موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يُعدّ كتاب «الاعترافات» أشهر أعمال القديس أوغسطينُس (354-430) التي وضعها في حياته بين عامي 397 و400. وهو سيرته الذاتية الروحية الفريدة من نوعها. لكنه ليس مجرد سرد لسيرة حياة، بل سيرة ذاتية نفسية باطنية في الأدب الغربي والعالمي. ومع ذلك، لا يسرد وقائع حياته للتاريخ، بل ليكتب «اعترافًا» بنوعين:
الأول: اعتراف تسبيح وتمجيد لله على رحمته ونعمته.
الثاني: اعتراف خطيئة وتوبة عن ماضيه البعيد عن الله.
تنقسم «الاعترافات» إلى ثلاثة عشر كتابًا، ويمكن تقسيمها موضوعيًا إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
1. الكتب (1-9): السيرة الذاتية وسيرة الاهتداء
تستعرض هذه الكتب حياة أوغسطينُس منذ ولادته في تاغسطا، المعروفة اليوم بسوق أخرس في الجزائر، وحتى وفاة والدته القديسة مونيكا.
- طفولته وصباه (الكتب 1-2): يتأمل أوغسطينُس في طبيعة الطفولة البشرية، معددًا أخطاءه الصغيرة وشقاوته كطفل، ثم ينتقل إلى فترة مراهقته، حيث يصف كيف انساق وراء الشهوات وملذات العالم، وارتكابه حادثة سرقة الكمثرى الشهيرة لمجرد لذة العصيان وليس للحاجة.
- سن الشباب ودراسة البلاغة (الكتاب 3): انتقاله إلى مدينة قرطاجة لدراسة البلاغة، وهناك انغمس في حياة اللهو والمسرح، وانضم إلى فرقة المانويّة (وهي بدعة ثنوية تؤمن بإلهين: إله الخير وإله للشر)، باحثًا عن الحقيقة بعيدًا عن الكنيسة.
- ضياعه الفكري والبحث عن الحقيقة (الكتب 4-6): عاش سنوات من التخبط الفكري والتشكك، متأثرًا بالفلسفة ومبشرًا بالفلسفة المانويّة التي لم تُشفِ غليله العقلي. واتخاذه زوجةً غير شرعية إشباعًا لشهوة جامحة. يروي أيضًا، كيف تأثر بوفاة صديق حميم له وكيف ترك ذلك جرحًا عميقًا في نفسه. لاحقًا، انتقل إلى روما ثم إلى ميلانو لتعلم البلاغة، وهناك التقى بالقديس أمبروسيوس الذي فتح عينيه على المعنى الروحي والعميق للكتب المقدسة، وختم ذلك بهجر المانويّة. ومع ذلك، كان يتأرجح بين الله والعالم.
- الاهتداء الكبير (الكتب 7-8): هذه هي ذروة الكتاب الروحية. يتجاوز أوغسطينُس أزمة مشكلة الشر، ويدرك أن الشر ليس كيانًا قائمًا بذاته بل هو غياب للخير. بعد صراع مرير بين إرادته الجسدية وإرادته الروحية، وفي لحظة حاسمة في حديقة ميلانو، سمع صوتًا غامضًا يردد: «خذ واقرأ! خذ واقرأ!»، ففتح الإنجيل على رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية (13:13)، فوقعت الكلمات كالسحر على قلبه، وتم اهتداؤه الكامل وتخليه عن خطيئته وعن زواجه المرتقب ليعيش في بتولية تامة لله.
- المعمودية ووفاة القديسة مونيكا (الكتاب 9): يقرر أوغسطينُس نيل سر المعمودية مع صديقه ألبيوس وأديوداتُس الفتى، (الابن اللحمي لخطيئتي، كما وصف ابنه) على يد القديس أمبروسيوس. وقبل عودتهم إلى أفريقيا، تتوفى والدته البارة مونيكا في مدينة أوستيا عند مصب نهر التيبر، مسجلةً هنا واحدةً من أروع حوارات الحب والاشتياق السماوي بين أم وابنها.
2. الكتاب (10): وقفة تأملية في النفس الحالية
ينتقل أوغسطينُس في هذا الكتاب من سرد الماضي إلى الواقع الحاضر.
- يتساءل: «ماذا أعرف عن نفسي الآن؟».
- يغوص في تحليل الذاكرة البشرية باعتبارها مخزنًا هائلًا للصور والأفكار والانفعالات، مبينًا كيف أن الله موجود في أعماق الذاكرة، وكيف أن الإنسان يبحث عن الله في داخل نفسه.
- يدرس التجارب والمغريات التي لا تزال تهدد الإنسان المؤمن في حياته اليومية (مثل شهوة الجسد، شهوة العيون، وكبرياء الحياة).
3. الكتب (11-13): تأملات فلسفية في اللاهوت والخلق والزمن
تُخصص هذه الكتب لتفسير الأجزاء الأولى من سفر التكوين، متخذة طابعًا فلسفيًا وعميقًا:
- فلسفة الزمن (الكتاب 11): يطرح أوغسطينُس تساؤله الخالد: «ما هو الزمن؟ إن لم يسألني أحد أعرف، وإن سألتُ سائلًا لا أعرف!». ويخلص إلى أن الزمن ليس شيئًا ماديًا مستقلًا، بل هو قياس في النفس البشرية؛ فالمستقبل غير موجود، والماضي انقضى، والحاضر نقطة عبور، والزمن يتألف من: حاضر الماضي (الذاكرة)، حاضر الحاضر (الإدراك)، وحاضر المستقبل (الرجاء).
- خلق السموات والأرض (الكتب 12-13): يتأمل في معنى نص سفر التكوين «في البدء خلق الله السموات والأرض». يناقش مفاهيم المادة الأولى، العدم، والكنيسة كرمز للسماء الجديدة والأرض الجديدة، مختتمًا العمل بتسبيح عظيم لله كخالق ومبدع لكل الكائنات.
الرسائل الجوهرية والدروس الروحية
- الاشتياق الإلهي: يختصر الكتاب كله في مقولته الشهيرة في افتتاحية الكتاب الأول:
«يا رب، لقد خلقتنا لأجلك، ولن يهدأ قلبٌ لنا حتّى يستقرَّ فيك».
- النعمة الإلهية: يرى أوغسطينُس أن كل خطوة خطاها نحو التوبة لم تكن بجهده البشري المحض، بل بفضل نعمة الله السابقة والمحيية.
- أهمية الاعتراف: يكشف الكتاب أن الاعتراف بالضعف البشري أمام الله ليس مذلة، بل هو طريق الشفاء والحرية والسلام الداخلي.
المرجع:
أوغسطِينُس أُسقف هيبُّون. الاعترافات. نقلها إلى العربية الخورأسقف يوحنّا الحلو، دار المشرق، بيروت، 2012.