موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النص الإنجيلي (متى 14: 13 – 21)
13فلَمَّا سَمِعَ يسوع، اِنصَرَفَ مِن هُناكَ في سَفينةٍ إِلى مَكانٍ قَفْرٍ يَعتَزِلُ فيه. فعَرَفَ الجُموعُ ذلك فتَبِعوهُ مِنَ المُدُنِ سَيراً على الأَقدام. 14فلَمَّا نَزلَ إِلى البَرِّ رأَى جَمْعاً كَثيراً، فأَخَذَته الشَّفَقَةُ علَيهِم، فشَفى مَرضاهُم. 15ولَمَّا كانَ المَساء، دَنا إِليه تَلاميذُهُ وقالوا لَه: ((المكانُ قَفْرٌ وقَد فاتَ الوَقْت، فَاصرِفِ الجُموعَ لِيَذهَبوا إِلى القُرى فيَشتَروا لَهم طَعاماً)). 16فقالَ لَهم يسوع ((لا حاجَةَ بِهِم إِلى الذَّهاب. أَعطوهم أَنتُم ما يأكُلون)). 17فقالوا لَه: ((لَيس عِندَنا هَهُنا غَيرُ خَمسَةِ أَرغِفةٍ وسَمَكَتَيْن)). 18فقالَ: ((علَيَّ بِها)). 19ثُمَّ أَمَر الجُموعَ بِالقُعودِ على العُشْب، وأَخَذَ الأَرغِفَةَ الخَمسَةَ والسَّمَكَتَيْن، ورَفَعَ عَينَيه نَحوَ السَّماء، وباركَ وكسَرَ الأَرغِفة، وناوَلَها تَلاميذَه، والتَّلاميذُ ناوَلوها الجُموع. 20فأَكلوا كُلُّهم حتَّى شَبِعوا، ورَفعوا ما فَضَلَ مِنَ الكِسَر: اِثنَتَي عَشْرَةَ قُفَّةً مُمتَلِئةً. 21وكانَ الآكِلونَ خَمسَةَ آلافِ رَجُل، ما عدا النِّساءَ والأَولاد.
المُقَدِّمَة
جَمَعَ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ عَشْرَ مُعْجِزَاتٍ رَئِيسِيَّةً فِي إِنْجِيلِهِ، وَتَتَبَوَّأُ مُعْجِزَةُ تَكْثِيرِ الْأَرْغِفَةِ الْخَمْسَةِ وَالسَّمَكَتَيْنِ (مَتَّى 14: 13-21) مَكَانَةً فَرِيدَةً بَيْنَهَا. فَهِيَ الْمُعْجِزَةُ الْوَحِيدَةُ، بِاسْتِثْنَاءِ قِيَامَةِ الرَّبِّ، الَّتِي رَوَتْهَا الأَنَاجِيلُ الأَرْبَعَةُ جَمِيعًا (مَتَّى 14: 13-21؛ مَرْقُس 6: 30-44؛ لُوقَا 9: 10-17؛ يُوحَنَّا 6: 1-15)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا الْفَائِقَةِ فِي التَّقْلِيدِ الرَّسُولِيِّ وَفِي تَعْلِيمِ الْكَنِيسَةِ.
وَلَا تَقِفُ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةُ عِنْدَ حُدُودِ إِشْبَاعِ جُمُوعٍ جَائِعَةٍ، بَلْ تَحْمِلُ مَعَانِيَ خَلَاصِيَّةً عَمِيقَةً. فَالْخُبْزُ الَّذِي بَارَكَهُ يَسُوعُ وَكَسَرَهُ وَوَزَّعَهُ عَلَى الْجُمُوعِ يُمَهِّدُ لِسِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَّا، وَيُشِيرُ إِلَى جَسَدِهِ الَّذِي سَيُسَلِّمُهُ عَنْ حَيَاةِ الْعَالَمِ. وَلِهٰذَا يَرْبِطُ الإِنْجِيلُ الرَّابِعُ بَيْنَ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةِ وَخِطَابِ خُبْزِ الْحَيَاةِ (يُوحَنَّا 6: 22-59)، حَيْثُ يُعْلِنُ يَسُوعُ: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ"(يُوحَنَّا 6: 35).
وَتُشَكِّلُ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةُ أَيْضًا نُقْطَةً مِفْصَلِيَّةً فِي خِدْمَةِ يَسُوعَ فِي الْجَلِيلِ. فَبَعْدَ اتِّسَاعِ شُهْرَتِهِ، وَاسْتِشْهَادِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ (مَتَّى 14: 1-12)، يَبْدَأُ مَسَارٌ جَدِيدٌ يَقُودُ تَدْرِيجِيًّا نَحْوَ أُورُشَلِيمَ وَآلَامِهِ. وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ الْمُعْجِزَةُ لَيْسَ بِوَصْفِهَا عَمَلًا عجيبًا فَحَسْبُ، بَلْ إِعْلَانًا عَنْ هُوِيَّةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَسِيحِ الَّذِي يُشْبِعُ جُوعَ الْإِنْسَانِ الْجَسَدِيَّ وَالرُّوحِيَّ، وَيُقَدِّمُ نَفْسَهُ خُبْزًا لِلْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ.
وَتَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةُ أَيْضًا ذَاكِرَةَ الشَّعْبِ فِي الْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ أَطْعَمَ اللهُ إِسْرَائِيلَ بِالْمَنِّ (خُرُوج 16)، كَمَا تُذَكِّرُ بِمُعْجِزَةِ أَلِيشَعَ الَّذِي أَشْبَعَ مِائَةَ رَجُلٍ بِعِشْرِينَ رَغِيفًا (2 مُلُوك 4: 42-44). غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ يَتَجَاوَزُ جَمِيعَ هٰذِهِ الرُّمُوزِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَاهِبٍ لِلْخُبْزِ، بَلْ هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ.
وَتُظْهِرُ الْمُعْجِزَةُ، مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَفْرَةَ عَطَاءِ اللهِ وَسَخَاءَهُ الَّذِي يَتَجَاوَزُ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ، فَلَا يَكْتَفِي بِسَدِّ الْعَوَزِ، بَلْ يُغْدِقُ بِالْفَيْضِ، حَتَّى "رَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوءَةً" (مَتَّى 14: 20). فَاللهُ هُوَ إِلَهُ الْمِلْءِ، الَّذِي يَمْلَأُ فَرَاغَ الْإِنْسَانِ، وَيُشْبِعُ جُوعَهُ إِلَى الْخُبْزِ، وَإِلَى الْحَقِّ، وَإِلَى الْمَحَبَّةِ، وَإِلَى الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ.
وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ هٰذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ، لِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ أَبْعَادٍ كِتَابِيَّةٍ وَلَاهُوتِيَّةٍ وَلِيتُورْجِيَّةٍ وَرَعَوِيَّةٍ، إِذْ يَدْعُونَا إِلَى اكْتِشَافِ الْمَسِيحِ خُبْزَ الْحَيَاةِ، وَإِلَى الثِّقَةِ بِعِنَايَتِهِ، وَالِاشْتِرَاكِ فِي رِسَالَةِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي تُقَدِّمُ لِلْعَالَمِ خُبْزَ كَلِمَةِ اللهِ وَخُبْزَ الإِفْخَارِسْتِيَّا، لِيَكُونَ لِلْجَمِيعِ الْحَيَاةُ، وَتَكُونَ لَهُمْ بِوَفْرَةٍ (يُوحَنَّا 10: 10).
أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلُهُ (مَتَّى 14: 13)
13 "فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ، انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ فِي سَفِينَةٍ إِلَى مَكَانٍ قَفْرٍ يَعْتَزِلُ فِيهِ. فَعَرَفَ الْجُمُوعُ ذٰلِكَ فَتَبِعُوهُ مِنَ الْمُدُنِ سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ" إِلَى أَنَّ يَسُوعَ عَلِمَ بِخَبَرِ اسْتِشْهَادِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ عَلَى يَدِ هِيرُودُسَ أَنْتِيبَاسَ، رَابِعِ الْجَلِيلِ وَابْنِ هِيرُودُسَ الْكَبِيرِ، وَبِالظَّنِّ الَّذِي انْتَابَ هِيرُودُسَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ يُوحَنَّا الَّذِي قَامَ مِنَ الْأَمْوَاتِ (مَتَّى 14: 1-2). وَلَا يَعْنِي هٰذَا الْخَبَرُ مُجَرَّدَ انْتِقَالِ مَعْلُومَةٍ إِلَى يَسُوعَ، بَلْ يُمَثِّلُ مَنْعَطَفًا فِي مَسِيرَتِهِ الْخَلَاصِيَّةِ، إِذْ أَصْبَحَ مَوْتُ يُوحَنَّا نَذِيرًا نَبَوِيًّا لِمَا سَيَنْتَظِرُهُ هُوَ أَيْضًا مِنَ الرَّفْضِ وَالآلَامِ وَالصَّلِيبِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ الْمَسِيحَ انْسَحَبَ، لَا خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ، بَلْ لِيُعَلِّمَنَا أَلَّا نُلْقِيَ بِأَنْفُسِنَا فِي الْمَخَاطِرِ قَبْلَ أَنْ يَحِينَ وَقْتُهَا" (PG 58: 500).
أَمَّا عِبَارَةُ "يَسُوعُ"، فَتُشِيرُ إِلَى الِاسْمِ الْعِبْرِيِّ יֵשׁוּעַ، وَهُوَ اخْتِصَارٌ لِاسْمِ יְהוֹשֻׁעַ، وَمَعْنَاهُ: ": «الرَّبُّ يُخَلِّصُ" أَوْ "اللهُ هُوَ الْخَلَاصُ". وَقَدْ أُمِرَ يُوسُفُ أَنْ يُسَمِّيَ الطِّفْلَ يَسُوعَ، "لِأَنَّهُ هُوَ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مَتَّى 1: 21)، كَمَا أَعْلَنَ الْمَلَاكُ لِلْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ (لُوقَا 1: 31). وَ"يَسُوعُ" هُوَ اسْمُهُ الشَّخْصِيُّ، أَمَّا "الْمَسِيحُ" فَهُوَ لَقَبُهُ الْمَسِيحَانِيُّ، أَيْ "الْمَمْسُوحُ"، الَّذِي يُعْلِنُ رِسَالَتَهُ الْخَلَاصِيَّةَ.
أَمَّا عِبَارَةُ "انْصَرَفَ"، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ἀνεχώρησεν ، وَهِيَ مِنَ الْفِعْلِ ἀναχωρέω، وَمَعْنَاهُ: انْسَحَبَ، أَوِ اعْتَزَلَ، أَوِ ابْتَعَدَ. وَيُسْتَعْمَلُ هٰذَا الْفِعْلُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى غَالِبًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى انْسِحَابٍ تَفْرِضُهُ ظُرُوفٌ خَطِرَةٌ دُونَ أَنْ يَكُونَ هَرَبًا مِنَ الْمُوَاجَهَةِ (مَتَّى 2: 12، 2: 14، 4: 12، 12: 15). فَلَمْ يَنْسَحِبِ الْمَسِيحُ خَوْفًا، بَلْ لِأَنَّ "سَاعَتَهُ" لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ (يُوحَنَّا 7: 30؛ 8: 20)، وَلِكَيْ لَا يَنْجَرَّ إِلَى حَرَكَةٍ سِيَاسِيَّةٍ تُثِيرُهَا جَرِيمَةُ هِيرُودُسَ، أَوْ إِلَى انْدِفَاعِ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوهُ مَلِكًا (يُوحَنَّا 6: 15). وَيُضِيفُ لُوقَا أَنَّ هٰذَا الِانْسِحَابَ كَانَ أَيْضًا فُرْصَةً لِيَسْتَرِيحَ الرُّسُلُ بَعْدَ عَوْدَتِهِمْ مِنْ رِحْلَتِهِمُ الرَّسُولِيَّةِ (لُوقَا 9: 10). وَقَدْ رَأَى الْقِدِّيسُ هِلَارِيُوسُ الْبُوَاتِيِيهُ فِي هٰذَا الِانْسِحَابِ بُعْدًا رَمْزِيًّا، إِذْ يَقُولُ: "إِنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَ رَفْضِهِ مِنْ قِبَلِ إِسْرَائِيلَ يَنْسَحِبُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ سَيَجِدُ الشُّعُوبُ الْعَطْشَى نِعْمَةَ الْخَلَاصِ" (PL 9: 1006).
أَمَّا عِبَارَةُ "مِنْ هُنَاكَ"، فَتُشِيرُ إِلَى الْمِنْطَقَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا يَسُوعُ فِي غَرْبِ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، وَرُبَّمَا فِي نَوَاحِي كَفْرَنَاحُومَ، الْوَاقِعَةِ ضِمْنَ نُفُوذِ هِيرُودُسَ أَنْتِيبَاسَ. وَكَانَ الِانْتِقَالُ إِلَى الضِّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ يَعْنِي الِابْتِعَادَ عَنْ مَرْكَزِ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَتَفَادِيَ أَيِّ مُوَاجَهَةٍ مُبَكِّرَةٍ مَعَهَا.
أَمَّا عِبَارَةُ "فِي سَفِينَةٍ إِلَى مَكَانٍ قَفْرٍ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ εἰς ἔρημον τόπον ، أَيْ: "إِلَى مَوْضِعٍ خَلَاءٍ". وَكَلِمَةُ ἔρημος لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ صَحْرَاءَ قَاحِلَةً، بَلْ مَكَانًا غَيْرَ مَأْهُولٍ، يَبْعُدُ عَنِ الضَّجِيجِ وَالِازْدِحَامِ. وَيُحَدِّدُ لُوقَا هٰذَا الْمَوْضِعَ فِي نَوَاحِي بَيْتِ صَيْدَا (لُوقَا 9: 10)، أَيْ عَلَى الضِّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ لِبُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. وَيُرَجِّحُ كَثِيرٌ مِنَ الْبَاحِثِينَ أَنَّ الْمَوْقِعَ يَقَعُ فِي السَّهْلِ الْمُمْتَدِّ شَرْقِيَّ الطَّابِغَةِ، قُرْبَ بَيْتِ صَيْدَا. وَمِنْذُ الْقُرُونِ الْوُسْطَى، ارْتَبَطَتْ مَنْطِقَةُ الطَّابِغَةِ بِتَقْلِيدِ تَكْثِيرِ الْخُبْزِ، وَعُرِفَتِ الصَّخْرَةُ الْقَرِيبَةُ مِنَ الشَّاطِئِ بِاسْمِ Mensa Christi "مَائِدَةُ الْمَسِيحِ"، ارْتِبَاطًا أَيْضًا بِظُهُورِ الرَّبِّ الْقَائِمِ لِتَلَامِيذِهِ عَلَى شَاطِئِ الْبُحَيْرَةِ (يُوحَنَّا 21: 9-13). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ ايرونيموس عَلَى "الْمَكَانِ الْقَفْرِ" بِأَنَّهُ يَرْمُزُ إِلَى الْعُزْلَةِ الَّتِي يُهَيِّئُ اللهُ فِيهَا الْقَلْبَ لِسَمَاعِ كَلِمَتِهِ وَقَبُولِ نِعْمَتِهِ (، PL 26: 102).
أَمَّا عِبَارَةُ "يَعْتَزِلُ فِيهِ"، فَتُبَيِّنُ أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ لِلصَّلَاةِ وَالسُّكُونِ، وَلِمُنَاجَاةِ الآبِ، وَلِإِرَاحَةِ تَلَامِيذِهِ بَعْدَ جُهُودِهِمُ الرَّسُولِيَّةِ. فَالْخِدْمَةُ الْمُثْمِرَةُ لَا تَقُومُ عَلَى النَّشَاطِ الدَّائِمِ وَحْدَهُ، بَلْ تَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى أَوْقَاتِ صَمْتٍ وَصَلَاةٍ وَمُرَاجَعَةٍ لِلذَّاتِ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ الرَّسُولِيُّ: "إِنَّ الِابْتِعَادَ عَنْ صَخَبِ الْعَالَمِ يُقَرِّبُ الإِنْسَانَ مِنَ اللهِ، وَيَجْعَلُهُ يَتَمَتَّعُ بِصَدَاقَتِهِ" (PG 26: 1437). فَالِاخْتِلَاءُ مَعَ اللهِ لَيْسَ هُرُوبًا مِنَ الْوَاقِعِ، بَلْ تَجَدُّدًا لِلْقُوَّةِ الرُّوحِيَّةِ وَتَصْحِيحًا لِمَسِيرَةِ الْخِدْمَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَعَرَفَ الْجُمُوعُ ذٰلِكَ فَتَبِعُوهُ"، فَتُظْهِرُ تَعَلُّقَ النَّاسِ بِيَسُوعَ وَرَغْبَتَهُمْ فِي الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْ شِفَائِهِ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَنْتَظِرُ مَسِيحًا ذَا طَابِعٍ سِيَاسِيٍّ، فَإِنَّ الْكَثِيرِينَ كَانُوا أَيْضًا يَبْحَثُونَ عَنْ الرَّجَاءِ وَالْحَيَاةِ الَّتِي وَجَدُوهَا فِي شَخْصِهِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: "لَمْ يَمْنَعْهُ بَحْثُهُ عَنِ الْعُزْلَةِ مِنْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ مَنْ جَاءُوا إِلَيْهِ، لِأَنَّ الرَّاعِيَ الصَّالِحَ يَجِدُ رَاحَتَهُ فِي خِدْمَةِ خِرَافِهِ" (PL 38: 490).
أَمَّا عِبَارَةُ "سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ"، فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْجُمُوعَ سَارَتْ عَلَى طُولِ شَاطِئِ الْبُحَيْرَةِ، بَيْنَمَا كَانَ يَسُوعُ وَتَلَامِيذُهُ يَعْبُرُونَ بِالسَّفِينَةِ. وَيُفَسِّرُ مَرْقُسُ هٰذَا الْمَشْهَدَ بِأَنَّ الْكَثِيرِينَ "رَأَوْهُمْ مُنْطَلِقِينَ... فَسَبَقُوهُمْ" (مَرْقُس 6: 33)، وَرُبَّمَا سَاعَدَ هُدُوءُ الْبُحَيْرَةِ وَبُطْءُ السَّفِينَةِ عَلَى وُصُولِ الْجُمُوعِ قَبْلَهُ. وَيُظْهِرُ هٰذَا الْمَنْظَرُ شَوْقَ الْجُمُوعِ إِلَى الْمَسِيحِ، وَاسْتِعْدَادَهُمْ لِتَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الطَّرِيقِ مِنْ أَجْلِ اللِّقَاءِ بِهِ؛ وَهُوَ شَوْقٌ سَيُكَافِئُهُ الرَّبُّ لَا بِالتَّعْلِيمِ وَالشِّفَاءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا بِالْخُبْزِ الَّذِي سَيُشْبِعُ الْجُمُوعَ، وَيُشِيرُ إِلَى الْخُبْزِ الْحَيِّ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ.
14. "فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الْبَرِّ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا، فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، فَشَفَى مَرْضَاهُمْ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الْبَرِّ" إِلَى خُرُوجِ يَسُوعَ مِنَ السَّفِينَةِ وَوُصُولِهِ إِلَى الْمَكَانِ الْقَفْرِ الَّذِي قَصَدَهُ مَعَ تَلَامِيذِهِ. وَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ Καὶ ἐξελθὼν، أَيْ: "وَلَمَّا خَرَجَ". وَمَعَ أَنَّ يَسُوعَ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ لِلْعُزْلَةِ وَالصَّلَاةِ وَالرَّاحَةِ، فَإِنَّهُ، عِنْدَمَا وَجَدَ الْجُمُوعَ فِي انْتِظَارِهِ، لَمْ يَرُدَّهُمْ وَلَمْ يَعُدَّ حُضُورَهُمْ إِزْعَاجًا لِرَاحَتِهِ، بَلْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ وَاسْتَقْبَلَهُمْ بِالرَّحْمَةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ ايرونيموس عَلَى هٰذَا الْمَشْهَدِ بِأَنَّ الْجُمُوعَ كَانَتْ تَمْلِكُ الرَّغْبَةَ فِي بُلُوغِ الْمَسِيحِ، وَلٰكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ الْقُوَّةَ الْكَامِلَةَ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ الْمُخَلِّصُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَذَهَبَ لِلِقَائِهَا. فَالنِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ لَا تَنْتَظِرُ الْإِنْسَانَ فَحَسْبُ، بَلْ تَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ وَتَلْتَقِي بِهِ فِي ضَعْفِهِ (2؛ PL 26). ويؤكِّد التقليد الآبائي أن خروج المسيح إلى الجموع يُظهر مبادرة نعمته، إذ يذهب لملاقاة الذين يبحثون عنه، ولو كانت معرفتهم به ما تزال ناقصة.
أَمَّا عِبَارَةُ "رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ εἶδε πολὺν ὄχλον ، أَيْ: "رَأَى جَمْعًا غَفِيرًا". وَكَانَ هٰؤُلَاءِ قَدْ تَبِعُوهُ مِنْ مُدُنِ الْجَلِيلِ وَقُرَاهُ، سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ، بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا الْجِهَةَ الَّتِي قَصَدَهَا. وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمْ أَيْضًا بَعْضُ الْحُجَّاجِ الْمُتَوَجِّهِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِذْ يَذْكُرُ يُوحَنَّا أَنَّ "الْفِصْحَ، عِيدَ الْيَهُودِ، كَانَ قَرِيبًا" (يُوحَنَّا 6: 4).
وَلَا تَدُلُّ عِبَارَةُ "رَأَى" عَلَى نَظْرَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ عَلَى نَظْرَةٍ تَنْفُذُ إِلَى حَالَةِ الْإِنْسَانِ وَحَاجَتِهِ. فَقَدْ رَأَى يَسُوعُ فِي الْجُمْهُورِ أَشْخَاصًا مُتْعَبِينَ وَمَرْضَى وَجِيَاعًا، يَبْحَثُونَ عَنْ رَاعٍ وَطَبِيبٍ وَمُعَلِّمٍ. إِنَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ كَجَمَاعَةٍ مَجْهُولَةٍ، بَلْ يَرَى حَاجَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيُدْرِكُ جُوعَ الْجَسَدِ وَعَطَشَ الرُّوحِ.
أمَّا عِبَارَةُ: "فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ"، فَتَرِدُ فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ : ἐσπλαγχνίσθη ἐπ᾽ αὐτοῖς، وَالْفِعْلُ σπλαγχνίζομαι مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ σπλάγχνα، الَّذِي يَعْنِي حَرْفِيًّا "«الأَحْشَاءَ" أَوِ "الأَعْمَاقَ الدَّاخِلِيَّةَ". وَفِي الْفِكْرِ الْكِتَابِيِّ، كَانَتِ الأَحْشَاءُ تُعَدُّ مَقَرَّ أَعْمَقِ الْمَشَاعِرِ وَالرَّحْمَةِ، حَيْثُ يَلْتَقِي الإِدْرَاكُ الْعَقْلِيُّ بِالِاسْتِجَابَةِ الْقَلْبِيَّةِ، فَتَنْتَقِلُ الرُّؤْيَةُ الثَّاقِبَةُ إِلَى حَرَكَةٍ بَاطِنِيَّةٍ تَهُزُّ الْكِيَانَ كُلَّهُ. وَهٰذَا هُوَ الْبُعْدُ اللَّاهُوتِيُّ الَّذِي يُرِيدُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ أَنْ يُبْرِزَهُ. وَمِنْ ثَمَّ، يَدُلُّ الْفِعْلُ ἐσπλαγχνίσθη عَلَى أَنَّ أَحْشَاءَ يَسُوعَ قَدِ اضْطَرَمَتْ رَحْمَةً وَحَنَانًا. فَالشَّفَقَةُ هُنَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ عَابِرَةٍ، وَلَا انْفِعَالًا وَقْتِيًّا أَمَامَ بُؤْسِ الْجُمُوعِ، بَلْ هِيَ رَحْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تَنْبَعُ مِنْ صَمِيمِ شَخْصِ الْمَسِيحِ، وَتَتَحَوَّلُ فَوْرًا إِلَى عَمَلٍ خَلَاصِيٍّ. فَرَحْمَةُ الْمَسِيحِ دَائِمًا رَحْمَةٌ تَرَى الْحَاجَةَ، وَتَتَأَلَّمُ مَعَ الْمُتَأَلِّمِ، وَتَقْتَرِبُ مِنْهُ، وَتَشْفِيهِ، وَتُشْبِعُهُ، وَتُعِيدُ إِلَيْهِ كَرَامَتَهُ وَحَيَاتَهُ. وَيَسْتَحْضِرُ هٰذَا التَّعْبِيرُ لُغَةَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ الَّتِي تُصَوِّرُ رَحْمَةَ اللهِ نَحْوَ شَعْبِهِ، كَمَا يَرِدُ فِي الْمَزْمُورِ: "ذَكَرَ لَهُمْ عَهْدَهُ، وَنَدِمَ عَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ رَحْمَتِهِ" (مزمور 106: 45). وَبِهٰذَا يَكْشِفُ مَتَّى أَنَّ شَفَقَةَ يَسُوعَ لَيْسَتْ صِفَةً إِنْسَانِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ إِعْلَانٌ مَنْظُورٌ لِقَلْبِ اللهِ نَفْسِهِ، إِذْ إِنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي وَعَدَ اللهُ بِهَا شَعْبَهُ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ تَصِيرُ فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ حُضُورًا مَلْمُوسًا وَعَمَلًا خَلَاصِيًّا فَعَّالًا.
وَيَذْكُرُ مَرْقُسُ السَّبَبَ الرُّوحِيَّ لِهٰذِهِ الشَّفَقَةِ، فَيَقُولُ إِنَّ يَسُوعَ "رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا كَخِرَافٍ لَا رَاعِيَ لَهَا، وَأَخَذَ يُعَلِّمُهُمْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً" (مَرْقُس 6: 34). وَتُحِيلُ صُورَةُ: الْخِرَافِ الَّتِي لَا رَاعِيَ لَهَا" إِلَى مَا طَلَبَهُ مُوسَى مِنَ الرَّبِّ، قَائِلًا: "لِئَلَّا تَكُونَ جَمَاعَةُ الرَّبِّ كَالْغَنَمِ الَّتِي لَا رَاعِيَ لَهَا" (عَدَد 27: 17).
كَمَا تُحِيلُ هٰذِهِ الصُّورَةُ إِلَى تَنْدِيدِ الْأَنْبِيَاءِ بِالرُّعَاةِ الَّذِينَ أَهْمَلُوا شَعْبَ اللهِ وَبَدَّدُوا قَطِيعَهُ (إِرْمِيَا 23: 1-4؛ حِزْقِيَال 34: 1-10). وَإِذْ يَشْفَقُ يَسُوعُ عَلَى الْجُمُوعِ وَيُعَلِّمُهُمْ وَيَشْفِيهِمْ وَيُطْعِمُهُمْ، يَظْهَرُ بَوْصْفِهِ الرَّاعِيَ الصَّالِحَ الَّذِي وَعَدَ اللهُ بِإِقَامَتِهِ: "وَأُقِيمُ عَلَيْهَا رَاعِيًا وَاحِدًا فَيَرْعَاهَا، عَبْدِي دَاوُدَ" (حِزْقِيَال 34: 23).
