موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٦ أغسطس / آب ٢٠٢٦

الخدعة: بين كاتب نبوءة إرميا والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سلسلة قراءات كتابيّة بين العهدين (إر 20: 7-9؛ مت 16: 21-27)

سلسلة قراءات كتابيّة بين العهدين (إر 20: 7-9؛ مت 16: 21-27)

 

الأحد الثاني والعشرون من الزمن العادي (أ)

 

المقدّمة

 

في هذا الأسبوع سنناقش في مقالنا، الذي وضعنا له عنوان «الخِدعة»، القراءة الأولى من العهد القديم، وهي من نبوءة إرميا (20: 7-9)، حيث نجد مقطعًا ينتمي إلى اعترافات هذا النبي الشاب. يُعلن النبي أنّه أسير للكلمة، وتكشف كلماته اعتراضه وانتقاده للربّ بسبب الرفض الشديد له وللكلمة معًا، فقد ظنّ أنّه مخدوع من الربّ!

 

وبوضع هذه القراءة جنبًا إلى جنب مع النص الإنجيلي بحسب متّى (16: 21-27)، يدعونا الإنجيلي إلى إعادة قراءة شخصيّة يسوع، وشخصيّة بطرس المخدوع مع التلاميذ المدعوين لاتّباعه. وهذا يدعونا إلى قراءة حياتنا بناءً على الإعلان الجديد الذي سيكشفه يسوع في ذاته، انطلاقًا من تجربة الألم والمعاناة التي اختبرها النبي على المستوى الشخصي. نهدف من خلال هذا المقال إلى أن تترك كلمات النبي ويسوع صدى في داخلنا، لنسمع ما وراء الخدع البشريّة، ونقرأ مخطّط الله الخلاصي وراء معاناتنا وآلامنا، بحسب ما سيكشفه يسوع في كلماته عن مستقبله.

 

 

1. النبي المخدوع (إر 20: 7-9)

 

الرسالة النبويّة للنبي إرميا، وهو أحد الأنبياء الكبار الذين تنبّأوا لمملكة الجنوب، يهوذا، قبل السبي إلى بابل. عانى النبي الشاب في رسالته بسبب غيرته على الكلمة التي كان يقوم فقط بإيصالها من قِبل الربّ إلى الشعب. ونفاجأ بأنّ نبرة النبي مختلفة جدًا في هذه الصرخة التي يعلن فيها انتقاده للربّ علانية من خلال هذه الآيات القليلة.

 

غالبًا، نحن أيضًا، إن كنّا صادقين، نجد أنفسنا، مثل النبي إرميا، ننتقد الله بشدّة، متّهمين إيّاه بخداعنا؛ فنحن أيضًا نشعر أمامه، ولا سيّما في وقت الألم، كمن عانى من العنف والهزيمة. والسبب هو أمانة الشخص لكلمة الله، الذي اختار الشاب ودعاه منذ أن كان في الرحم (راجع إر 1: 5). لقد عانى إرميا، النبي الشاب، أثناء رسالته النبويّة، من الوحدة والعزلة والسخرية، لدرجة أنّ معاصريه وأهله تخلّوا عنه، بل وتآمروا ضدّه للتخلّص منه.

 

ربما ظنّ إرميا في بداية رسالته النبويّة أنّ الأمور ستسير بشكل مختلف (راجع إر 15: 16)، وأنّ كلمته، بصفته ناطقًا باسم الربّ، ستُسمع وتُستقبل كنعمة، وأنّ حياة الشعب ستتغيّر ويبدأ تاريخ جديد لإسرائيل. لكن الأمور لم تجرِ على هذا النحو، بل شارك إرميا المصير ذاته الذي لاقته الكلمة التي كان يحملها، وهو الرفض! تلك الكلمة التي التهمها بشراهة، والتي كانت مصدر فرح وسرور لقلبه (راجع إر 15: 16). كانت حياته مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإعلان الله له، الذي يخدمه، لدرجة أنّه رُفض أيضًا، ورُفضت معه الكلمة الإلهيّة.

 

لقد اختبر إرميا هذا الرفض بشكل مؤثّر للغاية، حيث كان قلبه ينبض على إيقاع الربّ، وكان كيانه يتحرّك بالرحمة، كما يتحرّك كيان الله (راجع إر 31: 20). ففي قوله: «قد استَغوَيتَني يا رَبُّ فٱستُغْويت، قَبَضتَ علَيَّ فغَلَبتَ، صِرتُ ضُحكَةً كُلَّ النَّهار، فكُلُّ واحِدٍ يَستَهِزئُ بي، لِأَنِّي كُلَّما تَكَلَّمتُ فإِنَّما أَصيح وأُنادي بِالعُنفِ والدَّمار، فصارَ لي كَلامُ الرَّبِّ عارًا وسُخرِيَّةً طولَ النَّهار» (إر 20: 7-8).

