موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّص الإنْجيلي (متى 16: 21-27)
وبَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث. 22 فَانفَرَدَ بِه بُطرُس وجَعلَ يُعاتِبُه فيَقول: ((حاشَ لَكَ يا رَبّ! لن يُصيبَكَ هذا!)). 23 فالتَفتَ وقالَ لِبُطرس: "إِنسَحِبْ! وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر" . ثُمَّ قالَ يسوعُ لِتَلاميذِه: ((مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني، 25 لأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَهُ في سبيلي فإِنَّه يَجِدُها. 26 ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه وخَسِرَ نَفسَه؟ وماذا يُعطي الإِنسانُ بَدَلاً لِنَفسِه؟ " 27 فسَوفَ يَأتي ابنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ومعَه مَلائكتُه، فيُجازي يَومَئِذٍ كُلَّ امرِئٍ على قَدْرِ أَعمالِه. 28 الحَقَّ أَقولُ لكم: مِنَ الحاضِرينَ ههُنا مَن لا يَذوقونَ الموتَ حتَّى يُشاهِدوا ابنَ الإِنسانِ آتِياً في مَلَكوت".
مُقَدِّمَةٌ
يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ الأَحَدِ (مَتَّى 16: 21-27) الضَّوْءَ عَلَى مَنْعَطَفٍ حَاسِمٍ فِي مَسِيرَةِ يَسُوعَ مَعَ تَلَامِيذِهِ؛ فَبَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ بُطْرُسُ إِيمَانَهُ بِهِ قَائِلًا: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، بَدَأَ يَسُوعُ يَكْشِفُ لِتَلَامِيذِهِ المَعْنَى الحَقِيقِيَّ لِمَسِيحَانِيَّتِهِ، فَأَنْبَأَهُمْ، لِلمَرَّةِ الأُولَى، بِآلَامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ: "يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ، وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً [...] وَيُقْتَلَ وَيَقُومَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ" (مَتَّى 16: 21). وَهٰكَذَا يَنْتَقِلُ النَّصُّ مِنَ الاعْتِرَافِ بِهُوِيَّةِ المَسِيحِ إِلَى الكَشْفِ عَنْ طَرِيقِ المَسِيحِ: طَرِيقِ الصَّلِيبِ المُؤَدِّي إِلَى القِيَامَةِ وَالمَجْدِ.
وَلَا يَقْتَصِرُ هٰذَا الطَّرِيقُ عَلَى يَسُوعَ وَحْدَهُ، بَلْ يَصِيرُ نَمَطَ حَيَاةِ كُلِّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذًا لَهُ، إِذْ يَقُولُ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ، وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مَتَّى 16: 24). فَالتَّلْمَذَةُ المَسِيحِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الإِقْرَارِ بِيَسُوعَ مَسِيحًا وَرَبًّا، بَلْ هِيَ اشْتِرَاكٌ فِي سِرِّهِ الفِصْحِيِّ، أَيْ فِي طَرِيقِ بَذْلِ الذَّاتِ وَالصَّلِيبِ، رَجَاءَ المُشَارَكَةِ فِي القِيَامَةِ وَالمَجْدِ.
وَقَدْ شَدَّدَ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى أَنَّ يَسُوعَ، بَعْدَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ، أَخَذَ يُعِدُّ تَلَامِيذَهُ لِسِرِّ الصَّلِيبِ، حَتَّى لَا يَكُونَ الأَلَمُ وَالمَوْتُ عَثْرَةً لَهُمْ، بَلْ يَفْهَمُوا أَنَّ الآلَامَ تَدْخُلُ فِي تَدْبِيرِ الخَلَاصِ، وَأَنَّ المَوْتَ لَيْسَ نِهَايَةَ المَسِيحِ، لأَنَّهُ يَقُومُ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ (PG 58: 533-536).
وَيَرَى القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُوَاتْيِيه أَنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ إِلَى حَمْلِ الصَّلِيبِ تَعْنِي أَنْ يَتَجَاوَزَ التِّلْمِيذُ التَّعَلُّقَ بِنَفْسِهِ وَبِمَصَالِحِهِ الأَرْضِيَّةِ، وَأَنْ يَجْعَلَ اتِّبَاعَ المَسِيحِ مِحْوَرَ حَيَاتِهِ، لأَنَّ مَنْ يَفْقِدُ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِ المَسِيحِ يَجِدُهَا فِي الحَيَاةِ الحَقِيقِيَّةِ (PL 9: 1010-1011). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ حَمْلَ الصَّلِيبِ لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ تَحَمُّلِ الآلَامِ الخَارِجِيَّةِ، بَلْ يَفْتَرِضُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مَوْتَ الإِنْسَانِ عَنْ أَنَانِيَّتِهِ وَأَهْوَائِهِ، حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يَتْبَعَ المَسِيحَ فِي طَرِيقِ المَحَبَّةِ وَالبَذْلِ (PL 38: 588). وَمِنْ هٰذَا المُنْطَلَقِ، تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 16: 21-27) وَتَحْلِيلِهِ وَتَطْبِيقَاتِهِ، لِلكَشْفِ عَنْ مَعْنَى مَسِيحَانِيَّةِ يَسُوعَ المَصْلُوبِ وَالقَائِمِ، وَعَنْ حَقِيقَةِ التَّلْمَذَةِ الَّتِي لَا تَنْفَصِلُ عَنِ الصَّلِيبِ. فَمَنْ يَرْغَبُ فِي مُشَارَكَةِ المَسِيحِ فِي قِيَامَتِهِ وَمَجْدِهِ، مَدْعُوٌّ أَوَّلًا إِلَى أَنْ يَسِيرَ وَرَاءَهُ فِي طَرِيقِ المَحَبَّةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ، إِذْ لَا يُفْهَمُ الصَّلِيبُ المَسِيحِيُّ بِمَعْزِلٍ عَنِ القِيَامَةِ، وَلَا تُفْهَمُ القِيَامَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّلِيبِ.
أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلُهُ (مَتَّى 16: 21-27)
21 " وَبَدَأَ يَسُوعُ مِنْ ذٰلِكَ الحِينِ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ، وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً مِنَ الشُّيُوخِ وَعُظَمَاءِ الكَهَنَةِ وَالكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ وَيَقُومَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "مِنْ ذٰلِكَ الحِينِ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Ἀπὸ τότε، إِلَى نُقْطَةِ تَحَوُّلٍ حَاسِمَةٍ فِي بِنْيَةِ إِنْجِيلِ مَتَّى. فَقَدِ اسْتَعْمَلَ مَتَّى العِبَارَةَ نَفْسَهَا فِي بَدَايَةِ رِسَالَةِ يَسُوعَ العَلَنِيَّةِ: "مِنْ ذٰلِكَ الحِينِ بَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: تُوبُوا، فَقَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 4: 17). وَهُنَا تَرِدُ العِبَارَةُ مَرَّةً أُخْرَى لِتُعْلِنَ انْتِقَالَ السَّرْدِ مِنْ إِعْلَانِ المَلَكُوتِ إِلَى الطَّرِيقِ الَّذِي سَيُحَقِّقُ بِهِ المَسِيحُ هٰذَا المَلَكُوتَ: الآلَامِ وَالمَوْتِ وَالقِيَامَةِ. فَبَعْدَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، يَبْدَأُ يَسُوعُ بِتَصْحِيحِ المَفْهُومِ البَشَرِيِّ لِلمَسِيحَانِيَّةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ طَرِيقَ المَسِيحِ إِلَى المَجْدِ يَمُرُّ بِالصَّلِيبِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ δεικνύειν ، أَيْ "يُبَيِّنُ" وَ"يُوَضِّحُ". وَهِيَ أَعْمَقُ مِنْ مُجَرَّدِ إِخْبَارٍ مُسْبَقٍ عَنِ الآلَامِ؛ إِذْ يَأْخُذُ يَسُوعُ فِي تَنْشِئَةِ تَلَامِيذِهِ عَلَى فَهْمِ سِرِّ المَسِيحِ المَصْلُوبِ. فَالاعْتِرَافُ الصَّحِيحُ بِهُوِيَّةِ يَسُوعَ يَجِبُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِفَهْمٍ صَحِيحٍ لِرِسَالَتِهِ؛ فَهُوَ المَسِيحُ، وَلٰكِنَّهُ المَسِيحُ الَّذِي يَبْذُلُ نَفْسَهُ، لَا المَسِيحُ السِّيَاسِيُّ المُنْتَصِرُ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا التَّدَرُّجِ التَّرْبَوِيِّ، مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يُحَدِّثْ تَلَامِيذَهُ عَنِ الآلَامِ بِهٰذِهِ الصَّرَاحَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا هُوِيَّتَهُ وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ، لِئَلَّا يَكُونَ الصَّلِيبُ سَبَبَ عَثْرَةٍ لَهُمْ، بَلْ يَفْهَمُوا الآلَامَ فِي ضَوْءِ القِيَامَةِ (PG 58: 533-536).
أَمَّا عِبَارَةُ "يَجِبُ عَلَيْهِ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ δεῖ ، وَهِيَ مِنَ الأَلْفَاظِ اللَّاهُوتِيَّةِ المُهِمَّةِ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ. فَلَا يَدُلُّ هٰذَا "الوُجُوبُ" عَلَى إِكْرَاهٍ أَوْ قَدَرٍ أَعْمَى يَفْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى يَسُوعَ، بَلْ عَلَى ضَرُورَةٍ خَلَاصِيَّةٍ نَابِعَةٍ مِنْ تَدْبِيرِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ. فَيَسُوعُ يَذْهَبُ إِلَى الآلَامِ بِحُرِّيَّةٍ وَطَاعَةٍ لِلآبِ، وَيَبْذُلُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ البَشَرِ. وَهٰكَذَا لَيْسَ الصَّلِيبُ حَادِثًا طَارِئًا أَفْشَلَ رِسَالَةَ يَسُوعَ، بَلْ يَدْخُلُ فِي سِرِّ التَّدْبِيرِ الإِلٰهِيِّ لِلخَلَاصِ. وَهٰذَا مَا سَتُعْلِنُهُ الكَرَازَةُ الرَّسُولِيَّةُ بَعْدَ القِيَامَةِ؛ فَيَقُولُ بُطْرُسُ عَنْ يَسُوعَ إِنَّهُ أُسْلِمَ "بِمَشِيئَةِ اللهِ المَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 23). فَالصَّلِيبُ، مِنَ الوِجْهَةِ التَّارِيخِيَّةِ، ثَمَرَ رَفْضِ البَشَرِ لِيَسُوعَ؛ أَمَّا مِنَ الوِجْهَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، فَقَدْ حَوَّلَهُ اللهُ إِلَى طَرِيقٍ لِلخَلَاصِ وَالحَيَاةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ"، فَتَجْعَلُ أُورَشَلِيمَ مَرْكَزَ الأَحْدَاثِ الفِصْحِيَّةِ المُقْبِلَةِ. فَهِيَ المَدِينَةُ المُقَدَّسَةُ وَمَرْكَزُ العِبَادَةِ وَالهَيْكَلِ، وَلٰكِنَّهَا أَيْضًا المَدِينَةُ الَّتِي وَاجَهَ فِيهَا الأَنْبِيَاءُ الرَّفْضَ وَالاضْطِهَادَ، وَلِذٰلِكَ قَالَ يَسُوعُ: "يَا أُورَشَلِيمُ، يَا أُورَشَلِيمُ، يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ المُرْسَلِينَ إِلَيْهَا!" (مَتَّى 23: 37؛ راجع لُوقَا 13: 33-34). وَفِي أُورَشَلِيمَ سَتَبْلُغُ رِسَالَةُ يَسُوعَ ذُرْوَتَهَا فِي مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ.
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً" إِلَى أَوَّلِ الإِنْبَاءَاتِ الثَّلَاثَةِ بِالآلَامِ وَالقِيَامَةِ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (مَتَّى 16: 21؛ 17: 22-23؛ 20: 17-19). وَتَتَدَرَّجُ هٰذِهِ الإِنْبَاءَاتُ فِي التَّفْصِيلِ، حَتَّى يَذْكُرَ الإِنْبَاءُ الثَّالِثُ تَسْلِيمَ ابْنِ الإِنْسَانِ إِلَى الوَثَنِيِّينَ وَالسُّخْرِيَةَ وَالجَلْدَ وَالصَّلْبَ، ثُمَّ القِيَامَةَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ (مَتَّى 20: 18-19). وَبِذٰلِكَ يُعِدُّ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ تَدْرِيجِيًّا لِفَهْمِ أَنَّ المَسِيحَ المَوْعُودَ بِهِ لَيْسَ مُحَرِّرًا سِيَاسِيًّا يَنْتَصِرُ بِالقُوَّةِ، بَلْ عَبْدُ الرَّبِّ الَّذِي يَبْذُلُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِ الكَثِيرِينَ (راجع إِشَعْيَاء 52: 13–53: 12؛ مَتَّى 20: 28).
أَمَّا عِبَارَةُ "الشُّيُوخِ وَعُظَمَاءِ الكَهَنَةِ وَالكَتَبَةِ"، فَتُشِيرُ إِلَى الفِئَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي كَانَتْ تُمَثِّلُ البِنْيَةَ القِيَادِيَّةَ لِلمَجْلِسِ اليَهُودِيِّ الأَعْلَى، أَيِ السَّنْهَدْرِين، الَّذِي ضَمَّ، بِحَسَبِ التَّقْلِيدِ اليَهُودِيِّ، سَبْعِينَ عُضْوًا إِلَى جَانِبِ رَئِيسِهِ. وَكَانَ يَتَكَوَّنُ مِنْ: الشُّيُوخِ (πρεσβύτεροι)، أَي وَجْهَاءِ الشَّعْبِ وَمُمَثِّلِي الأُسَرِ الأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ؛ وَعُظَمَاءِ الكَهَنَةِ (ἀρχιερεῖς)، أَيْ أَعْضَاءِ الأُسَرِ الكَهَنُوتِيَّةِ العُلْيَا وَمَنْ تَوَلَّوْا رِئَاسَةَ الكَهَنُوتِ؛ وَالكَتَبَةِ (γραμματεῖς)، أَيْ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ وَمُفَسِّرِيهَا، وَكَانَ بَعْضُهُمْ مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ. وَكَانَ رَئِيسُ المَجْلِسِ فِي زَمَنِ آلامِ يَسُوعَ هُوَ عَظِيمَ الكَهَنَةِ قَيَافَا (راجع مَتَّى 26: 3، 57). وَهٰذَا التَّعْدَادُ لَيْسَ عَرَضِيًّا، بَلْ يُظْهِرُ أَنَّ رَفْضَ يَسُوعَ سَيَصْدُرُ عَنْ مُجْمَلِ القِيَادَةِ الدِّينِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ. وَهُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ المَسِيحَ سَيُرْفَضُ مِنَ الَّذِينَ كَانَ يُفْتَرَضُ فِيهِمْ أَنْ يَتَعَرَّفُوا إِلَى وَعْدِ اللهِ وَيَسْتَقْبِلُوا تَحَقُّقَهُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَيُقْتَلَ وَيَقُومَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ" فَهِيَ مِفْتَاحُ فَهْمِ الإِنْبَاءِ كُلِّهِ. فَيَسُوعُ لَا يُنْبِئُ بِمَوْتِهِ وَحْدَهُ، بَلْ بِـالمَوْتِ وَالقِيَامَةِ مَعًا. وَمِنْ ثَمَّ فَالصَّلِيبُ لَيْسَ هَزِيمَةً، وَالقَبْرُ لَيْسَ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ، بَلْ يَصِيرُ المَوْتُ عُبُورًا إِلَى الحَيَاةِ. وَسَيُصْبِحُ هٰذَا الإِعْلَانُ نَوَاةَ الكَرَازَةِ الرَّسُولِيَّةِ، كَمَا يُلَخِّصُهَا بُولُسُ الرَّسُولُ: "إِنَّ المَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَفْقًا لِلكُتُبِ، وَأَنَّهُ قُبِرَ وَأَنَّهُ قَامَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ وَفْقًا لِلكُتُبِ" (1 قُورِنْتُس 15: 3-4). وَيَنْبَغِي، فِي هٰذَا السِّيَاقِ، فَهْمُ الآلَامِ فِي ضَوْءِ حُرِّيَّةِ المَسِيحِ وَمَحَبَّتِهِ، لَا كَأَنَّ الآبَ يَفْرِضُ عَلَى الابْنِ العَذَابَ. فَالمَسِيحُ يَبْذُلُ نَفْسَهُ بِحُرِّيَّةٍ فِي اتِّحَادٍ كَامِلٍ مَعَ إِرَادَةِ الآبِ الخَلَاصِيَّةِ. وَهٰذَا مَا سَيُعَبِّرُ عَنْهُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا بِوُضُوحٍ: "لَا أَحَدَ يَنْتَزِعُهَا مِنِّي، بَلْ أَبْذِلُهَا بِرِضَايَ" (يُوحَنَّا 10: 18).
أَمَّا عِبَارَةُ "وَيَقُومَ"، فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ إِنْبَاءَ يَسُوعَ لا يَنْتَهِي عِنْدَ الآلامِ وَالمَوْتِ، بَلْ يَبْلُغُ ذُرْوَتَهُ فِي القِيَامَةِ. فَمِنَ النَّاحِيَةِ السَّرْدِيَّةِ، يَأْتِي ذِكْرُ القِيَامَةِ لِيَمْنَعَ فَهْمَ الصَّلِيبِ كَهَزِيمَةٍ نِهَائِيَّةٍ؛ وَمِنَ النَّاحِيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، يُعْلِنُ أَنَّ الحَيَاةَ سَتَنْتَصِرُ عَلَى المَوْتِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَالتَّلَامِيذُ لَمْ يَسْتَوْعِبُوا بَعْدُ لا خَبَرَ الآلامِ وَلَا بُشْرَى القِيَامَةِ، وَهٰذَا مَا يُبَيِّنُهُ لُوقَا بِوُضُوحٍ (لُوقَا 9: 45؛ 18: 34). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا بِأَنَّ المَسِيحَ لَمْ يَذْكُرِ المَوْتَ وَحْدَهُ، بَلْ أَلْحَقَ بِهِ وَعْدَ القِيَامَةِ، لِكَيْ لا يَغْرَقَ التَّلَامِيذُ فِي الحُزْنِ، بَلْ يَعْرِفُوا أَنَّ الآلامَ سَتَقُودُ إِلَى الانْتِصَارِ (PG 58: 535-536).