وَلَا يَكُونُ يَسُوعُ رَاعِيًا عَلَى مِثَالِ مُوسَى وَدَاوُدَ فَقَطْ، بَلْ يَقُومُ بِعَمَلِ اللهِ نَفْسِهِ، الَّذِي أَخْرَجَ شَعْبَهُ وَقَادَهُ فِي الْبَرِّيَّةِ: "وَسَاقَ شَعْبَهُ كَالْغَنَمِ، وَقَادَهُمْ كَقَطِيعٍ فِي الْبَرِّيَّةِ" (مَزْمُور 78: 52). وَسَيُطْعِمُ الْجُمُوعَ فِي الْقَفْرِ، كَمَا أَطْعَمَ اللهُ إِسْرَائِيلَ الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ، لِيُعْلِنَ أَنَّ زَمَنَ الْخَلَاصِ قَدْ حَضَرَ فِي شَخْصِهِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى رَحْمَةِ الْمَسِيحِ قَائِلًا إِنَّ الْجُمُوعَ نَالَتْ مُكَافَأَةَ حَمَاسِهَا فِي السَّعْيِ وَرَاءَهُ، وَلٰكِنَّ مَا صَنَعَهُ الْمَسِيحُ فَاقَ كُلَّ مَا كَانَتْ تَسْتَحِقُّهُ جُهُودُهَا؛ فَقَدْ جَعَلَ شَفَقَتَهُ سَبَبًا لِلشِّفَاءِ، وَشَفَى الْمَرْضَى دُونَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِعْلَانًا مُسْبَقًا عَنْ إِيمَانِهِ (PG 58: 500).
أَمَّا عِبَارَةُ "فَشَفَى مَرْضَاهُمْ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ καὶ ἐθεράπευσεν τοὺς ἀρρώστους αὐτῶν، أَيْ: "وَشَفَى ضُعَفَاءَهُمْ أَوْ مَرْضَاهُمْ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ ἄρρωστος عَلَى الْإِنْسَانِ الْوَاهِنِ أَوِ الْعَاجِزِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ. وَيُظْهِرُ ضَمِيرُ الْمِلْكِيَّةِ فِي عِبَارَةِ "مَرْضَاهُمْ" أَنَّ الْجُمُوعَ لَمْ تَأْتِ وَحْدَهَا، بَلْ حَمَلَتْ مَعَهَا ضُعَفَاءَهَا وَمَرْضَاهَا، وَقَدَّمَتْهُمْ إِلَى يَسُوعَ. وَيَرَى الْقِدِّيسُ هِلَارِيُوسُ الْبُوَاتِيِيهُ فِي شِفَاءِ الْجُمُوعِ إِشَارَةً إِلَى عَمَلِ الْمَسِيحِ الرُّوحِيِّ، إِذْ يُنَقِّي الْعُقُولَ الْمُعَطَّلَةَ وَالْقُلُوبَ غَيْرَ الْمُؤْمِنَةِ، لِيَجْعَلَهَا قَادِرَةً عَلَى قَبُولِ الْبِشَارَةِ الْجَدِيدَةِ (PL 9). فَالْجَمْعُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى طَعَامٍ لِلْجَسَدِ فَقَطْ، بَلْ إِلَى شِفَاءِ الذِّهْنِ وَالْقَلْبِ، لِيَتَعَرَّفَ إِلَى الْمَسِيحِ وَيَدْخُلَ فِي سِرِّ مَلَكُوتِهِ. ويعرض التفسير الآبائي شفاء الأمراض الجسدية علامةً على تطهير القلب من العوائق التي تمنعه من فهم البشارة. وَيَكْشِفُ الشِّفَاءُ الْجَسَدِيُّ عَنْ قُرْبِ مَلَكُوتِ اللهِ، كَمَا أَنَّهُ عَلامَةٌ عَلَى الشِّفَاءِ الْأَعْمَقِ الَّذِي يَقَدِّمُهُ الْمَسِيحُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْخَطِيئَةِ وَالِانْقِسَامِ وَالْمَوْتِ. وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ كُلَّ مَرَضٍ جَسَدِيٍّ نَاتِجٌ مُبَاشَرَةً مِنْ خَطِيئَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ إِنَّ مُعْجِزَاتِ الشِّفَاءِ تُعْلِنُ أَنَّ الْخَلَاصَ الَّذِي يَحْمِلُهُ يَسُوعُ يَمَسُّ الْإِنْسَانَ كُلَّهُ، جَسَدًا وَنَفْسًا وَرُوحًا.
وَيَسْبِقُ شِفَاءُ الْمَرْضَى تَكْثِيرَ الْخُبْزِ، فَيَظْهَرُ يَسُوعُ طَبِيبًا وَرَاعِيًا وَمُعِيلًا. فَهُوَ يُعِيدُ إِلَى الْإِنْسَانِ قُوَّتَهُ، ثُمَّ يُجْلِسُهُ إِلَى مَائِدَتِهِ. وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى، يَرَى الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي تَرْتِيبِ الشِّفَاءِ وَالْوَلِيمَةِ صُورَةً لِعَمَلِ الْخَلَاصِ: فَالْمَسِيحُ يَمْنَحُ أَوَّلًا غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَدَوَاءَ الْجِرَاحِ، ثُمَّ يُهَيِّئُ الْإِنْسَانَ لِلْوَلِيمَةِ السَّمَاوِيَّةِ (Expositio Evangelii secundum Lucam، VI). وَيَحْمِلُ هٰذَا التَّرْتِيبُ دَلَالَةً إِفْخَارِسْتِيَّةً؛ فَالْمَسِيحُ يَشْفِي الْإِنْسَانَ وَيُجَدِّدُهُ، ثُمَّ يَدْعُوهُ إِلَى مَائِدَةِ الْخُبْزِ الَّذِي يُعْطِي الْحَيَاةَ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَصِلُ إِلَى الْمَائِدَةِ بِكَمَالِهِ الذَّاتِيِّ، بَلْ إِنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ هُوَ الَّذِي يَشْفِيهِ، وَيُطَهِّرُهُ، وَيُؤَهِّلُهُ لِقَبُولِ عَطِيَّتِهِ.
وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الْآيَةُ، إِذًا، عَنْ ثَلَاثِ حَرَكَاتٍ مُتَرَابِطَةٍ فِي قَلْبِ يَسُوعَ: رَأَى، وَأَشْفَقَ، وَشَفَى. فَالنَّظَرُ الْحَقِيقِيُّ إِلَى مُعَانَاةِ الْإِنْسَانِ يَقُودُ إِلَى الرَّحْمَةِ، وَالرَّحْمَةُ الصَّادِقَةُ تَتَحَوَّلُ إِلَى عَمَلٍ. وَهُنَا يَكْمُنُ التَّحَدِّي الرَّعَوِيُّ: هَلْ نَرَى الْمُتْعَبِينَ وَالْمَرْضَى وَالْجِيَاعَ حَوْلَنَا بِنَظْرَةِ الْمَسِيحِ؟ وَهَلْ تَدْفَعُنَا الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ إِلَى خِدْمَتِهِمْ وَقِيَادَتِهِمْ إِلَى الْمَسِيحِ، رَاعِي النُّفُوسِ وَطَبِيبِ الْأَجْسَادِ وَالْقُلُوبِ؟
15 "وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، دَنَا إِلَيْهِ تَلَامِيذُهُ وَقَالُوا لَهُ: الْمَكَانُ قَفْرٌ، وَقَدْ فَاتَ الْوَقْتُ، فَاصْرِفِ الْجُمُوعَ لِيَذْهَبُوا إِلَى الْقُرَى فَيَشْتَرُوا لَهُمْ طَعَامًا"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ"، وَفِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ὀψίας δὲ γενομένης ، إِلَى اقْتِرَابِ نِهَايَةِ النَّهَارِ وَبَدْءِ انْحِدَارِ الشَّمْسِ نَحْوَ الْغُرُوبِ. وَقَدْ كَانَ الْيَهُودُ يُمَيِّزُونَ أَحْيَانًا بَيْنَ وَقْتٍ يَبْدَأُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَيَمْتَدُّ إِلَى اقْتِرَابِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَوَقْتٍ آخَرَ يَأْتِي بَعْدَ غُرُوبِهَا. وَيَرِدُ فِي شَرِيعَةِ الْفِصْحِ التَّعْبِيرُ الْعِبْرِيُّ בֵּין הָעַרְבַּיִם، أَيْ: "بَيْنَ الْمَسَاءَيْنِ" أي الغروبين (خُرُوج 12: 6؛ لَاوِيِّين 23: 5؛ عَدَد 9: 3، 5، 11).
وَيَبْدُو أَنَّ "الْمَسَاءَ" الْمَذْكُورَ فِي هٰذِهِ الآيَةِ يُشِيرُ إِلَى السَّاعَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنَ النَّهَارِ، قَبْلَ حُلُولِ الظَّلَامِ الْكَامِلِ؛ لِأَنَّ الْجُمُوعَ مَا زَالَتْ قَادِرَةً، مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأُ، عَلَى الذَّهَابِ إِلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لِشِرَاءِ الطَّعَامِ. أَمَّا ذِكْرُ الْمَسَاءِ بَعْدَ صَرْفِ الْجُمُوعِ فِي قَوْلِ مَتَّى: "وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ" (مَتَّى 14: 23)، فَيُشِيرُ إِلَى وَقْتٍ أَكْثَرَ تَقَدُّمًا، بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَلَا يَحْمِلُ ذِكْرُ الْمَسَاءِ دَلَالَةً زَمَنِيَّةً فَقَطْ، بَلْ يُهَيِّئُ أَيْضًا لِمَشْهَدِ وَلِيمَةٍ يَجْمَعُ فِيهَا يَسُوعُ شَعْبَهُ فِي الْبَرِّيَّةِ. فَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يَقْتَرِبُ فِيهِ النَّهَارُ مِنْ نِهَايَتِهِ، وَتَظْهَرُ فِيهِ مَحْدُودِيَّةُ الْوَسَائِلِ الْبَشَرِيَّةِ، يَسْتَعِدُّ الْمَسِيحُ لِإِظْهَارِ وَفْرَةِ عَطَائِهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "دَنَا إِلَيْهِ تَلَامِيذُهُ، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ προσῆλθον αὐτῷ οἱ μαθηταί، أَيْ: "تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلَامِيذُ". وَيُسَمِّيهِمْ لُوقَا فِي النَّصِّ الْمُوَازِي "الِاثْنَيْ عَشَرَ" (لُوقَا 9: 12)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا هُمْ الرُّسُلُ الَّذِينَ اختَارَهُمُ الرَّبُّ وَأَرْسَلَهُمْ لِلتَّبْشِيرِ بِالْمَلَكُوتِ. وَيُظْهِرُ اقْتِرَابُ التَّلَامِيذِ مِنْ يَسُوعَ أَنَّهُمْ انْتَبَهُوا إِلَى الْمُشْكِلَةِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْجُمُوعَ. فَهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَدِيمِي الْمُبَالَاةِ بِحَاجَةِ النَّاسِ، بَلْ رَأَوْا اقْتِرَابَ اللَّيْلِ، وَبُعْدَ الْمَكَانِ، وَعَدَمَ وُجُودِ الطَّعَامِ. غَيْرَ أَنَّ نَظَرَتَهُمْ ظَلَّتْ مَحْصُورَةً فِي حُدُودِ الْحِسَابَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، فَرَأَوْا الْحَاجَةَ، وَلَمْ يَرَوْا بَعْدُ مَا يَسْتَطِيعُ الْمَسِيحُ أَنْ يَصْنَعَهُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "الْمَكَانُ قَفْرٌ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ ἔρημός ἐστιν ὁ τόπος، أَيْ: "الْمَوْضِعُ خَالٍ أَوْ غَيْرُ مَأْهُولٍ". وَلَا يُقْصَدُ بِذٰلِكَ أَنَّهُ صَحْرَاءُ قَاحِلَةٌ، بَلْ إِنَّهُ مَكَانٌ بَعِيدٌ عَنِ التَّجَمُّعَاتِ السُّكَّانِيَّةِ، لَا أَسْوَاقَ فِيهِ وَلَا وَسَائِلَ مُتَاحَةً لِتَأْمِينِ الطَّعَامِ لِهٰذَا الْعَدَدِ الْكَبِيرِ. وَتَكْتَسِبُ صُورَةُ الْمَكَانِ الْقَفْرِ مَعْنًى كِتَابِيًّا عَمِيقًا؛ فَالْبَرِّيَّةُ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ هَشَاشَةُ الْإِنْسَانِ وَعَجْزُهُ، وَلٰكِنَّهَا أَيْضًا الْمَكَانُ الَّذِي يُظْهِرُ فِيهِ اللهُ عِنَايَتَهُ. فَكَمَا أَطْعَمَ اللهُ إِسْرَائِيلَ الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ (خُرُوج 16: 4-15)، سَيُطْعِمُ يَسُوعُ الْجُمُوعَ فِي الْمَكَانِ الْقَفْرِ، كَاشِفًا أَنَّ الْعِنَايَةَ الإِلَهِيَّةَ تَعْمَلُ فِيهِ وَبِوَاسِطَتِهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَقَدْ فَاتَ الْوَقْتُ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ καὶ ἡ ὥρα ἤδη παρῆλθεν ، وَمَعْنَاهَا: "وَقَدْ مَضَتِ السَّاعَةُ" أَوْ "تَأَخَّرَ الْوَقْتُ". وَيُرِيدُ التَّلَامِيذُ الْقَوْلَ إِنَّ الْوَقْتَ الْمُتَبَقِّيَ مِنَ النَّهَارِ قَدْ لَا يَكْفِي لِوُصُولِ الْجُمُوعِ إِلَى الْقُرَى وَشِرَاءِ الطَّعَامِ قَبْلَ حُلُولِ الظَّلَامِ. وَيَنْظُرُ التَّلَامِيذُ إِلَى الزَّمَنِ بِوَصْفِهِ عَائِقًا: فَالْمَكَانُ قَفْرٌ، وَالْوَقْتُ مُتَأَخِّرٌ، وَالْجَمْعُ كَبِيرٌ، وَالطَّعَامُ غَيْرُ مُتَوَافِرٍ. أَمَّا يَسُوعُ فَسَيَجْعَلُ مِنْ هٰذِهِ الظُّرُوفِ نَفْسِهَا مَجَالًا لِإِظْهَارِ قُدْرَةِ اللهِ. فَحَيْثُ يَرَى الإِنْسَانُ تَأَخُّرًا وَنُقْصَانًا، يَرَى الْمَسِيحُ سَاعَةً لِلرَّحْمَةِ وَالْعَطَاءِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَاصْرِفِ الْجُمُوعَ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ ἀπόλυσον τοὺς ὄχλους ، أَيْ: "أَطْلِقِ الْجُمُوعَ أَوِ اصْرِفْهَا". وَيَقْتَرِحُ التَّلَامِيذُ أَنْ يُنْهِيَ يَسُوعُ لِقَاءَهُ بِالنَّاسِ، لِيَتَحَمَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَسْؤُولِيَّةَ تَدْبِيرِ طَعَامِهِ. وَلَا يَنْطَلِقُ اقْتِرَاحُ التَّلَامِيذِ مِنْ قَسْوَةٍ مُتَعَمَّدَةٍ، بَلْ مِنْ تَقْدِيرٍ وَاقِعِيٍّ لِلظُّرُوفِ، وَمِنْ قَلَقٍ عَلَى الْجُمُوعِ. فَهُمْ يُدْرِكُونَ أَنَّ إِطْعَامَ آلَافِ النَّاسِ يَحْتَاجُ إِلَى مَالٍ كَثِيرٍ وَإِمْكَانَاتٍ لَا يَمْلِكُونَهَا. وَيَقُولُونَ فِي الرِّوَايَةِ الْيُوحَنَّاوِيَّةِ إِنَّ خُبْزًا بِمِئَتَيْ دِينَارٍ لَا يَكْفِي لِيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ شَيْئًا يَسِيرًا (يُوحَنَّا 6: 7). غَيْرَ أَنَّ حَلَّ التَّلَامِيذِ يَقُومُ عَلَى إِبْعَادِ الْحَاجَةِ بَدَلًا مِنْ مُوَاجَهَتِهَا: فَلْيَنْصَرِفِ الْجَمْعُ، وَلْيَذْهَبْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي سَبِيلِهِ، وَلْيُدَبِّرْ أَمْرَهُ بِنَفْسِهِ. فَقَدْ رَأَوْا أَنَّ حَاجَةَ الْجُمُوعِ تَتَجَاوَزُ إِمْكَانَاتِهِمْ، فَفَضَّلُوا صَرْفَهَا عَلَى أَنْ يَحْمِلُوا مَسْؤُولِيَّتَهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَفْكِيرُهُمْ خَاطِئًا مِنْ جِهَةِ الْحِكْمَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ مُنسَجِمًا مَعَ فِكْرِ الْمَسِيحِ. فَيَسُوعُ لَا يَنْطَلِقُ مِنْ حِسَابِ الْمَوَارِدِ فَقَطْ، بَلْ مِنِ اتِّحَادِهِ بِالآبِ، وَمِنْ شَفَقَتِهِ عَلَى الْجُمُوعِ، وَمِنْ ثِقَتِهِ بِوَفْرَةِ الْعَطَاءِ الإِلَهِيِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَوْقِفِهِ وَمَوْقِفِ التَّلَامِيذِ هُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: "لِيَذْهَبُوا"، أَمَّا هُوَ فَسَيَقُولُ: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا" (مَتَّى 14: 16).
أَمَّا عِبَارَةُ "لِيَذْهَبُوا إِلَى الْقُرَى فَيَشْتَرُوا لَهُمْ طَعَامًا"، فَتُظْهِرُ أَنَّ التَّلَامِيذَ يَعْرِفُونَ نِظَامًا وَاحِدًا لِتَأْمِينِ الطَّعَامِ، وَهُوَ الشِّرَاءُ. فَالطَّعَامُ، فِي حِسَابِهِمْ، سِلْعَةٌ تُشْتَرَى بِالْمَالِ، وَمَنْ لَا يَمْلِكُهُ يَبْقَ جَائِعًا. أَمَّا الْمَسِيحُ فَسَيَكْشِفُ مَنْطِقًا آخَرَ، هُوَ مَنْطِقُ النِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ وَالْمُشَارَكَةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ عَلَى مَوْقِفِ الرُّسُلِ قَائِلًا: "لَمْ يَكُنِ الرُّسُلُ قَدْ فَهِمُوا بَعْدُ أَنَّ غِذَاءَ الشَّعْبِ الْمُؤْمِنِ لَيْسَ مَعْرُوضًا لِلْبَيْعِ. أَمَّا الْمَسِيحُ فَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ يَنْبَغِي أَنْ نُفْتَدَى، وَأَنَّهُ يَهَبُ وَلِيمَتَهُ مَجَّانًا" (74؛ PL 15). وَيُبْرِزُ تَفْسِيرُ أَمْبْرُوسِيُوسَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَنْطِقِ السُّوقِ وَمَنْطِقِ الْإِنْجِيلِ: فَالتَّلَامِيذُ يَقْتَرِحُونَ أَنْ يَشْتَرِيَ النَّاسُ الطَّعَامَ، أَمَّا يَسُوعُ فَيُقَدِّمُهُ عَطِيَّةً مَجَّانِيَّةً. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَادِّيَّ لَا تَكْلُفَةَ لَهُ، بَلْ أَنَّ الْخَلَاصَ وَغِذَاءَ النِّعْمَةِ لَا يُشْتَرَيَانِ بِالْمَالِ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الَّذِي دَفَعَ ثَمَنَ فِدَائِنَا، وَدَعَانَا إِلَى مَائِدَتِهِ مَجَّانًا: "أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا، هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا" (إِشَعْيَاء 55: 1). وَتُهَيِّئُ هٰذِهِ الْآيَةُ التَّلَامِيذَ لِدَرْسٍ رَسُولِيٍّ أَسَاسِيٍّ: لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَكْتَفُوا بِمُلَاحَظَةِ حَاجَاتِ النَّاسِ، أَوْ بِإِحَالَتِهَا إِلَى غَيْرِهِمْ، بَلْ سَيَدْعُوهُمُ الْمَسِيحُ إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّتِهَا. وَمَعَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الْقُدْرَةَ عَلَى إِشْبَاعِ الْجُمُوعِ مِنْ ذَوَاتِهِمْ، فَإِنَّ مَا يَمْلِكُونَهُ سَيُصْبِحُ كَافِيًا عِنْدَمَا يَضَعُونَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَسِيحِ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ عَنْ تَجْرِبَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ دَائِمَةٍ: أَنْ نَعُدَّ حَاجَةَ الآخَرِ شَأْنًا لَا يَخُصُّنَا، وَأَنْ نَقُولَ فِي دَاخِلِنَا: لِيَذْهَبْ وَيُدَبِّرْ أَمْرَهُ بِنَفْسِهِ. أَمَّا الْمَسِيحُ فَيَرْفُضُ هٰذَا الِانْفِصَالَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَيُعَلِّمُنَا أَنَّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ مَائِدَتِهِ يَصِيرُ مَسْؤُولًا عَنْ جُوعِ إِخْوَتِهِ.
وَهٰكَذَا تَضَعُ الآيَةُ أَمَامَنَا مَنْطِقَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ: مَنْطِقَ الصَّرْفِ وَمَنْطِقَ الِاسْتِقْبَالِ؛ مَنْطِقَ الشِّرَاءِ وَمَنْطِقَ الْعَطِيَّةِ؛ مَنْطِقَ الِاكْتِفَاءِ بِتَشْخِيصِ الْمُشْكِلَةِ وَمَنْطِقَ تَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ. وَسَيَقُودُ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ مِنَ الْمَنْطِقِ الْأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي، لِيُعِدَّهُمْ لِرِسَالَتِهِمُ الْكَنَسِيَّةِ: أَنْ يَجْمَعُوا، لَا أَنْ يَصْرِفُوا؛ وَأَنْ يُطْعِمُوا، لَا أَنْ يَتَنَصَّلُوا؛ وَأَنْ يَثِقُوا بِوَفْرَةِ نِعْمَةِ اللهِ، لَا بِمَحْدُودِيَّةِ إِمْكَانَاتِهِمْ.
16" فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى الذَّهَابِ. أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى الذَّهَابِ" إِلَى رَفْضِ يَسُوعَ اقْتِرَاحَ التَّلَامِيذِ بِصَرْفِ الْجُمُوعِ. فَالْمَسِيحُ لَا يُرِيدُ لِلنَّاسِ أَنْ يَعُودُوا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْ إِلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ وَهُمْ جِيَاعٌ وَمُتْعَبُونَ، لِأَنَّ السَّيْرَ فِي الْمَكَانِ الْقَفْرِ وَقَدِ اقْتَرَبَ اللَّيْلُ كَانَ سَيَزِيدُ مَشَقَّتَهُمْ. وَتَرِدُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: οὐ χρείαν ἔχουσιν ἀπελθεῖν، أَيْ: "لَيْسَتْ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى أَنْ يَذْهَبُوا". وَتُظْهِرُ صِيغَةُ النَّفْيِ الْحَاسِمَةُ أَنَّ يَسُوعَ يَرْفُضُ مَنْطِقَ إِبْعَادِ الْجُمُوعِ، وَيَسْتَبْدِلُ بِهِ مَنْطِقَ الِاسْتِقْبَالِ وَالْعِنَايَةِ وَتَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ. فَبَيْنَمَا رَأَى التَّلَامِيذُ أَنَّ الْحَلَّ يَكْمُنُ فِي ذَهَابِ النَّاسِ، رَأَى يَسُوعُ أَنَّ الْجُمُوعَ يَنْبَغِي أَنْ تَبْقَى حَوْلَهُ، لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَحْضُرُ فِيهِ الْمَسِيحُ لَا يَبْقَى مَكَانَ عَوَزٍ، بَلْ يَصِيرُ مَكَانَ شَبَعٍ وَنِعْمَةٍ. وَالْبَرِّيَّةُ الَّتِي لَا مَوَارِدَ فِيهَا تَتَحَوَّلُ بِحُضُورِهِ إِلَى مَائِدَةٍ لِشَعْبِ اللهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: δότε αὐτοῖς ὑμεῖς φαγεῖν، وَمَعْنَاهَا الْحَرْفِيُّ: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا". وَيَرِدُ الضَّمِيرُ ὑμεῖς أَيْ "أَنْتُمْ"، بِصِيغَةٍ تَأْكِيدِيَّةٍ، لِيُبْرِزَ مَسْؤُولِيَّةَ التَّلَامِيذِ الشَّخْصِيَّةَ: فَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكْتَفُوا بِتَشْخِيصِ الْمُشْكِلَةِ أَوْ بِصَرْفِ الْجُمُوعِ، بَلْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي خِدْمَتِهَا. يَرَى يَسُوعُ الأُمُورَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ رُؤْيَةِ الإِنْسَانِ؛ فَلَا يَبْدَأُ مِمَّا نَفْتَقِدُهُ، بَلْ مِمَّا نَمْلِكُهُ، وَلَا يَقِيسُ الإِمْكَانَاتِ بِالْمَعَايِيرِ الْبَشَرِيَّةِ، بَلْ بِقُدْرَةِ اللهِ الَّتِي تُحَوِّلُ الْقَلِيلَ إِلَى بَرَكَةٍ لِلْجَمِيعِ. وَلَا يَطْلُبُ يَسُوعُ مِنَ التَّلَامِيذِ مَا لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِقُوَّتِهِ، بَلْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي عَمَلِهِ. فَهُوَ وَحْدَهُ مَصْدَرُ الْوَفْرَةِ، وَلٰكِنَّهُ يَخْتَارُ أَنْ يَجْعَلَ تَلَامِيذَهُ وَسَائِطَ لِعَطَائِهِ. وَهٰكَذَا لَا يُلْغِي عَجْزُهُمُ الْبَشَرِيُّ مَسْؤُولِيَّتَهُمْ، كَمَا أَنَّ مَسْؤُولِيَّتَهُمْ لَا تَعْنِي أَنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَصْنَعُوا الْمُعْجِزَةَ بِذَوَاتِهِمْ. وَيَحْمِلُ أَمْرُ يَسُوعَ بُعْدًا تَرْبَوِيًّا وَامْتِحَانِيًّا. فَهُوَ يَضَعُ التَّلَامِيذَ أَمَامَ حَاجَةٍ تَفُوقُ إِمْكَانَاتِهِمْ، لِيَكْشِفَ لَهُمْ ضَعْفَهُمْ، وَلِيَنْقُلَهُمْ مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى حِسَابَاتِهِمْ إِلَى الثِّقَةِ بِقُدْرَتِهِ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْيُوحَنَّاوِيَّةِ يَسْأَلُ يَسُوعُ فِيلُبُّسَ: "مِنْ أَيْنَ نَشْتَرِي خُبْزًا لِيَأْكُلَ هٰؤُلَاءِ؟"، وَيُضِيفُ الإِنْجِيلُ: "وَإِنَّمَا قَالَ هٰذَا لِيَمْتَحِنَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ مَا سَيَصْنَعُ" (يُوحَنَّا 6: 5-6). فَالِامْتِحَانُ لَا يَهْدِفُ إِلَى إِحْرَاجِ التَّلَامِيذِ، بَلْ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ. إِنَّهُ يَكْشِفُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَيُعَرِّفُهُمْ إِلَى حُدُودِهِمْ، ثُمَّ يُظْهِرُ لَهُمْ مَا تَسْتَطِيعُ النِّعْمَةُ أَنْ تَصْنَعَهُ بِإِمْكَانَاتِهِمُ الْقَلِيلَةِ. فَالتِّلْمِيذُ لَا يَنْضُجُ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ التَّعْلِيمِ، بَلْ عِنْدَمَا يَجِدُ نَفْسَهُ أَمَامَ مَهَمَّةٍ تَتَجَاوَزُ قُوَّتَهُ، فَيَتَعَلَّمُ أَنْ يَضَعَ ضَعْفَهُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ. وَيَنْظُرُ يَسُوعُ إِلَى الْوَاقِعِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ نَظْرَةِ تَلَامِيذِهِ. فَهُمْ يَرَوْنَ الْمَكَانَ الْقَفْرَ، وَالْوَقْتَ الْمُتَأَخِّرَ، وَالْجَمْعَ الْكَبِيرَ، وَقِلَّةَ الطَّعَامِ؛ أَمَّا هُوَ فَيَرَى الْحَاجَةَ، وَيَرَى أَيْضًا مَا هُوَ مُتَوَفِّرٌ، وَيَعْرِفُ كَيْفَ يُحَوِّلُ الْقَلِيلَ إِلَى وَفْرَةٍ. فَالْإِيمَانُ لَا يُنْكِرُ النُّقْصَانَ، بَلْ يَرْفَعُهُ إِلَى اللهِ وَيَثِقُ بِقُدْرَتِهِ عَلَى مُضَاعَفَتِهِ.
