته في الحياة.
وعلى ضوء هذه النعمة، تأملنا في تعليم يسوع في إنجيل متّى (13: 44-52)، حيث شبّه ملكوت السماوات بالمزارع، والتاجر، والشبكة. فمن الناس من يلتقي بالله وسط عمله اليومي، ومنهم من يجده بعد رحلة بحث طويلة، لكن الجميع مدعوون إلى امتلاك القلب المُصغي، الذي يستطيع أن يكتشف الكنز الحقيقي واللؤلؤة الثمينة، وأن يميّز حضور الله في تفاصيل الحياة.
إن القلب المُصغي هو القلب الذي يفتح المجال لكلمة الله كي تغيّر الإنسان من الداخل، وتجعله يعيش ملكوت السماوات منذ الآن. فمن يصغي إلى الرب بصدق، يكتشف أن أعظم كنوز الحياة ليست في ما نمتلكه، بل في علاقتنا بالله، وفي استعدادنا لترك كل شيء من أجل المسيح، الكنز الذي لا يفنى.
دمتم في سعيٍ دائم إلى الإصغاء لكلمة الله، واكتشاف الكنز الذي يغيّر الحياة، ويقود إلى ملكوت السماوات.