أَمَّا عِبَارَةُ "فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ"، فَلَهَا بُعْدٌ زَمَنِيٌّ وَكِتَابِيٌّ وَلَاهُوتِيٌّ. فَمِنَ النَّاحِيَةِ الزَّمَنِيَّةِ، تَنْسَجِمُ مَعَ طَرِيقَةِ العَدِّ اليَهُودِيَّةِ الشَّامِلَةِ، حَيْثُ يُحْسَبُ جُزْءُ اليَوْمِ يَوْمًا؛ وَبِذٰلِكَ يُحْسَبُ مِنْ مَسَاءِ الجُمُعَةِ إِلَى صَبَاحِ الأَحَدِ "ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ" بِالمَعْنَى الكِتَابِيِّ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، تَرِدُ صُورَةُ "اليَوْمِ الثَّالِثِ" فِي العَهْدِ القَدِيمِ كَزَمَنٍ لِلتَّحَوُّلِ وَالتَّدَخُّلِ الإِلٰهِيِّ، كَمَا فِي الآيات (تَكْوِين 22: 4؛ خُرُوج 19: 16؛ هُوشَع 6: 2). وَيَكْتَسِبُ هُوشَع 6: 2 أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً فِي هٰذَا السِّيَاقِ: "بَعْدَ يَوْمَيْنِ يُحْيِينَا، وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ يُقِيمُنَا فَنَحْيَا أَمَامَهُ". وَإِنْ كَانَ النَّصُّ فِي سِيَاقِهِ الأَصْلِيِّ يَتَحَدَّثُ عَنْ تَجْدِيدِ إِسْرَائِيلَ، فَقَدْ رَأَتِ الكَرَازَةُ المَسِيحِيَّةُ فِي "اليَوْمِ الثَّالِثِ"» بُعْدًا خَلَاصِيًّا يَتَوَافَقُ مَعَ قِيَامَةِ المَسِيحِ. وَلِذٰلِكَ أَصْبَحَ التَّعْبِيرُ جُزْءًا مِنْ صِيغَةِ الإِيمَانِ الرَّسُولِيِّ: "وَأَنَّهُ قُبِرَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ كَمَا وَرَدَ فِي الكُتُبِ" (1 قُورِنْثُس 15: 4). وَيَظْهَرُ المَعْنَى نَفْسُهُ فِي كَرَازَةِ بُطْرُسَ فِي بَيْتِ كُرْنِيلِيُوسَ: "هُوَ الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ وَخَوَّلَهُ أَنْ يَظْهَرَ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 10: 40). أَمَّا صِيغَةُ مَرْقُسَ "بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ" (مَرْقُس 8: 31)، فَلَا تُنَاقِضُ عِبَارَةَ مَتَّى "فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ"، لأَنَّ التَّعْبِيرَيْنِ يَنْتَمِيَانِ إِلَى طَرِيقَةِ العَدِّ السَّامِيَّةِ نَفْسِهَا، وَيُسْتَعْمَلَانِ فِي التَّقْلِيدِ الإِنْجِيلِيِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى القِيَامَةِ فِي الأَحَدِ بَعْدَ الصَّلْبِ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الإِنْبَاءَاتُ أَيْضًا عَنْ حُرِّيَّةِ يَسُوعَ فِي قَبُولِ طَرِيقِ الصَّلِيبِ. فَلَسْنَا أَمَامَ مَصِيرٍ فُرِضَ عَلَيْهِ كُرْهًا، وَلَا أَمَامَ حَدَثٍ عَرَضِيٍّ خَرَجَ عَنْ سَيْطَرَتِهِ، بَلْ أَمَامَ طَاعَةٍ حُرَّةٍ وَوَاعِيَةٍ لِمَشِيئَةِ الآبِ الخَلَاصِيَّةِ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ يَسُوعُ قَائِلًا: "لِيَعْلَمَ العَالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآبَ، وَأَنِّي أَعْمَلُ كَمَا أَوْصَانِي الآبُ" (يُوحَنَّا 14: 31). وَمِنْ هُنَا، تُمَثِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي تَنْشِئَةِ التَّلَامِيذِ: فَبَعْدَ أَنْ اعْتَرَفُوا بِيَسُوعَ مَسِيحًا، يَجِبُ عَلَيْهِمْ الآنَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا أَنَّ المَسِيحَانِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَمُرُّ بِالصَّلِيبِ، وَأَنَّ المَجْدَ لا يَأْتِي قَبْلَ الآلامِ بَلْ مِنْ خِلَالِهَا. وَلِهٰذَا أَصْبَحَ مَوْتُ المَسِيحِ وَقِيَامَتُهُ نَوَاةَ الإِيمَانِ الرَّسُولِيِّ وَقَلْبَ الإِنْجِيلِ، لا مُجَرَّدَ خَاتِمَةٍ لِسِيرَتِهِ الأَرْضِيَّةِ. فَفِي الصَّلِيبِ يَتَجَلَّى بَذْلُ الابْنِ، وَفِي القِيَامَةِ يَتَجَلَّى انْتِصَارُ اللهِ عَلَى المَوْتِ. وَمِنَ الأَدَقِّ أَخِيرًا أَلَّا نَقُولَ إِنَّ مَتَّى يَنْفَرِدُ بِتَكْرَارِ هٰذِهِ الآيَةِ، بَلْ إِنَّ مَتَّى، كَمَرْقُسَ وَلُوقَا، يَذْكُرُ ثَلَاثَةَ إِنْبَاءَاتٍ رَئِيسِيَّةٍ بِالآلامِ وَالقِيَامَةِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ إِنْجِيلٍ صِيَاغَتُهُ وَتَفَاصِيلُهُ الخَاصَّةُ. وَهٰكَذَا يَكْشِفُ الإِنْبَاءُ الأَوَّلُ بِالآلَامِ عَنْ حَقِيقَةٍ أَسَاسِيَّةٍ فِي الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ: لَا يُمْكِنُ فَصْلُ هُوِيَّةِ يَسُوعَ، "المَسِيحِ ابْنِ اللهِ الحَيِّ"، عَنْ سِرِّ صَلِيبِهِ وَقِيَامَتِهِ. فَالصَّلِيبُ لَيْسَ حَادِثًا عَرَضِيًّا فِي نِهَايَةِ حَيَاتِهِ، بَلْ هُوَ ذُرْوَةُ بَذْلِهِ وَطَاعَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالقِيَامَةُ هِيَ إِعْلَانُ انْتِصَارِ هٰذِهِ المَحَبَّةِ عَلَى الخَطِيئَةِ وَالمَوْتِ.
22."فَانْفَرَدَ بِهِ بُطْرُسُ وَجَعَلَ يُعَاتِبُهُ، فَيَقُولُ: "حَاشَ لَكَ يَا رَبُّ! لَنْ يُصِيبَكَ هٰذَا!
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَانْفَرَدَ بِهِ بُطْرُسُ" إِلَى أَنَّ بُطْرُسَ أَخَذَ يَسُوعَ جَانِبًا، بَعِيدًا عَنْ بَقِيَّةِ التَّلَامِيذِ، لِيُعَبِّرَ لَهُ عَنْ اعْتِرَاضِهِ عَلَى الإِنْبَاءِ بِالآلامِ وَالمَوْتِ. وَيَبْدُو أَنَّ بُطْرُسَ، الَّذِي اعْتَرَفَ قَبْلَ قَلِيلٍ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ "المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، لَمْ يَكُنْ قَدْ أَدْرَكَ بَعْدُ أَنَّ مَسِيحَانِيَّةَ يَسُوعَ تَمُرُّ بِالصَّلِيبِ. فَكَانَتْ صُورَةُ المَسِيحِ المُتَأَلِّمِ تَصْطَدِمُ بِتَوَقُّعَاتِهِ عَنْ مَسِيحٍ مُنْتَصِرٍ وَمُمَجَّدٍ. وَمِنْ هُنَا، لا يَنْبَغِي فَهْمُ انْفِرَادِ بُطْرُسَ بِيَسُوعَ عَلَى أَنَّهُ نَاتِجٌ فَقَطْ عَنْ خَوْفِهِ عَلَيْهِ، بَلْ أَيْضًا عَنْ صُعُوبَةِ قَبُولِهِ لِمَخْطَطِ اللهِ الخَلَاصِيِّ. فَبُطْرُسُ يُحِبُّ يَسُوعَ، لٰكِنَّهُ لا يَزَالُ يُرِيدُ لَهُ مَجْدًا بِلَا صَلِيبٍ، وَانْتِصَارًا بِلَا أَلَمٍ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَجَعَلَ يُعَاتِبُهُ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ الفِعْلُ ἐπιτιμᾶν، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ "المُعَاتَبَةِ"، إِذْ يَحْمِلُ مَعْنَى الانْتِهَارِ أَوِ الزَّجْرِ وَالمَنْعِ. وَالمُفَارَقَةُ أَنَّ بُطْرُسَ، الَّذِي تَلَقَّى قَبْلَ قَلِيلٍ وَحْيًا مِنَ الآبِ، يُحَاوِلُ الآنَ أَنْ يُصَحِّحَ لِيَسُوعَ طَرِيقَهُ، فَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْقِفِ التِّلْمِيذِ الَّذِي يُصْغِي إِلَى مَوْقِفِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُمْلِيَ عَلَى المُعَلِّمِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا التَّحَوُّلِ، مُبَيِّنًا أَنَّ بُطْرُسَ، بَعْدَ أَنْ نَالَ الإِعْلَانَ عَنْ هُوِيَّةِ المَسِيحِ، لَمْ يَكُنْ بَعْدُ قَدْ فَهِمَ سِرَّ الصَّلِيبِ؛ فَحُبُّهُ لِيَسُوعَ دَفَعَهُ إِلَى رَفْضِ آلامِهِ، لٰكِنَّ هٰذَا الحُبَّ كَانَ لا يَزَالُ بِحَاجَةٍ إِلَى التَّنْقِيَةِ مِنَ التَّفْكِيرِ البَشَرِيِّ (PG 58: 536-538). وَيَظْهَرُ هُنَا تَنَاقُضٌ دِرَامِيٌّ فِي شَخْصِيَّةِ بُطْرُسَ: فَفِي الآيَةِ 16 يَنْطِقُ بِوَحْيِ الآبِ، أَمَّا هُنَا فَيَتَكَلَّمُ وَفْقَ مَقَايِيسِ البَشَرِ. وَهٰذَا لا يُبْطِلُ إِيمَانَهُ السَّابِقَ، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقَّ قَدْ يَكُونُ بِحَاجَةٍ إِلَى نُمُوٍّ وَتَطْهِيرٍ وَتَعَلُّمٍ مُسْتَمِرٍّ.
أَمَّا عِبَارَةُ "حَاشَ لَكَ يَا رَبُّ!"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Ἵλεώς σοι, κύριε ، وَهِيَ عِبَارَةٌ اصطلاحية تُفيد معنى: "حَاشَا أَنْ يَحْدُثَ لَكَ هٰذَا" أَوْ "لِيَكُنِ اللهُ رَحِيمًا بِكَ، فَلَا يَكُنْ هٰذَا لَكَ". وَمِنْ ثَمَّ، فَالتَّرْجَمَةُ "اِرْحَمْ نَفْسَكَ" لا تُعَبِّرُ بِدِقَّةٍ عَنِ البِنْيَةِ اليُونَانِيَّةِ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ العِبَارَةُ عَنْ مَحَبَّةِ بُطْرُسَ لِيَسُوعَ، وَلٰكِنَّهَا تَكْشِفُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَنْ مَحَبَّةٍ لَمْ تَتَعَلَّمْ بَعْدُ مَنْطِقَ الصَّلِيبِ. فَهُوَ يَتَمَنَّى لِيَسُوعَ السَّلَامَةَ وَالمَجْدَ وَالنَّجَاحَ، بَيْنَمَا يَكْشِفُ يَسُوعُ أَنَّ الخَلَاصَ سَيَتَحَقَّقُ مِنْ خِلَالِ بَذْلِ الذَّاتِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "لَنْ يُصِيبَكَ هٰذَا!"، فَتَكْشِفُ عَنْ رَفْضٍ قَاطِعٍ لِفِكْرَةِ الصَّلِيبِ. وَمِنْ هُنَا يَتَّخِذُ كَلَامُ بُطْرُسَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ، طَابَعَ التَّجْرِبَةِ المَسِيحَانِيَّةِ: أَنْ يَكُونَ يَسُوعُ مَسِيحًا بِلَا أَلَمٍ، وَمَلِكًا بِلَا صَلِيبٍ، وَأَنْ يَصِلَ إِلَى المَجْدِ مِنْ غَيْرِ بَذْلِ الذَّاتِ. وَهٰذَا يُذَكِّرُ بِتَجَارِبِ البَرِّيَّةِ، حَيْثُ حَاوَلَ المُجَرِّبُ أَنْ يَدْفَعَ يَسُوعَ إِلَى إِثْبَاتِ بُنُوَّتِهِ بِالخَوَارِقِ وَالمَجْدِ السَّرِيعِ: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَأَلْقِ بِنَفْسِكَ إِلَى الأَسْفَلِ" (مَتَّى 4: 6). وَفِي الحَالَتَيْنِ يَكْمُنُ الإِغْرَاءُ فِي فَصْلِ المَجْدِ عَنِ الطَّاعَةِ، وَالمَسِيحَانِيَّةِ عَنِ الصَّلِيبِ. وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَيْضًا شِدَّةَ جَوَابِ يَسُوعَ اللاحِقِ: "اِنْسَحِبْ! وَرَائِي، يَا شَيْطَانُ!" (مَتَّى 16: 23). فَيَسُوعُ لا يَصِفُ بُطْرُسَ بِأَنَّهُ الشَّيْطَانُ فِي ذَاتِهِ، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّ الفِكْرَةَ الَّتِي يَحْمِلُهَا — أَيْ مَسِيحًا بِلَا صَلِيبٍ — تُعِيدُ إِلَيْهِ صَوْتَ التَّجْرِبَةِ الَّتِي رَفَضَهَا فِي البَرِّيَّةِ. وَقَدْ أَشَارَ البَابَا بِنِدِكْتُس السَّادِسَ عَشَرَ إِلَى هٰذَا البُعْدِ، مُبَيِّنًا أَنَّ بُطْرُسَ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ أَنَّ طَرِيقَ اللهِ لا يُقَاسُ بِمَقَايِيسِ النَّجَاحِ البَشَرِيِّ، وَأَنَّ سُقُوطَ بُطْرُسَ لَمْ يُلْغِ دَعْوَتَهُ، بَلْ فَتَحَهُ عَلَى التَّوْبَةِ وَالنِّعْمَةِ وَالرَّحْمَةِ (المُقَابَلَةُ العَامَّةُ، 18 تِشْرِينَ الأَوَّل 2006). وَيَكْشِفُ النَّصُّ، أَخِيرًا، عَنْ حَقِيقَةٍ رُوحِيَّةٍ مُهِمَّةٍ: لَيْسَ كُلُّ مَا يَبْدُو لَنَا مُحِبًّا أَوْ مَنْطِقِيًّا يَكُونُ بِالضَّرُورَةِ مُوَافِقًا لِمَشِيئَةِ اللهِ. فَبُطْرُسُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بدافع المحبة، لٰكِنَّ مَحَبَّتَهُ كَانَتْ تُحَاوِلُ أَنْ تُبْعِدَ يَسُوعَ عَنْ طَرِيقِ رِسَالَتِهِ. وَمِنْ هُنَا فَالتَّلْمَذَةُ الحَقِيقِيَّةُ تَعْنِي أَنْ نَقْبَلَ كُلَّ مَا يَكْشِفُهُ اللهُ لَنَا، لا فَقَطْ مَا يُوَافِقُ رَغَبَاتِنَا وَتَوَقُّعَاتِنَا. فَالإِيمَانُ النَّاضِجُ لا يُحَاوِلُ أَنْ يُمْلِيَ عَلَى اللهِ طَرِيقَهُ، بَلْ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَقُولَ مَعَ المَسِيحِ: "لَا كَمَا أَنَا أَشَاءُ، بَلْ كَمَا أَنْتَ تَشَاءُ" (مَتَّى 26: 39).
23. "فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: "اِنْسَحِبْ! وَرَائِي! يَا شَيْطَانُ، فَأَنْتَ لِي حَجَرُ عَثْرَةٍ، لِأَنَّ أَفْكَارَكَ لَيْسَتْ أَفْكَارَ اللهِ، بَلْ أَفْكَارُ البَشَرِ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "اِنْسَحِبْ! وَرَائِي!"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ὕπαγε ὀπίσω μου ، إِلَى أَمْرِ يَسُوعَ لِبُطْرُسَ بِأَنْ يَعُودَ إِلَى مَكَانِهِ الحَقِيقِيِّ كَتِلْمِيذٍ: خَلْفَ المُعَلِّمِ، لا أَمَامَهُ. فَالتِّلْمِيذُ لا يَرْسُمُ الطَّرِيقَ لِمُعَلِّمِهِ، بَلْ يَسِيرُ وَرَاءَهُ. وَمِنْ هُنَا، لا تَعْنِي العِبَارَةُ طَرْدَ بُطْرُسَ نِهَائِيًّا، بَلْ إِعَادَتَهُ إِلَى مَوْقِعِ التَّلْمَذَةِ، حَيْثُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَ يَسُوعَ وَيَتَعَلَّمَ مِنْهُ مَعْنَى المَسِيحَانِيَّةِ وَالصَّلِيبِ. وَيَحْمِلُ هٰذَا الأَمْرُ صَدًى لِدَعْوَةِ بُطْرُسَ الأُولَى، حِينَ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "هَلُمَّ وَرَائِي" (مَتَّى 4: 19). فَبُطْرُسُ الَّذِي دُعِيَ مُنْذُ البِدَايَةِ إِلَى السَّيْرِ خَلْفَ يَسُوعَ، يُحَاوِلُ الآنَ أَنْ يَقِفَ أَمَامَهُ وَيَمْنَعَهُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى الصَّلِيبِ. وَلِذٰلِكَ يُعِيدُهُ يَسُوعُ إِلَى مَكَانِهِ الصَّحِيحِ: "وَرَائِي!". وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَوْقِفِ بِأَنَّ بُطْرُسَ، بَعْدَ أَنْ نَالَ مَدْحًا عَظِيمًا بِسَبَبِ اعْتِرَافِهِ، سَقَطَ فِي فِكْرٍ بَشَرِيٍّ حِينَ رَفَضَ آلامَ المَسِيحِ؛ فَأَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَنَّ الصَّلِيبَ لَيْسَ عَارًا يُجَنَّبُ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ تَدْبِيرِ الخَلَاصِ (PG 58: 536-538).