وَيُرْغِمُ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ، بِهٰذَا الْأَمْرِ، عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَوْقِفِ الْمُرَاقِبِ إِلَى مَوْقِفِ الْخَادِمِ. فَهُمْ لَمْ يَعُودُوا مُجَرَّدَ شُهُودٍ عَلَى حَاجَةِ النَّاسِ، بَلْ أَصْبَحُوا مُكَلَّفِينَ بِالْمُشَارَكَةِ فِي تَلْبِيَتِهَا. َهٰذِهِ هِيَ مَدْرَسَةُ الرِّسَالَةِ: يَرَى التِّلْمِيذُ الْجُوعَ، وَيَسْمَعُ أَمْرَ الْمَسِيحِ، وَيُقَدِّمُ مَا لَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَسَلَّمُ مِنْ يَدِ الرَّبِّ مَا يُوَزِّعُهُ عَلَى الْجُمُوعِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى هٰذَا الْأَمْرِ بِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَقُلْ لِتَلَامِيذِهِ مُبَاشَرَةً إِنَّهُ سَيُطْعِمُ الْجُمُوعَ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَقُودَهُمْ تَدْرِيجِيًّا إِلَى الإِيمَانِ بِقُدْرَتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُمْ يُدْرِكُونَ أَنَّ مَنْ شَفَى هٰذَا الْعَدَدَ الْكَبِيرَ مِنَ الْمَرْضَى يَسْتَطِيعُ أَيْضًا أَنْ يُشْبِعَهُمْ (PG 58: 501). فَالْمُعْجِزَةُ لَا تَهْدِفُ فَقَطْ إِلَى إِطْعَامِ الْجُمُوعِ، بَلْ أَيْضًا إِلَى تَكْوِينِ التَّلَامِيذِ فِي الإِيمَانِ. وَيَرَى الْقِدِّيسُ ايرونيموس فِي قَوْلِ يَسُوعَ "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ" تَكْلِيفًا مُسْبَقًا لِلرُّسُلِ بِخِدْمَةِ الشَّعْبِ، فَإِنَّهُمْ سَيُطْعِمُونَ الْجُمُوعَ لَا مِنْ ذَوَاتِهِمْ، بَلْ مِنَ الْخُبْزِ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنْ يَدِ الْمَسِيحِ (PL 26). وَهٰذَا مَا سَيَظْهَرُ بوضوحٍ فِي تَرْتِيبِ الْمُعْجِزَةِ: يَأْخُذُ يَسُوعُ الْأَرْغِفَةَ، وَيُبَارِكُهَا، وَيَكْسِرُهَا، ثُمَّ يُعْطِيهَا لِلتَّلَامِيذِ، وَالتَّلَامِيذُ يُعْطُونَهَا لِلْجُمُوعِ (مَتَّى 14: 19). وَهٰذَا التَّرْتِيبُ يَحْمِلُ دَلَالَةً كَنَسِيَّةً عَمِيقَةً. فَالْمَسِيحُ هُوَ مَصْدَرُ الْخُبْزِ وَالْبَرَكَةِ، أَمَّا التَّلَامِيذُ فَهُمْ خُدَّامُ التَّوْزِيعِ. وَالْكَنِيسَةُ لَا تَمْلِكُ مِنْ ذَاتِهَا مَا يُشْبِعُ جُوعَ الْعَالَمِ، بَلْ تَتَلَقَّى مِنَ الْمَسِيحِ كَلِمَةَ الْحَيَاةِ وَنِعْمَةَ الأَسْرَارِ وَخُبْزَ الإِفْخَارِسْتِيَّا، ثُمَّ تُقَدِّمُ مَا تَلَقَّتْهُ لِلشَّعْبِ.
وَيَكْشِفُ أَمْرُ يَسُوعَ أَيْضًا أَنَّ اللهَ يُفَضِّلُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ خِلَالِ الإِنْسَانِ وَمَعَ الإِنْسَانِ. فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْزِلَ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ دُونَ تَدَخُّلِ أَحَدٍ، لٰكِنَّهُ يَطْلُبُ مِنَ التَّلَامِيذِ أَنْ يُحْضِرُوا مَا عِنْدَهُمْ وَأَنْ يُوَزِّعُوا مَا يَهَبُهُ هُوَ. وَهٰكَذَا لَا تَلْغِي النِّعْمَةُ الْجُهْدَ الْبَشَرِيَّ، بَلْ تَطْلُبُهُ وَتُطَهِّرُهُ وَتُضَاعِفُ ثَمَرَهُ. وَلَا يَطْلُبُ اللهُ مِنَّا عَمَلًا مُسْتَحِيلًا عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ، بَلْ قَدْ يَدْعُونَا إِلَى عَمَلٍ يَتَجَاوَزُ قُوَّتَنَا الْمُنْفَرِدَةَ، لِكَيْ نَتَعَلَّمَ أَنْ نَعْمَلَ مَعَهُ وَبِنِعْمَتِهِ. فَمَا يَكُونُ مُسْتَحِيلًا عَلَى الإِنْسَانِ وَحْدَهُ يُصْبِحُ مُمْكِنًا فِي شَرِكَتِهِ مَعَ اللهِ، لِأَنَّ "مَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ عِنْدَ النَّاسِ فَهُوَ مُمْكِنٌ عِنْدَ اللهِ" (لُوقَا 18: 27). وَمِنْ هُنَا تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ قَاعِدَةً رُوحِيَّةً وَرَعَوِيَّةً أَسَاسِيَّةً: يَسُوعُ لَا يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَمْلِكَ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ، بَلْ أَنْ نُقَدِّمَ لَهُ مَا نَمْلِكُهُ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا. فَهُوَ لَا يَسْأَلُنَا عَمَّا لَيْسَ عِنْدَنَا، بَلْ عَمَّا فِي أَيْدِينَا، لِيَجْعَلَهُ بَرَكَةً لِلْآخَرِينَ.
وَيَطْرَحُ النَّصُّ عَلَيْنَا سُؤَالًا مُبَاشَرًا: عِنْدَمَا نَرَى جُوعَ الإِنْسَانِ إِلَى الْخُبْزِ وَالْعَدَالَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ، هَلْ نَقُولُ: "لِيَذْهَبُوا"، أَمْ نَسْمَعُ صَوْتَ الْمَسِيحِ يَقُولُ لَنَا: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ"؟ فَالتِّلْمِيذُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَهْرُبُ مِنْ ضَخَامَةِ الْحَاجَةِ، بَلْ يَضَعُ قِلَّتَهُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وَيَثِقُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ مِنْهَا عَطَاءً يُشْبِعُ الْكَثِيرِينَ.
7."قَالُوا لَهُ: لَيْسَ عِنْدَنَا هٰهُنَا غَيْرُ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "قَالُوا لَهُ" إِلَى جَوَابِ التَّلَامِيذِ عَنْ أَمْرِ يَسُوعَ: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ" (مَتَّى 14: 16). فَقَدْ فَهِمُوا مَا طَلَبَهُ مِنْهُمْ، وَلٰكِنَّهُمْ وَقَفُوا أَمَامَ ضَخَامَةِ الْحَاجَةِ وَقِلَّةِ مَا يَمْلِكُونَهُ. وَتَكْشِفُ إِجَابَتُهُمْ عَنْ مَسَافَةٍ بَيْنَ نَظَرَتِهِمُ الْبَشَرِيَّةِ وَنَظَرَةِ الْمَسِيحِ: فَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا يَنْقُصُهُمْ، أَمَّا يَسُوعُ فَيَنْظُرُ إِلَى مَا هُوَ مُتَوَفِّرٌ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا، لِيَجْعَلَهُ أَدَاةً لِعَطَائِهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "لَيْسَ عِنْدَنَا هٰهُنَا غَيْرُ"، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ οὐκ ἔχομεν ὧδε εἰ μὴ، وَمَعْنَاهَا: "لَا نَمْلِكُ هُنَا إِلَّا". وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الصِّيغَةُ شُعُورًا بِالْعَجْزِ وَعَدَمِ الْكِفَايَةِ؛ فَمَا عِنْدَ التَّلَامِيذِ يَبْدُو ضَئِيلًا جِدًّا بِالْمُقَارَنَةِ مَعَ عَدَدِ الْجُمُوعِ. وَلَمْ يَقُلِ التَّلَامِيذُ: "لَيْسَ عِنْدَنَا شَيْءٌ"، بَلِ اعْتَرَفُوا بِوُجُودِ شَيْءٍ قَلِيلٍ. وَهٰذَا الْقَلِيلُ هُوَ نُقْطَةُ الْبِدَايَةِ الَّتِي سَيَعْمَلُ مِنْ خِلَالِهَا الْمَسِيحُ. فَاللهُ لَا يَطْلُبُ مِنَ الإِنْسَانِ مَا لَا يَمْلِكُهُ، بَلْ يَدْعُوهُ إِلَى تَقْدِيمِ مَا فِي يَدِهِ، لِيُدْخِلَهُ فِي دَائِرَةِ نِعْمَتِهِ وَبَرَكَتِهِ. وَيَنْطَبِقُ عَلَى هٰذَا الْمَوْقِفِ قَوْلُ دَاوُدَ النَّبِيِّ فِي صَلَاتِهِ: "مِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ" (1 أَخْبَار 29: 14). فَالإِنْسَانُ لَا يُقَدِّمُ للهِ شَيْئًا لَمْ يَتَسَلَّمْهُ أَوَّلًا مِنْهُ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَقْبَلُ اللهُ عَطَاءَ الإِنْسَانِ الْمَحْدُودَ، وَيُشْرِكُهُ فِي عَمَلِهِ، وَيَجْعَلُ مِنْهُ وَسِيلَةَ بَرَكَةٍ لِلْآخَرِينَ.
أَمَّا عِبَارَةُ "خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: πέντε ἄρτους καὶ δύο ἰχθύας. وَتَتَّفِقُ الأَنَاجِيلُ الأَرْبَعَةُ عَلَى ذِكْرِ هٰذِهِ الْكَمِّيَّةِ الْمُحَدَّدَةِ (مَرْقُس 6: 38؛ لُوقَا 9: 13؛ يُوحَنَّا 6: 9)، لِإِظْهَارِ التَّفَاوُتِ الْهَائِلِ بَيْنَ قِلَّةِ الطَّعَامِ وَكَثْرَةِ الْجُمُوعِ، وَلِإِبْرَازِ حَقِيقَةِ الْمُعْجِزَةِ وَوَفْرَةِ عَطَاءِ الْمَسِيحِ. وَيُضِيفُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا أَنَّ هٰذِهِ الأَرْغِفَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ كَانَتْ مَعَ فَتًى صَغِيرٍ: "هُنَا صَبِيٌّ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ مِنْ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ، وَلٰكِنْ مَا هٰذَا لِمِثْلِ هٰؤُلَاءِ؟" (يُوحَنَّا 6: 9). وَكَانَ خُبْزُ الشَّعِيرِ يُعَدُّ طَعَامًا بَسِيطًا يَأْكُلُهُ الْفُقَرَاءُ، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَبْدَأْ بِوَسَائِلَ غَنِيَّةٍ أَوْ مُذْهِلَةٍ، بَلْ بِطَعَامٍ بَسِيطٍ وَقَلِيلٍ قَدَّمَهُ إِنْسَانٌ مَجْهُولٌ. وَكَانَ الرَّغِيفُ فِي ذٰلِكَ الزَّمَانِ صَغِيرَ الْحَجْمِ نِسْبِيًّا، حَتَّى إِنَّ مَثَلَ الصَّدِيقِ الَّذِي يَطْلُبُ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ "ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ" يُظْهِرُ أَنَّ هٰذِهِ الْكَمِّيَّةَ كَانَتْ طَعَامًا عَادِيًّا لِضَيْفٍ وَاحِدٍ أَوْ لِوَجْبَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ (لُوقَا 11: 5-6). وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ خَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ لَمْ تَكُنْ تَكْفِي إِلَّا لِعَدَدٍ قَلِيلٍ، فَكَيْفَ تُشْبِعُ آلَافَ النَّاسِ؟ وَهُنَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَ حَاجَةِ الشَّعْبِ وَالإِمْكَانَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلتَّلَامِيذِ. وَهٰذَا التَّفَاوُتُ لَيْسَ عَائِقًا أَمَامَ الْمَسِيحِ، بَلْ هُوَ الْمَجَالُ الَّذِي سَيُظْهِرُ فِيهِ قُدْرَتَهُ. فَالْمَوْقِفُ الَّذِي يَبْدُو مُسْتَحِيلًا بِالْوَسَائِلِ الْبَشَرِيَّةِ يَصِيرُ فُرْصَةً لِظُهُورِ عَمَلِ اللهِ. وَلَا يَنْبَغِي فَهْمُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى أَنَّهَا دَعْوَةٌ إِلَى السَّلْبِيَّةِ وَانْتِظَارِ تَدَخُّلٍ خَارِقٍ دُونَ عَمَلٍ بَشَرِيٍّ. فَيَسُوعُ يَطْلُبُ أَوَّلًا مَا هُوَ مَوْجُودٌ، وَيَطْلُبُ مِنَ التَّلَامِيذِ أَنْ يُحْضِرُوهُ إِلَيْهِ. فَالنِّعْمَةُ لَا تَسْتَبْعِدُ مُسَاهَمَةَ الإِنْسَانِ، بَلْ تَفْتَرِضُ اسْتِعْدَادَهُ لِلْعَطَاءِ وَالْمُشَارَكَةِ. وَبِذٰلِكَ يُعَلِّمُ النَّصُّ أَنَّ الْقَلِيلَ الْمُحْتَفَظَ بِهِ يَبْقَى قَلِيلًا، أَمَّا الْقَلِيلُ الْمَوْضُوعُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَسِيحِ فَيَصِيرُ بَرَكَةً لِلْكَثِيرِينَ. فَالْمُهِمُّ لَيْسَ حَجْمُ مَا نَمْلِكُهُ، بَلْ أَنْ نُسَلِّمَهُ لِلرَّبِّ بِثِقَةٍ، وَنَسْمَحَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ وَفْقَ مَشِيئَتِهِ. وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى، شَدَّدَ الْبَابَا بِنِدِكْتُسُ السَّادِسُ عَشَرَ عَلَى أَنَّ مَا نَمْلِكُهُ قَدْ يَبْدُو صَغِيرًا وَغَيْرَ كَافٍ، كَأَرْغِفَةِ الشَّعِيرِ الْخَمْسَةِ، وَلٰكِنَّ اللهَ يَطْلُبُ مِنَّا هٰذَا الْقَلِيلَ لِيَجْعَلَهُ أَدَاةً لِعَطَائِهِ. فَالْمَسِيحُ لَا يَحْتَقِرُ فَقْرَ وَسَائِلِنَا، بَلْ يَطْلُبُ أَنْ نَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ. وَقَدْ رَأَى آبَاءُ الْكَنِيسَةِ فِي الأَرْغِفَةِ الْخَمْسَةِ مَعَانِيَ رَمْزِيَّةً مُتَعَدِّدَةً. فَرَبَطَهَا الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ بِأَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ، أَيْ بِالتَّوْرَاةِ، الَّتِي كَانَ مَعْنَاهَا الرُّوحِيُّ مَحْجُوبًا مَا لَمْ يَكْشِفْهُ الْمَسِيحُ وَيَكْسِرْ خُبْزَهَا لِلشَّعْبِ. وَكَانَ خُبْزُ الشَّعِيرِ، بِقِشْرِهِ الْخَشِنِ، رَمْزًا عِنْدَهُ إِلَى حَرْفِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ الَّذِي يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ غِذَاءً رُوحِيًّا يَكْشِفُهُ الْمَسِيحُ (PL 35: 1594-1595). وَهٰذِهِ الْقِرَاءَةُ الرَّمْزِيَّةُ لَا تَعْنِي أَنَّ الرَّقْمَ خَمْسَةٌ يَحْمِلُ دَائِمًا مَعْنًى ثَابِتًا، كَالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ أَوْ أَصَابِعِ الْيَدِ، بَلْ هِيَ تَأَمُّلٌ آبَائِيٌّ يَرْبِطُ الْحَدَثَ بِوَحْدَةِ تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ. أَمَّا الْمَعْنَى الأَوَّلُ لِلرَّقْمِ فِي سِيَاقِ النَّصِّ، فَهُوَ بَيَانُ قِلَّةِ الطَّعَامِ أَمَامَ كَثْرَةِ الْجُمُوعِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَسَمَكَتَيْنِ"، فَكَلِمَةُ "سَمَك" فِي الْيُونَانِيَّةِ هِيَ ἰχθύς . وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْمَسِيحِيُّونَ الأَوَّلُونَ كَلِمَةَ ΙΧΘΥΣ شِعَارًا إِيمَانِيًّا، لِأَنَّ حُرُوفَهَا تُشَكِّلُ الأَحْرُفَ الأُولَى مِنَ الْعِبَارَةِ: Ἰησοῦς Χριστὸς Θεοῦ Υἱὸς Σωτήρ "يَسُوعُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْمُخَلِّصُ". غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الشِّعَارَ الْمَسِيحِيَّ الْقَدِيمَ لَا يُعَدُّ تَفْسِيرًا لُغَوِيًّا مُبَاشَرًا لِذِكْرِ السَّمَكَتَيْنِ فِي النَّصِّ، بَلْ هُوَ تَطَوُّرٌ رَمْزِيٌّ لَاحِقٌ فِي التَّقْلِيدِ الْمَسِيحِيِّ، اسْتَعْمَلَ صُورَةَ السَّمَكَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ. وَقَدَّمَ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس أَيْضًا قِرَاءَاتٍ رَمْزِيَّةً لِلسَّمَكَتَيْنِ، فَرَأَى فِيهِمَا أَحْيَانًا شَخْصَيْنِ مَرْكْزِيَّيْنِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، هُمَا الْمَلِكُ وَالْكَاهِنُ، وَهُمَا الوَظِيفَتَانِ اللَّتَانِ تَجْتَمِعَانِ بِكَمَالِهِمَا فِي الْمَسِيحِ. كَمَا رَأَى بَعْضُ الآبَاءِ فِيهِمَا وَصِيَّتَيِ الْمَحَبَّةِ: مَحَبَّةَ اللهِ وَمَحَبَّةَ الْقَرِيبِ. هٰذِهِ قِرَاءَاتٌ رُوحِيَّةٌ تَكْشِفُ غِنَى النَّصِّ فِي التَّقْلِيدِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُلْغِيَ مَعْنَاهُ التَّارِيخِيَّ الْمُبَاشَرَ.
أَمَّا رَبْطُ رَقْمِ اثْنَيْنِ بِالْمُصَالَحَةِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالأُمَمِ، فَيُمْكِنُ قَبُولُهُ كَتَأَمُّلٍ رُوحِيٍّ فِي ضَوْءِ قَوْلِ بُولُسَ الرَّسُولِ عَنِ الْمَسِيحِ: "فَإِنَّهُ سَلَامُنَا، فَقَدْ جَعَلَ مِنَ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَهَدَمَ فِي جَسَدِهِ حَائِطَ السِّيَاجِ الْفَاصِلَ، أَيِ الْعَدَاوَةَ" (أَفَسُس 2: 14). إِلَّا أَنَّ النَّصَّ الإِنْجِيلِيَّ نَفْسَهُ لَا يُصَرِّحُ بِهٰذِهِ الدَّلَالَةِ الْعَدَدِيَّةِ، وَلِذٰلِكَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا بِوَصْفِهَا قِرَاءَةً رَمْزِيَّةً لَا الْمَعْنَى الأَسَاسِيَّ لِلْآيَةِ. وَتُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ، فِي مَعْنَاهَا اللَّاهُوتِيِّ وَالرَّعَوِيِّ، أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَسْأَلُنَا أَوَّلًا عَمَّا يَنْقُصُنَا، بَلْ عَمَّا نَمْلِكُهُ. فَقَدْ تَكُونُ مَوَاهِبُنَا وَوَسَائِلُنَا وَأَوْقَاتُنَا مَحْدُودَةً، وَلٰكِنَّهَا تَصِيرُ مُثْمِرَةً عِنْدَمَا نُقَدِّمُهَا بِإِيمَانٍ. فَالْقَلِيلُ بِلَا مَحَبَّةٍ يَبْقَى قَلِيلًا، وَالْقَلِيلُ الَّذِي نَحْتَفِظُ بِهِ لِأَنْفُسِنَا لَا يُشْبِعُ أَحَدًا؛ أَمَّا الْقَلِيلُ الَّذِي نَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَسِيحِ، فَيَأْخُذُهُ وَيُبَارِكُهُ وَيُكَثِّرُهُ وَيَجْعَلُهُ عَطِيَّةً لِلْجَمِيعِ. وَهٰكَذَا تَصِيرُ الأَرْغِفَةُ الْخَمْسَةُ وَالسَّمَكَتَانِ صُورَةً لِكُلِّ مَا هُوَ صَغِيرٌ فِي أَيْدِينَا، وَعَظِيمٌ فِي يَدَيِ اللهِ.
18. "فَقَالَ: عَلَيَّ بِهَا"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَقَالَ: عَلَيَّ بِهَا" إِلَى طَلَبِ يَسُوعَ مِنْ تَلَامِيذِهِ أَنْ يُحْضِرُوا إِلَيْهِ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا مَعَهُمْ. وَتَرِدُ الْعِبَارَةُ فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: φέρετέ μοι ὧδε αὐτούς، وَمَعْنَاهَا الْحَرْفِيُّ: "احْمِلُوهَا إِلَيَّ إِلَى هُنَا" أَوْ "قَدِّمُوهَا لِي هٰهُنَا". وَالْفِعْلُ φέρω يَعْنِي: يَحْمِلُ، أَوْ يُحْضِرُ، أَوْ يُقَدِّمُ. وَيَكْشِفُ صِيغَةُ الأَمْرِ أَنَّ الْمَسِيحَ يَطْلُبُ مِنَ التَّلَامِيذِ خُطْوَةً عَمَلِيَّةً: أَلَّا يَكْتَفُوا بِإِحْصَاءِ قِلَّةِ مَا عِنْدَهُمْ، بَلْ أَنْ يَضَعُوا هٰذَا الْقَلِيلَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَلَا يَطْلُبُ يَسُوعُ مِنْهُمْ شَيْئًا لَا يَمْلِكُونَهُ، بَلْ يَسْأَلُهُمْ عَمَّا هُوَ مَوْجُودٌ فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَوْ كَانَ ضَئِيلًا جِدًّا بِالْمُقَارَنَةِ مَعَ حَاجَةِ الْجُمُوعِ. فَقَبْلَ أَنْ يُكَثِّرَ الْخُبْزَ، يَطْلُبُ أَنْ يُقَدَّمَ إِلَيْهِ؛ وَقَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ وَفْرَةَ عَطَائِهِ، يَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى التَّخَلِّي عَمَّا يَمْلِكُهُ وَتَسْلِيمِهِ لَهُ. وَفِي هٰذَا الطَّلَبِ يَكْمُنُ سِرُّ التَّعَاوُنِ بَيْنَ النِّعْمَةِ الإِلَهِيَّةِ وَحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ. فَالْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي سَيَصْنَعُ الْمُعْجِزَةَ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَسْتَبْعِدُ مُسَاهَمَةَ التَّلَامِيذِ، بَلْ يَطْلُبُهَا. وَهُوَ قَادِرٌ أَنْ يَخْلُقَ الطَّعَامَ مِنْ لَا شَيْءٍ، وَلٰكِنَّهُ يَشَاءُ أَنْ يَبْدَأَ مِمَّا يُقَدِّمُهُ الإِنْسَانُ، لِيَجْعَلَهُ شَرِيكًا فِي عَمَلِ الْمَحَبَّةِ. وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا الْمَوْقِفُ بِصَلَاةِ يَهُوشَافَاطَ الْمَلِكِ عِنْدَمَا وَجَدَ نَفْسَهُ أَمَامَ خَطَرٍ يَتَجَاوَزُ قُدْرَتَهُ، فَقَالَ لِلرَّبِّ: "لَا نَعْلَمُ مَاذَا نَصْنَعُ، وَإِنَّمَا عُيُونُنَا إِلَيْكَ" (2 أَخْبَار 20: 12). فَالإِيمَانُ لَا يَقُومُ عَلَى ادِّعَاءِ الْقُوَّةِ، بَلْ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِالضَّعْفِ، وَتَوْجِيهِ النَّظَرِ إِلَى اللهِ، وَوَضْعِ الْقَلِيلِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ "عَلَيَّ بِهَا" (متى 14: 18) دَعْوَةً رُوحِيَّةً عَمِيقَةً. فَالْمَسِيحُ لَا يُلْغِي دَوْرَ الإِنْسَانِ، بَلْ يَدْعُوهُ إِلَى التَّعَاوُنِ مَعَ نِعْمَتِهِ. فَهُوَ يَقُولُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: «قَدِّمْ لِي مَا عِنْدَكَ». قَدِّمْ قُوَّتَكَ وَضَعْفَكَ، وَوَقْتَكَ وَمَوَاهِبَكَ، وَإِمْكَانَاتِكَ الْمَادِّيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ، وَحَتَّى مَخَاوِفَكَ وَعَجْزَكَ وَحَيْرَتَكَ. فَمَا يَبْقَى فِي يَدِ الإِنْسَانِ يَظَلُّ مَحْدُودًا، أَمَّا مَا يُوضَعُ فِي يَدَيِ الْمَسِيحِ فَيَدْخُلُ فِي دَائِرَةِ بَرَكَتِهِ وَيَتَحَوَّلُ إِلَى وَسِيلَةِ نِعْمَةٍ وَخَيْرٍ لِلْكَثِيرِينَ. وَلَا يَعْنِي تَقْدِيمُ الإِمْكَانَاتِ لِلْمَسِيحِ التَّخَلِّيَ عَنِ الْعَمَلِ أَوِ الِاكْتِفَاءَ بِانْتِظَارِ الْمُعْجِزَةِ، بَلْ يَعْنِي تَحْرِيرَ مَا نَمْلِكُهُ مِنَ الأَنَانِيَّةِ، وَوَضْعَهُ فِي خِدْمَةِ الآخَرِينَ، وَالِانْفِتَاحَ عَلَى الطُّرُقِ الَّتِي يُلْهِمُنَا إِيَّاهَا اللهُ لِمُوَاجَهَةِ حَاجَاتِهِمْ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَصْنَعِ الْمُعْجِزَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ إِحْضَارَ الأَرْغِفَةِ، لِيُعَلِّمَ التَّلَامِيذَ أَنَّهُ لَا يَحْتَقِرُ الْقَلِيلَ، وَلِيَجْعَلَهُمْ شُهُودًا عَلَى مَا سَيَصْنَعُهُ بِهِ. فَهُوَ يَأْخُذُ الْمَوْجُودَ، مَهْمَا كَانَ ضَئِيلًا، وَيُظْهِرُ مِنْ خِلَالِهِ قُوَّتَهُ وَكَرَمَهُ (PG 58: 501). وَيَرَى الْقِدِّيسُ ايرونيموس فِي تَقْدِيمِ الأَرْغِفَةِ لِلْمَسِيحِ صُورَةً لِتَقْدِيمِ الْمَعْرِفَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْكَلِمَةِ الْمَكْتُوبَةِ لَهُ، لِكَيْ يَكْشِفَ مَعْنَاهَا الْعَمِيقَ وَيَجْعَلَهَا غِذَاءً لِلشَّعْبِ. فَكُلُّ مَا لَا يُقَدَّمُ لِلْمَسِيحِ يَبْقَى مَحْدُودًا، أَمَّا مَا يَأْخُذُهُ هُوَ فَيُبَارِكُهُ وَيُكَثِّرُ ثَمَرَهُ (PL 26). وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ سِرَّ الْمُعْجِزَةِ لَا يَقُومُ فِي كَثْرَةِ الْمَوَارِدِ، بَلْ فِي تَقْدِيمِهَا لِلْمَسِيحِ. فَالأَرْغِفَةُ الْخَمْسَةُ بَقِيَتْ خَمْسَةً مَا دَامَتْ فِي أَيْدِي التَّلَامِيذِ، وَلٰكِنَّهَا عِنْدَمَا انْتَقَلَتْ إِلَى يَدَيْ يَسُوعَ صَارَتْ مَصْدَرَ شَبَعٍ لِآلَافِ النَّاسِ. وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى تَتَحَوَّلُ الْعِبَارَةُ "عَلَيَّ بِهَا" إِلَى قَاعِدَةٍ لِلْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّسُولِيَّةِ: لَا يَنْتَظِرُ الْمَسِيحُ مِنَّا أَنْ نَمْلِكَ كُلَّ شَيْءٍ، بَلْ أَنْ نَضَعَ كُلَّ مَا نَمْلِكُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَهُوَ لَا يَسْأَلُ عَنْ كَمِّيَّةِ عَطَائِنَا بِقَدْرِ مَا يَسْأَلُ عَنْ صِدْقِ تَسْلِيمِنَا. وَعِنْدَمَا نُقَدِّمُ لِلرَّبِّ إِمْكَانَاتِنَا الْمَحْدُودَةَ، يُنِيرُ عُقُولَنَا لِنَكْتَشِفَ طُرُقَ التَّضَامُنِ وَالْمُشَارَكَةِ وَالتَّعَاوُنِ. فَالْمُعْجِزَةُ لَا تَعْفِينَا مِنْ تَنْظِيمِ الْعَمَلِ، بَلْ تَدْفَعُنَا إِلَى تَجْمِيعِ الْمَوَارِدِ، وَتَقَاسُمِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ، وَوَضْعِ الْمَوَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي خِدْمَةِ الْخَيْرِ الْعَامِّ. وَمِنْ ثَمَّ تَدْعُونَا الْآيَةُ إِلَى مُوَاجَهَةِ حَاجَاتِ الإِنْسَانِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ: حَاجَتِهِ إِلَى الطَّعَامِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَسْكَنِ، وَإِلَى التَّعْلِيمِ وَالصِّحَّةِ وَفُرَصِ الْعَمَلِ، وَإِلَى الْعَدَالَةِ وَالْكَرَامَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالسَّلَامِ. فَلا يَجُوزُ أَنْ نَفْصِلَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الْخُبْزِ وَالدِّفَاعِ عَنْ كَرَامَةِ مَنْ يَأْكُلُهُ.
