موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٦ يوليو / تموز ٢٠٢٦

القداسة ثمرة الصلاة

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
الأب داني قريو السالزياني - لبنان

الأب داني قريو السالزياني - لبنان

 

بَعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ ٱلرَّبُّ ٱثْنَينِ وَسَبْعِينَ آخَرِين، وَأَرْسَلَهُمُ ٱثْنَيْنِ ٱثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ كانَ مُزْمِعًا أَنْ يَذْهَبَ إِلَيه. وَقالَ لَهُم: «إِنَّ ٱلحِصَادَ كَثِير، أَمَّا ٱلفَعَلةُ فَقَلِيلُون. أُطْلُبُوا إِذًا مِنْ رَبِّ ٱلحِصَادِ أَنْ يُخْرِجَ فَعَلةً إِلى حِصَادِهِ. إِذْهَبُوا. هَا إِنِّي أُرْسِلُكُم كَالحُمْلانِ بَيْنَ الذِّئَاب. لا تَحْمِلُوا كِيسًا، وَلا زَادًا، وَلا حِذَاءً، وَلا تُسَلِّمُوا عَلَى أَحَدٍ في الطَّرِيق. وأَيَّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوه، قُولُوا أَوَّلاً: أَلسَّلامُ لِهذَا البَيْت. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ٱبْنُ سَلامٍ فَسَلامُكُم يَسْتَقِرُّ عَلَيه، وَإِلاَّ فَيَرْجِعُ إِلَيْكُم. وَأَقيمُوا في ذلِكَ البَيْتِ تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مِمَّا عِنْدَهُم، لأَنَّ الفَاعِلَ يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ. وَلا تَنْتَقِلوا مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْت.(لو 10، 1-7)

 

في هذا الأحد السابع بعد العنصرة تقدم لنا الكنيسة هذه المقطوعة من انجيل لوقا. فقبل أن يرسل يسوع تلاميذه إلى الرسالة، قال لهم: «الحصاد كثير، ولكن الفعلة قليلون. فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده».

 

ما أصدق هذه الكلمات! فما علينا إلا أن ننظر إلى العالم من حولنا حتى ندرك أن الحصاد يفوق قدرة العاملين، وأن جراح الإنسانية أكثر من أن تُحصى، حتى يبدو لنا أحيانًا أننا لا نعرف من أين نبدأ.

 

ومن هنا، يدعونا الرب إلى الصلاة. فقبل أن يطلب منا أن نعمل، يطلب منا أن نصلّي. وكأن الرسالة لا تبدأ من العمل، بل من الركوع. الكنيسة لا تحتاج إلى مجرد أيدٍ عاملة، بل إلى قديسين. فالصلاة من أجل «فعلة الإنجيل» هي في الحقيقة صلاة من أجل قديسين، لأن الأزمنة الصعبة لا يغيّرها إلا أناس امتلأت حياتهم من الله.

 

 فالكنيسة لم تتغيّر يوم كثر عدد العاملين فيها، بل يوم ظهر فيها رجال ونساء امتلأت قلوبهم بالله. فالعالم لا يفتقر إلى النشاط إو إلى كثرة المبادرات، بل إلى القداسة، إلى أشخاص يشعّ فيهم وجه المسيح.

 

ولهذا يقول القديس إسحق السرياني: «اقتَنِ السلام الداخلي، فيخلص معك آلاف من حولك»فالرسالة تبدأ من الداخل. إن القلب الممتلئ بالله يفيض بالله، أما القلب الفارغ فلا يستطيع أن يمنح إلا فراغه.

 

ولهذا أيضًا يرسل يسوع تلاميذه قائلاً: «ها أنا أرسلكم كحملان بين ذئاب». فالقديسون وحدهم يعرفون كيف يبقون حملانًا وديعة، حتى وإن كانوا محاطين بالذئاب.

 

فالقديس لا ينتصر لأنه أقوى من الآخرين، بل لأنه أكثر اتحادًا بالمسيح. لذلك قال القديس مقار الكبير: »كما أن الحديد إذا أُلقي في النار يصير كله نارًا، كذلك النفس التي تثبت في الله تمتلئ من نوره «. عندئذ لا يعود الإنسان يعمل بقوته، بل بقوة الله الساكنة فيه.

 

ومن هنا نفهم لماذا يوصيهم الرب: «لا تحملوا كيسًا ولا مزودًا ولا أحذية». إنها ليست دعوة إلى الفقر الخارجي فحسب، بل إلى فقر القلب، إلى التحرر من كل ما يجعلنا نتكل على أنفسنا أكثر مما نتكل على الله. فالرسول الحقيقي يحمل حضور الله أكثر مما يحمل الوسائل.

 

ويقول القديس فرنسيس السالسي في هذا الصدد: «مقدار ما يملك الإنسان من المحبة، مقدار ما يملك من القداسة». فالقداسة ليست إنجازًا شخصيًا، ولا بطولة أخلاقية، بل هي أن نفسح المجال للمسيح ليحبّ فينا، ويغفر فينا، ويعمل فينا.

 

ولهذا عندما يوصي الرب: «اشفوا المرضى... وقولوا لهم: قد اقترب منكم ملكوت الله»، فهو يذكّرنا بأن الشفاء ليس استعراضًا لقدرات الإنسان، بل علامة على اقتراب الله. فالقديس لا يقول أبدًا: "أنا خلّصتك"، بل يشير دائمًا إلى المسيح، لأنه يعرف أن كل نعمة تمرّ عبره، لكنها لا تأتي منه.

 

إن القديسين هم أكثر من يجعل المسيح حاضرًا في عالم يظن أنه فقد الرجاء. إنهم يشبهون النوافذ؛ لا ينظر الناس إليها، بل من خلالها يرون النور.

 

ولهذا لا يكفي أن نصلّي بل أن نكون، فالكاهن القديس يلد قداسة، والراهب القديس يوقظ العطش إلى الله، والمرسل القديس يجعل الإنجيل مرئيًا قبل أن يجعله مسموعًا.

 

إن القداسة ليست مرتبطة أولًا بما نفعله، بل بما أصبحناه يوم اعتمدنا. ففي المعمودية لم يمنحنا الله وظيفة، بل هوية؛ لم يعطنا رسالة فحسب، بل أعطانا حياته الإلهية، ودعانا إلى الشركة معه. وكل عمل رسولي لا ينبع من هذه الشركة يتحول تدريجيًا إلى نشاط مرهق، أما الرسالة التي تخرج من قلب متحد بالله، فإنها تصبح امتدادًا طبيعيًا لحياة المسيح فينا.

 

ويقول القديس أوغسطينوس: «أحبب، ثم افعل ما تشاء». لأن من امتلأ بالله لن يعود يعمل إلا ما يريده الله.

 

في النهاية، ليس العالم بحاجة إلى مزيد من الضجيج، بل إلى مزيد من النور؛ ليس بحاجة إلى موظفين دينيين، بل إلى شهود يحملون رائحة المسيح. فالقديسون هم الذين يصنعون الفرق، لأنهم يسمحون لله أن يعمل من خلالهم، أما كثرة العاملين بلا قداسة، فلا تزيد الأمور إلا تعقيدًا.