أَمَّا عِبَارَةُ "يَا شَيْطَانُ"، فَلا تَعْنِي أَنَّ بُطْرُسَ أَصْبَحَ شَيْطَانًا فِي ذَاتِهِ، بَلْ إِنَّهُ، فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ، أَخَذَ دَوْرَ المُعَارِضِ لِطَرِيقِ اللهِ. وَكَلِمَةُ Σατανᾶς تَرْجِعُ إِلَى العِبْرِيَّةِ שָׂטָן، وَمَعْنَاهَا الأَصْلِيُّ "الخَصْمُ" أَوْ "المُعَارِضُ". فَبُطْرُسُ، مِنْ حَيْثُ لا يَقْصِدُ، يَضَعُ نَفْسَهُ فِي مُوَاجَهَةِ طَرِيقِ الآبِ، لأَنَّهُ يُرِيدُ مَسِيحًا بِلَا صَلِيبٍ. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا مُبَاشَرَةً بِتَجْرِبَةِ البَرِّيَّةِ، حَيْثُ قَالَ يَسُوعُ لِإِبْلِيسَ: "اِذْهَبْ، يَا شَيْطَانُ!" (مَتَّى 4: 10). فَالمُجَرِّبُ حَاوَلَ هُنَاكَ أَنْ يَقْتَرِحَ عَلَى يَسُوعَ طَرِيقًا إِلَى المَجْدِ بِلَا طَاعَةٍ وَبِلَا صَلِيبٍ، وَهُنَا يَظْهَرُ الإِغْرَاءُ نَفْسُهُ عَلَى لِسَانِ بُطْرُسَ: مَسِيحٌ مُمَجَّدٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرَّ بِالآلامِ. وَمِنْ هُنَا، فَالتَّوَازِي بَيْنَ مَتَّى 4: 10 وَمَتَّى 16: 23 مُهِمٌّ جِدًّا؛ فَيَسُوعُ يَرْفُضُ فِي المَوْضِعَيْنِ مَسِيحَانِيَّةً بِلَا صَلِيبٍ. وَإِنْ كَانَتْ دَوَافِعُ الشَّيْطَانِ شِرِّيرَةً، فَدَافِعُ بُطْرُسَ هُوَ المَحَبَّةُ البَشَرِيَّةُ وَالخَوْفُ عَلَى مُعَلِّمِهِ، لٰكِنَّ النَّتِيجَةَ المَوْضُوعِيَّةَ وَاحِدَةٌ: مُحَاوَلَةُ إِبْعَادِ يَسُوعَ عَنْ طَرِيقِ الصَّلِيبِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَأَنْتَ لِي حَجَرُ عَثْرَةٍ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ σκάνδαλον εἶ ἐμοῦ، وَكَلِمَةُ σκάνδαλον تَدُلُّ أَصْلًا عَلَى الفَخِّ أَوِ العَقَبَةِ الَّتِي تُسَبِّبُ السُّقُوطَ، ثُمَّ صَارَتْ تَعْنِي "العَثْرَة". وَالمُفَارَقَةُ اللاهُوتِيَّةُ قَوِيَّةٌ: فَبُطْرُسُ الَّذِي دَعَاهُ يَسُوعُ قَبْلَ قَلِيلٍ "صَخْرَةً" (مَتَّى 16: 18)، يُصْبِحُ الآنَ "حَجَرَ عَثْرَةٍ" عِنْدَمَا يَخْرُجُ عَنْ مَنْطِقِ الإِيمَانِ وَيَتَبَنَّى مَنْطِقَ البَشَرِ. وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ دَوْرَ بُطْرُسَ لا يَسْتَنِدُ إِلَى قُدْرَةٍ شَخْصِيَّةٍ مَعْصُومَةٍ مِنَ الضَّعْفِ، بَلْ إِلَى النِّعْمَةِ وَالأَمَانَةِ لِوَحْيِ اللهِ. فَحِينَ يَصْغِي إِلَى الآبِ يَكُونُ صَخْرَةً، وَحِينَ يَتَبَنَّى المَقَايِيسَ البَشَرِيَّةَ يُصْبِحُ عَثْرَةً. وَهٰذَا التَّبَايُنُ يُعَدُّ مِنْ أَعْمَقِ المَعَانِي فِي هٰذَا المَقْطَعِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "لِأَنَّ أَفْكَارَكَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ οὐ φρονεῖς، مِنَ الفِعْلِ φρονέω ، الَّذِي لا يَعْنِي مُجَرَّدَ "التَّفْكِيرِ" العَقْلِيِّ، بَلْ تَبَنِّيَ مَوْقِفٍ وَوَجْهَةِ نَظَرٍ وَاتِّجَاهٍ دَاخِلِيٍّ. وَيَسْتَعْمِلُ بُولُسُ الفِعْلَ نَفْسَهُ حِينَ يَقُولُ: "الَّذِينَ يَحْيَوْنَ بِحَسَبِ الجَسَدِ يَهْتَمُّونَ بِمَا هُوَ لِلجَسَدِ، وَالَّذِينَ يَحْيَوْنَ بِحَسَبِ الرُّوحِ بِمَا هُوَ لِلرُّوحِ" (رُومَة 8: 5).
وَمِنْ ثَمَّ، فَعِبَارَةُ "لِأَنَّ أَفْكَارَكَ لَيْسَتْ أَفْكَارَ اللهِ، بَلْ أَفْكَارُ البَشَرِ" لا تَتَعَلَّقُ بِخَطَإٍ فِكْرِيٍّ عَابِرٍ فَقَطْ، بَلْ بِـمَنْظُورَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ لِلخَلَاصِ: مَنْظُورُ اللهِ الَّذِي يَرَى فِي بَذْلِ الذَّاتِ وَالصَّلِيبِ طَرِيقًا إِلَى الحَيَاةِ، وَمَنْظُورُ البَشَرِ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ النَّجَاحِ وَالقُوَّةِ وَالمَجْدِ مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ أَوْ تَضْحِيَةٍ. وَيَكْشِفُ النَّصُّ هُنَا مُفَارَقَةً عَمِيقَةً: فَقَبْلَ قَلِيلٍ قَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: "لَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ كَشَفَا لَكَ هٰذَا، بَلْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 17)، أَمَّا الآنَ فَيَقُولُ لَهُ: "أَفْكَارُكَ لَيْسَتْ أَفْكَارَ اللهِ، بَلْ أَفْكَارُ البَشَرِ". فَبُطْرُسُ انْتَقَلَ، فِي لَحْظَةٍ، مِنَ الاسْتِنَارَةِ بِوَحْيِ الآبِ إِلَى مَنْطِقِ "اللَّحْمِ وَالدَّمِ". وَلِذٰلِكَ فَالمَشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي مَحَبَّةِ بُطْرُسَ لِيَسُوعَ، بَلْ فِي صُورَةِ المَسِيحِ الَّتِي يَحْمِلُهَا. فَهُوَ يُرِيدُ مَسِيحًا يَنْتَصِرُ بِالقُوَّةِ، بَيْنَمَا يَكْشِفُ يَسُوعُ عَنْ مَسِيحٍ يَنْتَصِرُ بِالمَحَبَّةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ. وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نُرْجِعَ سُوءَ فَهْمِ بُطْرُسَ فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ مُبَاشَرَةً إِلَى يُوحَنَّا 20: 9؛ فَهٰذَا النَّصُّ يَتَحَدَّثُ عَنْ بُطْرُسَ وَالتِّلْمِيذِ الآخَرِ صَبَاحَ القِيَامَةِ، وَعَنْ عَدَمِ فَهْمِهِمَا الكِتَابَ القَائِلَ إِنَّ المَسِيحَ يَجِبُ أَنْ يَقُومَ مِنَ الأَمْوَاتِ. أَمَّا سِيَاقُ مَتَّى 16 فَيُرَكِّزُ خَاصَّةً عَلَى رَفْضِ بُطْرُسَ لِطَرِيقِ الآلامِ وَالصَّلِيبِ. وَهٰكَذَا نَكُونُ أَمَامَ طَرِيقَتَيْنِ فِي فَهْمِ الحَيَاةِ وَالخَلَاصِ: طَرِيقَةِ اللهِ، الَّتِي يَكْشِفُهَا يَسُوعُ فِي الصَّلِيبِ وَالمَحَبَّةِ وَالبَذْلِ؛ وَطَرِيقَةِ البَشَرِ، الَّتِي تَبْحَثُ عَنِ المَجْدِ مِنْ دُونِ تَضْحِيَةٍ، وَعَنِ الانْتِصَارِ مِنْ دُونِ صَلِيبٍ. وَلِهٰذَا لا يَرْفُضُ يَسُوعُ بُطْرُسَ، بَلْ يُصَحِّحُ مَكَانَهُ وَتَفْكِيرَهُ: "وَرَائِي!". فَالطَّرِيقُ إِلَى الشِّفَاءِ مِنَ التَّفْكِيرِ البَشَرِيِّ لَيْسَ بِمُغَادَرَةِ يَسُوعَ، بَلْ بِالعَوْدَةِ إِلَى السَّيْرِ خَلْفَهُ. وَمِنْ هُنَا يَضَعُنَا عِتَابُ يَسُوعَ لِبُطْرُسَ أَمَامَ سُؤَالٍ رُوحِيٍّ حَاسِمٍ: مَا هِيَ صُورَةُ اللهِ الَّتِي نَحْمِلُهَا فِي قُلُوبِنَا؟ أَنُرِيدُ إِلٰهًا يُحَقِّقُ تَوَقُّعَاتِنَا وَيُجَنِّبُنَا كُلَّ صَلِيبٍ، أَمْ نَقْبَلُ إِلٰهَ يَسُوعَ المَسِيحِ، الَّذِي يَكْشِفُ أَنَّ طَرِيقَ الحَيَاةِ يَمُرُّ بِالمَحَبَّةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ وَالأَمَانَةِ حَتَّى النِّهَايَةِ؟
24. "ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ، وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي" إِلَى دَعْوَةٍ مَفْتُوحَةٍ تَحْتَرِمُ حُرِّيَّةَ الإِنْسَانِ. فَيَسُوعُ لا يَفْرِضُ التَّلْمَذَةَ، بَلْ يَدْعُو إِلَيْهَا: "مَنْ أَرَادَ". وَيَأْتِي هٰذَا القَوْلُ مُبَاشَرَةً بَعْدَ أَنْ أَمَرَ بُطْرُسَ: "وَرَائِي!" (مَتَّى 16: 23)، لِيَكْشِفَ أَنَّ المَكَانَ الحَقِيقِيَّ لِلتِّلْمِيذِ هُوَ خَلْفَ المُعَلِّمِ، يَسِيرُ عَلَى خُطَاهُ وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ، لا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ وَيُحَدِّدَ لَهُ الطَّرِيقَ. وَتَرْتَبِطُ هٰذِهِ الدَّعْوَةُ بِالإِنْبَاءِ الأَوَّلِ بِالآلامِ (مَتَّى 16: 21). فَبَعْدَ أَنْ كَشَفَ يَسُوعُ أَنَّ طَرِيقَهُ يَمُرُّ بِأُورَشَلِيمَ وَالآلامِ وَالمَوْتِ وَالقِيَامَةِ، أَعْلَنَ أَنَّ التِّلْمِيذَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَارَ مَسِيحًا مِنْ دُونِ طَرِيقِ المَسِيحِ. فَاتِّبَاعُ يَسُوعَ يَعْنِي الاشْتِرَاكَ فِي نَمَطِ حَيَاتِهِ، أَيْ فِي المَحَبَّةِ وَالطَّاعَةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى قَوْلِ يَسُوعَ "َنْ أَرَادَ" بِأَنَّ المَسِيحَ لا يُكْرِهُ أَحَدًا عَلَى اتِّبَاعِهِ، بَلْ يَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى التَّلْمَذَةِ بِحُرِّيَّةٍ، ثُمَّ يَكْشِفُ لَهُ شُرُوطَهَا بِكُلِّ صَرَاحَةٍ: إِنْكَارُ الذَّاتِ، وَحَمْلُ الصَّلِيبِ، وَالسَّيْرُ وَرَاءَ المَسِيحِ (PG 58: 539-540).
أَمَّا عِبَارَةُ "يَتْبَعَنِي"، فَتَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ السَّيْرِ الجَسَدِيِّ وَرَاءَ يَسُوعَ. فَفِي التَّقْلِيدِ الإِنْجِيلِيِّ، يَعْنِي اتِّبَاعُ يَسُوعَ الدُّخُولَ فِي عَلاقَةِ تَلْمَذَةٍ شَخْصِيَّةٍ مَعَهُ، وَجَعْلَ كَلِمَتِهِ وَمَثَلِهِ وَرِسَالَتِهِ مِعْيَارًا لِلحَيَاةِ. فَالتِّلْمِيذُ لا يَتَعَلَّقُ بِتَعْلِيمٍ مُجَرَّدٍ فَقَطْ، بَلْ بِشَخْصِ يَسُوعَ نَفْسِهِ: "اِتْبَعْنِي" (مَتَّى 4: 19؛ 9: 9). وَمِنْ هُنَا، فَاتِّبَاعُ المَسِيحِ لا يَعْنِي الإِعْجَابَ بِهِ أَوِ الاسْتِمَاعَ إِلَى كَلِمَاتِهِ فَحَسْبُ، بَلْ التَّشَبُّهَ بِهِ وَمُشَارَكَتَهُ طَرِيقَهُ. فَالمَسِيحِيَّةُ لَيْسَتْ مَعْرِفَةً عَنْ يَسُوعَ فَقَطْ، بَلْ حَيَاةٌ مَعَهُ وَوَرَاءَهُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ"، فَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἀπαρνησάσθω ἑαυτόν، وَمَعْنَاهَا الحَرْفِيُّ: "لِيُنْكِرْ نَفْسَهُ". وَالفِعْلُ ἀπαρνέομαι يَحْمِلُ مَعْنَى الإِنْكَارِ الحَاسِمِ وَالتَّخَلِّي عَنِ الادِّعَاءِ بِالسِّيَادَةِ عَلَى الذَّاتِ. وَمِنَ المُهِمِّ التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ الكَلِمَةَ اليُونَانِيَّةَ هُنَا لَيْسَتْ ψυχή، بَلْ ἑαυτόν، أَيْ "نَفْسَهُ/ذَاتَهُ". أَمَّا ψυχή، بِمَعْنَى "النَّفْسِ" أَوِ "الحَيَاةِ"، فَسَتَرِدُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ (مَتَّى 16: 25). وَإِنْكَارُ الذَّاتِ لا يَعْنِي احْتِقَارَ الإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ، وَلَا تَحْقِيرَ كَرَامَتِهِ، وَلَا إِلْغَاءَ شَخْصِيَّتِهِ؛ فَالإِنْسَانُ مَخْلُوقٌ عَلَى صُورَةِ اللهِ وَمَدْعُوٌّ إِلَى مَحَبَّةِ قَرِيبِهِ كَنَفْسِهِ (مَتَّى 22: 39). إِنَّمَا يَعْنِي أَنْ يَتَخَلَّى الإِنْسَانُ عَنْ جَعْلِ الأَنَا مَرْكَزًا مُطْلَقًا لِحَيَاتِهِ، وَأَنْ يَتَحَرَّرَ مِنَ الأَنَانِيَّةِ وَمِنْ كُلِّ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ وَالقَرِيبِ. فَإِنْكَارُ الذَّاتِ هُوَ، إِذًا، الانْتِقَالُ مِنَ الامْتِلَاكِ إِلَى العَطَاءِ، وَمِنَ التَّمَرْكُزِ حَوْلَ الذَّاتِ إِلَى بَذْلِهَا فِي المَحَبَّةِ. وَهٰذَا مَا تَجَسَّدَ فِي يَسُوعَ نَفْسِهِ، الَّذِي "لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدُمَ وَيَفْدِيَ بِنَفْسِهِ جَمَاعَةَ النَّاسِ" (مَتَّى 20: 28). وَفِي هٰذَا الإِطَارِ يَأْتِي تَعْلِيمُ القِدِّيسِ أوغسطينوس عَنْ نَوْعَيْنِ مِنَ المَحَبَّةِ اللَّذَيْنِ يَصُوغَانِ مَسِيرَةَ الإِنْسَانِ: "حُبُّ الذَّاتِ حَتَّى ازْدِرَاءِ اللهِ، وَحُبُّ اللهِ حَتَّى ازْدِرَاءِ الذَّاتِ"، أَيْ حَتَّى التَّخَلِّي عَنِ الأَنَانِيَّةِ وَالسَّيَادَةِ المُنْغَلِقَةِ لِلذَّاتِ (مَدِينَةُ اللهِ، 14، 28؛ PL 41: 436). وَلا يَقْصِدُ أوغسطينوس احتقار الكرامة الإنسانية، بل تحرير الإنسان من حبّ الذات المنغلق على الله والآخرين.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ"، فَتَحْمِلُ فِي بِيئَةِ القَرْنِ الأَوَّلِ صُورَةً قَاسِيَةً وَوَاضِحَةً. فَالصَّلْبُ كَانَ مِنْ أَقْسَى أَشْكَالِ الإِعْدَامِ فِي النِّظَامِ الرُّومَانِيِّ، وَكَانَ المَحْكُومُ عَلَيْهِ يُجْبَرُ، فِي العَادَةِ، عَلَى حَمْلِ العَارِضَةِ الخَشَبِيَّةِ إِلَى مَوْضِعِ التَّنْفِيذِ، فَيَصِيرُ حَمْلُ الصَّلِيبِ عَلَامَةً عَلَى السَّيْرِ نَحْوَ المَوْتِ. وَلِذٰلِكَ فَقَوْلُ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ، لِسَامِعِيهِ الأَوَّلِينَ، تَشْبِيهًا رُوحِيًّا خَفِيفًا، بَلْ دَعْوَةً جَذْرِيَّةً إِلَى الأَمَانَةِ لَهُ حَتَّى إِذَا قَادَتْ هٰذِهِ الأَمَانَةُ إِلَى الاضْطِهَادِ وَفَقْدِ الحَيَاةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ بِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَقُلْ لِتِلْمِيذِهِ مُجَرَّدَ "مُتْ"، بَلْ "اِحْمِلْ صَلِيبَكَ"، أَيْ كُنْ مُسْتَعِدًّا لِمُوَاجَهَةِ الأَلَمِ وَالعَارِ وَالمَوْتِ فِي الأَمَانَةِ لِلمَسِيحِ، وَذٰلِكَ لا مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، بَلْ بِاسْتِعْدَادٍ دَائِمٍ (PG 58: 539-540). وَلا يَعْنِي حَمْلُ الصَّلِيبِ أَنَّ كُلَّ أَلَمٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ضِيقٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ "صَلِيبٌ" بِالمَعْنَى الإِنْجِيلِيِّ. فَالصَّلِيبُ فِي هٰذَا السِّيَاقِ مُرْتَبِطٌ أَوَّلًا بِالتَّلْمَذَةِ وَالأَمَانَةِ لِيَسُوعَ وَتَبِعَاتِ هٰذِهِ الأَمَانَةِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يُمْكِنُ لِلمُؤْمِنِ أَنْ يَحْمِلَ آلامَ الحَيَاةِ مَعَ المَسِيحِ وَيُحَوِّلَهَا، بِالإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ، إِلَى مَوْضِعِ شَرِكَةٍ مَعَهُ. وَيُضِيفُ لُوقَا إِلَى هٰذِهِ الدَّعْوَةِ عِبَارَةً مُهِمَّةً: "وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَتْبَعْنِي" (لُوقَا 9: 23)، فَيُبَيِّنُ أَنَّ حَمْلَ الصَّلِيبِ لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلَى الاسْتِشْهَادِ الدَّمَوِيِّ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى نَمَطِ حَيَاةٍ يَوْمِيٍّ قَائِمٍ عَلَى الأَمَانَةِ وَالتَّضْحِيَةِ وَالمَحَبَّةِ.