وَفِي الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الْحَاجَاتُ، قَدْ يَشْعُرُ الإِنْسَانُ أَنَّ مَا يَمْلِكُهُ لَا قِيمَةَ لَهُ. غَيْرَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَسْأَلُ: "هَلْ مَا عِنْدَكَ يَكْفِي؟"، بَلْ يَقُولُ: "أَحْضِرْهُ إِلَيَّ". فَالْكَفَايَةُ لَا تَأْتِي مِنْ كَثْرَةِ مَا نَمْلِكُهُ، بَلْ مِنَ الْبَرَكَةِ الَّتِي يَضَعُهَا الرَّبُّ فِيمَا نُقَدِّمُهُ. وَيُمْكِنُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يُقَدِّمَ شَيْئًا: وَقْتًا، أَوْ مَعْرِفَةً، أَوْ خِبْرَةً، أَوْ كَلِمَةَ تَعْزِيَةٍ، أَوْ خِدْمَةً مُتَوَاضِعَةً، أَوْ مُسَاعَدَةً مَادِّيَّةً، أَوْ صَلَاةً أَمِينَةً. وَقَدْ تَبْدُو هٰذِهِ الأَشْيَاءُ صَغِيرَةً، لٰكِنَّهَا تَصِيرُ، إِذَا وُضِعَتْ فِي يَدَيِ الْمَسِيحِ، جُزْءًا مِنْ تَدْبِيرِهِ لِخَلَاصِ الآخَرِينَ. وَهٰكَذَا يَدْعُونَا الْمَسِيحُ إِلَى أَلَّا نَحْتَقِرَ الْقَلِيلَ، وَأَلَّا نَجْعَلَ ضَعْفَ إِمْكَانَاتِنَا عُذْرًا لِعَدَمِ الْعَمَلِ. فَالْمَطْلُوبُ مِنَّا لَيْسَ أَنْ نَصْنَعَ الْمُعْجِزَةَ، بَلْ أَنْ نُحْضِرَ الأَرْغِفَةَ؛ وَلَيْسَ أَنْ نَضْمَنَ النَّتَائِجَ، بَلْ أَنْ نُقَدِّمَ ذَوَاتِنَا بِثِقَةٍ وَسَخَاءٍ. وَتَطْرَحُ هٰذِهِ الآيَةُ عَلَيْنَا سُؤَالًا شَخْصِيًّا: مَا هِيَ "الأَرْغِفَةُ الْخَمْسَةُ وَالسَّمَكَتَانِ" الَّتِي نَمْلِكُهَا الْيَوْمَ؟ وَهَلْ نَحْتَفِظُ بِهَا لِأَنْفُسِنَا خَوْفًا مِنْ قِلَّتِهَا، أَمْ نَسْمَعُ صَوْتَ الْمَسِيحِ يَقُولُ: "عَلَيَّ بِهَا"؟ فَمَا نُسَلِّمُهُ لَهُ بِإِيمَانٍ يَأْخُذُهُ وَيُبَارِكُهُ، وَيَجْعَلُ مِنْهُ عَطِيَّةَ حَيَاةٍ لِلْكَثِيرِينَ.
19. "ثُمَّ أَمَرَ الْجُمُوعَ بِالْقُعُودِ عَلَى الْعُشْبِ، وَأَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَبَارَكَ وَكَسَرَ الأَرْغِفَةَ، وَنَاوَلَهَا تَلَامِيذَهُ، وَالتَّلَامِيذُ نَاوَلُوهَا الْجُمُوعَ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "ثُمَّ أَمَرَ الْجُمُوعَ بِالْقُعُودِ عَلَى الْعُشْبِ" إِلَى أَنَّ يَسُوعَ شَرَعَ فِي تَنْظِيمِ الْجَمْعِ اسْتِعْدَادًا لِلْوَلِيمَةِ الَّتِي سَيُقِيمُهَا فِي الْمَكَانِ الْقَفْرِ. وَتَرِدُ الْعِبَارَةُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: κελεύσας τοὺς ὄχλους ἀνακλιθῆναι ἐπὶ τοῦ χόρτου، أَيْ: "أَمَرَ الْجُمُوعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى الْعُشْبِ". وَالْفِعْلُ ἀνακλίνω يَعْنِي: يُجْلِسُ لِلطَّعَامِ، أَوْ يَجْعَلُ الشَّخْصَ يَتَّكِئُ إِلَى الْخَلْفِ. وَكَانَ الِاتِّكَاءُ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْجَانِبِ الأَيْسَرِ، مِنَ الطُّرُقِ الْمَعْرُوفَةِ لِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ فِي الْوَلَائِمِ. وَلَا يُعَدُّ أَمْرُ يَسُوعَ الْجُمُوعَ بِالْقُعُودِ مُجَرَّدَ إِجْرَاءٍ تَنْظِيمِيٍّ، بَلْ يَحْمِلُ مَعْنَى الِاسْتِعْدَادِ وَالثِّقَةِ. فَقَبْلَ أَنْ يَرَى النَّاسُ الْخُبْزَ الْمُتَكَاثِرَ، يُطْلَبُ مِنْهُمْ أَنْ يَجْلِسُوا كَضُيُوفٍ عَلَى مَائِدَةٍ لَمْ تَظْهَرْ بَعْدُ. وَهٰكَذَا تَسْبِقُ الطَّاعَةُ رُؤْيَةَ الْمُعْجِزَةِ، وَيُهَيِّئُ الإِيمَانُ الإِنْسَانَ لِقَبُولِ الْعَطِيَّةِ. وَيُظْهِرُ هٰذَا الأَمْرُ سُلْطَانَ يَسُوعَ عَلَى الْجُمُوعِ، إِذْ يُنَظِّمُهُمْ بِهُدُوءٍ، وَيَجْعَلُهُمْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ حَالَةِ الِانْتِظَارِ وَالْجُوعِ إِلَى وَضْعِ ضُيُوفٍ يَسْتَعِدُّونَ لِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ. فَهُوَ لَا يَتَصَرَّفُ كَمَنْ يَخْشَى الْعَوَزَ، بَلْ كَرَبِّ الْوَلِيمَةِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ مَا سَيُقَدِّمُهُ سَيَكْفِي الْجَمِيعَ.
وَيُضِيفُ مَرْقُسُ أَنَّ يَسُوعَ أَمَرَ التَّلَامِيذَ "بِأَنْ يُقْعِدُوا النَّاسَ كُلَّهُمْ فِئَةً فِئَةً عَلَى الْعُشْبِ الأَخْضَرِ، فَقَعَدُوا حَلَقًا حَلَقًا، مِنْهَا مِئَةٌ وَمِنْهَا خَمْسُونَ" (مَرْقُس 6: 39-40). وَكَانَ هٰذَا التَّنْظِيمُ يُسَهِّلُ تَوْزِيعَ الطَّعَامِ، وَيَحُولُ دُونَ الِاضْطِرَابِ وَالتَّدَافُعِ، وَيَضْمَنُ أَلَّا يُهْمَلَ أَحَدٌ مِنَ الْجُمُوعِ. وَقَدْ رَأَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي جُلُوسِ الْجُمُوعِ فِي فِئَاتٍ صُورَةً لِشَعْبِ اللهِ الْجَدِيدِ، الَّذِي يَجْمَعُهُ الْمَسِيحُ وَيُنَظِّمُهُ حَوْلَ مَائِدَتِهِ. فَالْجَمْعُ لَا يَبْقَى كُتْلَةً غَيْرَ مُنَظَّمَةٍ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى جَمَاعَةٍ تَتَلَقَّى الْخُبْزَ مِنَ الرَّبِّ بِوَاسِطَةِ تَلَامِيذِهِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى طَاعَةِ التَّلَامِيذِ، فَيُشِيرُ إِلَى أَنَّهُمْ نَفَّذُوا أَمْرَ يَسُوعَ دُونَ أَنْ يَعْتَرِضُوا، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولُوا: كَيْفَ نُجْلِسُ الْجُمُوعَ وَلَمْ يَظْهَرِ الطَّعَامُ بَعْدُ؟ وَبِهٰذَا أَظْهَرُوا بَدَايَةَ إِيمَانٍ، إِذْ أَطَاعُوا قَبْلَ أَنْ يَرَوْا الْمُعْجِزَةَ (PG 58).
أَمَّا عِبَارَةُ "عَلَى الْعُشْبِ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: ἐπὶ τοῦ χόρτου وَتُشِيرُ كَلِمَةُ χόρτος إِلَى الْعُشْبِ أَوِ الْكَلَإِ الَّذِي يَنْمُو فِي الْمَرَاعِي. وَيُؤَكِّدُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا أَنَّهُ "كَانَ فِي ذٰلِكَ الْمَكَانِ عُشْبٌ كَثِيرٌ" (يُوحَنَّا 6: 10)، فِي حِينِ يَصِفُهُ مَرْقُسُ بِأَنَّهُ "الْعُشْبُ الأَخْضَرُ" (مَرْقُس 6: 39). وَقَدْ تَدُلُّ خُضْرَةُ الْعُشْبِ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ وَقَعَ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ مَا يَنْسَجِمُ مَعَ إِشَارَةِ يُوحَنَّا إِلَى اقْتِرَابِ عِيدِ الْفِصْحِ (يُوحَنَّا 6: 4). وَلَا يَسْمَحُ النَّصُّ الْإِنْجِيلِيُّ بِتَحْدِيدِ الْمَوْضِعِ بِدِقَّةٍ مُطْلَقَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يَقَعُ فِي نَاحِيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ بَيْتِ صَيْدَا، فِي مِنْطَقَةٍ خَلَوِيَّةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ بُحَيْرَةِ الْجَلِيلِ. وَيَسْتَحْضِرُ جُلُوسُ الشَّعْبِ عَلَى الْعُشْبِ صُورَةَ الرَّاعِي الصَّالِحِ فِي الْمَزْمُور: "فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي" (مَزْمُور 23: 2). فَيَسُوعُ هُوَ الرَّاعِي الَّذِي يَجْمَعُ قَطِيعَهُ، وَيُرِيحُهُ فِي الْمَرَاعِي، وَيُعِدُّ لَهُ مَائِدَةً، وَيُشْبِعُ جُوعَهُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: λαβὼν τοὺς πέντε ἄρτους καὶ τοὺς δύο ἰχθύας أَيْ: "أَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ". وَيُشِيرُ الْفِعْلُ λαμβάνω إِلَى الأَخْذِ وَالتَّسَلُّمِ. فَمَا قَدَّمَهُ التَّلَامِيذُ كَانَ ضَئِيلًا وَغَيْرَ كَافٍ، لٰكِنَّهُ، إِذْ أَخَذَهُ يَسُوعُ، دَخَلَ فِي عَمَلِ قُدْرَتِهِ وَبَرَكَتِهِ. وَيُعَلِّمُنَا النَّصُّ أَنَّ مَا نَحْتَفِظُ بِهِ فِي أَيْدِينَا يَبْقَى مَحْدُودًا، أَمَّا مَا نُسَلِّمُهُ لِلْمَسِيحِ فَيَصِيرُ أَدَاةً لِلْعَطَاءِ. فَهُوَ لَا يَحْتَقِرُ ضَآلَةَ الإِمْكَانَاتِ، بَلْ يَأْخُذُ مَا يُقَدَّمُ إِلَيْهِ وَيُدْخِلُهُ فِي تَدْبِيرِهِ. وَلَا تَعْنِي هٰذِهِ الْحَقِيقَةُ أَنَّ كُلَّ مَا نُقَدِّمُهُ لِلرَّبِّ سَيَتَضَاعَفُ مَادِّيًّا بِصُورَةٍ حَتْمِيَّةٍ، بَلْ إِنَّ اللهَ يَجْعَلُ الْعَطَاءَ الْمُقَدَّمَ بِإِيمَانٍ مُثْمِرًا بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ، وَيُحَوِّلُ الْفَقْرَ إِلَى فُرْصَةٍ لِلشَّرِكَةِ َالْمُشَارَكَةِ وَالثِّقَةِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: "فَقَدْ عَرَفْتُمْ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ: كَيْفَ افْتَقَرَ مِنْ أَجْلِكُمْ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَغْتَنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ" (2 قُورِنْثُس 8: 9). فَالْمَسِيحُ لَا يُغْنِي الإِنْسَانَ بِالتَّمَلُّكِ الأَنَانِيِّ، بَلْ بِإِدْخَالِهِ فِي حَرَكَةِ عَطَائِهِ وَبَذْلِهِ. وَتُذَكِّرُ الأَرْغِفَةُ فِي هٰذِهِ الْمُعْجِزَةِ بِمَا صَنَعَهُ النَّبِيُّ أَلِيشَاعُ، عِنْدَمَا أَتَاهُ رَجُلٌ بِعِشْرِينَ رَغِيفًا مِنْ شَعِيرٍ، فَقَالَ لِخَادِمِهِ: "أَعْطِ الشَّعْبَ لِيَأْكُلُوا". فَلَمَّا اعْتَرَضَ الْخَادِمُ لِقِلَّةِ الطَّعَامِ، أَكَّدَ أَلِيشَاعُ وَعْدَ الرَّبِّ، فَأَكَلَ الْمِئَةُ رَجُلٍ وَفَضَلَ عَنْهُمْ (2 مُلُوك 4: 42-44). غَيْرَ أَنَّ مَا يَصْنَعُهُ يَسُوعُ يَتَجَاوَزُ مُعْجِزَةَ أَلِيشَاعَ؛ فَهُنَاكَ أَشْبَعَ عِشْرُونَ رَغِيفًا مِئَةَ رَجُلٍ، أَمَّا هُنَا فَخَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ تُشْبِعُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ. وَبِذٰلِكَ يَظْهَرُ يَسُوعُ لَا كَنَبِيٍّ مِثْلَ أَلِيشَاعَ فَحَسْبُ، بَلْ كَمَنْ تَحْضُرُ فِيهِ قُدْرَةُ اللهِ بِكَمَالِهَا. وَقَدْ رَأَى الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي الأَرْغِفَةِ الْخَمْسَةِ مِنَ الشَّعِيرِ رَمْزًا إِلَى أَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ. وَشَبَّهَ قِشْرَ الشَّعِيرِ الْخَشِنَ بِحَرْفِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ الَّذِي يَحْجُبُ مَعْنَاهُ الرُّوحِيَّ عَنِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَهُ دُونَ أَنْ يَكْشِفَهُ لَهُمُ الْمَسِيحُ. فَكَمَا يُنْزَعُ قِشْرُ الشَّعِيرِ لِيَظْهَرَ غِذَاؤُهُ، يَكْشِفُ الْمَسِيحُ مَعْنَى الْكُتُبِ وَيَجْعَلُهَا غِذَاءً لِلشَّعْبِ (PL 35). وَرَأَى أُوغُسْطِينُوسُ فِي السَّمَكَتَيْنِ أَيْضًا رَمْزًا إِلَى شَخْصِيَّتَيْنِ أَسَاسِيَّتَيْنِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، هُمَا الْمَلِكُ وَالْكَاهِنُ، اللَّذَانِ يَجْتَمِعَانِ فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ، فَهُوَ الْمَلِكُ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَى شَعْبِهِ، وَالْكَاهِنُ الَّذِي يُقَدِّمُ نَفْسَهُ ذَبِيحَةً. وَاقْتَرَحَ آبَاءٌ آخَرُونَ رُمُوزًا مُخْتَلِفَةً، كَرَبْطِ السَّمَكَتَيْنِ بِالْعَهْدَيْنِ أَوْ بِوَصِيَّتَيِ مَحَبَّةِ اللهِ وَالْقَرِيبِ. وَتَبْقَى هٰذِهِ قِرَاءَاتٍ رُوحِيَّةً، لَا الْمَعْنَى التَّارِيخِيَّ الأَوَّلَ لِلنَّصِّ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: ἀναβλέψας εἰς τὸν οὐρανόν
أَيْ "نَظَرَ إِلَى فَوْقٍ نَحْوَ السَّمَاءِ". وَيُعَبِّرُ رَفْعُ الْعَيْنَيْنِ عَنْ تَوَجُّهِ يَسُوعَ إِلَى الآبِ، وَعَنْ أَنَّ الْعَطِيَّةَ الَّتِي سَيُقَدِّمُهَا تَأْتِي مِنَ اللهِ مَصْدَرِ كُلِّ خَيْرٍ. وَلَا يَفْتَرِضُ هٰذَا التَّعْبِيرُ أَنَّ اللهَ مَحْصُورٌ مَكَانِيًّا فِي الْفَضَاءِ الْمَحْسُوسِ فَوْقَ الأَرْضِ، بَلْ تَسْتَعْمِلُ اللُّغَةُ الْكِتَابِيَّةُ "السَّمَاءَ" لِلتَّعْبِيرِ عَنْ تَسَامِي اللهِ وَمَجْدِهِ وَسُلْطَانِهِ. فَاللهُ حَاضِرٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ يُقَالُ إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ الْعَالَمَ الْمَخْلُوقَ. وَقَدْ رَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى، كَقَبْلَ شِفَاءِ الأَصَمِّ (مَرْقُس 7: 34)، وَقَبْلَ إِقَامَةِ لَعَازَرَ إِذْ شَكَرَ الآبَ (يُوحَنَّا 11: 41)، وَفِي صَلَاتِهِ الْكَهَنُوتِيَّةِ (يُوحَنَّا 17: 1). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا الْفِعْلُ عَنْ شَرِكَتِهِ الدَّائِمَةِ مَعَ الآبِ، وَعَنْ أَنَّ عَمَلَهُ يَنْبَعُ مِنْ هٰذِهِ الشَّرِكَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَبَارَكَ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ εὐλόγησεν، مِنَ الْفِعْلِ εὐλογέω ، الَّذِي يَعْنِي: يُبَارِكُ، أَوْ يَحْمَدُ، أَوْ يَنْطِقُ بِالْخَيْرِ. وَيُقَابِلُهُ فِي الْعِبْرِيَّةِ الْفِعْلُ בָּרַךְ، أَيْ: بَارَكَ وَسَبَّحَ. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا الْفِعْلُ بِصَلَاةِ الْبَرَكَةِ الَّتِي كَانَ الْيَهُودُ يَتْلُونَهَا عِنْدَ تَنَاوُلِ الْخُبْزِ، وَمَضْمُونُهَا: "مُبَارَكٌ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلٰهُنَا، مَلِكُ الْعَالَمِ، الْمُخْرِجُ خُبْزًا مِنَ الأَرْضِ". فَالْبَرَكَةُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ لَيْسَتْ تَعْوِيذَةً سِحْرِيَّةً تُغَيِّرُ الأَشْيَاءَ، بَلْ صَلَاةُ اعْتِرَافٍ بِأَنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ الْخَلْقِ وَالْعَطَاءِ. وَفِي اسْتِعْمَالِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ قَدْ تَدُلُّ الْبَرَكَةُ عَلَى خَيْرِ اللهِ الْمَمْنُوحِ لِلإِنْسَانِ، كَمَا فِي قَوْلِ الْمَلِكِ لِلصِّدِّيقِينَ: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي" (مَتَّى 25: 34)؛ وَقَدْ تَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْخَيْرِ مِنَ اللهِ لِلآخَرِينَ؛ وَقَدْ تَعْنِي تَسْبِيحَ الإِنْسَانِ لِلَّهِ وَشُكْرَهُ، كَمَا فِي قَوْلِ الْمَزْمُور: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلَا تَنْسَيْ جَمِيعَ إِحْسَانَاتِهِ" (مَزْمُور 103: 1-2). وَالْمَعْنَى الأَقْرَبُ فِي هٰذَا السِّيَاقِ أَنَّ يَسُوعَ حَمِدَ الآبَ وَشَكَرَهُ عَلَى الْخُبْزِ، وَطَلَبَ أَنْ يَصِيرَ هٰذَا الْقَلِيلُ عَطِيَّةً لِلْجَمِيعِ. وَبِذٰلِكَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ خَيْرَاتِ الْخَلْقِ بِالشُّكْرِ، لِأَنَّ "كُلَّ مَا خَلَقَهُ اللهُ حَسَنٌ، وَلَا شَيْءَ يُرْذَلُ إِذَا أُخِذَ بِشُكْرٍ" (1 طِيمُوتَاوُس 4: 4). وَلَا تَكْمُنُ قُوَّةُ الْبَرَكَةِ فِي مُجَرَّدِ تَلَفُّظِ كَلِمَاتٍ، بَلْ فِي شَرِكَةِ الْمَسِيحِ مَعَ الآبِ. فَيَسُوعُ، بِوَصْفِهِ الِابْنَ الْمُتَجَسِّدَ، يَحْمَدُ الآبَ فِي طَبِيعَتِهِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَهَبُ الْخَيْرَاتِ بِسُلْطَانِهِ الإِلَهِيِّ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَكَسَرَ الأَرْغِفَةَ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ κλάσας τοὺς ἄρτους ، مِنَ الْفِعْلِ κλάω ، أَيْ: يَكْسِرُ الْخُبْزَ أَوْ يُجَزِّئُهُ. وَكَانَ كَسْرُ الْخُبْزِ عَمَلًا ضَرُورِيًّا لِتَوْزِيعِ الأَرْغِفَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُسَطَّحَةِ عَلَى الْمُشَارِكِينَ فِي الطَّعَامِ. غَيْرَ أَنَّ إِنْجِيلَ مَتَّى يَسْتَعْمِلُ فِي هٰذِهِ الآيَةِ سِلْسِلَةً مِنَ الأَفْعَالِ تَحْمِلُ دَلَالَةً إِفْخَارِسْتِيَّةً وَاضِحَةً: أَخَذَ، وَبَارَكَ، وَكَسَرَ، وَأَعْطَى. وَهِيَ الأَفْعَالُ نَفْسُهَا الَّتِي سَتَرِدُ فِي رِوَايَةِ الْعَشَاءِ الأَخِيرِ: "أَخَذَ يَسُوعُ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَرَ، وَأَعْطَى تَلَامِيذَهُ وَقَالَ: خُذُوا فَكُلُوا، هٰذَا هُوَ جَسَدِي" (مَتَّى 26: 26). وَلَا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ إِشْبَاعَ الْجُمُوعِ هُوَ نَفْسُهُ سِرُّ الإِفْخَارِسْتِيَّا، بَلْ إِنَّهُ عَلامَةٌ تَسْبِقُهُ وَتُهَيِّئُ لَهُ. فَالْخُبْزُ الَّذِي أَشْبَعَ جُوعَ الْجَسَدِ يُشِيرُ إِلَى الْخُبْزِ الَّذِي سَيَقَدِّمُهُ الْمَسِيحُ فِي الْعَشَاءِ الأَخِيرِ، حِينَ يَبْذُلُ جَسَدَهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ.
وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا تَرِدُ الْعِبَارَةُ: "ثُمَّ أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَرَهُ وَنَاوَلَهُمْ إِيَّاهُ وَقَالَ: هٰذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ مِنْ أَجْلِكُمْ" (لُوقَا 22: 19). وَهٰكَذَا يَصِيرُ كَسْرُ الْخُبْزِ عَلامَةً عَلَى الْعَطَاءِ وَالْمُشَارَكَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ عَلَى بَذْلِ الْمَسِيحِ ذَاتَهُ. وَقَدْ شَدَّدَ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ عَلَى أَنَّ يَسُوعَ بَدَأَ بِكَسْرِ الأَرْغِفَةِ وَاثِقًا بِالآبِ وَبِعِنَايَتِهِ؛ فَالْمُعْجِزَةُ لَيْسَتْ سِحْرًا، بَلْ عَلامَةٌ عَلَى الثِّقَةِ بِاللهِ، وَعَلَى أَنَّ الْخُبْزَ، عِنْدَمَا يُبَارَكُ وَيُكْسَرُ وَيُشَارَكُ، يَصِيرُ كَافِيًا لِلْجَمِيعِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَنَاوَلَهَا تَلَامِيذَهُ، وَالتَّلَامِيذُ نَاوَلُوهَا الْجُمُوعَ"، فَتُظْهِرُ التَّرْتِيبَ الَّذِي أَرَادَهُ يَسُوعُ لِإِطْعَامِ الشَّعْبِ. فَهُوَ مَصْدَرُ الْخُبْزِ وَالْبَرَكَةِ، وَالتَّلَامِيذُ يَتَسَلَّمُونَ مِنْهُ وَيُوَزِّعُونَ عَلَى الْجُمُوعِ. وَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ صِيغَةٌ دَقِيقَةٌ تَسْتَحِقُّ الِانْتِبَاهَ: ἔδωκεν τοῖς μαθηταῖς τοὺς ἄρτους، οἱ δὲ μαθηταὶ τοῖς ὄχλοις، أَيْ: "أَعْطَى الأَرْغِفَةَ لِلتَّلَامِيذِ، وَالتَّلَامِيذُ لِلْجُمُوعِ". وَيَرِدُ الْفِعْلُ ἔδωκεν فِي زَمَنٍ يَدُلُّ عَلَى الْفِعْلِ الْمُتَحَقِّقِ، أَمَّا فِكْرَةُ اسْتِمْرَارِ التَّوْزِيعِ فَتُفْهَمُ مِنْ مَجْرَى الْحَدَثِ وَتَوَاصُلِ إِعْطَاءِ الْخُبْزِ لِلْجُمُوعِ، لَا مِنْ صِيغَةِ الْفِعْلِ وَحْدَهَا. وَكَانَ يَسُوعُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْخُبْزَ لِلْجُمُوعِ مُبَاشَرَةً، لٰكِنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يُشْرِكَ تَلَامِيذَهُ فِي عَمَلِهِ. فَمِنْ يَدَيْهِ يَأْخُذُونَ، وَبِأَيْدِيهِمْ يُوَزِّعُونَ. وَهٰكَذَا يُعِدُّهُمْ لِرِسَالَتِهِمُ الْمُقْبِلَةِ، حِينَ سَيُقَدِّمُونَ لِلشَّعْبِ خُبْزَ الْكَلِمَةِ وَنِعْمَةَ الأَسْرَارِ. وَيَحْمِلُ هٰذَا التَّرْتِيبُ دَلَالَةً كَنَسِيَّةً: فَالْكَنِيسَةُ لَا تَخْتَرِعُ الْخُبْزَ الَّذِي يُشْبِعُ الإِنْسَانَ، وَلَا تَمْلِكُ النِّعْمَةَ مِنْ ذَاتِهَا، بَلْ تَتَلَقَّى مِنَ الْمَسِيحِ وَتُقَدِّمُ مَا تَلَقَّتْهُ. وَالْخَادِمُ لَا يَضَعُ نَفْسَهُ مَصْدَرًا لِلْعَطَاءِ، بَلْ يَبْقَى يَدًا تَتَلَقَّى مِنَ الرَّبِّ وَتُوَصِّلُ إِلَى الشَّعْبِ. وَيَتَشَابَهُ دَوْرُ التَّلَامِيذِ هُنَا مَعَ دَوْرِ خَادِمِ أَلِيشَاعَ، الَّذِي تَلَقَّى أَمْرَ النَّبِيِّ: "أَعْطِ الشَّعْبَ لِيَأْكُلُوا" (2 مُلُوك 4: 42). غَيْرَ أَنَّ التَّلَامِيذَ فِي الْإِنْجِيلِ لَا يَخْدُمُونَ نَبِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ يَتَلَقَّوْنَ الْخُبْزَ مِنَ الْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ نَفْسُهُ خُبْزُ الْحَيَاةِ. وَتَكْشِفُ الآيَةُ أَنَّ الْخُبْزَ يَصِيرُ وَفِيرًا فِي حَرَكَةِ الْعَطَاءِ. فَالْعَطِيَّةُ لَا تُحْبَسُ فِي يَدِ التَّلَامِيذِ، بَلْ تَنْتَقِلُ مِنَ الْمَسِيحِ إِلَيْهِمْ، وَمِنْهُمْ إِلَى الْجُمُوعِ. وَحَيْثُ تَتَوَقَّفُ هٰذِهِ الْحَرَكَةُ وَيَحْتَفِظُ الإِنْسَانُ بِالْخُبْزِ لِنَفْسِهِ، يَبْقَى الْجُوعُ؛ أَمَّا حِينَ يُكْسَرُ الْخُبْزُ وَيُشَارَكُ، تَظْهَرُ وَفْرَةُ الْبَرَكَةِ. وَلَا يَفْصِلُ النَّصُّ بَيْنَ عَمَلِ اللهِ وَعَمَلِ الإِنْسَانِ. فَالْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ وَيُبَارِكُ وَيَكْسِرُ، وَالتَّلَامِيذُ هُمُ الَّذِينَ يُوَزِّعُونَ. وَهٰكَذَا يَصْنَعُ اللهُ عَجَائِبَهُ مِنْ خِلَالِ أَيْدٍ بَشَرِيَّةٍ مُسْتَعِدَّةٍ لِلطَّاعَةِ وَالْخِدْمَةِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَتَّضِحُ أَنَّ الْعَطَاءَ الْمَسِيحِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِحْسَانٍ مَادِّيٍّ، بَلْ مُشَارَكَةٌ فِي حَرَكَةِ عَطَاءِ الْمَسِيحِ. فَمَنْ يَتَلَقَّى الْخُبْزَ مِنْهُ يُدْعَى إِلَى أَنْ يَكْسِرَهُ مَعَ الآخَرِينَ، وَمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ مَائِدَةِ الإِفْخَارِسْتِيَّا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَجَاهَلَ جُوعَ الْفُقَرَاءِ.
وَتَطْرَحُ هٰذِهِ الآيَةُ عَلَيْنَا سُؤَالًا رَعَوِيًّا: هَلْ نَكْتَفِي بِالصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ الْجِيَاعِ، أَمْ نَسْمَحُ لِلْمَسِيحِ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ أَيْدِينَا وَسِيلَةً لإِيصَالِ خُبْزِهِ إِلَيْهِمْ؟ وَهَلْ كُنَّا يَوْمًا يَدًا أَمِينَةً أَوْصَلَتِ الطَّعَامَ إِلَى بَيْتِ فَقِيرٍ، أَوْ وَفَّرَتْ دَوَاءً لِمَرِيضٍ، أَوْ سَاعَدَتْ طَالِبًا عَلَى التَّعْلِيمِ، مِنْ غَيْرِ انْتِظَارِ مُكَافَأَةٍ أَوْ مَدِيحٍ؟ وَهٰكَذَا تَجْمَعُ الآيَةُ خَمْسَ حَرَكَاتٍ أَسَاسِيَّةً: الْجُلُوسُ، وَالأَخْذُ، وَرَفْعُ الْعَيْنَيْنِ، وَالْبَرَكَةُ، وَالْكَسْرُ وَالتَّوْزِيعُ. فَالْجَمَاعَةُ تَجْلِسُ فِي انْتِظَارِ الْعَطِيَّةِ، وَالْمَسِيحُ يَأْخُذُ مَا يُقَدَّمُ لَهُ، وَيَرْفَعُهُ فِي الشُّكْرِ إِلَى الآبِ، وَيَكْسِرُهُ لِيَصِيرَ قَابِلًا لِلْمُشَارَكَةِ، ثُمَّ يَضَعُهُ فِي أَيْدِي تَلَامِيذِهِ لِيُشْبِعُوا بِهِ الْجُمُوعَ. وَفِي هٰذِهِ الْحَرَكَاتِ تَظْهَرُ مُسْبَقًا صُورَةُ الْكَنِيسَةِ الْمُجْتَمِعَةِ حَوْلَ مَائِدَةِ الرَّبِّ، وَالْمُرْسَلَةِ لِتَكْسِرَ الْخُبْزَ مَعَ الْعَالَمِ.
20 "فَأَكَلُوا كُلُّهُمْ حَتَّى شَبِعُوا، وَرَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ الْكِسَرِ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مُمْتَلِئَةً"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَكَلُوا كُلُّهُمْ" إِلَى نَتِيجَةِ الْعَمَلِ الَّذِي بَدَأَ بِيَدَيِ الْمَسِيحِ وَانْتَقَلَ، بِوَاسِطَةِ التَّلَامِيذِ، إِلَى الْجُمُوعِ. فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ مَحْرُومًا مِنَ الطَّعَامِ، بَلْ وَصَلَ الْخُبْزُ إِلَى الْجَمِيعِ. وَتَرِدُ الْعِبَارَةُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: καὶ ἔφαγον πάντες καὶ ἐχορτάσθησαν أَيْ: "فَأَكَلُوا جَمِيعًا وَشَبِعُوا". وَيَرِدُ الضَّمِيرُ πάντες (، أَيْ: " كُلُّهُمْ"، لِيُؤَكِّدَ شُمُولَ الْعَطِيَّةِ وَأَنَّهَا لَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى فِئَةٍ دُونَ أُخْرَى. وَلَا تَعْنِي كَلِمَةُ "كُلُّهُمْ" أَنَّ النَّاسَ تَسَاوَوْا فِي مِقْدَارِ مَا أَكَلُوا، بَلْ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ نَالَ مَا يَكْفِيهِ. فَعَطَاءُ الْمَسِيحِ لَا يُلْغِي تَمَيُّزَ الأَشْخَاصِ وَحَاجَاتِهِمْ، لٰكِنَّهُ لَا يَسْتَثْنِي أَحَدًا مِنْ عِنَايَتِهِ. وَتُظْهِرُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَنْظُرُ إِلَى الإِنْسَانِ كَرُوحٍ فَقَطْ، بَلْ يَرَاهُ فِي وَحْدَتِهِ الْكَامِلَةِ: جَسَدًا وَنَفْسًا وَرُوحًا. فَقَدْ عَلَّمَ الْجُمُوعَ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ، ثُمَّ اهْتَمَّ بِجُوعِهِمُ الْجَسَدِيِّ. وَهٰكَذَا يَكْشِفُ أَنَّ الْخَلَاصَ الَّذِي يَحْمِلُهُ يَمَسُّ الإِنْسَانَ بِكُلِّيَّتِهِ. غَيْرَ أَنَّ إِطْعَامَ الْجُمُوعِ لَا يَعْنِي وَعْدًا بِإِعْفَاءِ الْمُؤْمِنِ مِنْ كُلِّ عَوَزٍ مَادِّيٍّ، وَلَا يُحَوِّلُ الإِيمَانَ إِلَى وَسِيلَةٍ لِلْحُصُولِ عَلَى الْخَيْرَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ. بَلْ يُعْلِنُ أَنَّ اللهَ يَعْرِفُ حَاجَاتِ أَبْنَائِهِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَجْعَلُوا مَلَكُوتَهُ وَبِرَّهُ أَوَّلًا فِي حَيَاتِهِمْ: "اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهٰذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مَتَّى 6: 33).
وَتَسْتَحْضِرُ عِبَارَتَا "أَكَلُوا" وَ"شَبِعُوا" مَا صَنَعَهُ اللهُ لِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ فِي الْبَرِّيَّةِ، حِينَ أَنْزَلَ لَهُمُ الْمَنَّ وَقَالَ: "هٰأَنَذَا أُمْطِرُ لَكُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ" (خُرُوج 16: 4). فَكَمَا أَطْعَمَ اللهُ شَعْبَهُ فِي بَرِّيَّةِ سِينَاء، يُطْعِمُ يَسُوعُ الْجُمُوعَ فِي الْمَكَانِ الْقَفْرِ. غَيْرَ أَنَّ الْمُقَارَنَةَ لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدِّ التَّشَابُهِ. فَفِي سِفْرِ الْخُرُوجِ كَانَ اللهُ يُعْطِي الْمَنَّ لِشَعْبِهِ بِوَاسِطَةِ مُوسَى، أَمَّا فِي الإِنْجِيلِ فَيَأْخُذُ يَسُوعُ الْخُبْزَ بِيَدَيْهِ، وَيُبَارِكُهُ، وَيَكْسِرُهُ، وَيُشْبِعُ بِهِ الْجُمُوعَ. وَهٰكَذَا يَظْهَرُ لَا كَمُجَرَّدِ وَسِيطٍ لِلْعَطِيَّةِ، بَلْ كَمَنْ تَحْضُرُ فِيهِ عِنَايَةُ اللهِ وَسُلْطَانُهُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "حَتَّى شَبِعُوا"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِالْفِعْلِ ἐχορτάσθησαν، مِنَ الْفِعْلِ χορτάζω ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الإِطْعَامِ حَتَّى الِاكْتِفَاءِ وَالشَّبَعِ. فَلَمْ يَأْخُذِ النَّاسُ لُقَيْمَاتٍ رَمْزِيَّةً أَوْ كَمِّيَّةً ضَئِيلَةً، بَلْ أَكَلُوا حَتَّى اكْتَفَوْا. وَيُبْرِزُ الشَّبَعُ وَفْرَةَ عَطَاءِ الْمَسِيحِ. فَهُوَ لَا يُعْطِي بِشُحٍّ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَطَاؤُهُ عَلَى الْحَدِّ الأَدْنَى الَّذِي يُبْقِي الإِنْسَانَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، بَلْ يُعْطِي حَتَّى الشَّبَعِ، ثُمَّ يَبْقَى مِنْ عَطَائِهِ فَضْلٌ وَفِيرٌ. وَيَحْمِلُ الشَّبَعُ أَيْضًا دَلَالَةً خَلَاصِيَّةً؛ فَالأَنْبِيَاءُ صَوَّرُوا أَزْمِنَةَ الْخَلَاصِ كَوَلِيمَةٍ يُقِيمُهَا اللهُ لِشَعْبِهِ: "وَيَصْنَعُ رَبُّ الْجُنُودِ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ فِي هٰذَا الْجَبَلِ وَلِيمَةَ دَسَمٍ" (إِشَعْيَاء 25: 6). وكشفت رسالة إشعياء النبوية عن دعوة الله القريب من كل إنسان، "أَيُّها العِطاشُ جَميعًا هَلُمُّوا إِلى الـمِياه، والَّذينَ لا فِضَّةَ لَهم هَلُمُّوا [...] اِشتَروا وكُلوا، هَلُمُّوا اِشتَروا بِغيرِ فِضَّةٍ ولا ثَمَنٍ خَمْرًا ولبنًا" (إشعيا 55: 1). وَفِي إِشْبَاعِ الْجُمُوعِ يَبْدَأُ هٰذَا الْوَعْدُ يَتَحَقَّقُ فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ. وَإِذْ يُقَدِّمُ يَسُوعُ الْخُبْزَ لِلْجَمِيعِ، يُعْلِنُ أَنَّ خَلَاصَ اللهِ مَفْتُوحٌ لِكُلِّ مَنْ يَقْبَلُ عَطِيَّتَهُ.
وَلٰكِنَّ عِبَارَةَ "كُلُّهُمْ" لَا تَعْنِي أَنَّ الإِفْخَارِسْتِيَّا تُنَاوَلُ مِنْ غَيْرِ إِيمَانٍ أَوْ تَمْيِيزٍ أَوِ اتِّحَادٍ كَنَسِيٍّ، بَلْ تُبَيِّنُ أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمَسِيحِ مُقَدَّمَةٌ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، وَأَنَّ دَعْوَتَهُ إِلَى الْحَيَاةِ لَا تَسْتَثْنِي شَعْبًا أَوْ فِئَةً. وَإِذْ يُشْبِعُ يَسُوعُ الْجُوعَ الْمَادِّيَّ، يُهَيِّئُ الْقُلُوبَ لِفَهْمِ الْجُوعِ الأَعْمَقِ الَّذِي لَا يُشْبِعُهُ خُبْزُ الأَرْضِ وَحْدَهُ. فَهُوَ لَيْسَ مُعْطِيَ الْخُبْزِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ نَفْسُهُ "خُبْزُ الْحَيَاةِ"، كَمَا سَيُعْلِنُ: "أَنَا خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلَنْ يَجُوعَ" (يُوحَنَّا 6: 35). وَفِي هٰذَا الإِطَارِ يَرْبِطُ التَّقْلِيدُ الْكَنَسِيُّ بَيْنَ مَنِّ الْبَرِّيَّةِ وَخُبْزِ الْمَسِيحِ؛ فَالْمَنُّ كَانَ غِذَاءً مُؤَقَّتًا لِشَعْبٍ سَائِرٍ، أَمَّا الْمَسِيحُ فَيَهَبُ ذَاتَهُ خُبْزًا لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيُبَيِّنُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ الْمَنَّ كَانَ عَطِيَّةً سَمَاوِيَّةً، وَلٰكِنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ أَعْظَمُ، لِأَنَّهُ خُبْزُ الْحَيَاةِ وَعَطِيَّةُ رَبِّ السَّمَاءِ نَفْسِهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَرَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ الْكِسَرِ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: καὶ ἦραν τὸ περισσεῦον τῶν κλασμάτων أَيْ: "وَجَمَعُوا مَا فَاضَ مِنَ الْقِطَعِ الْمَكْسُورَةِ". وَالْفِعْلُ περισσεύω يَعْنِي: يَفِيضُ، أَوْ يَزِيدُ، أَوْ يَبْقَى فَوْقَ الْحَاجَةِ. وَتُشِيرُ الْعِبَارَةُ إِلَى أَنَّ طَعَامَ الْمَسِيحِ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ وَفِيرًا حَتَّى بَقِيَ مِنْهُ بَعْدَ شَبَعِ الْجَمِيعِ. وَيُشَكِّلُ جَمْعُ الْكِسَرِ شَهَادَةً مَحْسُوسَةً عَلَى حَقِيقَةِ مَا جَرَى. فَلَمْ يَكُنِ الشَّبَعُ انْطِبَاعًا نَفْسِيًّا أَوْ تَخَيُّلًا جَمَاعِيًّا، بَلْ بَقِيَ بَعْدَ الْوَلِيمَةِ طَعَامٌ مَلْمُوسٌ جَمَعَهُ التَّلَامِيذُ فِي قِفَفٍ. وَتُذَكِّرُ هٰذِهِ الْوَفْرَةُ بِمُعْجِزَةِ أَلِيشَاعَ، حِينَ قَالَ الرَّبُّ: "يَأْكُلُونَ وَيَفْضُلُ عَنْهُمْ"، فَأَكَلَ الْمِئَةُ رَجُلٍ وَفَضَلَ عَنْهُمْ (2 مُلُوك 4: 43-44). غَيْرَ أَنَّ وَفْرَةَ الْمَسِيحِ أَعْظَمُ، لِأَنَّ خَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ أَشْبَعَتْ آلَافًا، وَمَلَأَ الْفَائِضُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً.
وَلَا تَعْنِي "الْكِسَرُ" الْفُتَاتَ الْمُلَوَّثَ الَّذِي دَاسَهُ النَّاسُ عَلَى الأَرْضِ، بَلْ قِطَعَ الْخُبْزِ الْمَكْسُورَةَ الَّتِي لَمْ تُؤْكَلْ. فَالِاسْمُ الْيُونَانِيُّ κλάσμα مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ κλάω، أَيْ: "يَكْسِرُ"، وَيَدُلُّ عَلَى قِطْعَةٍ مَكْسُورَةٍ مِنَ الْخُبْزِ. وَيَكْشِفُ جَمْعُ الْكِسَرِ أَنَّ الْوَفْرَةَ الإِلَهِيَّةَ لَا تُبَرِّرُ التَّبْذِيرَ. فَمَعَ أَنَّ الْمَسِيحَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُكَثِّرَ الْخُبْزَ، لَمْ يُهْمَلْ مَا فَضَلَ مِنْهُ. وَهٰكَذَا تَجْتَمِعُ فِي الْمُعْجِزَةِ الثِّقَةُ بِسَخَاءِ اللهِ وَالْمَسْؤُولِيَّةُ فِي حِفْظِ نِعَمِهِ. وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الْحَقِيقَةُ بُعْدًا أَخْلَاقِيًّا مُهِمًّا فِي عَالَمٍ يُهْدَرُ فِيهِ الطَّعَامُ، فِي حِينِ يَفْتَقِرُ كَثِيرُونَ إِلَى الْحَدِّ الأَدْنَى مِنَ الْغِذَاءِ. فَمَنْ يَعْتَرِفْ بِالطَّعَامِ عَطِيَّةً مِنَ اللهِ لَا يَحْتَقِرْهُ وَلَا يُبَدِّدْهُ، بَلْ يَحْفَظْهُ وَيُشَارِكْهُ مَعَ الْمُحْتَاجِينَ. أَمَّا الرَّبْطُ بَيْنَ جَمْعِ الْكِسَرِ وَحِفْظِ قِسْمٍ مِنَ الْمَنِّ، فَهُوَ تَأَمُّلٌ مُمْكِنٌ فِي ضَوْءِ أَمْرِ اللهِ لِمُوسَى أَنْ يُحْفَظَ مِلْءُ وِعَاءٍ مِنَ الْمَنِّ تَذْكَارًا لِلأَجْيَالِ (خُرُوج 16: 32-34). غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ الإِنْجِيلِيَّ لَا يَقُولُ صَرَاحَةً إِنَّ الْكِسَرَ حُفِظَتْ تَذْكَارًا، بَلْ يُبْرِزُ بِهَا وَفْرَةَ الْمُعْجِزَةِ. وَيُمْكِنُ رُوحِيًّا أَنْ تُفْهَمَ الْكِسَرُ الْبَاقِيَةُ عَلَى أَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَائِدَةَ الْمَسِيحِ لَا تَنْضَبُ، وَأَنَّ خُبْزَ الْحَيَاةِ يَبْقَى قَادِرًا عَلَى إِشْبَاعِ أَجْيَالِ الْمُؤْمِنِينَ. إِلَّا أَنَّ هٰذِهِ قِرَاءَةٌ رُوحِيَّةٌ وَكَنَسِيَّةٌ تُضَافُ إِلَى الْمَعْنَى التَّارِيخِيِّ، وَلَا تَحُلُّ مَحَلَّهُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مُمْتَلِئَةً"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: δώδεκα κοφίνους πλήρεις)، أَيْ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَلَّةً مَلْأَى". وَتُشِيرُ كَلِمَةُ κόφινος إِلَى قُفَّةٍ أَوْ سَلَّةٍ صَغِيرَةٍ تُسْتَعْمَلُ لِحَمْلِ الْمُؤَنِ وَالأَطْعِمَةِ. وَيَرْبِطُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بَيْنَ عَدَدِ الْقِفَفِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَعَدَدِ التَّلَامِيذِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَيَفْتَرِضُونَ أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ جَمَعَ قُفَّةً. وَهٰذَا احْتِمَالٌ مَعْقُولٌ، لٰكِنَّ النَّصَّ لَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ كُلَّ تِلْمِيذٍ كَانَ يَحْمِلُ قُفَّتَهُ الْخَاصَّةَ. وَالْمَعْنَى الرَّمْزِيُّ الأَعْمَقُ لِلرَّقْمِ اثْنَيْ عَشَرَ يَرْتَبِطُ بِأَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَبِالرُّسُلِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ يَسُوعُ أُسُسًا لِشَعْبِ اللهِ الْجَدِيدِ (مَتَّى 10: 1-2). وَبِذٰلِكَ تُشِيرُ الْقِفَفُ الِاثْنَتَا عَشْرَةُ إِلَى أَنَّ فَيْضَ عَطَاءِ الْمَسِيحِ يَكْفِي شَعْبَ اللهِ كُلَّهُ.
وَيُذَكِّرُ الرَّقْمُ أَيْضًا التَّلَامِيذَ بِمَسْؤُولِيَّتِهِمْ. فَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا فِي الْبِدَايَةِ: "لَيْسَ عِنْدَنَا هٰهُنَا غَيْرُ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ" (مَتَّى 14: 17)، وَهُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ فِي النِّهَايَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مُمْتَلِئَةً. فَيَتَعَلَّمُونَ بِالْخِبْرَةِ أَنَّ مَا يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَسِيحِ لَا يَنْقُصُ بِالْعَطَاءِ، بَلْ يَفِيضُ. أَمَّا الرَّبْطُ بَيْنَ الرَّقْمِ اثْنَيْ عَشَرَ وَالْمِئَةِ وَالْعِشْرِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ (أَعْمَال 1: 15)، عَلَى أَسَاسِ أَنَّ لِكُلِّ رَسُولٍ عَشَرَةَ أَشْخَاصٍ، فَلَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ نَصِّيٍّ، وَلِذٰلِكَ يُسْتَحْسَنُ حَذْفُهُ مِنَ التَّفْسِيرِ الأَكَادِيمِيِّ. وَيَرِدُ فِي مُعْجِزَةِ إِشْبَاعِ الأَرْبَعَةِ آلَافٍ لَفْظٌ يُونَانِيٌّ آخَرُ لِلسِّلَالِ، هُوَ σπυρίς، وَهُوَ يَدُلُّ عَادَةً عَلَى سَلَّةٍ أَكْبَرَ حَجْمًا (مَتَّى 15: 37؛ مَرْقُس 8: 8). َالْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ هُوَ فِي نَوْعِ السَّلَّةِ وَحَجْمِهَا، لَا فِي انْتِمَائِهَا الْعِرْقِيِّ الْحَصْرِيِّ. وَتَكْشِفُ الْقِفَفُ الْمُمْتَلِئَةُ أَنَّ عَطَاءَ الْمَسِيحِ يَتَجَاوَزُ الْحَاجَةَ الْمُبَاشِرَةَ. فَهُوَ لَا يُشْبِعُ الْجُمُوعَ فَقَطْ، بَلْ يَضَعُ فِي أَيْدِي تَلَامِيذِهِ زَادًا لِرِسَالَتِهِمْ. وَالَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مَا يُقَدِّمُونَهُ، يَكْتَشِفُونَ أَنَّهُمْ، مَعَ الْمَسِيحِ، قَادِرُونَ عَلَى حَمْلِ خُبْزٍ يَفِيضُ لِلآخَرِينَ. وَتَحْمِلُ الآيَةُ أَيْضًا دَعْوَةً اجْتِمَاعِيَّةً وَرَعَوِيَّةً: فَإِنْ كَانَ عَطَاءُ اللهِ وَفِيرًا، فَلَيْسَ سَبَبُ جُوعِ الْكَثِيرِينَ دَائِمًا نُدْرَةَ الْخَيْرَاتِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَيْضًا سُوءَ تَوْزِيعِهَا وَاحْتِكَارَهَا وَغِيَابَ التَّضَامُنِ. فَالْخُبْزُ الَّذِي يُحْتَكَرُ لَا يُشْبِعُ سِوَى قِلَّةٍ، أَمَّا الْخُبْزُ الَّذِي يُبَارَكُ وَيُكْسَرُ وَيُشَارَكُ فَيَصِلُ إِلَى الْجَمِيعِ.