 

لقد أفرغ إرميا غضبه على الله، لدرجة أنّه شعر بأنّه تمّت غوايته من الربّ، أي إنّه صار مخدوعًا منه؛ وهذا هو المعنى الدقيق لفعل «يغوي» في الأصل العبري. وبناءً عليه، يقرّر النبي: «فقُلتُ: لا أَذكُرُه ولا أَعودُ أَتَكَلَّمُ بِٱسمِه» (إر 20: 9أ). يريد النبي الفرار، الفرار بعيدًا؛ يريد أن يُبقي تلك الكلمة طيّ الكتمان. فقد اعتقد أنّ كلّ شيء سيكون أسهل. إلّا أنّه يفاجأ بحركة قلبيّة شديدة، فيقول: «لٰكِنَّه كانَ في قَلْبي كنارٍ محرِقَة قد حُبِسَت في عِظامي، فأَجهَدَني ٱحتِمالُها ولَم أَقْوَ على ذٰلك» (إر 20: 9ب).

 

في هذه الصرخة التي تخرج من قلب النبي، والتي لا يسمعها سوى الله ونحن، كقرّاء مؤمنين، نصغي إلى نبضات قلب النبي الذي لا يستطيع الفرار ولا يستطيع الصمت، لأنّه يعلم أنّ في تلك الكلمة الإلهيّة، التي تبدو وكأنّها تقوده إلى الموت، يكمن معنى الحياة الحقيقيّة. ومن خلال هذه الخبرة النبويّة، يخبرنا إرميا بأنّه تعلّم أنّ تلك الكلمة الإلهيّة هي كلمة حياة أثمن من أي كنز.

 

 

2. خدعة أم إيقاع جديد؟ (مت 16: 21-23)

 

في هذا النص، الذي يُعدّ مقطعًا إنجيليًا نستكمل فيه ما ورد في مقالنا الأخير، وبعد اعتراف بطرس بإيمانه، يأتي على مسامعنا اليوم إعلان يسوع عن آلامه وموته وقيامته للمرّة الأولى، مهيّئًا تلاميذه، قائلًا: «وبَدأَ يسوعُ مِن ذٰلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلامًا شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث» (مت 16: 21).

 

من خلال هذا الإعلان الأوّل، يكشف الإنجيلي متّى مستقبل يسوع المؤلم لأجل خلاص البشريّة. ولأوّل مرّة يضع على لسان يسوع، بشكل تفصيلي، ما سيتحقّق في الإصحاحات اللاحقة (مت 26-28) عن سرّ حبّه من آلام وموت وقيامة.

 

يفتتح الإنجيلي هذا المقطع بتعبير خاص لاهوتيًا، قائلًا: «وبَدأَ يسوعُ مِن ذٰلِكَ الحينِ». وهذا التعبير الفاصل يحدّد من خلاله وجهة نظر يسوع في إعلان الملكوت وتأكيده، بالرغم من عدم فهم التلاميذ، وفهمنا نحن أيضًا، لجوهر سرّ هذا الحبّ الإلهي بسبب المنطق البشري عن «المسيح المنتظر».

 

وبناءً على هذا الكشف الجديد، يسرد الإنجيلي ردّ فعل بطرس، الذي طوّبه يسوع في النص السابق. إلّا أنّ عدم فهم بطرس لسرّ هذا الحبّ جعله متحمّسًا ومدافعًا عن يسوع، قائلًا: «فَٱنفَرَدَ بِه بُطرُس وجَعَلَ يُعاتِبُه فيَقول: حاشَ لَكَ يا رَبّ! لن يُصيبَكَ هٰذا!». فالتفت [يسوع] وقال لبطرس: «إِنسَحِبْ! وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لِأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر» (مت 16: 22-23).

 

حتى بطرس، حين سمع كلمات يسوع عن رسالته المستقبليّة، أراد الفرار بعيدًا؛ بل أراد أن يُبعد يسوع عن الطريق الذي يعلن فيه إيقاعًا جديدًا بحسب مشروع الله. أراد بطرس أن ينتقل من تلميذ ليسوع إلى معلّم له. كانت خطّة بطرس كخطّة إرميا، كما رأينا أعلاه، مختلفة؛ وربما كان يفكّر في نتائج أخرى حين أعلن إيمانه قائلًا: «أنت المسيح ابن الله الحي!». لكنّه الآن يجد نفسه أمام كلمات يسوع التي تروي الألم، فهل خُدع في المعلّم؟

 

يعتقد بطرس، هو أيضًا، أنّ الربّ قد خدعه؛ وبإمكانه أن يقول ليسوع: «قد استَغوَيتَني يا رَبُّ فٱستُغْويت!» (إر 20: 7). وبرفض بطرس وتأنيبه ليسوع بسبب كشفه هذا الإيقاع الجديد، يتحوّل من حجر أساس، لأنّه أعلن ما لم يكشفه بشر ولا دم (راجع مت 16: 17)، إلى حجر عثرة حين يفكّر في أمور البشر لا في أمور الله (راجع مت 16: 23). فنحن أمام إيقاع إلهي جديد يدعونا إلى التخلّي عن منطقنا البشري وخداعه.