أَمَّا الفِعْلُ "يَحْمِلْ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἀράτω مِنَ الفِعْلِ αἴρω، وَمَعْنَاهُ "لِيَرْفَعْ" أَوْ "لِيَحْمِلْ". وَلا يَعْنِي أَنَّ عَلَى التِّلْمِيذِ أَنْ "يَرْفَعَ صَلِيبَهُ عَالِيًا لِيَرَاهُ الجَمِيعُ"، فَهٰذَا لَيْسَ مَقْصُودَ النَّصِّ، بَلْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى عَاتِقِهِ طَرِيقَ التَّلْمَذَةِ بِكُلِّ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ ثَمَنٍ وَتَضْحِيَةٍ. وَتَرِدُ الدَّعْوَةُ نَفْسُهَا فِي مَتَّى 10: 38: "وَمَنْ لا يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي، فَلَيْسَ أَهْلًا لِي". وَهٰكَذَا يَجْعَلُ مَتَّى الصَّلِيبَ عُنْصُرًا أَسَاسِيًّا فِي هُوِيَّةِ التِّلْمِيذِ. وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى العَالَمِ اليَهُودِيِّ وَالوَثَنِيِّ، كَانَ الصَّلِيبُ رَمْزًا لِلعَارِ وَالهَوَانِ، لٰكِنَّ الإِيمَانَ المَسِيحِيَّ حَوَّلَهُ، بِقِيَامَةِ المَسِيحِ، إِلَى عَلَامَةٍ لِلخَلَاصِ. وَهٰذَا مَا يُلَخِّصُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ قَائِلًا: "نَحْنُ نُنَادِي بِمَسِيحٍ مَصْلُوبٍ، عَثْرَةً لِليَهُودِ وَحَمَاقَةً لِلوَثَنِيِّينَ، أَمَّا لِلمَدْعُوِّينَ [...] فَهُوَ قُوَّةُ اللهِ وَحِكْمَةُ اللهِ" (1 قُورِنْثُس 1: 23-24). وَهٰكَذَا تَجْمَعُ الآيَةُ ثَلَاثَ حَرَكَاتٍ مُتَرَابِطَةٍ: إِنْكَارُ الذَّاتِ، وَحَمْلُ الصَّلِيبِ، وَاتِّبَاعُ يَسُوعَ. فَإِنْكَارُ الذَّاتِ يُحَرِّرُ الإِنْسَانَ مِنْ سِيَادَةِ الأَنَا، وَحَمْلُ الصَّلِيبِ يَجْعَلُهُ أَمِينًا حَتَّى النِّهَايَةِ، وَاتِّبَاعُ يَسُوعَ يُعْطِي كُلَّ ذٰلِكَ مَعْنَاهُ وَغَايَتَهُ. فَالمَسِيحِيُّ لا يَطْلُبُ الأَلَمَ لِذَاتِهِ، وَلا يُمَجِّدُ المَعَانَاةَ بِذَاتِهَا؛ بَلْ يَطْلُبُ المَسِيحَ، وَإِذَا أَدَّتْ أَمَانَتُهُ لِلمَسِيحِ إِلَى التَّضْحِيَةِ، يَحْمِلُ صَلِيبَهُ رَجَاءَ القِيَامَةِ. فَالصَّلِيبُ لَيْسَ هُوَ النِّهَايَةَ، بَلْ طَرِيقٌ إِلَى الحَيَاةِ. وَمِنْ هُنَا يَضَعُنَا قَوْلُ يَسُوعَ أَمَامَ سُؤَالٍ شَخْصِيٍّ: هَلْ نُرِيدُ اتِّبَاعَ يَسُوعَ مَا دَامَ طَرِيقُهُ يُوَافِقُ رَغَبَاتِنَا، أَمْ نَقْبَلُ أَنْ نَسِيرَ وَرَاءَهُ أَيْضًا حِينَ تَطْلُبُ مِنَّا الأَمَانَةُ أَنْ نَنْكِرَ أَنَانِيَّتَنَا، وَنَحْمِلَ صَلِيبَنَا، وَنَبْذُلَ ذَوَاتِنَا فِي المَحَبَّةِ؟
أَمَّا عِبَارَةُ "صَلِيبَهُ"، فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ يَسُوعَ يَدْعُو كُلَّ تِلْمِيذٍ إِلَى حَمْلِ صَلِيبِهِ الخَاصِّ، أَيْ إِلَى قَبُولِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى أَمَانَتِهِ لِلمَسِيحِ مِنْ تَضْحِيَةٍ وَبَذْلٍ وَاضْطِهَادٍ، وَحَتَّى الاسْتِعْدَادِ لِبَذْلِ الحَيَاةِ. وَلا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ التِّلْمِيذَ يَحْمِلُ صَلِيبَ المَسِيحِ الفِدَائِيَّ نَفْسَهُ؛ فَذَبِيحَةُ المَسِيحِ عَلَى الصَّلِيبِ فَرِيدَةٌ وَلا تُكَرَّرُ، وَهُوَ وَحْدَهُ بَذَلَ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ العَالَمِ. وَإِنَّمَا يَشْتَرِكُ التِّلْمِيذُ، بِالنِّعْمَةِ، فِي ثِمَارِ صَلِيبِ المَسِيحِ، وَيَحْمِلُ صَلِيبَهُ فِي اتِّبَاعِهِ. وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَنْسُبَ إِلَى يُوحَنَّا 3: 16 عِبَارَةَ أَنَّ المَسِيحَ "حَمَلَ الصَّلِيبَ بِرِضَاهُ"، لأَنَّ الآيَةَ تَتَحَدَّثُ أَسَاسًا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي بَذَلَتِ الابْنَ: "لأَنَّ اللهَ أَحَبَّ العَالَمَ حَتَّى إِنَّهُ جَادَ بِابْنِهِ الوَحِيدِ، لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونَ لَهُ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يُوحَنَّا 3: 16). أَمَّا حُرِّيَّةُ يَسُوعَ فِي بَذْلِ حَيَاتِهِ فَتُعَبِّرُ عَنْهَا بِدِقَّةٍ كَلِمَتُهُ: "لا أَحَدَ يَنْتَزِعُهَا مِنِّي، بَلْ أَبْذِلُهَا بِرِضَايَ" (يُوحَنَّا 10: 18). وَهٰكَذَا فَإِضَافَةُ ضَمِيرِ المِلْكِيَّةِ فِي قَوْلِهِ "صَلِيبَهُ" تَحْمِلُ دَلَالَةً رُوحِيَّةً مُهِمَّةً: لِكُلِّ تِلْمِيذٍ طَرِيقُ أَمَانَتِهِ وَبَذْلِهِ، وَلا يُطْلَبُ مِنَ الإِنْسَانِ أَنْ يَحْمِلَ صَلِيبَ غَيْرِهِ، بَلْ أَنْ يَقْبَلَ، فِي الإِيمَانِ، مَا تَتَطَلَّبُهُ دَعْوَتُهُ الشَّخْصِيَّةُ إِلَى اتِّبَاعِ المَسِيحِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، لا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ مُعَانَاةٍ هِيَ، بِذَاتِهَا، "صَلِيبًا" أَرَادَهُ اللهُ؛ فَالصَّلِيبُ الإِنْجِيلِيُّ يَرْتَبِطُ أَوَّلًا بِالأَمَانَةِ لِلمَسِيحِ وَتَبِعَاتِ هٰذِهِ الأَمَانَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَيَتْبَعْنِي"، فَتَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ ἀκολουθείτω μοι، وَمَعْنَاهَا: "لِيَسِرْ وَرَائِي" أَوْ "لِيَتَّبِعْنِي". وَالفِعْلُ ἀκολουθέω لا يَعْنِي، فِي سِيَاقِ التَّلْمَذَةِ، مُجَرَّدَ القُرْبِ المَكَانِيِّ أَوِ "الالْتِصَاقِ" الجَسَدِيِّ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى مُلَازَمَةِ المُعَلِّمِ، وَالسَّيْرِ فِي طَرِيقِهِ، وَتَبَنِّي نَمَطِ حَيَاتِهِ وَرِسَالَتِهِ. وَلِذٰلِكَ يَرْبِطُ يَسُوعُ بَيْنَ مَصِيرِهِ وَمَصِيرِ تِلْمِيذِهِ؛ فَكَمَا سَارَ هُوَ بِحُرِّيَّةٍ إِلَى أُورَشَلِيمَ وَالصَّلِيبِ، يُدْعَى التِّلْمِيذُ إِلَى السَّيْرِ وَرَاءَهُ فِي الطَّاعَةِ وَالمَحَبَّةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ. وَهُنَا لا يَكُونُ الاتِّبَاعُ مُجَرَّدَ تَمَسُّكٍ بِتَعَالِيمِ يَسُوعَ، بَلْ اقْتِدَاءً بِشَخْصِهِ وَاشْتِرَاكًا فِي طَرِيقِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس عَلَى هٰذِهِ الدَّعْوَةِ مُبَيِّنًا أَنَّ الجَمِيعَ يَرْغَبُونَ فِي الوُصُولِ إِلَى المَجْدِ، لٰكِنَّ طَرِيقَ المَجْدِ يَمُرُّ بِالتَّوَاضُعِ وَالصَّلِيبِ؛ فَالمَسِيحُ لَمْ يَقُلْ فَقَطْ: "فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ"، بَلْ أَضَافَ: "وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (PL 38: 584-589). فَلا يَنْفَصِلُ المَجْدُ المَسِيحِيُّ عَنْ طَرِيقِ التَّوَاضُعِ وَالأَمَانَةِ. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ شُرُوطِ التَّلْمَذَةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا يَسُوعُ فِي ثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ مُتَرَابِطَةٍ: إِنْكَارُ الذَّاتِ، وَحَمْلُ الصَّلِيبِ، وَاتِّبَاعُ المَسِيحِ. فَإِنْكَارُ الذَّاتِ يَعْنِي التَّحَرُّرَ مِنْ سِيَادَةِ الأَنَا؛ وَحَمْلُ الصَّلِيبِ يَعْنِي الأَمَانَةَ لِلمَسِيحِ حَتَّى عِنْدَ التَّضْحِيَةِ؛ وَاتِّبَاعُهُ يَعْنِي تَسْلِيمَ الحَيَاةِ لَهُ وَالاقْتِدَاءَ بِهِ. وَلِذٰلِكَ، فَمِنَ الأَفْضَلِ أَلَّا نَقُولَ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ: "لا سَلَامَ لِلنَّفْسِ وَلا رَجَاءَ بِالحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ إِلَّا بِالصَّلِيبِ"، بَلْ: لا تَلْمَذَةَ مَسِيحِيَّةً حَقِيقِيَّةً مِنْ دُونِ اتِّبَاعِ المَسِيحِ المَصْلُوبِ وَالقَائِمِ. فَالخَلَاصُ لَيْسَ ثَمَرَةَ الأَلَمِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ عَطِيَّةُ نِعْمَةٍ مِنَ المَسِيحِ، وَالصَّلِيبُ هُوَ طَرِيقُ المَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ الَّذِي سَلَكَهُ وَيَدْعُونَا إِلَى السَّيْرِ وَرَاءَهُ. وَهُنَا تَكْتَسِبُ العِبَارَةُ المَعْرُوفَةُ مِنْ كِتَابِ "الاقْتِدَاءِ بِالمَسِيحِ" مَعْنَاهَا الرُّوحِيَّ: إِذَا حُمِلَ الصَّلِيبُ بِالإِيمَانِ وَالأَمَانَةِ، فَإِنَّهُ لا يَقُودُ إِلَى الهَلَاكِ، بَلْ إِلَى الاقْتِرَابِ مِنَ المَسِيحِ الَّذِي حَوَّلَ الصَّلِيبَ مِنْ أَدَاةِ مَوْتٍ إِلَى عَلَامَةِ خَلَاصٍ. وَبِهٰذَا فَإِنَّ إِنْكَارَ الذَّاتِ وَحَمْلَ الصَّلِيبِ لَيْسَا غَايَةً فِي ذَاتِهِمَا؛ الغَايَةُ هِيَ: "وَيَتْبَعْنِي". فَالمَرْكَزُ لَيْسَ الصَّلِيبَ وَحْدَهُ، بَلِ المَسِيحُ الَّذِي نَحْمِلُ الصَّلِيبَ فِي سَبِيلِ اتِّبَاعِهِ، وَالَّذِي يَقُودُنَا مِنَ الصَّلِيبِ إِلَى القِيَامَةِ وَالحَيَاةِ.
25. "لِأَنَّ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُخَلِّصَ حَيَاتَهُ يَفْقِدُهَا، وَأَمَّا الَّذِي يَفْقِدُ حَيَاتَهُ فِي سَبِيلِي فَإِنَّهُ يَجِدُهَا"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "يُرِيدُ أَنْ يُخَلِّصَ حَيَاتَهُ" إِلَى الإِنْسَانِ الَّذِي يَجْعَلُ حِفْظَ ذَاتِهِ وَمَصَالِحِهِ وَأَمَانِهِ الدُّنْيَوِيِّ الغَايَةَ الأُولَى لِحَيَاتِهِ، حَتَّى إِذَا أَدَّى ذٰلِكَ إِلَى رَفْضِ المَسِيحِ أَوْ التَّرَاجُعِ عَنْ طَرِيقِ التَّلْمَذَةِ. فَالمَقْصُودُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ "الرِّبْحِ" أَوْ "الاسْتِمْتَاعِ بِمَلَذَّاتِ الدُّنْيَا"، بَلْ أَوْسَعُ مِنْ ذٰلِكَ: إِنَّهُ التَّمَسُّكُ بِالحَيَاةِ عَلَى نَحْوٍ أَنَانِيٍّ وَخَائِفٍ، وَرَفْضُ بَذْلِهَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمَحَبَّةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "حَيَاتَهُ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ψυχή، وَهِيَ كَلِمَةٌ غَنِيَّةُ الدَّلَالَةِ، تَعْنِي، بِحَسَبِ السِّيَاقِ، النَّفْسَ، أَوِ الحَيَاةَ، أَوِ الذَّاتَ الحَيَّةَ. وَفِي هٰذِهِ الآيَةِ يَلْعَبُ يَسُوعُ عَلَى المَعْنَيَيْنِ: الحَيَاةِ الحَاضِرَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَفْقِدَهَا الإِنْسَانُ، وَالحَيَاةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي يَجِدُهَا فِي اللهِ.
وَمِنْ هُنَا، فَعِبَارَةُ "يَفْقِدُهَا" لا تَعْنِي فَقَطْ المَوْتَ الجَسَدِيَّ، بَلْ تُشِيرُ أَيْضًا إِلَى فَقْدِ مَعْنَى الحَيَاةِ وَغَايَتِهَا، إِذَا حُصِرَتْ فِي حِفْظِ الذَّاتِ وَالتَّمَتُّعِ وَالسَّيْطَرَةِ وَالمَكَاسِبِ. فَقَدْ يَحْفَظُ الإِنْسَانُ حَيَاتَهُ ظَاهِرِيًّا، وَلٰكِنَّهُ يَفْقِدُهَا فِي العُمْقِ إِذَا عَاشَهَا مُنْغَلِقًا عَلَى نَفْسِهِ وَمُنْفَصِلًا عَنْ اللهِ وَالمَحَبَّةِ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ المَزْمُورُ 49 حِينَ يُذَكِّرُ أَنَّ الغِنَى وَالقُوَّةَ لَا يَسْتَطِيعَانِ فِدَاءَ الإِنْسَانِ مِنَ المَوْتِ: "لا يَفْدِي أَخٌ أَخَاهُ، وَلا يُعْطِي اللهَ فِدَاءَهُ" (مَزْمُور 49: 8). فَالحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ لا تُشْتَرَى بِالثَّرْوَةِ، وَلا تُضْمَنُ بِالسُّلْطَانِ، بَلْ هِيَ عَطِيَّةُ اللهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَمَّا الَّذِي يَفْقِدُ حَيَاتَهُ فِي سَبِيلِي" فَتُشِيرُ إِلَى مَنْ يَقْبَلُ أَنْ يَبْذُلَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِ المَسِيحِ وَالإِنْجِيلِ، حَتَّى لَوْ أَدَّى ذٰلِكَ إِلَى الاضْطِهَادِ أَوِ الاسْتِشْهَادِ. وَلا يَقْتَصِرُ المَعْنَى عَلَى المَوْتِ الدَّمَوِيِّ، بَلْ يَشْمَلُ أَيْضًا المَوْتَ اليَوْمِيَّ عَنِ الأَنَانِيَّةِ وَالأَهْوَاءِ وَالمَصَالِحِ الَّتِي تُبْعِدُ الإِنْسَانَ عَنِ المَسِيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ بِأَنَّ مَنْ يَحْرِصُ عَلَى حَيَاتِهِ عَلَى نَحْوٍ يُبْعِدُهُ عَنِ المَسِيحِ يَفْقِدُهَا، أَمَّا مَنْ يَبْذُلُهَا مِنْ أَجْلِهِ فَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ يَحْفَظُهَا وَيَجِدُهَا (PG 58: 540-541). وَيَنْسَجِمُ هٰذَا مَعَ تَعْلِيمِ يُوحَنَّا الرَّسُولِ: "لا تُحِبُّوا العَالَمَ وَمَا فِي العَالَمِ [...] العَالَمُ يَزُولُ هُوَ وَشَهَوَاتُهُ، أَمَّا مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ فَإِنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ" (1 يُوحَنَّا 2: 15-17). وَمِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَقُولَ إِنَّ "آلامَنَا تُخَلِّصُنَا" فِي ذَاتِهَا؛ فَالخَلَاصُ يَأْتِي مِنَ المَسِيحِ وَمِنْ سِرِّ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ. أَمَّا آلامُ المُؤْمِنِ فَتَكْتَسِبُ مَعْنًى خَلَاصِيًّا حِينَ تُعَاشُ فِي الشَّرِكَةِ مَعَ المَسِيحِ وَفِي الأَمَانَةِ لَهُ، لَا لأَنَّهَا تُضِيفُ شَيْئًا إِلَى كَفَايَةِ فِدَائِهِ، بَلْ لأَنَّ المُؤْمِنَ يُشَارِكُ، بِالنِّعْمَةِ، فِي سِرِّهِ الفِصْحِيِّ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ، فَلِكَيْ نَتَمَجَّدَ مَعَهُ أَيْضًا" (رُومَة 8: 17). وَكَذٰلِكَ يَدْعُو المُؤْمِنِينَ إِلَى أَنْ يُقَدِّمُوا أَجْسَادَهُمْ "ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ" (رُومَة 12: 1)، وَإِلَى صَلْبِ "الجَسَدِ وَمَا فِيهِ مِنْ أَهْوَاءٍ وَشَهَوَاتٍ" (غَلَاطِيَة 5: 24).