وَفِي ضَوْءِ الإِفْخَارِسْتِيَّا، تَطْرَحُ هٰذِهِ الآيَةُ سُؤَالًا عَلَى ضَمِيرِ الْكَنِيسَةِ: كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْمُؤْمِنُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي خُبْزٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَبْقَى غَيْرَ مُبَالٍ بِأَخٍ جَائِعٍ؟ فَالْمَائِدَةُ الَّتِي تُعْلِنُ شَرِكَتَنَا فِي جَسَدِ الْمَسِيحِ تَدْعُونَا أَيْضًا إِلَى شَرِكَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي خَيْرَاتِ الأَرْضِ. وَهٰكَذَا تَجْمَعُ الآيَةُ بَيْنَ الشَّبَعِ وَالْفَيْضِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ: أَكَلَ الْجَمِيعُ، فَلَمْ يُحْرَمْ أَحَدٌ؛ وَشَبِعُوا، فَلَمْ يَكُنِ الْعَطَاءُ نَاقِصًا؛ وَجُمِعَ الْفَائِضُ، فَلَمْ تُهْدَرِ النِّعْمَةُ؛ وَامْتَلَأَتِ الْقِفَفُ الِاثْنَتَا عَشْرَةُ، لِيَتَعَلَّمَ الرُّسُلُ أَنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي يُشْبِعُ الشَّعْبَ هُوَ أَيْضًا الَّذِي يَضَعُ فِي أَيْدِي خُدَّامِهِ مَا يَكْفِي لِمُوَاصَلَةِ الرِّسَالَةِ. وَتَبْقَى الْآيَةُ سُؤَالًا شَخْصِيًّا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ: هَلْ نَتَنَاوَلُ عَطَايَا اللهِ بِالشُّكْرِ وَنَحْفَظُهَا مِنَ التَّبْذِيرِ وَنُشَارِكُهَا مَعَ الآخَرِينَ؟ وَهَلْ نَسْمَحُ لِلْمَسِيحِ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ حَيَاتِنَا قُفَّةً مُمْتَلِئَةً، تَحْمِلُ إِلَى الْجِيَاعِ خُبْزًا، وَإِلَى الْمُتْعَبِينَ رَجَاءً، وَإِلَى الْمَحْرُومِينَ كَرَامَةً؟
21."وَكَانَ الآكِلُونَ خَمْسَةَ آلَافِ رَجُلٍ، مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلَادِ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَكَانَ الآكِلُونَ خَمْسَةَ آلَافِ رَجُلٍ" إِلَى ضَخَامَةِ عَدَدِ الْجَمْعِ الَّذِي أَشْبَعَهُ يَسُوعُ بِخَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ. وَتَرِدُ الْعِبَارَةُ فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: οἱ δὲ ἐσθίοντες ἦσαν ἄνδρες ὡσεὶ πεντακισχίλιοι
أَيْ: "وَكَانَ الَّذِينَ أَكَلُوا نَحْوَ خَمْسَةِ آلَافِ رَجُلٍ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ ὡσεὶ عَلَى التَّقْرِيبِ، أَيْ إِنَّ الْعَدَدَ لَيْسَ إِحْصَاءً دَقِيقًا بِالأَفْرَادِ، بَلْ تَقْدِيرٌ يُظْهِرُ كَثْرَةَ الْجُمُوعِ. وَيُجْمِعُ الإِنْجِيلِيُّونَ الأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرِّجَالِ كَانَ نَحْوَ خَمْسَةِ آلَافٍ (مَرْقُس 6: 44؛ لُوقَا 9: 14؛ يُوحَنَّا 6: 10). وَيُبْرِزُ هٰذَا التَّوَافُقُ التَّفَاوُتَ الْهَائِلَ بَيْنَ ضَآلَةِ الطَّعَامِ الْمُتَوَفِّرِ وَضَخَامَةِ عَدَدِ الَّذِينَ أَكَلُوا، وَمِنْ ثَمَّ يُؤَكِّدُ وَفْرَةَ عَطَاءِ الْمَسِيحِ. وَقَدْ سَهَّلَ تَنْظِيمُ الْجُمُوعِ فِي فِئَاتٍ، بَعْضُهَا مِئَةٌ وَبَعْضُهَا خَمْسُونَ، تَقْدِيرَ عَدَدِ الْحَاضِرِينَ وَتَوْزِيعَ الطَّعَامِ عَلَيْهِمْ، كَمَا يَذْكُرُ مَرْقُسُ: "فَقَعَدُوا حَلَقًا حَلَقًا، مِنْهَا مِئَةٌ وَمِنْهَا خَمْسُونَ" (مَرْقُس 6: 40). وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّنْظِيمُ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ لَمْ تَجْرِ فِي حَالَةٍ مِنَ الْفَوْضَى، بَلْ فِي جَمَاعَةٍ مُنَظَّمَةٍ تَلَقَّى كُلُّ أَفْرَادِهَا نَصِيبَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "خَمْسَةَ آلَافٍ"، فَمَعْنَاهَا الأَوَّلُ فِي سِيَاقِ الرِّوَايَةِ هُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَدٍ كَبِيرٍ جِدًّا. وَلا يَقْتَضِي التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ أَنْ يُفْهَمَ الْعَدَدُ عَلَى أَنَّهُ حَاصِلُ ضَرْبِ الرَّقْمِ خَمْسَةٍ فِي أَلْفٍ لِحَمْلِ رَمْزٍ عَدَدِيٍّ مُحَدَّدٍ. وَيُمْكِنُ، فِي الْقِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، أَنْ يُنْظَرَ إِلَى هٰذَا الْجَمْعِ الْكَبِيرِ عَلَى أَنَّهُ صُورَةٌ لِشَعْبِ اللهِ الْمَجْمُوعِ حَوْلَ الْمَسِيحِ، وَعَلامَةٌ مُسْبَقَةٌ إِلَى الْوَلِيمَةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ الَّتِي يُعِدُّهَا اللهُ لِشُعُوبِ الأَرْضِ. فَالْمَسِيحُ لَا يُشْبِعُ أَفْرَادًا مُتَفَرِّقِينَ فَحَسْبُ، بَلْ يُكَوِّنُ جَمَاعَةً تَجْتَمِعُ حَوْلَ كَلِمَتِهِ وَمَائِدَتِهِ.
وَقَدْ رَبَطَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الرَّقْمَ خَمْسَةً بِأَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ، أَوْ بِالأَرْغِفَةِ الْخَمْسَةِ الَّتِي قُدِّمَتْ لِلْمَسِيحِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ قِرَاءَاتٌ رَمْزِيَّةٌ وَرُوحِيَّةٌ، وَلَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا عَلَى أَنَّهَا الْمَعْنَى التَّارِيخِيُّ الْمُبَاشَرُ لِلْعَدَدِ. وَكَذٰلِكَ لَا يَحْمِلُ الرَّقْمُ أَلْفٌ فِي هٰذَا النَّصِّ بِالضَّرُورَةِ دَلَالَةً رَمْزِيَّةً، كَمَا فِي بَعْضِ النُّصُوصِ الرُّؤْيَوِيَّةِ، بَلْ يُشِيرُ هُنَا إِلَى عَدَدٍ حَقِيقِيٍّ تَقْرِيبِيٍّ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ ضَخَامَةَ الْعَدَدِ تَجْعَلُ الْحَدَثَ صُورَةً لِلْفَيْضِ الإِلَهِيِّ الَّذِي يَتَجَاوَزُ حِسَابَاتِ الإِنْسَانِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "رَجُلٍ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِكَلِمَةِ ἄνδρες، وَهِيَ جَمْعُ ἀνήρ ، وَتَعْنِي الرِّجَالَ الذُّكُورَ الْبَالِغِينَ، خِلَافًا لِلَفْظِ ἄνθρωπος الَّذِي قَدْ يَدُلُّ عَلَى الإِنْسَانِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ إِحْصَاءَ الرِّجَالِ وَحْدَهُمْ يَنْسَجِمُ مَعَ الطَّرِيقَةِ الْمَأْلُوفَةِ فِي بَعْضِ الإِحْصَاءَاتِ الْكِتَابِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، حَيْثُ كَانَ يُحْسَبُ الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ، وَلا سِيَّمَا رُؤُوسُ الْعَائِلَاتِ أَوِ الْقَادِرُونَ عَلَى الْخِدْمَةِ وَالْقِتَالِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي بَعْضِ إِحْصَاءَاتِ سِفْرِ الْعَدَدِ (عَدَد 1: 2-3). وَلٰكِنْ لَا يَجُوزُ الْجَزْمُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَمْسَةِ آلَافِ كَانَ رَأْسَ أُسْرَةٍ، لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَقُولُ ذٰلِكَ. فَالْمُؤَكَّدُ فَقَطْ أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ يَخُصُّ الرِّجَالَ، فِي حِينِ وُجِدَ مَعَهُمْ عَدَدٌ آخَرُ مِنَ النِّسَاءِ وَالأَوْلَادِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلَادِ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: χωρὶς γυναικῶν καὶ παιδίων أَيْ: "مِنْ غَيْرِ حِسَابِ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ". وَكَلِمَةُ γυναικῶν تَعْنِي النِّسَاءَ، أَمَّا παιδίων فَتَعْنِي الأَطْفَالَ أَوِ الصِّغَارَ. وَيَنْفَرِدُ مَتَّى بِالتَّصْرِيحِ بِوُجُودِ النِّسَاءِ وَالأَوْلَادِ إِلَى جَانِب الرِّجَالِ، وَهٰذَا لَا يَعْنِي أَنَّهُ يَسْتَبْعِدُهُمْ مِنَ الْجَمَاعَةِ أَوْ مِنَ الْعِبَادَةِ، بَلْ عَلَى الْعَكْسِ يُؤَكِّدُ أَنَّهُمْ كَانُوا حَاضِرِينَ، وَأَنَّهُمْ أَكَلُوا مِنَ الْخُبْزِ نَفْسِهِ. فَالآيَةُ لَا تَقُولُ إِنَّ يَسُوعَ أَطْعَمَ الرِّجَالَ وَأَهْمَلَ النِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ، بَلْ إِنَّ عَدَدَ الرِّجَالِ وَحْدَهُمْ كَانَ نَحْوَ خَمْسَةِ آلَافٍ، فَضْلًا عَنِ النِّسَاءِ وَالأَوْلَادِ. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الْعَدَدَ الإِجْمَالِيَّ لِلْحَاضِرِينَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِدِقَّةٍ.
وَلَا يَقُولُ النَّصُّ إِنَّ عَدَدَ الْحَاضِرِينَ كَانَ عَشَرَةَ آلَافٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، كَمَا تُقَدِّرُ بَعْضُ الشُّرُوحِ الشَّعْبِيَّةِ؛ فَهٰذِهِ أَرْقَامٌ افْتِرَاضِيَّةٌ لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ نَصِّيٌّ. وَالأَدَقُّ أَنْ يُقَالَ: كَانَ الْعَدَدُ الْكُلِّيُّ يَفُوقُ خَمْسَةَ آلَافٍ بِسَبَبِ وُجُودِ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ. وَتَضَعُ هٰذِهِ التَّفَاصِيلُ الرِّوَايَةَ فِي بِيئَةٍ يَهُودِيَّةٍ، حَيْثُ كَانَتِ الأُسَرُ تَسِيرُ مَعًا، وَحَيْثُ كَانَ إِحْصَاءُ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ أَمْرًا مَعْرُوفًا. غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ تَتَجَاوَزُ الْعُرْفَ الِاجْتِمَاعِيَّ، إِذْ تُظْهِرُ أَنَّ الْمَائِدَةَ الَّتِي أَقَامَهَا يَسُوعُ ضَمَّتِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأَوْلَادَ مَعًا.
وَفِي هٰذَا الْمَشْهَدِ نَرَى الْجَمَاعَةَ الْبَشَرِيَّةَ بِكُلِّ مُكَوِّنَاتِهَا تَجْتَمِعُ حَوْلَ الْمَسِيحِ. فَالآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ وَالأَوْلَادُ كُلُّهُمْ يَجْلِسُونَ عَلَى الْعُشْبِ وَيَتَلَقَّوْنَ الْخُبْزَ مِنْ يَدِ الرَّبِّ. وَبِذٰلِكَ تَتَجَلَّى الْوَلِيمَةُ صُورَةً لِشَعْبِ اللهِ الَّذِي لَا يُبْنَى عَلَى التَّمْيِيزِ فِي الْكَرَامَةِ، بَلْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْعَطِيَّةِ نَفْسِهَا. وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ ذِكْرُ الرِّجَالِ أَوَّلًا عَلَى أَنَّهُ إِقْرَارٌ إِنْجِيلِيٌّ بِأَفْضَلِيَّةِ الرَّجُلِ فِي نَيْلِ الْخَلَاصِ أَوْ فِي الِانْتِمَاءِ إِلَى شَعْبِ اللهِ. فَإِنْجِيلُ مَتَّى نَفْسُهُ يُبْرِزُ حُضُورَ النِّسَاءِ فِي تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ: مِنْ نَسَبِ يَسُوعَ، إِلَى خِدْمَةِ النِّسَاءِ لَهُ، إِلَى وُقُوفِهِنَّ عِنْدَ الصَّلِيبِ، وَكَوْنِهِنَّ أَوَّلَ الشُّهُودِ لِلْقِيَامَةِ (مَتَّى 1: 3-6؛ 27: 55-56؛ 28: 1-10). كَذٰلِكَ يَحْتَلُّ الأَطْفَالُ مَكَانَةً مُمَيَّزَةً فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ، إِذْ يَقُولُ: "دَعُوا الأَطْفَالَ وَلَا تَمْنَعُوهُمْ مِنَ الْمَجِيءِ إِلَيَّ، فَلِأَمْثَالِ هٰؤُلَاءِ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 19: 14). فَذِكْرُهُمْ فِي مُعْجِزَةِ الأَرْغِفَةِ يُذَكِّرُ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا خَارِجَ اهْتِمَامِ الْمَسِيحِ، بَلْ هُمْ جُزْءٌ مِنَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي يُطْعِمُهَا وَيُبَارِكُهَا. وَيَحْمِلُ حُضُورُ النِّسَاءِ وَالأَوْلَادِ بُعْدًا رَعَوِيًّا مُهِمًّا؛ فَالْكَنِيسَةُ الْمَدْعُوَّةُ إِلَى تَوْزِيعِ خُبْزِ الْمَسِيحِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَهْتَمَّ بِفِئَةٍ وَتُهْمِلَ أُخْرَى. فَالْخِدْمَةُ الْمَسِيحِيَّةُ تَشْمَلُ الأُسَرَ، وَالأَرَامِلَ، وَالأُمَّهَاتِ، وَالأَطْفَالَ، وَكُلَّ مَنْ قَدْ لَا تَظْهَرُ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الإِحْصَاءَاتِ الرَّسْمِيَّةِ.
وَقَدْ يَكُونُ تَعْبِيرُ "مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلَادِ" تَذْكِيرًا بِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْخَاصِ يُهْمَلُونَ فِي الإِحْصَاءِ الْبَشَرِيِّ، وَلٰكِنَّهُمْ لَا يُهْمَلُونَ فِي عِنَايَةِ اللهِ. فَقَدْ لَمْ يُعْطِ الإِنْجِيلُ رَقْمًا لَهُمْ، لٰكِنَّ يَسُوعَ رَآهُمْ وَأَجْلَسَهُمْ وَأَطْعَمَهُمْ وَأَشْبَعَهُمْ. وَتَكْشِفُ الآيَةُ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ عَمَلٍ اسْتِعْرَاضِيٍّ يُظْهِرُ قُوَّةَ يَسُوعَ، بَلْ كَانَتْ عَمَلَ رِعَايَةٍ شَامِلَةٍ. فَمَنْ يَعُدُّهُمُ الْمُجْتَمَعُ، وَمَنْ لَا يَعُدُّهُمْ، جَمِيعُهُمْ حَاضِرُونَ أَمَامَ الْمَسِيحِ، وَجَمِيعُهُمْ يَنَالُونَ مِنْ عَطَائِهِ. وَإِذَا قُرِئَتِ الْمُعْجِزَةُ فِي ضَوْءِ الإِفْخَارِسْتِيَّا، فَإِنَّ الْجَمْعَ الْكَبِيرَ يُصْبِحُ صُورَةً لِلْكَنِيسَةِ الَّتِي يَدْعُوهَا الْمَسِيحُ إِلَى مَائِدَتِهِ. وَذَبِيحَةُ الْمَسِيحِ قُدِّمَتْ مِنْ أَجْلِ الْجَمِيعِ، وَدَعْوَةُ الْخَلَاصِ مُوَجَّهَةٌ إِلَى كُلِّ الشُّعُوبِ، وَإِنْ كَانَ الِاشْتِرَاكُ الأَسْرَارِيُّ فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا يَفْتَرِضُ الإِيمَانَ وَالْمَعْمُودِيَّةَ وَالِاسْتِعْدَادَ اللَّائِقَ وَالشَّرِكَةَ الْكَنَسِيَّةَ. وَفِي الْخِتَامِ، تُظْهِرُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ الْمَسِيحَ يُشْبِعُ جَمَاعَةً تَفُوقُ كُلَّ الْحِسَابَاتِ الْبَشَرِيَّةِ. فَالْمَذْكُورُونَ فِي الرَّقْمِ خَمْسَةُ آلَافٍ، أَمَّا الْحَاضِرُونَ فَأَكْثَرُ؛ وَمَا كَانَ فِي يَدِ التَّلَامِيذِ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ، أَمَّا مَا فَاضَ فَاثْنَتَا عَشْرَةَ قُفَّةً. وَهٰكَذَا تَنْتَهِي الرِّوَايَةُ بِمُفَارَقَةٍ إِيمَانِيَّةٍ: قِلَّةُ الْمَوَارِدِ فِي بَدَايَةِ الْحَدَثِ، وَكَثْرَةُ الشَّبَعِ وَالْفَيْضِ فِي نِهَايَتِهِ.
وَتَطْرَحُ الآيَةُ عَلَيْنَا سُؤَالًا رَعَوِيًّا: هَلْ نَرَى فِي جَمَاعَاتِنَا فَقَطْ مَنْ تُسَجِّلُهُمُ الأَرْقَامُ وَتَذْكُرُهُمُ التَّقَارِيرُ، أَمْ نَلْتَفِتُ أَيْضًا إِلَى الَّذِينَ يَبْقَوْنَ خَارِجَ الْحِسَابِ: الْفُقَرَاءِ، وَالنِّسَاءِ الْمُهَمَّشَاتِ، وَالأَطْفَالِ، وَالضُّعَفَاءِ؟ فَعَلَى مَائِدَةِ الْمَسِيحِ لَا يُوجَدُ إِنْسَانٌ زَائِدٌ عَنِ الْعَدَدِ، وَلَا شَخْصٌ خَارِجُ عِنَايَتِهِ.
ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 14: 13-21)
بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 14: 13-21)، يَتَّضِحُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الْمُنْتَظَرِ، الَّذِي يُظْهِرُ قُدْرَةَ اللهِ وَرَحْمَتَهُ مِنْ خِلَالِ شَفَائِهِ الْمَرْضَى وَإِشْبَاعِهِ الْجِيَاعَ. فَالْمَسِيحُ لَا يَكْتَفِي بِإِعْلَانِ الْكَلِمَةِ، بَلْ يُجَسِّدُهَا فِي أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ، فَيَلْمَسُ آلامَ الإِنْسَانِ الْجَسَدِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ، وَيُعِيدُ إِلَيْهِ الْعَافِيَةَ وَالْكَرَامَةَ وَالرَّجَاءَ.
وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ التَّأَمُّلِ فِي عَمَلَيْنِ مُتَرَابِطَيْنِ يَرْوِيهِمَا النَّصُّ" شِفَاءِ الْمَرْضَى، وَإِشْبَاعِ الْجُمُوعِ بِخَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ. فَالشِّفَاءُ يَكْشِفُ رَحْمَةَ الْمَسِيحِ الَّتِي تَرْفَعُ الأَلَمَ، وَتَكْثِيرُ الْخُبْزِ يَكْشِفُ عِنَايَتَهُ الَّتِي تُشْبِعُ الْجُوعَ، وَكِلَاهُمَا يُعْلِنُ حُضُورَ مَلَكُوتِ اللهِ فِي وَسَطِ النَّاسِ.
1. مُعْجِزَةُ شِفَاءِ الْمَرْضَى
كَانَتْ حَيَاةُ يَسُوعَ وَرِسَالَتُهُ مُرْتَبِطَتَيْنِ بِالتَّعْلِيمِ وَالْعَمَلِ؛ فَلَمْ يَكُنْ يُعَلِّمُ بِالْكَلِمَةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ يُؤَيِّدُ تَعْلِيمَهُ بِأَعْمَالِ الرَّحْمَةِ وَالشِّفَاءِ. وَقَبْلَ أَنْ يُشْبِعَ الْجُمُوعَ، يُشَدِّدُ مَتَّى عَلَى أَنَّ يَسُوعَ رَأَى آلامَهُمْ وَتَحَرَّكَ نَحْوَهُمْ بِالشَّفَقَةِ: "فَعَرَفَ الْجُمُوعُ ذٰلِكَ فَتَبِعُوهُ مِنَ الْمُدُنِ سَيْرًا عَلَى الأَقْدَامِ. فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الْبَرِّ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا، فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، فَشَفَى مَرْضَاهُمْ" (مَتَّى 14: 13-14).
قَبْلَ أَنْ يُشْبِعَ يَسُوعُ الْجُمُوعَ بِالْخُبْزِ، أَشْبَعَهُمْ بِرَحْمَتِهِ، فَيَقُولُ مَتَّى: "فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الْبَرِّ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا، فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، فَشَفَى مَرْضَاهُمْ" (مَتَّى 14: 14). فَحَيَاةُ يَسُوعَ وَرِسَالَتُهُ تَقُومَانِ عَلَى وَحْدَةِ التَّعْلِيمِ وَالْعَمَلِ؛ فَهُوَ لَا يُعَلِّمُ بِالْكَلِمَةِ فَقَطْ، بَلْ يُجَسِّدُ تَعْلِيمَهُ بِأَعْمَالِ الرَّحْمَةِ وَالشِّفَاءِ.
وَتُعَبِّرُ عِبَارَةُ "رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا" عَنْ نَظْرَةِ يَسُوعَ الرَّاعِي، الَّتِي تَنْفُذُ إِلَى أَعْمَاقِ الإِنْسَانِ وَتَرَى احْتِيَاجَهُ الْحَقِيقِيَّ. فَهُوَ لَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَرِيضِ كَحَالَةٍ طِبِّيَّةٍ، بَلْ كَإِنْسَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى الرَّحْمَةِ وَاسْتِعَادَةِ كَرَامَتِهِ. وَقَدْ خَصَّصَ إِنْجِيلُ مَتَّى حَيِّزًا وَاسِعًا لِمُعْجِزَاتِ الشِّفَاءِ، مِثْلَ شِفَاءِ الأَبْرَصِ، وَخَادِمِ قَائِدِ الْمِئَةِ، وَالْمُقْعَدِ، وَالْمَرْأَةِ النَّازِفَةِ، وَالأَعْمَيَيْنِ، وَغَيْرِهَا، لِيُظْهِرَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي تَحَقَّقَتْ فِيهِ نُبُوءَةُ أَشَعْيَاءَ: "هُوَ الَّذِي أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا" (مَتَّى 8: 17؛ أَشَعْيَاء 53: 4).
لِذٰلِكَ فَإِنَّ مُعْجِزَاتِ الشِّفَاءِ لَيْسَتْ أَعْمَالًا اسْتِعْرَاضِيَّةً، بَلْ هِيَ عَلامَاتٌ مَسِيحَانِيَّةٌ تُعْلِنُ أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ لِيُخَلِّصَ الإِنْسَانَ كُلَّهُ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُزِلِ الأَلَمَ مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ حَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَجَعَلَ شِفَاءَ الْجَسَدِ عَلامَةً عَلَى الْخَلَاصِ الشَّامِلِ الَّذِي يَهَبُهُ لِلإِنْسَانِ (PG 57).
غَيْرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالْخَطِيئَةِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَرَضٍ نَتِيجَةً لِخَطِيئَةٍ شَخْصِيَّةٍ، وَقَدْ رَفَضَ يَسُوعُ هٰذَا الْفَهْمَ حِينَ قَالَ عَنِ الْمَوْلُودِ أَعْمَى: «لَا هٰذَا خَطِئَ وَلَا وَالِدَاهُ" (يُوحَنَّا 9: 3). فَغَايَةُ الشِّفَاءِ هِيَ إِظْهَارُ مَحَبَّةِ اللهِ وَاسْتِعَادَةُ الإِنْسَانِ إِلَى كَرَامَتِهِ وَشَرِكَتِهِ مَعَ اللهِ.
وَيَسْبِقُ شِفَاءُ الْمَرْضَى إِشْبَاعَ الْجُمُوعِ، فَيُظْهِرُ أَنَّ الْوَلِيمَةَ الَّتِي يُقَدِّمُهَا الْمَسِيحُ هِيَ وَلِيمَةُ خَلَاصٍ وَحَيَاةٍ. وَرَأَى التَّقْلِيدُ الْكَنَسِيُّ فِي تَكْثِيرِ الأَرْغِفَةِ تَمْهِيدًا لِلإِفْخَارِسْتِيَّا، غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ يَتَحَدَّثُ عَنْ شِفَاءِ الْمَرْضَى، وَلَا يَذْكُرُ غُفْرَانَ الْخَطَايَا فِي هٰذَا الْمَوْضِعِ. لِذٰلِكَ فَالأَدَقُّ أَنْ نَرَى فِي الشِّفَاءِ عَلامَةً عَلَى الْخَلَاصِ الشَّامِلِ الَّذِي يُعِيدُ الإِنْسَانَ إِلَى صِحَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَشَرِكَتِهِ مَعَ اللهِ.
وَتُعَلِّمُ الْكَنِيسَةُ أَنَّ الإِفْخَارِسْتِيَّا تَتَطَلَّبُ قَلْبًا مُصَالَحًا مَعَ اللهِ، فَمَنْ يَعِي عَلَى نَفْسِهِ خَطِيئَةً مُمِيتَةً يَنْبَغِي أَنْ يَنَالَ أَوَّلًا سِرَّ التَّوْبَةِ، أَمَّا الْخَطَايَا الْعَرَضِيَّةُ فَلَا تَمْنَعُ التَّنَاوُلَ، بَلْ تَجْعَلُ الإِفْخَارِسْتِيَّا دَوَاءً رُوحِيًّا يُقَوِّي الْمُؤْمِنَ فِي مَسِيرَتِهِ نَحْوَ الْقَدَاسَةِ.
وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةُ دَعْوَةً رَعَوِيَّةً دَائِمَةً؛ فَكَمَا رَأَى يَسُوعُ الْجُمُوعَ، وَتَحَرَّكَ بِالشَّفَقَةِ، وَشَفَى مَرْضَاهُمْ، هٰكَذَا تُدْعَى الْكَنِيسَةُ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ إِلَى أَنْ يَرَى آلامَ الْمَرْضَى، وَيُتَرْجِمَ صَلَاتَهُ إِلَى زِيَارَةٍ، وَمُرَافَقَةٍ، وَتَعْزِيَةٍ، وَعَمَلِ مَحَبَّةٍ. فَالشَّفَقَةُ الْمَسِيحِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ، بَلْ رَحْمَةٌ تَتَحَوَّلُ إِلَى خِدْمَةٍ.
وَفِي الْخِتَامِ، يَظْهَرُ يَسُوعُ فِي هٰذِهِ الْمُعْجِزَةِ طَبِيبًا إِلَهِيًّا يَحْمِلُ أَوْجَاعَ الإِنْسَانِ وَيَفْتَحُ أَمَامَهُ طَرِيقَ الْحَيَاةِ. وَمَنْ يَجْتَمِعُ حَوْلَ مَائِدَةِ الْمَسِيحِ يُدْعَى أَيْضًا إِلَى أَنْ يَحْمِلَ شَفَقَتَهُ إِلَى الْمَرْضَى وَالْمُتَأَلِّمِينَ، لِتَبْقَى الْكَنِيسَةُ فِي كُلِّ زَمَانٍ يَدًا تَشْفِي، وَقَلْبًا يَرْحَمُ، وَشَاهِدَةً لِمَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي لَا تَتْرُكُ الإِنْسَانَ وَحْدَهُ فِي أَلَمِهِ.
2. مُعْجِزَةُ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ
يَرْوِي مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ مُعْجِزَةَ إِشْبَاعِ الْجُمُوعِ بِخَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ، فَيَكْشِفُ السَّبَبَ الَّذِي دَفَعَ يَسُوعَ إِلَى صُنْعِهَا، وَيُبَيِّنُ دَلَالَتَهَا الْخَلَاصِيَّةَ، وَيُظْهِرُ الدَّوْرَ الَّذِي أَسْنَدَهُ إِلَى تَلَامِيذِهِ فِي تَوْزِيعِ الْخُبْزِ عَلَى الْجُمُوعِ. وَتَفْتَحُ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةُ أَمَامَ الْمُؤْمِنِ أَبْعَادًا رُوحِيَّةً وَرَعَوِيَّةً عِدَّةً، فَتَدْعُوهُ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا، وَإِلَى الْعَطَاءِ وَالْعَمَلِ وَالصَّلَاةِ، وَإِلَى الِالْتِزَامِ الْعَمَلِيِّ بِحَاجَاتِ الْجِيَاعِ وَالْمُحْتَاجِينَ.