 

 

3. معنى التلمذة! (مت 16: 24-26)

 

من خلال إدراك الأمور الإلهيّة يبرز معنى التلمذة الحقّة ودورها، بالانتقال من إدراك أمور البشر إلى إدراك أمور الله؛ والانتقال من «حكمة العالم» (راجع 1 كور 1: 20) إلى «كلمة الصليب» (راجع 1 كور 1: 18).

 

ينظر بطرس إلى يسوع من منظور ضيّق يركّز على الشؤون البشريّة، وهي المعايير التي يستخدمها البشر عادةً لتحديد النجاح والفشل. بطرس رهين هذه الأمور. لكن كلمات يسوع تعلن الجديد، وأنّ هناك معايير أخرى للنظر إلى التاريخ حينما يمكن للمرء أن يدرك أمور الله.

 

وإذا تساءلنا: ما معنى إدراك أمور الله كمعيار في حياتنا؟ إنّه يعني طريقة التفكير والتخطيط. لذا يدعونا يسوع إلى الانتقال من خطّة البشر إلى خطّة الله. خطّة البشر هي طريقة التفكير الدنيويّة المبنيّة على إنقاذ النفس. إنّها الخطّة التي تنبع من حياة أنانيّة تسعى إلى بناء ذاتها، وهي تشبه إلى حدّ ما تجربة بابل (راجع تك 11: 4). إنّها حياة منشغلة بمحاولة الاحتفاظ بالمواهب والقدرات والكفاءات الذاتيّة؛ حياة مكرّسة بالكامل لكنز الأشياء والأشخاص، المعرّضين لأن يصبحوا مجرّد أدوات لتحقيق الذات، حيث تسعى الذات البشريّة إلى حماية نفسها ممّا يلهيها عن مواجهتها بصدق.

 

لكن قبول خطّة الله يعني التخلّي عن مركزيّة الذات، والنظر إلى قدراتنا على أنّها هبات مستلَمة ومستحقّة للعطاء. إنّ خطّة الحياة التي وضعها يسوع لتلاميذه ولنا هي الخطّة الإنسانيّة الأصيلة الوحيدة التي تتيح لنا إدراك أنّ حياتنا ليست غزوًا نسعى إليه دون اكتراث لأحد، بل هي نعمة نستقبلها ونشاركها، وتتطلّب أن نعيشها بكلّيتها وأن نواجه ذواتنا بصدق.

 

بالطبع، قبول خطّة الله ليس أمرًا فطريًا، فهو يتطلّب إنكار الذات، وهو السبيل الوحيد لمعرفة أنفسنا حقًا. قد يخيفنا هذا الأمر، لأنّ إنكار الذات ضروري إذا أراد المؤمن أن يجد ذاته وينقذ حياته.

 

ومن الغريب طلب يسوع من بطرس، الذي رفض فكرة المعاناة والموت ليسوع، أن يرجع ويأخذ مكانه وراء المعلّم ليصير تلميذًا له (راجع لو 5: 1-11). وفي هذا التوضيح تتّضح دقّة الإنجيلي، حيث سيعلن لاحقًا نبوءتي يسوع عن آلامه وموته وقيامته، وهذه الحقائق لم تكن حاضرة في خطّة بطرس. لديه إدراك للأمور البشريّة، وليس للأمور الإلهيّة! يعتقد بطرس أنّ طريق يسوع وتابعيه لا يمكن أن يمرّ عبر الهزيمة والموت.

 

وهنا ينتهز يسوع الفرصة، كاشفًا عن هويّته الحقّة، ومعطيًا تلاميذه وإيّانا درسًا أساسيًا حول شروط اتّباعه، قائلًا: «مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِهِ ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، لِأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَه في سبيلي فإِنَّه يَجِدُها. ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَم كُلَّه وخَسِرَ نَفسَه؟ وماذا يُعطي الإِنسانُ بَدَلًا لِنَفسِه؟» (مت 16: 24-26).

 

يتجلّى تعليم يسوع في إنكار الذات، أي التخلّي عن كلّ شكل من أشكال الطموح الشخصي الموجّه لخدمة سلطة الممتلكات والمظاهر، وهو ما يمكننا أن نطلق عليه تعبير «الثالوث الوثني» الذي غالبًا ما يسكن القلب البشري.