أَمَّا عِبَارَةُ "فَإِنَّهُ يَجِدُهَا" فَتُشِيرُ إِلَى الحَيَاةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي يَهَبُهَا المَسِيحُ، وَالَّتِي تَبْدَأُ مِنَ الآنَ فِي الشَّرِكَةِ مَعَهُ وَتَبْلُغُ كَمَالَهَا فِي الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. فَمَنْ يَبْذُلُ نَفْسَهُ فِي المَحَبَّةِ لا يَفْقِدُ ذَاتَهُ، بَلْ يَجِدُهَا فِي صُورَتِهَا الحَقِيقِيَّةِ. وَهٰذَا هُوَ مَنْطِقُ الإِنْجِيلِ المُفَارِقُ: مَنْ يَتَمَسَّكُ بِحَيَاتِهِ يَفْقِدُهَا، وَمَنْ يَبْذُلُهَا مِنْ أَجْلِ المَسِيحِ يَجِدُهَا. فَالحَيَاةُ لا تَبْلُغُ كَمَالَهَا فِي الأَخْذِ وَالاحْتِفَاظِ، بَلْ فِي العَطَاءِ وَالبَذْلِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ هٰذَا القَوْلُ فِي التَّقْلِيدِ الإِنْجِيلِيِّ بِصِيَغٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى مَرْكَزِيَّتِهِ فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ (مَتَّى 10: 39؛ 16: 25؛ مَرْقُس 8: 35؛ لُوقَا 9: 24؛ 17: 33؛ يُوحَنَّا 12: 25). وَمِنْ هُنَا، فَالمَعْنَى لَيْسَ أَنَّ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَطْلُبَ المَوْتَ أَوِ الأَلَمَ، بَلْ أَنْ يَجْعَلَ أَمَانَتَهُ لِلمَسِيحِ أَعْلَى مِنْ حِفْظِ ذَاتِهِ وَمَصَالِحِهِ. فَإِذَا تَطَلَّبَتِ الأَمَانَةُ تَضْحِيَةً، فَهُوَ يَبْذُلُ نَفْسَهُ وَاثِقًا أَنَّ المَسِيحَ لا يَقُودُهُ إِلَى الهَلَاكِ، بَلْ إِلَى الحَيَاةِ. وَبِذٰلِكَ تُصْبِحُ الآيَةُ شَرْحًا أَعْمَقَ لِقَوْلِ يَسُوعَ السَّابِقِ: "فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ، وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مَتَّى 16: 24). فَإِنْكَارُ الذَّاتِ وَحَمْلُ الصَّلِيبِ لا يَقُودَانِ إِلَى فَقْدِ الحَيَاةِ، بَلْ إِلَى اكْتِشَافِهَا فِي مِلْئِهَا. وَمِنْ هُنَا يَطْرَحُ النَّصُّ عَلَيْنَا سُؤَالًا حَاسِمًا: هَلْ نُرِيدُ أَنْ نَحْفَظَ حَيَاتَنَا لأَنْفُسِنَا، أَمْ نَجْرُؤُ عَلَى بَذْلِهَا فِي مَحَبَّةِ اللهِ وَالقَرِيبِ، وَاثِقِينَ بِوَعْدِ المَسِيحِ أَنَّ مَنْ يَفْقِدُ حَيَاتَهُ فِي سَبِيلِهِ سَيَجِدُهَا؟
26. "مَاذَا يَنْفَعُ الإِنْسَانَ لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ وَمَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ بَدَلًا لِنَفْسِهِ؟"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَاذَا يَنْفَعُ الإِنْسَانَ لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟" إِلَى سُؤَالٍ بَلَاغِيٍّ حَاسِمٍ يَضَعُ يَسُوعُ مِنْ خِلَالِهِ الإِنْسَانَ أَمَامَ مِيزَانِ القِيَمِ الحَقِيقِيَّةِ. فَبَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُخَلِّصَ حَيَاتَهُ يَفْقِدُهَا، وَمَنْ يَفْقِدُهَا فِي سَبِيلِهِ يَجِدُهَا (مَتَّى 16: 25)، يَسْتَعْمِلُ هُنَا لُغَةَ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ لِيَكْشِفَ أَنَّ أَعْظَمَ رِبْحٍ زَمَنِيٍّ يُصْبِحُ خَسَارَةً إِذَا أَدَّى إِلَى فَقْدِ الحَيَاةِ الحَقِيقِيَّةِ فِي اللهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "مَاذَا يَنْفَعُ الإِنْسَانَ"، فَتَحْمِلُ مَعْنَى الحِسَابِ وَالمُقَارَنَةِ: مَا القِيمَةُ النِّهَائِيَّةُ لِكُلِّ مَا يَكْسِبُهُ الإِنْسَانُ إِذَا خَسِرَ ذَاتَهُ وَغَايَةَ وُجُودِهِ؟ وَبِذٰلِكَ يَدْعُو يَسُوعُ تِلْمِيذَهُ إِلَى أَنْ يَنْظُرَ إِلَى حَيَاتِهِ مِنْ مَنْظُورِ الأَبَدِيَّةِ، وَأَلَّا يَقِيسَ نَجَاحَهُ بِمَا يَمْلِكُهُ فَقَطْ، بَلْ بِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمَامَ اللهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّهُ"، فَفِيهَا مُبَالَغَةٌ بَلَاغِيَّةٌ مَقْصُودَةٌ: حَتَّى لَوِ افْتَرَضْنَا أَنَّ الإِنْسَانَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمْتَلِكَ كُلَّ مَا فِي العَالَمِ مِنْ مَالٍ وَسُلْطَانٍ وَشُهْرَةٍ وَمَرَاكِزَ وَمَتَعٍ، فَمَا قِيمَةُ ذٰلِكَ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ ضَيَاعَ حَيَاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ؟ فَلَيْسَ المَالُ وَالنَّجَاحُ وَالسُّلْطَانُ شَرًّا فِي ذَاتِهَا، وَلٰكِنَّهَا تَصِيرُ خَطَرًا عِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ إِلَى غَايَةٍ مُطْلَقَةٍ تَحْتَلُّ مَكَانَ اللهِ. وَتُذَكِّرُ هٰذِهِ الكَلِمَاتُ بِتَجْرِبَةِ يَسُوعَ فِي البَرِّيَّةِ، حِينَ أَرَاهُ إِبْلِيسُ «جَمِيعَ مَمَالِكِ الدُّنْيَا وَمَجْدَهَا" وَعَرَضَهَا عَلَيْهِ مُقَابِلَ السُّجُودِ لَهُ (مَتَّى 4: 8-10). فَمَا رَفَضَهُ يَسُوعُ فِي البَرِّيَّةِ يَدْعُو تَلَامِيذَهُ هُنَا إِلَى رَفْضِهِ: رِبْحُ العَالَمِ عَلَى حِسَابِ الأَمَانَةِ لِلهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "العَالَمَ كُلَّهُ" فَلا تَعْنِي الخَلِيقَةَ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ صَالِحَةً، بَلْ تَشْمَلُ هُنَا كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْعَى الإِنْسَانُ إِلَى امْتِلَاكِهِ فِي حَيَاتِهِ الأَرْضِيَّةِ: الغِنَى وَالجَاهَ وَالسُّلْطَانَ وَالشُّهْرَةَ وَالمَكَانَةَ وَالمُتَعَ. وَالسُّؤَالُ لَيْسَ: "هَلْ يَمْتَلِكُ الإِنْسَانُ هٰذِهِ الأَشْيَاءَ؟"، بَلْ: "هَلْ يَمْتَلِكُهَا، أَمْ هِيَ الَّتِي تَمْتَلِكُهُ؟"
أَمَّا عِبَارَةُ "وَخَسِرَ نَفْسَهُ"، فَإِنَّ كَلِمَةَ "نَفْسَهُ" تُتَرْجِمُ، كَمَا فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ، اليُونَانِيَّةَ ψυχή، الَّتِي يَتَّسِعُ مَعْنَاهَا لِيَشْمَلَ الحَيَاةَ وَالنَّفْسَ وَالذَّاتَ الحَيَّةَ. لِذٰلِكَ فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَحْصُرَ المَعْنَى فِي "ذَهَابِ النَّفْسِ إِلَى الجَحِيمِ"، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ البُعْدَ الأُخْرَوِيَّ حَاضِرٌ فِي السِّيَاقِ؛ فَيَسُوعُ يَتَحَدَّثُ عَنْ خَسَارَةِ الحَيَاةِ الحَقِيقِيَّةِ وَالمَصِيرِ الأَبَدِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ مُبَيِّنًا أَنَّهُ حَتَّى لَوِ امْتَلَكَ الإِنْسَانُ العَالَمَ كُلَّهُ، فَلَنْ يَجِدَ فِيهِ مَا يُعَوِّضُ خَسَارَةَ نَفْسِهِ؛ لأَنَّ قِيمَةَ الحَيَاةِ تَتَجَاوَزُ كُلَّ مَا يُمْكِنُ امْتِلَاكُهُ (PG 58: 540-541).
أَمَّا عِبَارَةُ "وَمَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ بَدَلًا لِنَفْسِهِ؟" فَتَنْقُلُ الصُّورَةَ مِنْ مَنْطِقِ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ إِلَى مَنْطِقِ الفِدْيَةِ وَالتَّعْوِيضِ. وَتَرِدُ كَلِمَةُ "بَدَلًا" فِي اليُونَانِيَّةِ ἀντάλλαγμα، وَتَعْنِي المُقَابِلَ، أَوِ البَدَلَ، أَوْ مَا يُقَدَّمُ فِي مُقَابِلِ شَيْءٍ آخَرَ. وَالسُّؤَالُ يَفْتَرِضُ جَوَابًا وَاحِدًا: لا شَيْءَ. فَلَيْسَ فِي العَالَمِ مَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يُقَدِّمَهُ لِيَسْتَرِدَّ حَيَاتَهُ بَعْدَ أَنْ يَفْقِدَهَا. وَيَبْدُو صَدَى المَزْمُورِ 49 وَاضِحًا فِي خَلْفِيَّةِ هٰذِهِ الكَلِمَاتِ: "لا يَفْتَدِي أَخٌ أَخَاهُ، وَلا يُعْطِي اللهَ فِدَاءَهُ؛ فِدْيَةُ نُفُوسِهِمْ بَاهِظَةٌ" (مَزْمُور 49: 8-9). فَالمَالُ قَدْ يَسْتَرِدُّ مَالًا، وَالمُمْتَلَكَاتُ قَدْ تُعَوِّضُ مُمْتَلَكَاتٍ، أَمَّا الحَيَاةُ فَلَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ بَشَرِيٌّ يُعَوِّضُهَا. وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ، فِي ضَوْءِ الإِنْجِيلِ كُلِّهِ، عَظَمَةُ الفِدَاءِ الَّذِي حَقَّقَهُ المَسِيحُ. فَمَا عَجَزَ الإِنْسَانُ عَنْ تَقْدِيمِهِ لِفِدَاءِ نَفْسِهِ، قَدَّمَهُ المَسِيحُ بِبَذْلِ ذَاتِهِ: "فَابْنُ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدُمَ وَيَبْذُلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ جَمَاعَةِ النَّاسِ" (مَتَّى 20: 28). وَهٰذَا لا يَعْنِي أَنَّ مَتَّى 16: 26 يَتَحَدَّثُ مُبَاشَرَةً عَنْ نَظَرِيَّةٍ لِلفِدَاءِ، بَلْ إِنَّ سِيَاقَ الإِنْجِيلِ الأَوْسَعَ يَكْشِفُ أَنَّ الخَلَاصَ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ شِرَاءَهُ يَهَبُهُ المَسِيحُ بِنِعْمَتِهِ. وَيُعَبِّرُ القِدِّيسُ بُطْرُسُ عَنْ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ بِلُغَةٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا: "لَيْسَ بِشَيْءٍ فَاسِدٍ، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، افْتُدِيتُمْ [...] بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، دَمِ المَسِيحِ" (1 بُطْرُس 1: 18-19). فَقِيمَةُ الإِنْسَانِ لا تُقَاسُ بِمَا يَمْلِكُهُ، بَلْ تَظْهَرُ، فِي المَنْظُورِ المَسِيحِيِّ، فِي مَحَبَّةِ اللهِ لَهُ وَفِي الفِدَاءِ الَّذِي تَمَّ بِالمَسِيحِ. وَتَأْتِي الآيَةُ التَّالِيَةُ مُبَاشَرَةً لِتَكْشِفَ البُعْدَ الأُخْرَوِيَّ لِهٰذَا الاخْتِيَارِ: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ [...] وَعِنْدَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ امْرِئٍ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ" (مَتَّى 16: 27). وَبِذٰلِكَ لا يَنْظُرُ يَسُوعُ إِلَى الحَيَاةِ الحَاضِرَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَاخْتِيَارَاتُ الإِنْسَانِ اليَوْمَ لَهَا وَزْنُهَا فِي مَصِيرِهِ النِّهَائِيِّ. وَهٰكَذَا يَضَعُ يَسُوعُ أَمَامَ الإِنْسَانِ مِيزَانًا ذَا كِفَّتَيْنِ: فِي إِحْدَاهُمَا "العَالَمُ كُلُّهُ"، وَفِي الأُخْرَى "حَيَاةُ الإِنْسَانِ". وَالمُفَارَقَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ، بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ غِنًى وَسُلْطَانٍ وَمَجْدٍ، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَادِلَ حَيَاةَ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ أَمَامَ اللهِ. وَمِنْ هُنَا يَتَحَوَّلُ السُّؤَالُ مِنْ سُؤَالٍ تَفْسِيرِيٍّ إِلَى سُؤَالٍ شَخْصِيٍّ: مَا الَّذِي نَعُدُّهُ رِبْحًا فِي حَيَاتِنَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَرْبَحَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَفِي أَثْنَاءِ ذٰلِكَ نَخْسَرَ أَنْفُسَنَا وَعَلَاقَتَنَا بِاللهِ؟ وَمَا قِيمَةُ أَنْ يَرْبَحَ الإِنْسَانُ العَالَمَ، إِنْ لَمْ يَجِدْ نَفْسَهُ فِي المَسِيحِ؟
27. "فَسَوْفَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِ أَبِيهِ وَمَعَهُ مَلَائِكَتُهُ، فَيُجَازِي يَوْمَئِذٍ كُلَّ امْرِئٍ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَسَوْفَ يَأْتِي" إِلَى المَجِيءِ الثَّانِي لِلْمَسِيحِ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ، حِينَ يَظْهَرُ فِي المَجْدِ لِلدَّيْنُونَةِ وَإِتْمَامِ مَلَكُوتِ اللهِ. وَتَرْتَبِطُ هٰذِهِ الآيَةُ ارْتِبَاطًا وَثِيقًا بِمَا سَبَقَهَا مِنْ دَعْوَةٍ إِلَى حَمْلِ الصَّلِيبِ وَفَقْدِ الحَيَاةِ فِي سَبِيلِ المَسِيحِ (مَتَّى 16: 24-26). فَالصَّلِيبُ لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ؛ إِنَّمَا يَقُودُ إِلَى المَجْدِ. وَبِذٰلِكَ يَنْقُلُ يَسُوعُ أَنْظَارَ تَلَامِيذِهِ مِنْ آلامِ الحَاضِرِ إِلَى مَجْدِ المَسْتَقْبَلِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "ابْنُ الإِنْسَانِ" فَتُشِيرُ هُنَا إِلَى يَسُوعَ فِي هُوِيَّتِهِ المَسِيحَانِيَّةِ وَالأُخْرَوِيَّةِ، وَتَسْتَحْضِرُ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ رُؤْيَا دَانِيَالَ: "فَإِذَا بِمِثْلِ ابْنِ إِنْسَانٍ آتٍ عَلَى غَمَامِ السَّمَاءِ [...] وَأُوتِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمُلْكًا" (دَانِيَال 7: 13-14). فَابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي أَعْلَنَ قَبْلَ قَلِيلٍ أَنَّهُ سَيَتَأَلَّمُ وَيُقْتَلُ وَيَقُومُ (مَتَّى 16: 21)، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي سَيَظْهَرُ فِي نِهَايَةِ التَّارِيخِ دَيَّانًا وَمَلِكًا مُمَجَّدًا. وَهٰكَذَا يَجْمَعُ مَتَّى بَيْنَ ابْنِ الإِنْسَانِ المُتَأَلِّمِ وَابْنِ الإِنْسَانِ المُمَجَّدِ. وَالْجَدِيرُ بِالتَّدْقِيقِ أَنَّ لَقَبَ "ابْنِ الإِنْسَانِ" يَرِدُ فِي الأَنَاجِيلِ نَحْوَ ثَمَانِينَ مَرَّةً.
أَمَّا عِبَارَةُ "فِي مَجْدِ أَبِيهِ" فَتُظْهِرُ التَّبَايُنَ المَقْصُودَ بَيْنَ ذُلِّ الصَّلِيبِ وَمَجْدِ المَجِيءِ. فَالَّذِي سَيُرْفَضُ وَيُهَانُ وَيُقْتَلُ سَيَأْتِي فِي مَجْدِ الآبِ. وَلا يَقُولُ يَسُوعُ هُنَا إِنَّهُ سَيَأْتِي فِي مَجْدٍ بَشَرِيٍّ أَوْ سِيَاسِيٍّ، بَلْ "فِي مَجْدِ أَبِيهِ"؛ أَيْ فِي المَجْدِ الإِلٰهِيِّ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ شَرِكَتِهِ الفَرِيدَةِ مَعَ الآبِ. وَهٰذَا المَجْدُ سَيَظْهَرُ مُقَدَّمًا فِي حَدَثِ التَّجَلِّي الَّذِي يَرْوِيهِ مَتَّى بَعْدَ هٰذَا النَّصِّ مُبَاشَرَةً (مَتَّى 17: 1-8). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا السِّيَاقِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ، بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ تَلَامِيذَهُ عَنِ الصَّلِيبِ وَالمَوْتِ، يَرْفَعُ أَنْظَارَهُمْ إِلَى المَجْدِ وَالدَّيْنُونَةِ، لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ آلامَهُ دَلِيلُ ضَعْفٍ أَوْ هَزِيمَةٍ؛ فَالْمَصْلُوبُ هُوَ نَفْسُهُ الدَّيَّانُ الآتِي فِي المَجْدِ (؛ PG 58: 540-543).
أَمَّا عِبَارَةُ "وَمَعَهُ مَلَائِكَتُهُ" فَتُشِيرُ إِلَى المَشْهَدِ الأُخْرَوِيِّ لِمَجِيءِ المَسِيحِ. فَالمَلَائِكَةُ يَرَافِقُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ فِي ظُهُورِهِ المَجِيدِ، كَمَا سَيَقُولُ يَسُوعُ لَاحِقًا: "مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَمَعَهُ جَمِيعُ المَلَائِكَةِ، يَجْلِسُ عَلَى عَرْشِ مَجْدِهِ" (مَتَّى 25: 31). وَيَتَرَدَّدُ المَعْنَى نَفْسُهُ فِي تَعْلِيمِ بُولُسَ عَنْ ظُهُورِ الرَّبِّ يَسُوعَ "مَعَ مَلَائِكَةِ قُدْرَتِهِ" (2 تَسَالُونِيقِي 1: 7).
وَيَحْمِلُ التَّعْبِيرُ "مَلَائِكَتُهُ" دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً لَافِتَةً؛ فَفِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ المَلَائِكَةُ هُمْ جُنُودُ اللهِ وَخُدَّامُهُ، أَمَّا هُنَا فَيَنْسِبُهُمُ النَّصُّ إِلَى ابْنِ الإِنْسَانِ: "مَلَائِكَتُهُ". وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ السُّلْطَانِ الفَرِيدِ الَّذِي يَنْسِبُهُ إِنْجِيلُ مَتَّى إِلَى المَسِيحِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَيُجَازِي يَوْمَئِذٍ كُلَّ امْرِئٍ" فَتُشِيرُ إِلَى الدَّيْنُونَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالشَّامِلَةِ. فَلا أَحَدَ يَبْقَى خَارِجَ مَسْؤُولِيَّةِ الجَوَابِ أَمَامَ اللهِ. وَهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَيْسَ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ عَلَى الدَّيْنُونَةِ، بَلْ هُوَ الَّذِي "يُجَازِي"؛ أَيْ إِنَّ المَسِيحَ نَفْسَهُ يُمَارِسُ سُلْطَانَ الدَّيْنُونَةِ، وَهُوَ مَا سَيَتَّضِحُ بِصُورَةٍ أَكْمَلَ فِي مَشْهَدِ الدَّيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ (مَتَّى 25: 31-46).