أَوَّلًا: سَبَبُ الْمُعْجِزَةِ
تَنْبَعُ مُعْجِزَةُ تَكْثِيرِ الأَرْغِفَةِ وَالسَّمَكَتَيْنِ مِنْ شَفَقَةِ يَسُوعَ عَلَى الْجُمُوعِ الَّتِي تَبِعَتْهُ إِلَى الْمَكَانِ الْقَفْرِ. فَيَقُولُ مَتَّى: «فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الْبَرِّ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا، فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، فَشَفَى مَرْضَاهُمْ» (مَتَّى 14: 14). فَالْمُبَادَرَةُ تَأْتِي مِنَ الْمَسِيحِ نَفْسِهِ، الَّذِي رَأَى الْجُمُوعَ وَأَدْرَكَ تَعَبَهُمْ وَجُوعَهُمْ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ مِنْهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا الطَّعَامَ.
وَفِي حِينٍ يُشَدِّدُ مَرْقُسُ عَلَى أَنَّ يَسُوعَ أَخَذَ يُعَلِّمُهُمْ أُمُورًا كَثِيرَةً، لِأَنَّهُمْ كَانُوا "كَخِرَافٍ لَا رَاعِيَ لَهَا" (مَرْقُس 6: 34)، يُرَكِّزُ مَتَّى عَلَى شِفَائِهِ مَرْضَاهُمْ، ثُمَّ عَلَى إِشْبَاعِ جُوعِهِمْ. وَلَا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ مَتَّى يَنْفِي تَعْلِيمَ يَسُوعَ لِلْجُمُوعِ، بَلْ إِنَّهُ يَنْتَقِي مِنَ التَّقْلِيدِ مَا يُبْرِزُ شَفَقَةَ الْمَسِيحِ الْعَمَلِيَّةَ الَّتِي تَتَجَلَّى فِي الشِّفَاءِ وَالإِطْعَامِ.
وَلَمْ يَصْنَعْ يَسُوعُ الْمُعْجِزَةَ بِمَعْزِلٍ عَنْ تَلَامِيذِهِ، بَلْ أَشْرَكَهُمْ فِي عَمَلِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: "أَنْتُمْ أَعْطُوهُمْ مَا يَأْكُلُونَ" (مَتَّى 14: 16). ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُمُ الأَرْغِفَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَبَارَكَهَا وَكَسَرَهَا، وَأَعْطَاهَا لَهُمْ لِيُوَزِّعُوهَا عَلَى الْجُمُوعِ. وَهٰكَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ مَصْدَرُ الْعَطِيَّةِ، أَمَّا التَّلَامِيذُ فَهُمُ الْوُسَطَاءُ وَالْخُدَّامُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْهُ إِلَى الشَّعْبِ.
وَتَكْشِفُ شَفَقَةُ يَسُوعَ أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لَا تَبْقَى مَحْصُورَةً فِي الْكَلِمَاتِ، بَلْ تَنْحَنِي عَلَى حَاجَاتِ الْبَشَرِ الْمَلْمُوسَةِ. فَاللهُ يَهْتَمُّ بِالإِنْسَانِ الْجَائِعِ إِلَى الْخُبْزِ، كَمَا يَهْتَمُّ بِجُوعِهِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَالْكَرَامَةِ وَالسَّلَامِ، وَقَبْلَ ذٰلِكَ وَمَعَهُ بِجُوعِهِ إِلَى النِّعْمَةِ وَالْحَقِّ وَالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
فَالإِنْجِيلُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْجُوعِ الْمَادِّيِّ وَالْجُوعِ الرُّوحِيِّ، وَلَا يَسْمَحُ بِاسْتِعْمَالِ الصَّلَاةِ بَدِيلًا مِنَ الْعَمَلِ، أَوِ الْعَمَلِ الِاجْتِمَاعِيِّ بَدِيلًا مِنَ الإِيمَانِ. فَالْمَسِيحُ يَشْفِي الْمَرْضَى، وَيُعَلِّمُ الْجُمُوعَ، وَيُشْبِعُ الْجِيَاعَ، وَبِذٰلِكَ يَكْشِفُ وَحْدَةَ رِسَالَتِهِ الْخَلَاصِيَّةِ.
ثَانِيًا: رَمْزُ الْمُعْجِزَةِ وَدَلَالَتُهَا الإِفْخَارِسْتِيَّةُ
لَا تَقْتَصِرُ أَهَمِّيَّةُ مُعْجِزَةِ تَكْثِيرِ الأَرْغِفَةِ عَلَى إِشْبَاعِ جُوعِ الْجُمُوعِ، بَلْ تَحْمِلُ أَيْضًا دَلَالَةً خَلَاصِيَّةً عَمِيقَةً. فَهِيَ تُعْلِنُ حُضُورَ مَلَكُوتِ اللهِ، وَتَسْتَحْضِرُ صُوَرَ الْوَلِيمَةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ الَّتِي وَعَدَ بِهَا الأَنْبِيَاءُ، وَتُمَهِّدُ لِلإِفْخَارِسْتِيَّا الَّتِي سَيُؤَسِّسُهَا يَسُوعُ فِي الْعَشَاءِ الأَخِيرِ.
وَإِطْعَامُ الْجِيَاعِ فِي ذَاتِهِ عَمَلُ رَحْمَةٍ حَقِيقِيٌّ يَكْشِفُ عِنَايَةَ اللهِ بِالإِنْسَانِ. غَيْرَ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ لَا تَقِفُ عِنْدَ الْخُبْزِ الْمَادِّيِّ، بَلْ تُشِيرُ إِلَى الْعَطِيَّةِ الأَعْظَمِ الَّتِي سَيُقَدِّمُهَا الْمَسِيحُ، حِينَ يَبْذُلُ جَسَدَهُ وَدَمَهُ غِذَاءً لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
وَتَظْهَرُ الدَّلَالَةُ الإِفْخَارِسْتِيَّةُ خُصُوصًا فِي الأَفْعَالِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا مَتَّى: أَخَذَ، وَبَارَكَ، وَكَسَرَ، وَأَعْطَى. فَيَقُولُ عَنْ يَسُوعَ: "أَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَبَارَكَ وَكَسَرَ الأَرْغِفَةَ، وَنَاوَلَهَا تَلَامِيذَهُ" (مَتَّى 14: 19). وَهِيَ الأَفْعَالُ نَفْسُهَا الَّتِي تَرِدُ فِي الْعَشَاءِ الأَخِيرِ: "أَخَذَ يَسُوعُ خُبْزًا، وَبَارَكَ، وَكَسَرَ، وَأَعْطَى تَلَامِيذَهُ" (مَتَّى 26: 26).
وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّوَازِي اللَّفْظِيُّ أَنَّ مُعْجِزَةَ الأَرْغِفَةِ تُهَيِّئُ الْقَارِئَ لِفَهْمِ سِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَّا. غَيْرَ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ لَيْسَتْ هِيَ نَفْسَهَا تَأْسِيسَ السِّرِّ؛ فَفِي الْمَكَانِ الْقَفْرِ قَدَّمَ يَسُوعُ خُبْزًا أَشْبَعَ بِهِ جُوعَ الأَجْسَادِ، أَمَّا فِي الْعُلِّيَّةِ فَقَدَّمَ ذَاتَهُ تَحْتَ شَكْلَيِ الْخُبْزِ وَالْخَمْرِ، عَهْدًا جَدِيدًا وَغِذَاءً لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
وَلَا تُعَدُّ عِبَارَةُ "وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ" (مَتَّى 14: 15) دَلِيلًا حَاسِمًا عَلَى الْمَعْنَى الإِفْخَارِسْتِيِّ؛ فَهِيَ تُفَسِّرُ فِي السِّيَاقِ قَلَقَ التَّلَامِيذِ مِنْ بَقَاءِ الْجُمُوعِ فِي الْمَكَانِ الْقَفْرِ. أَمَّا الدَّلَالَةُ الأَقْوَى فَتَكْمُنُ فِي تَسَلْسُلِ أَفْعَالِ الأَخْذِ وَالْبَرَكَةِ وَالْكَسْرِ وَالْعَطَاءِ.
فِي الْعَشَاءِ الأَخِيرِ، أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ وَقَالَ: "خُذُوا فَكُلُوا، هٰذَا هُوَ جَسَدِي" (مَتَّى 26: 26). وَبِذٰلِكَ جَعَلَ الْخُبْزَ الْمَكْسُورَ حُضُورًا سِرِّيًّا حَقِيقِيًّا لِجَسَدِهِ الَّذِي سَيُبْذَلُ عَلَى الصَّلِيبِ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ الْعَالَمِ. وَكَمَا أَكَلَ الْجَمِيعُ مِنَ الأَرْغِفَةِ وَشَبِعُوا، يَدْعُو الْمَسِيحُ الْبَشَرَ إِلَى أَنْ يَجِدُوا فِيهِ غِذَاءَهُمُ الْحَقِيقِيَّ، لأَنَّهُ يَقُولُ: "أَنَا خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلَنْ يَجُوعَ" (يُوحَنَّا 6: 35). فَالْمَسِيحُ لَيْسَ مُعْطِيَ الْخُبْزِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ نَفْسُهُ خُبْزُ الْحَيَاةِ.
وَالإِفْخَارِسْتِيَّا هِيَ سِرُّ الشُّكْرِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالشَّرِكَةِ، وَالذِّكْرُ السِّرِّيُّ لِمَوْتِ الرَّبِّ وَقِيَامَتِهِ. وَفِيهَا لَا يُقَدِّمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، بَلْ يُقَدِّمُ ذَاتَهُ؛ فَهُوَ الْخُبْزُ وَالْعَاطِي وَالْعَطِيَّةُ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَإِذْ يَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنُ جَسَدَ الْمَسِيحِ، فَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي عَلاقَةٍ فَرْدِيَّةٍ مَعَ الرَّبِّ فَحَسْبُ، بَلْ يَدْخُلُ أَيْضًا فِي شَرِكَةٍ مَعَ الْكَنِيسَةِ. وَيَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "لأَنَّ الْخُبْزَ وَاحِدٌ، فَنَحْنُ عَلَى كَثْرَتِنَا جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا نَشْتَرِكُ كُلُّنَا فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ" (1 قُورِنْثُس 10: 17).
وَمِنْ ثَمَّ، لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ يَشْتَرِكُ فِي مَائِدَةِ الْمَسِيحِ أَنْ يَبْقَى غَيْرَ مُبَالٍ بِجُوعِ إِخْوَتِهِ. فَالإِفْخَارِسْتِيَّا تَدْفَعُ إِلَى الْمُشَارَكَةِ وَالْعَطَاءِ، وَتُحَوِّلُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُتَلَقٍّ لِلْخُبْزِ إِلَى خَادِمٍ يَحْمِلُ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ إِلَى الآخَرِينَ. وَكَلِمَةُ يَسُوعَ: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ" (مَتَّى 14: 16)، تَبْقَى دَعْوَةً دَائِمَةً لِلْكَنِيسَةِ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنَ الْجِيَاعِ وَالْمُحْتَاجِينَ.
وَهٰكَذَا تَدْعُونَا الْمُعْجِزَةُ إِلَى أَرْبَعِ حَرَكَاتٍ مُتَكَامِلَةٍ: أَنْ نَرْفَعَ عُيُونَنَا إِلَى اللهِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ نُقَدِّمَ مَا عِنْدَنَا وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا، وَأَنْ نَكْسِرَ خُبْزَنَا مَعَ الْمُحْتَاجِينَ، وَأَنْ نَتَنَاوَلَ خُبْزَ الْحَيَاةِ لِنَصِيرَ نَحْنُ أَيْضًا عَطِيَّةً لِلآخَرِينَ.
فَالتَّنَاوُلُ مِنْ دُونِ مَحَبَّةٍ قَدْ يَبْقَى عَمَلًا طَقْسِيًّا لَا يُثْمِرُ فِي الْحَيَاةِ، أَمَّا حِينَ تَجْتَمِعُ الإِفْخَارِسْتِيَّا وَالصَّلَاةُ وَالْعَطَاءُ وَالْخِدْمَةُ، فَيَصِيرُ الْمُؤْمِنُ شَرِيكًا حَقِيقِيًّا فِي رِسَالَةِ الْمَسِيحِ. وَفِي الْخِتَامِ، تُمَهِّدُ وَلِيمَةُ الأَرْغِفَةِ لِلْعَطِيَّةِ الأَعْظَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الْمَسِيحُ: «هٰذَا هُوَ جَسَدِي». فَهُوَ يُشْبِعُ أَبْنَاءَ اللهِ مِنْ خُبْزِهِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، وَيَجْمَعُهُمْ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ هُوَ الْكَنِيسَةُ، ثُمَّ يُرْسِلُهُمْ لِيَكُونُوا خُبْزَ مَحَبَّةٍ وَرَحْمَةٍ لِلْعَالَمِ.
ثالِثًا: مُعْجِزَةُ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْن ِدَعْوَةٌ إِلَى الإِفْخَارِسْتِيَّا
يَدْعُونَا يَسُوعُ، مِنْ خِلَالِ مُعْجِزَةِ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ، إِلَى الدُّخُولِ فِي مَعْنَى الإِفْخَارِسْتِيَّا، مَائِدَةِ الْخَيْرَاتِ الْمَسِيحَانِيَّةِ، الَّتِي يَهَبُ فِيهَا اللهُ الإِنْسَانَ نِعْمَتَهُ وَحَقَّهُ وَرَحْمَتَهُ وَسَلَامَهُ. فَمَائِدَةُ الْمَسِيحِ لَيْسَتْ مُقَابِلَ ثَمَنٍ بَشَرِيٍّ، وَلَا جَزَاءً عَلَى اسْتِحْقَاقٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ هِيَ عَطِيَّةٌ مَجَّانِيَّةٌ تَنْبَعُ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ وَتُقَدَّمُ لِلإِنْسَانِ لِيَحْيَا.
وَقَدْ هَيَّأَ الأَنْبِيَاءُ لِهٰذِهِ الدَّعْوَةِ حِينَ صَوَّرُوا الْخَلَاصَ فِي شَكْلِ وَلِيمَةٍ مَفْتُوحَةٍ أَمَامَ الْعِطَاشِ وَالْجِيَاعِ، كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ أَشَعْيَاءَ النَّبِيِّ:"أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا، هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالَّذِينَ لَا فِضَّةَ لَهُمْ، هَلُمُّوا اشْتَرُوا وَكُلُوا، هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِغَيْرِ فِضَّةٍ وَلَا ثَمَنٍ خَمْرًا وَلَبَنًا" (أَشَعْيَاء 55: 1).
تُعْلِنُ هٰذِهِ الدَّعْوَةُ أَنَّ خَيْرَاتِ اللهِ لَا تُبَاعُ وَلَا تُشْتَرَى بِمَقَايِيسِ السُّوقِ، بَلْ تُقْبَلُ بِفَقْرِ الْقَلْبِ وَالإِيمَانِ وَالِانْفِتَاحِ عَلَى النِّعْمَةِ. فَمَنْ يَعْتَرِفْ بِعَطَشِهِ وَجُوعِهِ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنَ الْمَائِدَةِ، أَمَّا مَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ مُكْتَفٍ بِذَاتِهِ فَلَنْ يَشْعُرَ بِحَاجَتِهِ إِلَى خُبْزِ الْحَيَاةِ.
وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى يَدْعُو الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ الْمُؤْمِنَ إِلَى أَنْ يَحْمِلَ فِي دَاخِلِهِ جُوعًا حَقِيقِيًّا إِلَى اللهِ؛ فَمَنْ لَا يَجُعْ إِلَى الْمَسِيحِ لَا يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْهَمَ قِيمَةَ الْخُبْزِ الَّذِي يُعْطِيهِ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ جُوعَ الْجَسَدِ فَقَطْ، بَلْ جُوعَ الْقَلْبِ إِلَى الْحَقِّ وَالْغُفْرَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
إِنَّ الرَّبَّ هُوَ الَّذِي يُعْطِينَا الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ، وَهٰذَا الْخُبْزُ لَيْسَ شَيْئًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، بَلْ هُوَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ، الَّذِي يَقُولُ: "أَنَا خُبْزُ الْحَيَاةِ" (يُوحَنَّا 6: 35). وَفِي الْعَشَاءِ الأَخِيرِ يَجْعَلُ هٰذَا الإِعْلَانُ عَطِيَّةً سِرِّيَّةً حِينَ يَقُولُ لِتَلَامِيذِهِ: "خُذُوا فَكُلُوا، هٰذَا هُوَ جَسَدِي" (مَتَّى 26: 26).
وَتَكْشِفُ الإِفْخَارِسْتِيَّا أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَقِفُ خَارِجَ حَيَاتِنَا، بَلْ يَدْخُلُ إِلَيْهَا وَيَصِيرُ غِذَاءَهَا. فَهُوَ لَا يُعْطِينَا تَعْلِيمًا فَحَسْبُ، وَلَا يُقَدِّمُ لَنَا مِثَالًا أَخْلَاقِيًّا مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ يُعْطِينَا ذَاتَهُ، لِيَسْكُنَ فِينَا وَيُحَوِّلَنَا إِلَى أَعْضَاءَ حَيَّةٍ فِي جَسَدِهِ.
وَتُذَكِّرُنَا هٰذِهِ الْحَقِيقَةُ بِكَلِمَاتِ الْبَابَا بِنِدِكْتُسَ السَّادِسَ عَشَرَ فِي بَدَايَةِ حَبْرِيَّتِهِ، حِينَ أَكَّدَ أَنَّ مَنْ يَفْتَحْ قَلْبَهُ لِلْمَسِيحِ لَا يَفْقِدْ شَيْئًا مِمَّا يَجْعَلُ الْحَيَاةَ حُرَّةً وَجَمِيلَةً وَعَظِيمَةً، بَلْ يَكْتَشِفُ فِي صَدَاقَتِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِحَيَاتِهِ. فَالْمَسِيحُ لَا يَسْلُبُ الإِنْسَانَ إِنْسَانِيَّتَهُ، بَلْ يُحَرِّرُهَا وَيُكَمِّلُهَا.
وَلَا تَعْنِي دَعْوَةُ الْجَمِيعِ إِلَى مَائِدَةِ الْخَلَاصِ أَنَّ التَّنَاوُلَ الإِفْخَارِسْتِيَّ يُمَارَسُ دُونَ إِيمَانٍ أَوْ تَوْبَةٍ أَوِ اسْتِعْدَادٍ لَائِقٍ؛ فَذَبِيحَةُ الْمَسِيحِ مُقَدَّمَةٌ مِنْ أَجْلِ الْجَمِيعِ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى الْخَلَاصِ شَامِلَةٌ، لٰكِنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا يَفْتَرِضُ الإِيمَانَ وَالْمَعْمُودِيَّةَ وَالشَّرِكَةَ الْكَنَسِيَّةَ وَتَمْيِيزَ جَسَدِ الرَّبِّ.
وَإِذْ نَقْتَرِبُ مِنَ الإِفْخَارِسْتِيَّا، فَإِنَّنَا لَا نَتَلَقَّى عَطِيَّةً خَاصَّةً بِنَا وَحْدَنَا، بَلْ نَدْخُلُ فِي شَرِكَةٍ مَعَ الْمَسِيحِ وَمَعَ جَسَدِهِ الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ. فَالْخُبْزُ الْوَاحِدُ يَجْمَعُ الْكَثِيرِينَ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَيَجْعَلُ مِنَ التَّنَاوُلِ دَعْوَةً إِلَى الْوَحْدَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْمَحَبَّةِ الْعَمَلِيَّةِ.
وَلِذٰلِكَ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ يَتَنَاوَلُ جَسَدَ الْمَسِيحِ أَنْ يَبْقَى غَيْرَ مُبَالٍ بِجُوعِ إِخْوَتِهِ، أَوْ أَنْ يَعِيشَ فِي الْعَدَاوَةِ وَالظُّلْمِ وَالْأَنَانِيَّةِ. فَمَائِدَةُ الْقُرْبَانِ تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَصِيرَ نَحْنُ أَيْضًا خُبْزًا مَكْسُورًا مِنْ أَجْلِ الآخَرِينَ، وَإِلَى أَنْ نَجْعَلَ مِنْ حَيَاتِنَا عَطِيَّةً وَخِدْمَةً.
رابِعًا: مُعْجِزَةُ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْن دَعْوَةٌ إِلَى الْعَطَاءِ
يَقُولُ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ أَمَامَ الْجُمُوعِ الْجَائِعَةِ: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ" (مَتَّى 14: 16). وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ دَعْوَةً وَاضِحَةً إِلَى تَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ؛ فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَصْرِفَ التَّلَامِيذُ الْجُمُوعَ، يُرِيدُ الْمَسِيحُ أَنْ يُشْرِكَهُمْ فِي خِدْمَتِهِمْ.
لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُمْ مَا يَفُوقُ قُدْرَتَهُمْ، بَلْ أَنْ يُقَدِّمُوا مَا هُوَ مُتَوَفِّرٌ لَدَيْهِمْ. فَقَالُوا: "لَيْسَ عِنْدَنَا هٰهُنَا غَيْرُ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ" (مَتَّى 14: 17). وَكَانَ هٰذَا الْقَلِيلُ، حِينَ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَسِيحِ، بَدَايَةَ الْمُعْجِزَةِ.
فَالْمَسِيحُ لَا يَبْدَأُ مِنْ وَهْمِ الْوَفْرَةِ، بَلْ مِنْ حَقِيقَةِ الْقِلَّةِ الَّتِي تُقَدَّمُ لَهُ بِإِيمَانٍ. وَلَا تَكْمُنُ قُوَّةُ الأَرْغِفَةِ فِي كَمِّيَّتِهَا، بَلْ فِي أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي حَرَكَةِ الْبَرَكَةِ وَالْكَسْرِ وَالتَّوْزِيعِ. فَالْقَلِيلُ، إِذَا احْتُكِرَ، يَبْقَى قَلِيلًا، أَمَّا إِذَا قُدِّمَ وَشُورِكَ فِيهِ فَيَصِيرُ سَبَبَ خَيْرٍ لِكَثِيرِينَ.
وَيَنْفَرِدُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا بِذِكْرِ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهُ "خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ مِنْ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ" (يُوحَنَّا 6: 9). وَيُبْرِزُ هٰذَا التَّفْصِيلُ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ عَطِيَّةٍ مُتَوَاضِعَةٍ يُقَدِّمُهَا شَخْصٌ بَسِيطٌ، مَهْمَا بَدَتْ ضَئِيلَةً أَمَامَ ضَخَامَةِ الْحَاجَةِ.
وَتَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ الْحَرَكَةُ صَلَاةَ دَاوُدَ: "مِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ" (1 أَخْبَار 29: 14). فَمَا نُقَدِّمُهُ لِلَّهِ هُوَ فِي الأَصْلِ عَطِيَّةٌ تَلَقَّيْنَاهَا مِنْهُ. وَحِينَ نَضَعُ وَقْتَنَا وَمَوَاهِبَنَا وَأَمْوَالَنَا فِي خِدْمَةِ الآخَرِينَ، نَعْتَرِفُ بِأَنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ خَيْرٍ.
وَتَكْشِفُ الْمُعْجِزَةُ تَكَامُلَ النِّعْمَةِ وَحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ. فَالْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي يُكَثِّرُ الْخُبْزَ، لٰكِنَّ التَّلَامِيذَ يُقَدِّمُونَ مَا عِنْدَهُمْ وَيُوَزِّعُونَ مَا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْهُ. وَهٰكَذَا لَا يَكُونُ الإِنْسَانُ صَانِعَ الْمُعْجِزَةِ، وَلَا مُتَفَرِّجًا سَلْبِيًّا، بَلْ شَرِيكًا فِي الْخِدْمَةِ.
وَتَدْعُونَا هٰذِهِ الْمُعْجِزَةُ إِلَى أَلَّا نَسْتَصْغِرَ مَا نَمْلِكُهُ. فَقَدْ يَكُونُ مَا فِي أَيْدِينَا قَلِيلًا مِنَ الْمَالِ، أَوْ وَقْتًا مَحْدُودًا، أَوْ مَوْهِبَةً بَسِيطَةً، أَوْ كَلِمَةَ تَعْزِيَةٍ، أَوْ زِيَارَةً لِمَرِيضٍ، لٰكِنَّ الْمَسِيحَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ هٰذَا الْقَلِيلَ مُثْمِرًا فِي حَيَاةِ كَثِيرِينَ.
وَلَا يَقْتَصِرُ الْعَطَاءُ عَلَى الصَّدَقَةِ الْفَرْدِيَّةِ، بَلْ يَشْمَلُ أَيْضًا الْعَمَلَ مِنْ أَجْلِ الْعَدَالَةِ، وَحِمَايَةِ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ، وَتَأْمِينِ حَقِّهِ فِي الْغِذَاءِ وَالطِّبَابَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْعَمَلِ وَالْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ. فَالإِيمَانُ بِالْمَسِيحِ خُبْزِ الْحَيَاةِ لَا يَسْمَحُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوُقُوفِ مُتَفَرِّجًا أَمَامَ صُرَاخِ الْجِيَاعِ وَالْمُهَمَّشِينَ. وَيُعَبِّرُ اللِّيتُورْجِيَا الشَّرْقِيَّةُ عَنْ هٰذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهَا: "مَا لَكَ، مِمَّا هُوَ لَكَ، نُقَرِّبُهُ لَكَ". فَنَحْنُ نَرُدُّ إِلَى اللهِ مَا تَلَقَّيْنَاهُ مِنْهُ، لِيُبَارِكَهُ وَيَجْعَلَهُ سَبَبَ حَيَاةٍ لَنَا وَلِلآخَرِينَ.
وَيَصِيرُ تَقْدِيمُ الْخُبْزِ فِي الْقُدَّاسِ صُورَةً لِتَقْدِيمِ حَيَاتِنَا كُلِّهَا: أَعْمَالِنَا وَمَوَاهِبَنَا، أَفْرَاحِنَا وَآلَامِنَا، وَقْتَنَا وَمَالَنَا. فَالْمَسِيحُ يَأْخُذُ مَا نُقَدِّمُهُ، وَيُدْخِلُهُ فِي عَمَلِ نِعْمَتِهِ، وَيُعِيدُهُ إِلَيْنَا رِسَالَةً وَبَرَكَةً.
وَفِي الْخِتَامِ، تَرْبِطُ مُعْجِزَةُ الأَرْغِفَةِ بَيْنَ مَائِدَةِ الْقُرْبَانِ وَمَائِدَةِ الْفَقِيرِ. فَمَنْ يَقْبَلُ خُبْزَ الْمَسِيحِ يُدْعَ إِلَى أَنْ يَكْسِرَ خُبْزَهُ مَعَ الْجَائِعِ، وَمَنْ يَرْفَعُ عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ يُدْعَ إِلَى أَنْ يَمُدَّ يَدَيْهِ نَحْوَ الْمُحْتَاجِ.
وَتَبْقَى كَلِمَةُ الْمَسِيحِ مُوَجَّهَةً إِلَى كَنِيسَتِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ:: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ". فَهُوَ لَا يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَصْنَعَ الْمُعْجِزَةَ، بَلْ أَنْ نُقَدِّمَ الأَرْغِفَةَ، وَأَنْ نَضَعَ مَا نَمْلِكُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَثِقَ بِأَنَّ نِعْمَتَهُ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ الْقَلِيلَ عَطِيَّةً، وَالضَّعْفَ خِدْمَةً، وَالْخُبْزَ الْمَكْسُورَ شَبَعًا لِكَثِيرِينَ.