 

في قول يسوع لي ولك اليوم: «احمل صليبك»، الصليب ليس منحة إلهيّة، كما نعتقد غالبًا عند مواجهة مواقف صعبة أو مأساويّة في حياتنا، فالربّ هو أب لا يرضى بصلب أبنائه. بل يصير الصليب اختيارنا نحن، التلاميذ الذين قرّرنا أن نتبع يسوع ونسير وراءه، ممّا يعني أن نتحمّل الرفض الناجم عن اتّباع المعلّم، وهو الرفض نفسه الذي وُجّه إليه، والذي عانى منه النبي إرميا، كما أشرنا أعلاه، ممّا يدعونا إلى التدرّب على قبول أنواع الاضطهاد والرفض في حياتنا البشريّة.

 

هذه هي بعض الشروط الأساسيّة لاتّباع يسوع نحو درب الملكوت، ولقبول هذا الإيقاع الإلهي الجديد. فاتّباع يسوع يعني البقاء في الخلف، لا بجواره ولا أمام المعلّم؛ فالأماكن محدّدة بوضوح، ولا أحد يجرؤ على معرفة الطريق أفضل منه. وهذا يتطلّب إنكار الذات والثقة الكاملة في يسوع.

 

إنّ اتّباع الربّ يتطلّب تحرّرًا عميقًا وجذريًا، لا سيّما من كلّ تلك الصور الزائفة التي رسمناها عنه، كصور تطمئننا وتقدّم لنا يقينًا مطلقًا وأمانًا. ألا يعني إنكار ذواتنا أيضًا التخلّي عن الطموح إلى حصره سريعًا ضمن قوالبنا الخاصّة؟

 

 

4.  ملكوت ابن الإنسان (مت 16: 27-28)

 

يختتم الإنجيلي هذا المقطع بقول يسوع الذي يعلن إيقاعًا جديدًا من خلال الملكوت الذي سيحقّقه في ذاته بالصليب. نعم، يسوع هو إنسان الملكوت القائل: «فسَوفَ يَأتي ٱبنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ومعَه مَلائِكتُه، فيُجازي يَومَئِذٍ كُلَّ ٱمرِئٍ عَلى قَدْرِ أَعمالِه. الحَقَّ أَقولُ لَكم: مِنَ الحاضِرينَ هٰهُنا مَن لا يَذوقونَ الموتَ حتَّى يُشاهِدوا ٱبنَ الإِنسانِ آتِيًا في مَلَكوتِه» (مت 16: 27-28).

 

هل يبدو هذا كذبًا؟ لم يرَ أحد ابن الإنسان، أي يسوع، آتيًا في ملكوته. لم يعد يسوع في مجده ليدين الأحياء والأموات. أهذا صحيح؟ السبب هو أنّنا حتى الآن لم نفهم ماهيّة ملكوته لندرك خطّته الخلاصيّة، وكيف يأتي ملكوته. وما علينا إلّا أن نتدرّب على قبول هذا الإيقاع الجديد والدخول فيه، متخلّين عن منطقنا البشري البحت.

 

لقد جاء يسوع بملكوته على صليبه، وبموته من أجل الحبّ، وليس بدونه؛ وحلّ ملكوته في حياتنا البشريّة. ففي كلّ مرّة نحتضن الصليب، لا نتذوّق الموت الأبدي، بل نتمكّن من الدخول حقًا في هذا الملكوت من هنا والآن.

 

 

الخلاصة

 

في ختام مقالنا هذا، الذي ناقشنا فيه الاعتقاد الخاطئ، سواء لدى النبي إرميا (20: 7-9) أم لدى بطرس بحسب النص المتّاوي (16: 21-28)، كشف لنا كلاهما في كلماته أنّ هناك طريقتين للتفكير في الحياة: منطق إرميا وبطرس، اللذين يمثّلاننا في تنفيذ رغبتنا البشريّة حين تكون خالية من المنطق الإلهي؛ ومنطق يسوع، الذي يساعدنا على إدراك الخطّة الإلهيّة، مانحًا إيّانا إيقاعًا جديدًا لنسير نحو الملكوت.

 

منطقا إرميا وبطرس يقلّلان من قيمة المواقف ويصوّرانها على أنّها صعبة المواجهة، كلّ ذلك لتجنّب تجربة الرفض والألم والموت على الصليب، التي تحقّق القيامة حين تمتلئ بالحبّ. فكلّ مشقّة، وكلّ صعوبة، وكلّ تحدٍّ في حياتنا يجب احتضانه وقبوله، لا تجنّبه، كما أراد إرميا وبطرس أن يفعلا.

 

الآن، الاختيار لي ولك: إمّا أن نحيا الخدعة منغمسين في معاييرنا البشريّة، وإمّا أن نقبل هذا الإيقاع الجديد الذي كشفه يسوع في الملكوت، والذي يتحقّق يوميًا في حياتنا من خلال مشاركتنا سرّ حبّه من آلام وموت وقيامة.