أَمَّا عِبَارَةُ "عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ" فَتُعَبِّرُ عَنْ مَبْدَإٍ كِتَابِيٍّ رَاسِخٍ، وَهُوَ مَسْؤُولِيَّةُ الإِنْسَانِ عَنْ أَعْمَالِهِ. وَيَتَرَدَّدُ هٰذَا المَبْدَأُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ: "وَلَكَ الرَّحْمَةُ، أَيُّهَا السَّيِّدُ، فَإِنَّكَ تُجَازِي الإِنْسَانَ بِحَسَبِ عَمَلِهِ" (مَزْمُور 62: 13؛ رَاجِعْ أَيْضًا أَمْثَال 24: 12). وَيَظْهَرُ أَيْضًا فِي العَهْدِ الجَدِيدِ: "فَإِنَّهُ سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ" (رُومَة 2: 6).
غَيْرَ أَنَّ عِبَارَةَ "بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ" لا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ عَلَى أَنَّهَا تَعْلِيمٌ بِإِمْكَانِ الإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ الخَلَاصَ بِأَعْمَالِهِ. فَفِي الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ، الخَلَاصُ نِعْمَةٌ وَهِبَةٌ مِنَ اللهِ، وَلٰكِنَّ هٰذِهِ النِّعْمَةَ تَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى جَوَابٍ حُرٍّ يَتَجَسَّدُ فِي الإِيمَانِ العَامِلِ بِالمَحَبَّةِ. وَهٰذَا مَا يَتَّضِحُ خَاصَّةً فِي مَتَّى 25: 31-46، حَيْثُ تَظْهَرُ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ فِي أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ تُجَاهَ الجَائِعِ وَالعَطْشَانِ وَالغَرِيبِ وَالعُرْيَانِ وَالمَرِيضِ وَالسَّجِينِ. وَيُعَلِّمُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس، فِي عِبَارَةٍ أَصْبَحَتْ مِفْتَاحًا لِفَهْمِ العَلَاقَةِ بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالأَعْمَالِ: إِنَّ اللهَ، حِينَ يُكَلِّلُ اسْتِحْقَاقَاتِنَا، إِنَّمَا يُكَلِّلُ عَطَايَاهُ فِينَا (؛ PL 33: 880). فَالأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ لَيْسَتْ مُنَافِسَةً لِنِعْمَةِ اللهِ، بَلْ هِيَ ثَمَرَةُ النِّعْمَةِ فِي الإِنْسَانِ الَّذِي يَسْتَجِيبُ لَهَا بِحُرِّيَّةٍ. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا مَعَ تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ: "فَقَدْ أُعِدَّ لِي إِكْلِيلُ البِرِّ الَّذِي يَجْزِينِي بِهِ الرَّبُّ، الدَّيَّانُ العَادِلُ، فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ، لا وَحْدِي، بَلْ جَمِيعَ الَّذِينَ اشْتَاقُوا ظُهُورَهُ" (2 طيموثاوس 4: 8). فَالمُؤْمِنُ لا يَنْتَظِرُ بِالضَّرُورَة أَنْ يَتَلَقَّى مُكَافَأَتَهُ الكَامِلَةَ فِي هٰذَا العَالَمِ، بَلْ يَعِيشُ عَلَى رَجَاءِ لِقَاءِ المَسِيحِ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ، فِي سِيَاقِ مَتَّى 16: 21-27، عَنْ مُفَارَقَةٍ مَسِيحِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: ذٰلِكَ الَّذِي يَذْهَبُ الآنَ إِلَى أُورَشَلِيمَ لِيُرْفَضَ وَيَتَأَلَّمَ وَيُقْتَلَ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي سَيَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ دَيَّانًا لِلْبَشَرِيَّةِ. فَالطَّرِيقُ مِنَ الصَّلِيبِ إِلَى المَجْدِ لَيْسَ طَرِيقَ يَسُوعَ وَحْدَهُ، بَلْ هُوَ أَيْضًا طَرِيقُ تِلْمِيذِهِ: مَنْ يَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْهُ فِي الأَمَانَةِ وَالمَحَبَّةِ، يَرْجُو أَنْ يَشْتَرِكَ مَعَهُ فِي المَجْدِ (رُومَة 8: 17). وَمِنْ هُنَا يَطْرَحُ النَّصُّ عَلَيْنَا سُؤَالًا رُوحِيًّا حَاسِمًا: إِذَا كَانَ ابْنُ الإِنْسَانِ سَيَأْتِي وَيُجَازِي كُلَّ امْرِئٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ، فَهَلْ تُظْهِرُ أَعْمَالُنَا اليَوْمَ أَنَّنَا نَحْمِلُ صَلِيبَنَا وَنَتْبَعُ المَسِيحَ حَقًّا؟
ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 16: 21-27)
بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ (مَتَّى 16: 21-27)، يَتَّضِحُ أَنَّ المَقْطَعَ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مَوْضُوعَيْنِ مُتَرَابِطَيْنِ: صَلِيبِ يَسُوعَ، وَصَلِيبِ التِّلْمِيذِ الَّذِي يَتْبَعُهُ. فَالمَسِيحُ لا يَكْشِفُ لِتَلَامِيذِهِ مَصِيرَهُ فَحَسْبُ، بَلْ يَكْشِفُ لَهُمْ أَيْضًا طَبِيعَةَ التَّلْمَذَةِ: مَنْ يُرِدْ أَنْ يَشْتَرِكَ مَعَهُ فِي المَجْدِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْلُكَ مَعَهُ طَرِيقَ المَحَبَّةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ.
1) الإِنْبَاءُ بِصَلِيبِ يَسُوعَ
بَعْدَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ فِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، بَدَأَ يَسُوعُ يُعَلِّمُ تَلَامِيذَهُ بِصَرَاحَةٍ أَنَّ مَسِيحَانِيَّتَهُ لَنْ تَتَحَقَّقَ بِالقُوَّةِ السِّيَاسِيَّةِ أَوِ الانْتِصَارِ العَسْكَرِيِّ، بَلْ مِنْ خِلَالِ الآلامِ وَالمَوْتِ وَالقِيَامَةِ: "وَبَدَأَ يَسُوعُ مِنْ ذٰلِكَ الحِينِ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ، وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً [...] وَيُقْتَلَ وَيَقُومَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ" (مَتَّى 16: 21).
وَكَانَ الصَّلْبُ مِنْ أَقْسَى أَسَالِيبِ الإِعْدَامِ الرُّومَانِيِّ، وَكَانَ يُسْتَعْمَلُ خَاصَّةً فِي حَقِّ العَبِيدِ وَالمُتَمَرِّدِينَ وَمَنْ عُدُّوا خَطَرًا عَلَى السُّلْطَةِ. وَفِي البِيئَةِ اليَهُودِيَّةِ، كَانَ تَعْلِيقُ المَحْكُومِ عَلَى الخَشَبَةِ يَحْمِلُ دَلَالَةَ العَارِ وَاللَّعْنَةِ، كَمَا وَرَدَ: "لِأَنَّ المُعَلَّقَ لَعْنَةٌ مِنَ اللهِ" (تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاع 21: 23).
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ عُمْقُ المُفَارَقَةِ فِي الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ: ذٰلِكَ الَّذِي كَانَ الصَّلِيبُ فِيهِ أَدَاةَ عَارٍ وَمَوْتٍ، صَارَ، بِمَوْتِ المَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ، عَلَامَةَ الخَلَاصِ وَالمَحَبَّةِ البَاذِلَةِ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "المَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ الشَّرِيعَةِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ كُتِبَ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ" (غَلَاطِيَة 3: 13).
وَلَا يَعْنِي قَوْلُ بُولُسَ أَنَّ المَسِيحَ أَصْبَحَ مَلْعُونًا مِنَ اللهِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ أَنَّهُ دَخَلَ بِحُرِّيَّةٍ فِي مَوْضِعِ الإِنْسَانِ الخَاطِئِ وَحَمَلَ عَوَاقِبَ الخَطِيئَةِ، لِيُحَرِّرَنَا مِنْ سُلْطَانِهَا. وَهٰكَذَا أَصْبَحَ الصَّلِيبُ، الَّذِي كَانَ "عَثْرَةً لِليَهُودِ وَحَمَاقَةً لِلوَثَنِيِّينَ"، عِنْدَ المُؤْمِنِينَ "قُوَّةَ اللهِ وَحِكْمَةَ اللهِ" (1 قُورِنْثُس 1: 23-24). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى مُفَارَقَةِ الصَّلِيبِ قَائِلًا، فِي مَعْنَى تَعْلِيمِهِ، إِنَّ مَا يَبْدُو فِي عُيُونِ العَالَمِ ضَعْفًا وَعَارًا يَكْشِفُ فِي الحَقِيقَةِ عَنْ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ؛ فَالمَسِيحُ غَلَبَ بِالأَدَاةِ نَفْسِهَا الَّتِي ظَنَّ أَعْدَاؤُهُ أَنَّهُمْ هَزَمُوهُ بِهَا (PG 61: 33-38).
وَقَدْ أَظْهَرَ المَسِيحُ فِي الصَّلِيبِ حُرِّيَّةَ مَحَبَّتِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَوْتُهُ نَتِيجَةَ قَدَرٍ أَعْمَى، بَلْ بَذْلًا حُرًّا لِنَفْسِهِ: "لَا أَحَدَ يَنْتَزِعُهَا مِنِّي، بَلْ أَبْذِلُهَا بِرِضَايَ" (يُوحَنَّا 10: 18). وَهٰذَا هُوَ مَعْنَى الصَّلِيبِ فِي جَوْهَرِهِ: مَحَبَّةٌ تَبْذُلُ ذَاتَهَا حَتَّى النِّهَايَةِ.
وَمِنْ هُنَا، فَمِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَخْتَزِلَ سِرَّ الصَّلِيبِ فِي عِبَارَةِ "إِيفَاءِ العَدْلِ الإِلٰهِيِّ" وَحْدَهَا؛ فَالتَّقْلِيدُ المَسِيحِيُّ يَرَى فِي الصَّلِيبِ أَبْعَادًا مُتَكَامِلَةً: الطَّاعَةَ لِلآبِ، وَالمَحَبَّةَ، وَالتَّكْفِيرَ عَنِ الخَطِيئَةِ، وَالمُصَالَحَةَ، وَالفِدَاءَ، وَالانْتِصَارَ عَلَى المَوْتِ وَالشَّرِّ. فَقَدْ "حَمَلَ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ" (1 بُطْرُس 2: 24).
وَيُضِيفُ مَرْقُسُ فِي الإِنْبَاءِ الثَّالِثِ تَفَاصِيلَ الآلامِ الَّتِي سَيَلْقَاهَا يَسُوعُ: "فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِدُونَهُ وَيَقْتُلُونَهُ، وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ" (مَرْقُس 10: 34). وَاللاَّفِتُ أَنَّ الإِنْبَاءَ بِالقِيَامَةِ يَرِدُ دَائِمًا مَعَ الإِنْبَاءِ بِالآلامِ؛ فَالصَّلِيبُ فِي الإِنْجِيلِ لا يُفْهَمُ أَبَدًا بِمَعْزِلٍ عَنِ القِيَامَةِ.
وَيُمْكِنُ رَأْيُ خَلْفِيَّةٍ نَبَوِيَّةٍ لِمَوْتِ المَسِيحِ فِي نُصُوصٍ مِثْلَ دَانِيَال 9: 26: "يُقْطَعُ مَسِيحٌ"، وَلٰكِنْ يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنْ رَبْطِ كُلِّ تَفَاصِيلِ دَانِيَال 9: 26-27 بِآلامِ يَسُوعَ رَبْطًا مُبَاشَرًا؛ فَالنَّصُّ الدَّانِيَالِيُّ لَهُ سِيَاقُهُ التَّارِيخِيُّ وَالرُّؤْيَوِيُّ الخَاصُّ. أَمَّا الصُّورَةُ الأَوْضَحُ لِلمَسِيحِ المُتَأَلِّمِ فِي خَلْفِيَّةِ العَهْدِ القَدِيمِ فَتَظْهَرُ خَاصَّةً فِي نَشِيدِ عَبْدِ الرَّبِّ المُتَأَلِّمِ (إِشَعْيَاء 52: 13–53: 12).
وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يَرْتَبِطُ لَقَبُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" بِرُؤْيَا دَانِيَال 7: 13-14، حَيْثُ يَظْهَرُ ابْنُ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي المَجْدِ وَمُتَسَلِّمًا سُلْطَانًا أَبَدِيًّا. وَهٰكَذَا تَجْمَعُ رِسَالَةُ يَسُوعَ بَيْنَ طَرِيقِ الأَلَمِ وَالمَوْتِ، وَمَجْدِ القِيَامَةِ وَالمُلْكِ الأَبَدِيِّ.
وَتَحْمِلُ إِنْبَاءَاتُ يَسُوعَ بِالآلامِ وَالقِيَامَةِ صِيغَةً قَرِيبَةً مِنْ الكَرَازَةِ الرَّسُولِيَّةِ الأُولَى (Kerygma)، الَّتِي تَمَحْوَرَتْ حَوْلَ الحَدَثِ الفِصْحِيِّ: المَسِيحُ مَاتَ، وَدُفِنَ، وَقَامَ. وَيُلَخِّصُ بُولُسُ هٰذِهِ الكَرَازَةَ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ المَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَفْقًا لِلْكُتُبِ، وَأَنَّهُ قُبِرَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ وَفْقًا لِلْكُتُبِ" (1 قُورِنْثُس 15: 3-4).
وَبِهٰذَا الإِنْبَاءِ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يُصَحِّحَ تَصَوُّرَ تَلَامِيذِهِ عَنِ المَسِيحِ. فَهُمْ كَانُوا مُعَرَّضِينَ لِتَوَقُّعِ مَسِيحٍ سِيَاسِيٍّ يَنْتَصِرُ بِالقُوَّةِ وَيُعِيدُ مُلْكَ إِسْرَائِيلَ؛ أَمَّا يَسُوعُ فَيُعْلِنُ مَسِيحَانِيَّةً مِنْ نَوْعٍ آخَرَ: يَمْلِكُ بِالخِدْمَةِ، وَيَنْتَصِرُ بِالمَحَبَّةِ، وَيَهَبُ الحَيَاةَ بِبَذْلِ ذَاتِهِ.
وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يُمْكِنُ قِرَاءَةُ نُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ: "قَدْ وُلِدَ لَنَا وَلَدٌ، وَأُعْطِيَ لَنَا ابْنٌ، فَصَارَتِ الرِّئَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ" (إِشَعْيَاء 9: 5). غَيْرَ أَنَّ عِبَارَةَ "الرِّئَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ" لا تُشِيرُ فِي سِيَاقِ إِشَعْيَاءَ مُبَاشَرَةً إِلَى حَمْلِ الصَّلِيبِ، بَلْ إِلَى سُلْطَانِ المَلِكِ وَحُكْمِهِ. وَيُمْكِنُ، فِي قِرَاءَةٍ مَسِيحِيَّةٍ رُوحِيَّةٍ لَاحِقَةٍ، أَنْ تُرَى مُفَارَقَةٌ جَمِيلَةٌ بَيْنَ الرِّئَاسَةِ عَلَى الكَتِفِ وَالمَسِيحِ الَّذِي حَمَلَ الصَّلِيبَ، لٰكِنْ يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المَعْنَى الأَصْلِيِّ وَالتَّطْبِيقِ الرُّوحِيِّ.
وَلَمْ تَكُنْ آلامُ يَسُوعَ، إِذًا، حَادِثًا طَارِئًا أَفْشَلَ رِسَالَتَهُ، وَلَا مَصِيرًا قَدَرِيًّا فُرِضَ عَلَيْهِ، بَلْ صَارَتْ، فِي طَاعَتِهِ الحُرَّةِ لِلآبِ، طَرِيقَ إِتْمَامِ رِسَالَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ. وَهٰذَا مَا تَكْشِفُهُ عِبَارَةُ "يَجِبُ عَلَيْهِ" (مَتَّى 16: 21): ضَرُورَةٌ خَلَاصِيَّةٌ نَابِعَةٌ مِنْ تَدْبِيرِ اللهِ، لا مِنْ إِكْرَاهٍ خَارِجِيٍّ.
وَقَدْ تَكَرَّرَ الإِنْبَاءُ بِالآلامِ وَالقِيَامَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ رَئِيسِيَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (مَتَّى 16: 21؛ 17: 22-23؛ 20: 17-19)، كَلازِمَةٍ تُرَافِقُ مَسِيرَةَ يَسُوعَ نَحْوَ أُورَشَلِيمَ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَتَّضِحُ أَنَّ الآلامَ لا تَنْفَصِلُ عَنِ القِيَامَةِ؛ فَالحَرَكَةُ هِيَ دَائِمًا: آلامٌ – مَوْتٌ – قِيَامَةٌ. وَلِهٰذَا لَمْ يَقْصِدْ يَسُوعُ أَنْ يُعْلِنَ لِتَلَامِيذِهِ عَنْ مَصِيرِهِ فَقَطْ، بَلْ أَنْ يُرَبِّيَهُمْ عَلَى مَنْطِقِ الفِصْحِ: لا قِيَامَةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّلِيبِ، وَلا صَلِيبَ مَسِيحِيًّا مِنْ دُونِ رَجَاءِ القِيَامَةِ. فَطَرِيقُ يَسُوعَ سَيَصِيرُ طَرِيقَ تَلَامِيذِهِ أَيْضًا.
وَمِنْ هُنَا يَنْتَقِلُ النَّصُّ طَبِيعِيًّا مِنْ صَلِيبِ يَسُوعَ إِلَى صَلِيبِ التِّلْمِيذِ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ، وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مَتَّى 16: 24). وَهٰكَذَا لا يَبْقَى الصَّلِيبُ حَدَثًا نَتَأَمَّلُ فِيهِ مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ يَصِيرُ مِعْيَارًا لِلتَّلْمَذَةِ وَأُسْلُوبًا لِلحَيَاةِ قَائِمًا عَلَى المَحَبَّةِ وَالبَذْلِ وَالأَمَانَةِ.
2) الإِنْبَاءُ بِصَلِيبِ أَتْبَاعِ يَسُوعَ
بَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّ طَرِيقَ مَسِيحَانِيَّتِهِ يَمُرُّ بِالآلامِ وَالمَوْتِ وَالقِيَامَةِ، كَشَفَ لَهُمْ أَنَّ طَرِيقَ التِّلْمِيذِ لا يَنْفَصِلُ عَنْ طَرِيقِ مُعَلِّمِهِ. فَلَمْ يَدْعُهُمْ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي صَلِيبِهِ مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ إِلَى الدُّخُولِ فِي مَنْطِقِهِ: إِنْكَارِ الذَّاتِ، وَحَمْلِ الصَّلِيبِ، وَبَذْلِ الحَيَاةِ، عَلَى رَجَاءِ المُشَارَكَةِ فِي مَجْدِ القِيَامَةِ. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هٰذَا التَّعْلِيمِ فِي أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ مُتَرَابِطَةٍ، تَنْتَقِلُ مِنْ شُرُوطِ التَّلْمَذَةِ إِلَى مَصِيرِ التِّلْمِيذِ الأَبَدِيِّ.