خَامِسًا: مُعْجِزَةُ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْن دَعْوَةٌ إِلَى الْعَمَلِ
يُشْرِكُ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ فِي خِدْمَةِ الْجُمُوعِ، فَبَعْدَ أَنْ أَخَذَ الْخُبْزَ وَبَارَكَهُ وَكَسَرَهُ، "نَاوَلَهُ تَلَامِيذَهُ، وَالتَّلَامِيذُ نَاوَلُوهُ الْجُمُوعَ" (مَتَّى 14: 19). وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّرْتِيبُ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ مَصْدَرُ الْعَطِيَّةِ وَالْبَرَكَةِ، أَمَّا التَّلَامِيذُ فَهُمُ الْخُدَّامُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ مَا تَلَقَّوْهُ مِنْهُ إِلَى النَّاسِ.
كَانَ يَسُوعُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْخُبْزَ لِلْجُمُوعِ مُبَاشَرَةً، وَلٰكِنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يُشْرِكَ تَلَامِيذَهُ فِي عَمَلِهِ، لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ اتِّبَاعَهُ لَيْسَ مَوْقِفًا سَلْبِيًّا، بَلْ مُشَارَكَةٌ فِي رِسَالَتِهِ. فَالتِّلْمِيذُ لَا يَكْتَفِي بِمُشَاهَدَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْمَسِيحُ، بَلْ يَسْمَعُ دَعْوَتَهُ: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ" (مَتَّى 14: 16).
وَيَظْهَرُ فِي هٰذَا الْمَشْهَدِ الْبُعْدُ الْكَنَسِيُّ لِلْمُعْجِزَةِ؛ فَالْمَسِيحُ يُعْطِي، وَالتَّلَامِيذُ يَتَلَقَّوْنَ مِنْهُ، ثُمَّ يُوَزِّعُونَ عَلَى الْجُمُوعِ. وَهٰكَذَا تَفْهَمُ الْكَنِيسَةُ رِسَالَتَهَا: فَهِيَ لَا تَمْلِكُ نِعْمَةً خَاصَّةً بِهَا، بَلْ تَتَلَقَّى مِنَ الْمَسِيحِ كَلِمَتَهُ وَأَسْرَارَهُ وَمَحَبَّتَهُ، لِتُقَدِّمَهَا إِلَى الْعَالَمِ.
وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ مُحْتَاجٌ إِلَى تَلَامِيذِهِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْعَمَلِ مِنْ دُونِهِمْ، لٰكِنَّهُ يَخْتَارُ بِمَحَبَّتِهِ أَنْ يَمْنَحَهُمْ كَرَامَةَ الْمُشَارَكَةِ فِي خِدْمَتِهِ. وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ:"نَحْنُ عَامِلُونَ مَعَ اللهِ"(1 قُورِنْثُس 3: 9).
وَتَكْشِفُ الْمُعْجِزَةُ تَكَامُلَ النِّعْمَةِ وَالْعَمَلِ الْبَشَرِيِّ. فَالتَّلَامِيذُ لَمْ يَصْنَعُوا الْمُعْجِزَةَ، بَلْ قَدَّمُوا مَا عِنْدَهُمْ، وَوَزَّعُوا مَا بَارَكَهُ الْمَسِيحُ. فَالنِّعْمَةُ هِيَ الْمَصْدَرُ وَالْقُوَّةُ، أَمَّا عَمَلُ الإِنْسَانِ فَهُوَ الِاسْتِجَابَةُ الْحُرَّةُ وَالأَمِينَةُ لَهَا.
وَيُعَبِّرُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَنْ هٰذَا التَّكَامُلِ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ الَّذِي خَلَقَكَ مِنْ دُونِكَ، لَا يُخَلِّصُكَ مِنْ دُونِكَ". فَاللهُ هُوَ الَّذِي يُبَادِرُ بِالنِّعْمَةِ، لٰكِنَّهُ لَا يُلْغِي حُرِّيَّةَ الإِنْسَانِ، بَلْ يَدْعُوهُ إِلَى التَّعَاوُنِ مَعَهُ. لِذٰلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَنْتَظِرَ مِنَ اللهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا وَضَعَهُ ضِمْنَ مَسْؤُولِيَّتِنَا. فَمَنْ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ الْجِيَاعِ، يُدْعَ إِلَى مُشَارَكَةِ خُبْزِهِ؛ وَمَنْ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ الْمَرْضَى، يُدْعَ إِلَى زِيَارَتِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ؛ وَمَنْ يَطْلُبُ السَّلَامَ، يُدْعَ إِلَى الْمُصَالَحَةِ وَرَفْضِ الْعُنْفِ وَالظُّلْمِ.
فَالإِيمَانُ لَا يُعْفِي مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ، بَلْ يُعَمِّقُهَا، وَالصَّلَاةُ لَيْسَتْ بَدِيلًا مِنَ الْعَمَلِ، بَلْ مَصْدَرُهُ وَنُورُهُ وَقُوَّتُهُ. فَالصَّلَاةُ مِنْ دُونِ عَمَلٍ قَدْ تَبْقَى كَلِمَاتٍ بِلَا ثَمَرٍ، وَالْعَمَلُ مِنْ دُونِ صَلَاةٍ قَدْ يَفْقِدُ رُوحَهُ وَاتِّجَاهَهُ.
وَيَدْعُونَا الرَّبُّ إِلَى أَنْ نَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا نَمْلِكُهُ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا. فَهُوَ لَا يَنْتَظِرُ مِنَّا أَنْ نَكُونَ كَامِلِينَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَنَا، بَلْ أَنْ نَكُونَ صَادِقِينَ وَمُسْتَعِدِّينَ لِلْخِدْمَةِ. وَمَا نُقَدِّمُهُ لَهُ يَسْتَطِيعُ بِنِعْمَتِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ خَيْرًا لَنَا وَلِلآخَرِينَ.
وَيَضَعُ الْمُؤْمِنُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَسِيحِ ضَعْفَهُ وَأَحْزَانَهُ وَأَمْرَاضَهُ وَمَخَاوِفَهُ، لَا عَلَى أَسَاسِ أَنَّ كُلَّ أَلَمٍ سَيَزُولُ فَوْرًا، بَلْ بِالثِّقَةِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ يَدْخُلُ فِي أَلَمِهِ وَيَمْنَحُهُ الْقُوَّةَ وَالرَّجَاءَ. وَقَدْ قَالَ الرَّبُّ لِبُولُسَ: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، فَإِنَّ الْقُوَّةَ تَبْلُغُ الْكَمَالَ فِي الضَّعْفِ" (2 قُورِنْثُس 12: 9).
فَالْمَسِيحُ لَا يَعِدُ تَلَامِيذَهُ بِحَيَاةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الصُّعُوبَاتِ، بَلْ بِحُضُورِهِ الدَّائِمِ مَعَهُمْ: "هَا أَنَا مَعَكُمْ طُولَ الأَيَّامِ إِلَى نِهَايَةِ الْعَالَمِ" (مَتَّى 28: 20). وَهٰذِهِ الْمَعِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْعَمَلَ الْبَشَرِيَّ الْمَحْدُودَ مَوْضِعًا لِعَمَلِ النِّعْمَةِ.
وَتُعَلِّمُنَا مُعْجِزَةُ الأَرْغِفَةِ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَسِيحِيَّ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ حَرَكَاتٍ مُتَكَامِلَةٍ: أَنْ نَتَلَقَّى مِنَ الْمَسِيحِ، وَأَنْ نَحْمِلَ مَا تَلَقَّيْنَاهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَنْ نَرُدَّ إِلَيْهِ ثَمَرَ خِدْمَتِنَا بِالشُّكْرِ. فَالْخَادِمُ لَيْسَ مَالِكًا لِلنِّعْمَةِ، بَلْ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَلَا يَنْسِبُ الثَّمَرَ إِلَى ذَاتِهِ، بَلْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يُنْمِي: "أَنَا غَرَسْتُ، وَأَبُلُّسُ سَقَى، وَلٰكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي" (1 قُورِنْثُس 3: 6).
وَفِي الْخِتَامِ، تَدْعُونَا الْمُعْجِزَةُ إِلَى إِيمَانٍ عَامِلٍ، يَتَلَقَّى مِنَ الْمَسِيحِ وَيَخْدُمُ بِقُوَّتِهِ. فَهُوَ لَا يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَصْنَعَ الْمُعْجِزَةَ، بَلْ أَنْ نَكُونَ أُمَنَاءَ فِي تَقْدِيمِ مَا نَمْلِكُهُ، وَفِي حَمْلِ عَطَايَاهُ إِلَى الْجِيَاعِ وَالْمَرْضَى وَالْمُتَأَلِّمِينَ، وَاثِقِينَ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعْطِي النُّمُوَّ وَيُتَمِّمُ الْعَمَلَ.
سَادِسًا: مُعْجِزَةُ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْن دَعْوَةٌ إِلَى الصَّلَاةِ
تَدْعُونَا مُعْجِزَةُ تَكْثِيرِ الأَرْغِفَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَالثِّقَةِ بِعِنَايَةِ الآبِ. فَقَدْ عَلَّمَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ أَنْ يُصَلُّوا: "خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ" (مَتَّى 6: 11). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ الطَّلِبَةُ أَنَّ الْخُبْزَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ، نَتَلَقَّاهَا بِالشُّكْرِ وَنُشَارِكُهَا مَعَ الآخَرِينَ.
وَلَا تَعْنِي الثِّقَةُ بِاللهِ التَّوَاكُلَ، بَلْ الِاعْتِمَادَ عَلَى نِعْمَتِهِ مَعَ الْعَمَلِ الأَمِينِ. فَالْمُؤْمِنُ يَجْتَهِدُ، وَيَتَحَرَّرُ مِنَ الْقَلَقِ، وَيَعْتَرِفُ بِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ الآبِ. وَإِذْ نُصَلِّي: "خُبْزَنَا"، نُقِرُّ بِأَنَّ خَيْرَاتِ الأَرْضِ مُعَدَّةٌ لِلْجَمِيعِ، وَأَنَّ جُوعَ الآخَرِينَ يُصْبِحُ مَسْؤُولِيَّتَنَا.
وَقَبْلَ أَنْ يُبَارِكَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، مُعَلِّمًا أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ مَنْبَعُ الْخِدْمَةِ. وَتُظْهِرُ مُعْجِزَاتُهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنَ الإِنْسَانِ أَنْ يَقُومَ بِمَا يَسْتَطِيعُ، كَمَا فِي عُرْسِ قَانَا وَعِنْدَ قَبْرِ لِعَازَرَ، ثُمَّ تَكْمُلُ النِّعْمَةُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْبَشَرُ.
وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ هٰذَا التَّكَامُلَ بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالْجِهَادِ بِقَوْلِهِ: "بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا... لَا أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1 قُورِنْثُس 15: 10). فَالأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ هِيَ ثَمَرَةُ النِّعْمَةِ وَاسْتِجَابَةُ الإِيمَانِ، لَا بَدِيلٌ عَنْهَا وَلَا سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ لِلْخَلَاصِ.
لِذٰلِكَ تَكُونُ الصَّلَاةُ مَصْدَرَ الْعَمَلِ: نُصَلِّي مِنْ أَجْلِ الْخُبْزِ ثُمَّ نَعْمَلُ وَنُقَاسِمُ، وَنُصَلِّي مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ ثُمَّ نَغْفِرُ وَنَتَصَالَحُ، وَنُصَلِّي مِنْ أَجْلِ الْفُقَرَاءِ ثُمَّ نَخْدُمُهُمْ.
وَفِي الْخِتَامِ، يَدْعُونَا الْمَسِيحُ إِلَى أَنْ نَأْتِيَ إِلَيْهِ بِضَعْفِنَا وَاحْتِيَاجِنَا، وَأَنْ نَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا نَمْلِكُهُ، وَاثِقِينَ بِأَنَّ نِعْمَتَهُ تُكَمِّلُ مَا يَنْقُصُنَا. فَمَنْ يَتَقَوَّى بِخُبْزِ الْمَسِيحِ يُدْعَى أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا لِلآخَرِينَ، وَمَنْ يَطْلُبُ الْمُعْجِزَةَ يُدْعَى أَوَّلًا إِلَى أَنْ يُقَدِّمَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَتْرُكَ لِلَّهِ أَنْ يُثْمِرَهُ.
الخُلاصَةُ
تُظْهِرُ مُعْجِزَةُ تَكْثِيرِ الأَرْغِفَةِ وَالسَّمَكَتَيْنِ يَسُوعَ رَاعِيًا رَحِيمًا يَشْفِي الْمَرْضَى وَيُشْبِعُ الْجِيَاعَ. وَإِذْ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ" (مَتَّى 14: 16)، دَعَاهُمْ إِلَى تَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَتَقْدِيمِ مَا عِنْدَهُمْ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا.
وَتَسْتَحْضِرُ الْمُعْجِزَةُ إِطْعَامَ الشَّعْبِ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمُعْجِزَاتِ الأَنْبِيَاءِ، لٰكِنَّهَا تُعْلِنُ أَنَّ يَسُوعَ أَعْظَمُ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، لأَنَّهُ هُوَ "خُبْزُ الْحَيَاةِ" (يُوحَنَّا 6: 35).
وَتُمَهِّدُ أَفْعَالُهُ: أَخَذَ، وَبَارَكَ، وَكَسَرَ، وَأَعْطَى، لِسِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَّا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْمُعْجِزَةُ نَفْسُهَا تَأْسِيسًا لِلسِّرِّ. فَالْمَسِيحُ يُعْطِي الْخُبْزَ، ثُمَّ يُعْطِي ذَاتَهُ خُبْزًا لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
وَتُعَلِّمُ الْمُعْجِزَةُ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ مَصْدَرُ النِّعْمَةِ، وَأَنَّ التَّلَامِيذَ وَالْكَنِيسَةَ خُدَّامٌ يَتَلَقَّوْنَ مِنْهُ وَيُوَزِّعُونَ عَلَى الْعَالَمِ. فَالْإِيمَانُ الْحَقِيقِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْعَمَلِ، وَبَيْنَ مَائِدَةِ الإِفْخَارِسْتِيَّا وَمَائِدَةِ الْفَقِيرِ.
وَتَبْقَى رِسَالَةُ الْمُعْجِزَةِ مُوَجَّهَةً إِلَى كُلِّ تِلْمِيذٍ: قَدِّمْ مَا عِنْدَكَ، وَتَلَقَّ مِنَ الْمَسِيحِ، ثُمَّ احْمِلْ خُبْزَهُ وَرَحْمَتَهُ إِلَى الآخَرِينَ.
دُعَاءٌ
أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ أَرْسَلْتَ ابْنَكَ الْحَبِيبَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ إِلَى الْعَالَمِ، لِيَشْفِيَ الْمَرْضَى وَيُشْبِعَ الْجِيَاعَ، اُنْظُرْ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ إِلَى ضَعْفِنَا، وَأَسْرِعْ إِلَى نَجْدَتِنَا، وَسُدَّ حَاجَاتِنَا بِحَسَبِ مَشِيئَتِكَ الصَّالِحَةِ.
هَبْ لَنَا أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ يَسُوعَ وَحْدَهُ هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْقُوتُ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. زِدْ فِينَا الْجُوعَ إِلَى كَلِمَتِهِ، وَالشَّوْقَ إِلَى جَسَدِهِ الْمُقَدَّسِ، وَاجْعَلْنَا نَقْتَرِبُ مِنْ مَائِدَتِهِ بِإِيمَانٍ وَتَوْبَةٍ وَشُكْرٍ.
عَلِّمْنَا أَنْ نَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا نَمْلِكُهُ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا، وَأَنْ نَثِقَ بِأَنَّ نِعْمَتَهُ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تُبَارِكَهُ وَتَجْعَلَهُ خَيْرًا ِكَثِيرِينَ. وَلَا تَسْمَحْ لَنَا أَنْ نَصْرِفَ الْجِيَاعَ وَالْمُحْتَاجِينَ، بَلِ اجْعَلْنَا أَيْدِيَ مَمْدُودَةً لِلْعَطَاءِ، وَقُلُوبًا مَمْلُوءَةً بِالشَّفَقَةِ، وَخُدَّامًا أُمَنَاءَ لِمَحَبَّتِكَ.
أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ، أَشْبِعْ جُوعَ قُلُوبِنَا، وَاجْمَعْنَا حَوْلَ مَائِدَتِكَ، وَاجْعَلْنَا، بَعْدَ أَنْ نَتَنَاوَلَ خُبْزَكَ، خُبْزًا مَكْسُورًا وَعَطِيَّةَ مَحَبَّةٍ لِإِخْوَتِنَا. لِأَنَّ لَكَ الْمَجْدَ وَالشُّكْرَ، مَعَ الآبِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، الآنَ وَكُلَّ أَوَانٍ وَإِلَى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ. آمِينَ.
قِصَّةٌ: الطِّفْلَةُ الْجَائِعَةُ وَالرَّجُلُ الْغَنِيُّ
فِي يَوْمٍ شِتَائِيٍّ شَدِيدِ الْبُرُودَةِ، كَانَتْ طِفْلَةٌ فَقِيرَةٌ تَقِفُ عَلَى حَافَّةِ الطَّرِيقِ، تَرْتَدِي ثَوْبًا رَثًّا، وَتَمْشِي بِغَيْرِ حِذَاءٍ. كَانَ جَسَدُهَا الصَّغِيرُ يَرْتَجِفُ مِنَ الْبَرْدِ، وَعَيْنَاهَا تَكْشِفَانِ عَنْ جُوعٍ وَتَعَبٍ عَمِيقَيْنِ.
مَرَّ بِهَا رَجُلٌ غَنِيٌّ، فَمَدَّتْ إِلَيْهِ يَدَهَا الْمُرْتَجِفَةَ، وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئًا تَأْكُلُهُ أَوْ مَا يَقِيهَا بَرْدَ الشِّتَاءِ. نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَيْهَا، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ مُحْتَجًّا، وَقَالَ:"يَا رَبُّ، لِمَاذَا خَلَقْتَ هٰذِهِ الطِّفْلَةَ الْمِسْكِينَةَ، ثُمَّ تَرَكْتَهَا جَائِعَةً وَعُرْيَانَةً، بِلَا أَمَلٍ فِي حَيَاةٍ كَرِيمَةٍ؟ لِمَاذَا لَا تَفْعَلُ شَيْئًا لِمُسَاعَدَتِهَا؟"
فَسَمِعَ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِهِ صَوْتًا يَقُولُ لَهُ: "لَقَدْ فَعَلْتُ شَيْئًا: خَلَقْتُكَ أَنْتَ، وَوَضَعْتُكَ فِي طَرِيقِهَا لِتُسَاعِدَهَا".
عِنْدَئِذٍ أَدْرَكَ الرَّجُلُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالسُّؤَالِ عَنْ سَبَبِ وُجُودِ الْفَقْرِ، بَلْ دَعَاهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ الْجَوَابِ. فَخَلَعَ مِعْطَفَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى كَتِفَيِ الطِّفْلَةِ، وَقَادَهَا إِلَى مَكَانٍ دَافِئٍ، وَقَدَّمَ لَهَا طَعَامًا، ثُمَّ سَعَى إِلَى تَأْمِينِ مَنْ يَرْعَاهَا وَيَحْفَظُ كَرَامَتَهَا.
وَتُذَكِّرُنَا هٰذِهِ الْقِصَّةُ بِكَلِمَةِ يَسُوعَ لِتَلَامِيذِهِ أَمَامَ الْجُمُوعِ الْجَائِعَةِ: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ" (مَتَّى 14: 16).
فَالْمَسِيحُ لَمْ يَطْلُبْ مِنْ تَلَامِيذِهِ أَنْ يَصْنَعُوا الْمُعْجِزَةَ بِقُوَّتِهِمْ، بَلْ أَنْ يَقَدِّمُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَنْ يَسْمَحُوا لِنِعْمَتِهِ بِأَنْ تَعْمَلَ مِنْ خِلَالِهِمْ. وَكَذٰلِكَ، لَا يَطْلُبُ اللهُ مِنَّا أَنْ نَحُلَّ وَحْدَنَا كُلَّ مَشَاكِلِ الْعَالَمِ، بَلْ أَنْ نَفْعَلَ مَا نَسْتَطِيعُهُ بِأَمَانَةٍ، وَأَلَّا نَمُرَّ بِمُحْتَاجِ وَكَأَنَّ أَمْرَهُ لَا يَعْنِينَا.
وَلَا يَجِبُ أَنْ نَقْبَلَ الْمَقُولَةَ الْقَاسِيَةَ: "الْغَنِيُّ يَزْدَادُ غِنًى، وَالْفَقِيرُ يَزْدَادُ فَقْرًا"، كَأَنَّهَا قَدَرٌ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ. فَالْفَقْرُ لَيْسَ إِرَادَةَ اللهِ لِلإِنْسَانِ، وَالْخَيْرَاتُ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ مُعَدَّةٌ لِخِدْمَةِ الْجَمِيعِ، لَا لِاحْتِكَارِهَا فِي أَيْدِي قِلَّةٍ.
وَقَدْ قَدَّرَتْ دِرَاسَةٌ صَادِرَةٌ عَنْ مُنَظَّمَةِ الأَغْذِيَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَشُرَكَائِهَا أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْجُوعِ وَالْفَقْرِ الْمُدْقِعِ يَتَطَلَّبُ اسْتِثْمَارَاتٍ إِضَافِيَّةً تُقَدَّرُ بِنَحْوِ 265 مِلْيَارَ دُولَارٍ سَنَوِيًّا. وَبِالْمُقَارَنَةِ، بَلَغَ الإِنْفَاقُ الْعَسْكَرِيُّ الْعَالَمِيُّ نَحْوَ 2.887 تِرْلِيُونِ دُولَارٍ فِي سَنَةِ 2025؛ أَيْ إِنَّ التَّقْدِيرَ الْمَذْكُورَ يُعَادِلُ تَقْرِيبًا تِسْعَةَ فِي الْمِئَةِ مِنْ ذٰلِكَ الإِنْفَاقِ.
وَلَا تَعْنِي هٰذِهِ الْمُقَارَنَةُ أَنَّ الْمَالَ وَحْدَهُ يَكْفِي لِإِزَالَةِ كُلِّ أَسْبَابِ الْجُوعِ؛ فَالْحُرُوبُ وَالظُّلْمُ وَالْفَسَادُ وَسُوءُ التَّوْزِيعِ وَالْكَوَارِثُ وَضَعْفُ الْمُؤَسَّسَاتِ كُلُّهَا عَوَامِلُ مُعَقَّدَةٌ. لٰكِنَّهَا تَكْشِفُ أَنَّ الْعَالَمَ يَمْلِكُ مَوَارِدَ كَبِيرَةً، وَأَنَّ الْمُشْكِلَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي نُدْرَةِ الْخَيْرَاتِ، بَلْ فِي الأَوْلَوِيَّاتِ وَطَرِيقَةِ تَوْزِيعِهَا. وَمَا زَالَ مِئَاتُ الْمَلَايِينِ مِنَ الْبَشَرِ يُوَاجِهُونَ الْجُوعَ فِي الْعَالَمِ.
إِنَّ اللهَ يَسْمَعُ صَرْخَ الْفَقِيرِ، وَلٰكِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَشَاءُ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ مِنْ خِلَالِ أَيْدِينَا. فَقَدْ تَكُونُ أَنْتَ الْخُبْزَ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ جَائِعٌ، أَوِ الْمِعْطَفَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بَارِدٌ، أَوِ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَرُدُّ الرَّجَاءَ إِلَى قَلْبِ مُتْعَبٍ. وَالسُّؤَالُ لَيْسَ فَقَطْ: "يَا رَبُّ، لِمَاذَا لَا تَفْعَلُ شَيْئًا؟"، بَلْ أَيْضًا: "يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ مِنِّي أَنْ أَفْعَلَ؟"
قِصَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ مُسْتَوْحَاةٌ مِنْ مُعْجِزَةِ تَكْثِيرِ الأَرْغِفَةِ الْخَمْسَةِ وَالسَّمَكَتَيْنِ
فِي عَامِ 1943، وَأَثْنَاءَ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، كَانَتْ إِحْدَى المُدُنِ الأُورُوبِّيَّةِ تُعَانِي مَجَاعَةً قَاسِيَةً. امْتَلَأَتِ الشَّوَارِعُ بِالأَطْفَالِ الجِيَاعِ، وَأَصْبَحَتِ الأَدْيِرَةُ وَالكَنَائِسُ تَسْتَقْبِلُ كُلَّ يَوْمٍ مِئَاتِ المُحْتَاجِينَ، بَيْنَمَا كَانَتْ مَخَازِنُهَا تَكَادُ تَفْرُغُ. وَفِي أَحَدِ الأَدْيِرَةِ، اجْتَمَعَ الرُّهْبَانُ يَتَسَاءَلُونَ بِقَلَقٍ: "لَمْ يَبْقَ لَدَيْنَا إِلَّا أَرْغِفَةٌ قَلِيلَةٌ، فَكَيْفَ نُطْعِمُ هٰذَا العَدَدَ الكَبِيرَ مِنَ النَّاسِ؟" فَقَالَ رَئِيسُ الدَّيْرِ: "لَنْ نُغْلِقَ البَابَ فِي وَجْهِ أَحَدٍ. لِنُقَدِّمْ مَا عِنْدَنَا، وَاللهُ يَهْتَمُّ بِالبَاقِي."
وَبَدَأَ الرُّهْبَانُ يُوَزِّعُونَ الخُبْزَ القَلِيلَ عَلَى العَائِلَاتِ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَفْعَلُونَ ذٰلِكَ، تَأَثَّرَ أَهْلُ القَرْيَةِ بِمَا رَأَوْهُ، فَجَاءَ أَحَدُهُمْ بِكِيسِ دَقِيقٍ، وَآخَرُ بِبَعْضِ البَطَاطَا، وَثَالِثٌ بِزَيْتٍ، وَرَابِعٌ بِحَلِيبٍ، وَخَامِسٌ بِمَا ادَّخَرَهُ لِأَوْلَادِهِ. وَخِلَالَ سَاعَاتٍ، امْتَلَأَتْ قَاعَةُ الدَّيْرِ بِالطَّعَامِ، وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ مِنَ الفُقَرَاءِ جَائِعًا فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ. وَعِنْدَ المَسَاءِ، قَالَ رَئِيسُ الدَّيْرِ: "لَمْ يُنْزِلِ اللهُ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ كَمَا فَعَلَ بِالمَنِّ فِي البَرِّيَّةِ، وَلٰكِنَّهُ صَنَعَ مُعْجِزَةً أَعْظَمَ: فَتَحَ قُلُوبَ النَّاسِ لِيُشَارِكَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا يَمْلِكُ". ثُمَّ أَضَافَ: "المُعْجِزَةُ تَبْدَأُ عِنْدَمَا يُقَدِّمُ الإِنْسَانُ أَرْغِفَتَهُ الخَمْسَةَ، وَيَتْرُكُ لِلَّهِ أَنْ يُكَثِّرَهَا."
العِبْرَةُ
إِنَّ اللهَ لَا يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَمْلِكَ الكَثِيرَ، بَلْ أَنْ نُقَدِّمَ بِأَمَانَةٍ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا. فَعِنْدَمَا نَضَعُ القَلِيلَ بَيْنَ يَدَيِ المَسِيحِ، تَتَحَوَّلُ الأَنَانِيَّةُ إِلَى مُشَارَكَةٍ، وَالخَوْفُ إِلَى ثِقَةٍ، وَالقِلَّةُ إِلَى بَرَكَةٍ تَكْفِي الجَمِيعَ. وَهٰكَذَا تَبْقَى كَلِمَةُ الرَّبِّ صَالِحَةً لِكُلِّ زَمَانٍ: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ مَا يَأْكُلُونَ" (مَتَّى 14: 16).