القَوْلُ الأَوَّلُ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ، وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي"(مَتَّى 16: 24).
يَضَعُ يَسُوعُ أَمَامَ مَنْ يُرِيدُ اتِّبَاعَهُ ثَلَاثَةَ أَفْعَالٍ مُتَرَابِطَةٍ: إِنْكَارَ الذَّاتِ، وَحَمْلَ الصَّلِيبِ، وَاتِّبَاعَهُ. وَهٰذِهِ الأَفْعَالُ لا تُعَبِّرُ عَنْ احتقارِ الإنسانِ لذاته، بل عن تحرير الذات من الأنانية لكي تصبح قادرة على المحبة والبذل. فَعِبَارَةُ "فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἀπαρνησάσθω ἑαυτόν، تَعْنِي حَرْفِيًّا: "لِيُنْكِرْ ذَاتَهُ". وَلا يَعْنِي هٰذَا الإِنْكَارُ إِهْمَالَ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ أَوْ قَمْعَ شَخْصِيَّتِهِ، بَلْ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ جَعْلِ "الأَنَا" مَرْكَزًا مُطْلَقًا لِحَيَاتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ اللهَ وَمَحَبَّتَهُ المِحْوَرَ الَّذِي تَنْتَظِمُ حَوْلَهُ رَغَبَاتُهُ وَقَرَارَاتُهُ وَعَلَاقَاتُهُ.
وَمِنْ هُنَا فَالزُّهْدُ الإِنْجِيلِيُّ لا يَعْنِي رَفْضَ الأُسْرَةِ أَوِ المَالِ أَوِ الخَيْرَاتِ المَادِّيَّةِ فِي ذَاتِهَا، بَلْ رَفْضَ كُلِّ تَعَلُّقٍ يَسْتَعْبِدُ الإِنْسَانَ وَيَحْجُبُ عَنْهُ اللهَ. وَفِي هٰذَا المَعْنَى يَقُولُ يُوحَنَّا الرَّسُولُ: "لا تُحِبُّوا العَالَمَ وَمَا فِي العَالَمِ [...] العَالَمُ يَزُولُ هُوَ وَشَهَوَاتُهُ، أَمَّا مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ فَإِنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ" (1 يُوحَنَّا 2: 15-17). وَيُعَبِّرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس عَنْ هٰذَا التَّحَوُّلِ فِي مَرْكَزِ الحَيَاةِ مِنْ خِلَالِ تَمْيِيزِهِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الحُبِّ: حُبِّ الذَّاتِ المُنْغَلِقِ عَلَى اللهِ وَالآخَرِينَ، وَحُبِّ اللهِ الَّذِي يُحَرِّرُ الإِنْسَانَ مِنْ أَنَانِيَّتِهِ (PL 41: 436). وَبِهٰذَا المَعْنَى، فَالزُّهْدُ فِي الذَّاتِ هُوَ أَنْ نَقُولَ "لا" لِسِيَادَةِ الأَنَا، وَ "نَعَمْ" لِمَشِيئَةِ اللهِ. وَقَدْ عَبَّرَ الواعِظُ الدُّومِنِيكَانِيُّ يُوحَنَّا تَاوْلَر (Johannes Tauler) عَنْ هٰذَا البُعْدِ الرُّوحِيِّ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنَّ التَّخَلِّي الحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ حِينَ يَتَحَرَّرُ الإِنْسَانُ مِنْ كُلِّ تَعَلُّقٍ يَسْتَحْوِذُ عَلَى قَلْبِهِ وَيَحُلُّ مَحَلَّ اللهِ. وَكُلَّمَا كَانَ التَّعَلُّقُ أَعْمَقَ، كَانَ التَّجَرُّدُ أَكْثَرَ أَلَمًا. وَهٰذَا لا يَعْنِي تَدْمِيرَ الذَّاتِ، بَلْ تَحْرِيرَهَا لِتُحِبَّ اللهَ وَالآخَرِينَ بِحُرِّيَّةٍ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ"، فَتَنْقُلُ التِّلْمِيذَ مِنَ الزُّهْدِ الدَّاخِلِيِّ إِلَى الأَمَانَةِ العَمَلِيَّةِ. فَالصَّلِيبُ فِي القَرْنِ الأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ رَمْزًا دِينِيًّا جَمِيلًا، بَلْ أَدَاةَ إِعْدَامٍ وَعَارٍ. وَعِنْدَمَا يَقُولُ يَسُوعُ لِتِلْمِيذِهِ: "يَحْمِلْ صَلِيبَهُ"، فَهُوَ يَدْعُوهُ إِلَى الاسْتِعْدَادِ لِدَفْعِ ثَمَنِ الأَمَانَةِ لِلإِنْجِيلِ، حَتَّى إِذَا قَادَتْ هٰذِهِ الأَمَانَةُ إِلَى الاضْطِهَادِ أَوِ الاسْتِشْهَادِ. وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى جَذْرِيَّةِ هٰذِهِ الدَّعْوَةِ؛ فَالمَسِيحُ لَمْ يَقُلْ لِتِلْمِيذِهِ مُجَرَّدَ: "تَحَمَّلْ بَعْضَ المَشَقَّاتِ"، بَلْ دَعَاهُ إِلَى الاسْتِعْدَادِ لِلأَلَمِ وَالعَارِ وَحَتَّى المَوْتِ مِنْ أَجْلِ الأَمَانَةِ لَهُ (PG 58: 539-540).
وَلٰكِنَّ حَمْلَ الصَّلِيبِ لا يَعْنِي السَّعْيَ إِلَى الأَلَمِ لِذَاتِهِ، وَلا تَمْجِيدَ المَعَانَاةِ. فَالمَسِيحِيُّ لا يَبْحَثُ عَنِ الأَلَمِ، بَلْ عَنِ الأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ؛ وَإِذَا جَلَبَتْ هٰذِهِ الأَمَانَةُ تَضْحِيَةً، يَقْبَلُهَا فِي الإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ. وَمِنْ هُنَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "لأَعْرِفَهُ وَأَعْرِفَ قُوَّةَ قِيَامَتِهِ وَالمُشَارَكَةَ فِي آلامِهِ، فَأَتَمَثَّلَ بِهِ فِي مَوْتِهِ" (فِيلِبِّي 3: 10). فَالمُشَارَكَةُ فِي آلامِ المَسِيحِ لا تَنْفَصِلُ عَنْ قُوَّةِ قِيَامَتِهِ؛ وَالصَّلِيبُ المَسِيحِيُّ دَائِمًا صَلِيبٌ فِصْحِيٌّ، أَيْ مَفْتُوحٌ عَلَى القِيَامَةِ. وَيَقُولُ بُولُسُ أَيْضًا: "إِنِّي أَفْتَخِرُ بِحالاتِ ضَعْفِي، لِتَحِلَّ فِيَّ قُوَّةُ المَسِيحِ" (2 قُورِنْثُس 12: 9). وَهُنَا لا يَفْتَخِرُ الرَّسُولُ بِالضَّعْفِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ بِأَنَّ ضَعْفَهُ أَصْبَحَ مَوْضِعًا لِظُهُورِ نِعْمَةِ المَسِيحِ وَقُوَّتِهِ.
وَمِنَ الأَدَقِّ، لِذٰلِكَ، أَلَّا نَقُولَ إِنَّ صَلِيبَ التِّلْمِيذِ هُوَ بِبَسَاطَةٍ "طَبِيعَتُهُ السَّاقِطَةُ"؛ فَالصَّلِيبُ فِي سِيَاقِ مَتَّى 16 يَرْتَبِطُ أَوَّلًا بِتَبِعَاتِ التَّلْمَذَةِ وَالأَمَانَةِ لِيَسُوعَ. وَيَشْمَلُ ذٰلِكَ، فِي الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ، الجِهَادَ ضِدَّ الأَنَانِيَّةِ وَالأَهْوَاءِ وَكُلِّ مَا يَعُوقُ عَمَلَ النِّعْمَةِ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّنَا "بِمَعْزِلٍ عَنِّي لا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَعْمَلُوا شَيْئًا" (يُوحَنَّا 15: 5). وَيَشْرَحُ القِدِّيسُ قَيْصَارِيُوسُ أُسْقُفُ آرْل حَمْلَ الصَّلِيبِ فِي إِطَارِ الأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ، فَيَرْبِطُهُ بِاحْتِمَالِ المُعَارَضَةِ وَالاضْطِهَادِ الَّذِي قَدْ يَلْقَاهُ مَنْ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ الوَصِيَّةِ. فَالصَّلِيبُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَشَقَّةٍ عَارِضَةٍ، بَلْ مَا يَقْبَلُهُ المُؤْمِنُ مِنْ ثَمَنٍ لِأَمَانَتِهِ لِلإِنْجِيلِ.
أَمَّا "صَلِيبَهُ"، فَيُشِيرُ إِلَى الصَّلِيبِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى دَعْوَةِ كُلِّ تِلْمِيذٍ وَأَمَانَتِهِ، وَلَيْسَ إِلَى تَكْرَارِ صَلِيبِ المَسِيحِ الفِدَائِيِّ. فَذَبِيحَةُ المَسِيحِ فَرِيدَةٌ، وَهُوَ وَحْدَهُ بَذَلَ حَيَاتَهُ فِدَاءً عَنِ البَشَرِيَّةِ. وَقَدْ أَكَّدَ حُرِّيَّةَ بَذْلِهِ قَائِلًا: "لا أَحَدَ يَنْتَزِعُهَا مِنِّي، بَلْ أَبْذِلُهَا بِرِضَايَ" (يُوحَنَّا 10: 18). وَمِنْ هُنَا يَشْتَرِكُ التِّلْمِيذُ فِي صَلِيبِ المَسِيحِ لا بِأَنْ يُكَرِّرَ فِدَاءَهُ، بَلْ بِأَنْ يَدْخُلَ بِالنِّعْمَةِ فِي سِرِّ مَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَبَذْلِ ذَاتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى السِّيَاقِ قَائِلًا، بِالمَعْنَى، إِنَّ بُطْرُسَ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَ المَسِيحَ مِنَ الآلامِ، فَكَشَفَ لَهُ يَسُوعُ أَنَّ الصَّلِيبَ لَيْسَ فَقَطْ طَرِيقَ المُعَلِّمِ، بَلْ سَيَصِيرُ أَيْضًا مِعْيَارَ تَلْمَذَةِ مَنْ يُرِيدُ السَّيْرَ وَرَاءَهُ (PG 58: 539-540). وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ هٰذَا المَبْدَأَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: "وَمَنْ لا يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلَيْسَ أَهْلًا لِي" (مَتَّى 10: 38). فَالصَّلِيبُ لَيْسَ إِضَافَةً ثَانَوِيَّةً إِلَى التَّلْمَذَةِ، بَلْ يَدْخُلُ فِي بِنْيَتِهَا نَفْسِهَا. وَقَدْ عَبَّرَ القِدِّيسُ بُونَافَنْتُورَا، فِي سِيرَتِهِ لِلْقِدِّيسِ فَرَنْسِيسِ الأَسِيزِيِّ، عَنْ حَقِيقَةٍ رُوحِيَّةٍ مُهِمَّةٍ: إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالمَسِيحِ المَصْلُوبِ لا يَتَحَقَّقُ بِإِيلَامِ الجَسَدِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ أَوَّلًا بِـالمَحَبَّةِ المُتَّقِدَةِ لِلمَسِيحِ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَتَشَكَّلُ عَلَى صُورَةِ مَحَبَّتِهِ البَاذِلَةِ (Legenda Maior، ولا سيما الفصول المتعلقة بالتشبه بالمصلوب). وَبِذٰلِكَ، فَحَمْلُ الصَّلِيبِ لَيْسَ تَمْجِيدًا لِلأَلَمِ، بَلْ تَمْجِيدٌ لِلمَحَبَّةِ الَّتِي تَبْقَى أَمِينَةً حَتَّى فِي الأَلَمِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ "وَيَتْبَعْنِي" فَهِيَ غَايَةُ الشُّرُوطِ كُلِّهَا. فَيَسُوعُ لا يَقُولُ: "اُنْكُرْ ذَاتَكَ وَاحْمِلِ الصَّلِيبَ" ثُمَّ يَتَوَقَّفُ، بَلْ يَقُولُ: "وَيَتْبَعْنِي". فَالزُّهْدُ وَالصَّلِيبُ لَيْسَا غَايَةً فِي ذَاتِهِمَا؛ الغَايَةُ هِيَ المَسِيحُ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ التَّلْمَذَةَ المَسِيحِيَّةَ تَقُومُ عَلَى ثَلَاثَ حَرَكَاتٍ: التَّحَرُّرُ مِنْ سِيَادَةِ الأَنَا، وَالأَمَانَةُ فِي حَمْلِ الصَّلِيبِ، وَالسَّيْرُ الدَّائِمُ وَرَاءَ يَسُوعَ. وَلا يَقُودُ هٰذَا الطَّرِيقُ إِلَى إِفْنَاءِ الإِنْسَانِ، بَلْ إِلَى اكْتِشَافِ حَيَاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ فِي المَسِيحِ. وَبِذٰلِكَ يَصِيرُ السُّؤَالُ التَّطْبِيقِيُّ: هَلْ نُرِيدُ المَسِيحَ وَنَرْفُضُ طَرِيقَهُ، أَمْ نَقْبَلُ أَنْ نَسِيرَ وَرَاءَهُ، فَنَتَحَرَّرَ مِنْ أَنَانِيَّتِنَا، وَنَحْمِلَ صَلِيبَنَا بِمَحَبَّةٍ وَرَجَاءٍ، وَاثِقِينَ أَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يَمُرُّ بِالصَّلِيبِ يَنْفَتِحُ عَلَى القِيَامَةِ؟
القَوْلُ الثَّانِي: "لِأَنَّ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُخَلِّصَ حَيَاتَهُ يَفْقِدُهَا، وَأَمَّا الَّذِي يَفْقِدُ حَيَاتَهُ فِي سَبِيلِي فَإِنَّهُ يَجِدُهَا"(مَتَّى 16: 25)
لِمَاذَا يَدْعُو يَسُوعُ الإِنْسَانَ إِلَى بَذْلِ ذَاتِهِ؟ لا لأَنَّهُ يُرِيدُ لِلإِنْسَانِ الهَلَاكَ أَوِ إِلْغَاءَ ذَاتِهِ، بَلْ لأَنَّهُ يُرِيدُ لَهُ أَنْ يَكْتَشِفَ الحَيَاةَ فِي مِلْئِهَا. فَالتِّلْمِيذُ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَضَعَ ذَاتَهُ وَمَوَاهِبَهُ وَإِرَادَتَهُ وَقَلْبَهُ وَخَيْرَاتِهِ الرُّوحِيَّةَ وَالمَادِّيَّةَ فِي خِدْمَةِ المَسِيحِ وَالإِنْجِيلِ، حَتَّى يَصِيرَ قَادِرًا عَلَى بَذْلِ نَفْسِهِ إِنِ اقْتَضَتِ الأَمَانَةُ ذٰلِكَ.
وَيَنْسَجِمُ هٰذَا مَعَ قَوْلِ يَسُوعَ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: "مَنْ أَحَبَّ حَيَاتَهُ فَقَدَهَا، وَمَنْ أَبْغَضَ حَيَاتَهُ فِي هٰذَا العَالَمِ حَفِظَهَا لِلحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يُوحَنَّا 12: 25). وَالمَقْصُودُ بِـ"أَبْغَضَ" هُنَا لَيْسَ كَرَاهِيَةَ الذَّاتِ، بَلْ أَلَّا يَجْعَلَ الإِنْسَانُ حِفْظَ حَيَاتِهِ الأَرْضِيَّةِ أَعْلَى مِنْ أَمَانَتِهِ لِلهِ.
وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ أَنَّ رِسَالَتَهُ هِيَ رِسَالَةُ حَيَاةٍ: "أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ، وَلِتَكُونَ لَهُمْ أَوْفَرَ" (يُوحَنَّا 10: 10). وَمِنْ ثَمَّ فَالنَّظَرَةُ المَسِيحِيَّةُ لا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ الآلامِ، بَلْ تَعْبُرُ مِنْهَا إِلَى القِيَامَةِ. وَهٰذَا مَا عَبَّرَ عَنْهُ بُولُسُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ: "لأَنَّ الحَيَاةَ عِنْدِي هِيَ المَسِيحُ، وَالمَوْتَ رِبْحٌ" (فِيلِبِّي 1: 21).
القَوْلُ الثَّالِثُ: "مَاذَا يَنْفَعُ الإِنْسَانَ لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ وَمَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ بَدَلًا لِنَفْسِهِ؟" (مَتَّى 16: 26)
وَمَا فَائِدَةُ الزُّهْدِ فِي الذَّاتِ وَحَمْلِ الصَّلِيبِ؟ الجَوَابُ هُوَ أَنَّ مَنْ يَبْذُلُ حَيَاتَهُ أَمَانَةً لِيَسُوعَ وَالإِنْجِيلِ لا يَخْسَرُهَا فِي النِّهَايَةِ، بَلْ يَرْبَحُهَا لِلحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَهٰذَا مَا اخْتَبَرَهُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "أَنَّ مَا كَانَ لِي مِنْ رِبْحٍ عَدَدْتُهُ خُسْرَانًا مِنْ أَجْلِ المَسِيحِ" (فِيلِبِّي 3: 7). وَهُنَا يَظْهَرُ مَنْطِقُ الإِنْجِيلِ المُفَارِقُ: مَنْ يَتَمَسَّكُ بِحَيَاتِهِ يَفْقِدُهَا، وَمَنْ يَبْذُلُهَا مِنْ أَجْلِ المَسِيحِ يَجِدُهَا. فَالرِّبْحُ الحَقِيقِيُّ لا يُقَاسُ بِحَجْمِ المُمْتَلَكَاتِ، وَلا بِالمَجْدِ وَالسُّلْطَانِ، بَلْ بِمَا يَبْقَى أَمَامَ اللهِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ نَذْكُرَ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ التَّارِيخِيِّ، أَنَّ أَعْظَمَ الفُتُوحِ وَالإِنْجَازَاتِ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْنَحَ الإِنْسَانَ الخُلُودَ؛ فَمَهْمَا اتَّسَعَ نُفُوذُ الإِنْسَانِ أَوْ غِنَاهُ، يَبْقَى عَاجِزًا عَنْ شِرَاءِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَقَدْ عَبَّرَ القِدِّيسُ إِغْنَاطِيُوسُ الأَنْطَاكِيُّ عَنْ هٰذَا الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ رُومَا، وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى الاسْتِشْهَادِ، إِذْ أَظْهَرَ أَنَّ مِلْكَ العَالَمِ كُلِّهِ لا يُسَاوِي عِنْدَهُ شَيْئًا أَمَامَ رِبْحِ المَسِيحِ، وَأَنَّ غَايَتَهُ هِيَ أَنْ يَصِلَ إِلَى اللهِ مِنْ خِلَالِ الأَمَانَةِ حَتَّى النِّهَايَةِ.
وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الصَّلِيبَ الَّذِي يَنْتَظِرُ التِّلْمِيذَ لَيْسَ طَلَبًا لِلأَلَمِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ الاسْتِعْدَادُ لِلأَمَانَةِ لِيَسُوعَ حَتَّى لَوْ كَلَّفَتْ هٰذِهِ الأَمَانَةُ حَيَاتَهُ. وَإِذَا دَعَانَا يَسُوعُ إِلَى بَذْلِ حَيَاتِنَا، فَلأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ أَنْ يَهَبَهَا لَنَا مِنْ جَدِيدٍ فِي القِيَامَةِ. وَلِذٰلِكَ، فَحَمْلُ الصَّلِيبِ لا يَقْتَصِرُ عَلَى الرُّسُلِ أَوِ الشُّهَدَاءِ، بَلْ يَخُصُّ كُلَّ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذًا لِيَسُوعَ. فَالوُجُودُ المَسِيحِيُّ يَسْتَمِدُّ مَعْنَاهُ مِنَ الاتِّحَادِ بِالمَسِيحِ، وَمَنْ يَتَّحِدْ بِهِ فِي الأَمَانَةِ وَالمَحَبَّةِ يَرْجُ أَنْ يَتَّحِدَ بِهِ أَيْضًا فِي القِيَامَةِ وَالمَجْدِ.
القَوْلُ الرَّابِعُ: "فَسَوْفَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِ أَبِيهِ وَمَعَهُ مَلَائِكَتُهُ، فَيُجَازِي يَوْمَئِذٍ كُلَّ امْرِئٍ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ" (مَتَّى 16: 27)
يَرْبِطُ يَسُوعُ، فِي هٰذَا القَوْلِ، بَيْنَ مَصِيرِهِ وَمَصِيرِ تَلَامِيذِهِ: فَكَمَا أَنَّ طَرِيقَهُ يَمُرُّ بِالصَّلِيبِ ثُمَّ القِيَامَةِ وَالمَجْدِ، كَذٰلِكَ يَدْعُو تَلَامِيذَهُ إِلَى أَنْ يَسْلُكُوا وَرَاءَهُ فِي طَرِيقِ إِنْكَارِ الذَّاتِ وَحَمْلِ الصَّلِيبِ، رَاجِينَ أَنْ يَشْتَرِكُوا مَعَهُ فِي مَجْدِ القِيَامَةِ. فَالتَّلْمَذَةُ الحَقِيقِيَّةُ لا تَقِفُ عِنْدَ الصَّلِيبِ، بَلْ تَنْفَتِحُ عَلَى المَجْدِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَا يَعِيشُهُ المُؤْمِنُ الآنَ فِي المَسِيحِ بِالإِيمَانِ وَالأَسْرَارِ وَالمَحَبَّةِ، سَيَبْلُغُ كَمَالَهُ فِي القِيَامَةِ وَالحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيُعَبِّرُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَنْ هٰذَا الرَّجَاءِ قَائِلًا: "إِذَا شَارَكْنَاهُ فِي آلامِهِ نُشَارِكْهُ فِي مَجْدِهِ أَيْضًا" (رُومَة 8: 17). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الأُورُشَلِيمِيُّ عَلَى العَلَاقَةِ بَيْنَ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحِيِّينَ لا يَخْجَلُونَ مِنَ الصَّلِيبِ لأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ؛ فَالقِيَامَةُ جَاءَتْ بَعْدَهُ وَكَشَفَتْ انْتِصَارَ المَسِيحِ عَلَى المَوْتِ (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ 13).
وَإِنْ كَانَ الإِيمَانُ هُوَ أَسَاسَ الدُّخُولِ فِي المَلَكُوتِ، فَإِنَّهُ إِيمَانٌ حَيٌّ يَتَجَسَّدُ فِي الأَعْمَالِ. وَلِذٰلِكَ يَقُولُ النَّصُّ: "فَيُجَازِي يَوْمَئِذٍ كُلَّ امْرِئٍ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ"، وَهُوَ مَا يَنْسَجِمُ مَعَ قَوْلِ المَزْمُورِ: "فَإِنَّكَ تُجَازِي الإِنْسَانَ بِحَسَبِ عَمَلِهِ" (مَزْمُور 62: 13). فَالأَعْمَالُ لا تَشْتَرِي الخَلَاصَ، بَلْ تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ وَاسْتِجَابَةِ الإِنْسَانِ لِنِعْمَةِ اللهِ. وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ المَلَكُوتَ الأَبَدِيَّ لَيْسَ غَرِيبًا عَنِ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي نَعِيشُهَا الآنَ، بَلْ هُوَ كَمَالُهَا وَامْتِدَادُهَا. فَمَنْ يَحْيَا اليَوْمَ فِي شَرِكَةٍ مَعَ المَسِيحِ، وَيَسْلُكُ فِي مَحَبَّتِهِ، وَيَحْمِلُ صَلِيبَهُ بِأَمَانَةٍ، يَسْتَعِدُّ لِلاِشْتِرَاكِ فِي مَجْدِهِ.
وَيُعَبِّرُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ عَنْ هٰذَا البُعْدِ الفِصْحِيِّ بِالقَوْلِ إِنَّ سِرَّ المَسِيحِ الفِصْحِيَّ لا يَبْقَى حَدَثًا مَاضِيًا فَقَطْ، بَلْ يَحْضُرُ فِي حَيَاةِ الكَنِيسَةِ وَأَسْرَارِهَا، لأَنَّ "كُلَّ مَا كَانَ المَسِيحُ وَكُلَّ مَا عَمِلَهُ وَتَأَلَّمَهُ مِنْ أَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ يَشْتَرِكُ فِي الأَبَدِيَّةِ الإِلٰهِيَّةِ، وَيَتَعَدَّى جَمِيعَ الأَزْمِنَةِ وَيَصِيرُ حَاضِرًا فِيهَا" (تَعْلِيمُ الكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، البند 1085).
وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ يَسُوعَ، إِذْ يُنْبِئُ عَنْ صَلِيبِهِ، يَتَحَدَّثُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَنْ صَلِيبِ تَلَامِيذِهِ، لأَنَّ طَرِيقَ المَسِيحِ يَصِيرُ طَرِيقَ مَنْ يَتْبَعُهُ. وَهٰذَا مَا أَكَّدَهُ يَسُوعُ القَائِمُ لِتِلْمِيذَيْ عِمَّاوُسَ: "أَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى المَسِيحِ أَنْ يُعَانِيَ تِلْكَ الآلامَ فَيَدْخُلَ فِي مَجْدِهِ؟" (لُوقَا 24: 26). وَهٰكَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ المَوْتَ وَالقِيَامَةَ هُمَا قَلْبُ الإِنْجِيلِ وَنَوَاةُ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ. فَالصَّلِيبُ بِدُونِ القِيَامَةِ يَبْقَى مَأْسَاةً، وَالقِيَامَةُ بِدُونِ الصَّلِيبِ تَفْقِدُ مَعْنَى البَذْلِ وَالمَحَبَّةِ. أَمَّا فِي سِرِّ المَسِيحِ، فَالصَّلِيبُ وَالقِيَامَةُ يُشَكِّلَانِ وَحْدَةً وَاحِدَةً: بِالصَّلِيبِ يَعْبُرُ الإِنْسَانُ إِلَى الحَيَاةِ، وَبِالقِيَامَةِ يَكْتَشِفُ أَنَّ المَحَبَّةَ أَقْوَى مِنَ المَوْتِ.
الخُلَاصَةُ
بَعْدَ أَنْ اعْتَرَفَ بُطْرُسُ، بِاسْمِ التَّلَامِيذِ، أَنَّ يَسُوعَ هُوَ "المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، بَدَأَ يَسُوعُ يَكْشِفُ لَهُمْ المَعْنَى الحَقِيقِيَّ لِمَسِيحَانِيَّتِهِ. فَهُوَ لَيْسَ مَسِيحًا سِيَاسِيًّا مُنْتَصِرًا بِالقُوَّةِ البَشَرِيَّةِ، بَلْ هُوَ المَسِيحُ الَّذِي يُتِمُّ رِسَالَتَهُ الخَلَاصِيَّةَ بِالبَذْلِ وَالطَّاعَةِ حَتَّى المَوْتِ. لِذٰلِكَ أَعْلَنَ لَهُمْ: "يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ، وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً مِنَ الشُّيُوخِ وَعُظَمَاءِ الكَهَنَةِ وَالكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ وَيَقُومَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ" (مَتَّى 16: 21). وهٰكَذَا يَكْشِفُ يَسُوعُ أَنَّ الصَّلِيبَ لَيْسَ حَادِثًا عَرَضِيًّا فِي نِهَايَةِ رِسَالَتِهِ، بَلْ يَدْخُلُ فِي صَمِيمِ تَدْبِيرِ اللهِ الخَلَاصِيِّ.
وَكَانَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَى بُطْرُسَ أَنْ يَقْبَلَ مَسِيحًا يَتَأَلَّمُ وَيُقْتَلُ؛ وَهٰذِهِ الصُّعُوبَةُ نَفْسُهَا تُرَافِقُ الإِنْسَانَ فِي كُلِّ زَمَانٍ، لِأَنَّ مَنْطِقَ الصَّلِيبِ يَتَعَارَضُ مَعَ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى إِثْبَاتِ الذَّاتِ، وَطَلَبِ القُوَّةِ وَالنَّجَاحِ وَالمَجْدِ. لِذٰلِكَ وَجَّهَ يَسُوعُ بُطْرُسَ مِنْ جَدِيدٍ إِلَى مَوْقِعِ التِّلْمِيذِ: "اِنْسَحِبْ! وَرَائِي!" (مَتَّى 16: 23)، أَيْ: لا تَتَقَدَّمْ عَلَى المُعَلِّمِ لِتَرْسُمَ لَهُ طَرِيقَهُ، بَلِ اتْبَعْهُ وَتَعَلَّمْ مِنْهُ مَنْطِقَ اللهِ.
إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ، الَّذِي أَعْلَنَهُ المَسِيحُ، يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ دِينَامِيَّةَ المَوْتِ وَالحَيَاةِ: مَوْتَ الإِنْسَانِ العَتِيقِ وَقِيَامَةَ الإِنْسَانِ الجَدِيدِ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ بُولُسُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ إِنْسَانَنَا القَدِيمَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ" (رُومَة 6: 6). فَالصَّلِيبُ، فِي المَنْظُورِ المَسِيحِيِّ، لَيْسَ تَمْجِيدًا لِلأَلَمِ فِي ذَاتِهِ، وَلَا دَعْوَةً إِلَى طَلَبِ العَذَابِ، بَلْ هُوَ قَبُولُ مَنْطِقِ المَحَبَّةِ الَّتِي تَبْذُلُ ذَاتَهَا، وَالأَمَانَةِ الَّتِي لا تَتَرَاجَعُ أَمَامَ ثَمَنِ الحَقِّ.
وَمِنْ هُنَا تَأْتِي دَعْوَةُ يَسُوعَ الحَاسِمَةُ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ، وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مَتَّى 16: 24). فَإِنْكَارُ الذَّاتِ لا يَعْنِي احْتِقَارَ الإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ، بَلْ تَحْرِيرَهَا مِنَ الأَنَانِيَّةِ لِتُصْبِحَ قَادِرَةً عَلَى الحُبِّ وَالبَذْلِ وَالخِدْمَةِ. وَحَمْلُ الصَّلِيبِ يَعْنِي الأَمَانَةَ لِلْمَسِيحِ وَالإِنْجِيلِ، حَتَّى عِنْدَمَا تَتَطَلَّبُ هٰذِهِ الأَمَانَةُ تَضْحِيَةً وَأَلَمًا.
وَلِذٰلِكَ لا يَكْتَمِلُ الإِيمَانُ المَسِيحِيُّ بِالنَّظَرِ إِلَى يَسُوعَ مُجَرَّدَ صَانِعِ مُعْجِزَاتٍ، أَوْ مُعَلِّمٍ، أَوْ نَبِيٍّ عَظِيمٍ، بَلْ بِالاعْتِرَافِ بِهِ مَسِيحًا مَصْلُوبًا وَقَائِمًا، حَقَّقَ بِسِرِّهِ الفِصْحِيِّ خَلَاصَ الإِنْسَانِ وَفَتَحَ أَمَامَهُ طَرِيقَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَبِهٰذَا المَعْنَى يَصِيرُ الصَّلِيبُ، الَّذِي كَانَ أَدَاةَ مَوْتٍ وَعَارٍ، شَجَرَةَ حَيَاةٍ وَعَلَامَةَ خَلَاصٍ وَطَرِيقًا إِلَى القِيَامَةِ. وَلِهٰذَا افْتَخَرَ بُولُسُ الرَّسُولُ بِالصَّلِيبِ قَائِلًا: "أَمَّا أَنَا فَمَعَاذَ اللهِ أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ" (غَلَاطِيَة 6: 14). فَلَيْسَ الصَّلِيبُ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ فِي حَيَاةِ المَسِيحِ وَلا فِي حَيَاةِ تِلْمِيذِهِ؛ إِنَّمَا القِيَامَةُ هِيَ الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ قَلْبَ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ هُوَ الدُّخُولُ مَعَ المَسِيحِ فِي سِرِّهِ الفِصْحِيِّ: مِنَ الصَّلِيبِ إِلَى القِيَامَةِ، وَمِنَ المَوْتِ إِلَى الحَيَاةِ، وَمِنَ البَذْلِ إِلَى المَجْدِ.
دُعَاءٌ
جَدِّدْنَا، أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، وَنَوِّرْ عُقُولَنَا وَقُلُوبَنَا، لِكَيْ نَتَخَلَّى عَنْ أَفْكَارِنَا البَشَرِيَّةِ الضَّيِّقَةِ، وَنَتَبَنَّى فِكْرَكَ وَمَشِيئَتَكَ، وَنَسْتَجِيبَ بِإِيمَانٍ لِنِدَاءِ ابْنِكَ يَسُوعَ المَسِيحِ.
هَبْ لَنَا نِعْمَةَ أَنْ نَزْهَدَ فِي ذَوَاتِنَا، وَنَحْمِلَ صَلِيبَنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَنَسِيرَ عَلَى خُطَى يَسُوعَ، الَّذِي أَحَبَّنَا وَبَذَلَ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِنَا عَلَى الصَّلِيبِ، مُوقِنِينَ أَنَّ الصَّلِيبَ، فِي نُورِ القِيَامَةِ، لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، بَلْ هُوَ عُبُورٌ إِلَى الحَيَاةِ وَالمَجْدِ الأَبَدِيِّ.
وَاعْضُدْ، يَا رَبُّ، بِقُوَّةِ صَلِيبِكَ المُقَدَّسِ جَمِيعَ الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ فِي الجَسَدِ وَالرُّوحِ؛ وَكُنْ قَرِيبًا مِنَ المُشَرَّدِينَ وَالمُهَجَّرِينَ وَالمُهَمَّشِينَ، وَمِنَ العَاطِلِينَ عَنِ العَمَلِ، وَالمَرْضَى وَالمُنَازِعِينَ. وَاجْعَلْ مِنْ آلامِهِم، بِاتِّحَادِهَا بِآلامِ ابْنِكَ، رَجَاءً يَقُودُ إِلَى القِيَامَةِ، وَمِنْ صَلِيبِهِمْ طَرِيقًا إِلَى نُورِ الحَيَاةِ الَّتِي لا تَزُولُ. آمِينَ.
قِصَّةٌ: التَّاجِرُ وَبُطْرُسُ الرَّسُولُ
يُرْوَى أَنَّ تَاجِرًا اسْتَغْرَقَ فِي تِجَارَتِهِ وَجَمْعِ ثَرْوَتِهِ حَتَّى كَادَ يَنْسَى حَيَاتَهُ الرُّوحِيَّةَ وَغَايَةَ وُجُودِهِ. وَلَمَّا مَاتَ، كَتَبَ أَحَدُهُمْ عَلَى قَبْرِهِ عِبَارَةً مُعَبِّرَةً: "وُلِدَ إِنْسَانًا، وَمَاتَ تَاجِرًا كَبِيرًا". وَكَأَنَّ هٰذِهِ العِبَارَةَ تَخْتَصِرُ مَأْسَاةَ إِنْسَانٍ رَبِحَ الكَثِيرَ مِمَّا يَمْلِكُهُ، وَلٰكِنَّهُ كَادَ يَخْسَرُ مَا هُوَ أَثْمَنُ: نَفْسَهُ وَغَايَةَ حَيَاتِهِ.
فَقَدْ خُلِقَ الإِنْسَانُ عَلَى صُورَةِ اللهِ وَمِثَالِهِ (تَكْوِين 1: 26–27)، وَدُعِيَ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَهُ وَإِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. فَمَا أَتْعَسَ الإِنْسَانَ الَّذِي يَجْعَلُ مِنَ الخَيْرَاتِ الزَّمَنِيَّةِ غَايَتَهُ القُصْوَى، وَيَنْسَى مَصِيرَهُ الأَبَدِيَّ! وَهُنَا يَبْقَى سُؤَالُ يَسُوعَ حَاسِمًا: "مَاذَا يَنْفَعُ الإِنْسَانَ لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟" (مَتَّى 16: 26). وَعَلَى النَّقِيضِ مِنْ ذٰلِكَ، مَا أَعْظَمَ الإِنْسَانَ الَّذِي يَبْذُلُ حَيَاتَهُ فِي سَبِيلِ المَسِيحِ، فَيَفْقِدُهَا ظَاهِرًا لِيَجِدَهَا فِي الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ: "وَأَمَّا الَّذِي يَفْقِدُ حَيَاتَهُ فِي سَبِيلِي فَإِنَّهُ يَجِدُهَا" (مَتَّى 16: 25).
وَيَرْوِي تَقْلِيدٌ مَسِيحِيٌّ قَدِيمٌ، اشْتَهَرَ فِي قِصَّةِ "كُو فَادِيس؟" (Quo Vadis?) ، أَنَّ بُطْرُسَ الرَّسُولَ، أَثْنَاءَ اضْطِهَادِ المَسِيحِيِّينَ فِي رُومَا، هَمَّ بِمُغَادَرَةِ المَدِينَةِ. وَفِي الطَّرِيقِ رَأَى، بِحَسَبِ التَّقْلِيدِ، الرَّبَّ يَسُوعَ، فَسَأَلَهُ: "يَا رَبُّ، إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟" فَجَاءَهُ الجَوَابُ بِمَعْنَى: "إِلَى رُومَا لِأُصْلَبَ مِنْ جَدِيدٍ". فَفَهِمَ بُطْرُسُ أَنَّ دَعْوَتَهُ لَمْ تَكُنْ إِلَى الهَرَبِ مِنَ الصَّلِيبِ، بَلْ إِلَى الأَمَانَةِ لِمُعَلِّمِهِ حَتَّى النِّهَايَةِ. فَعَادَ إِلَى رُومَا وَوَاجَهَ الاسْتِشْهَادَ. وَبِحَسَبِ التَّقْلِيدِ الكَنَسِيِّ، صُلِبَ بُطْرُسُ فِي رُومَا فِي عَهْدِ الإِمْبَرَاطُورِ نِيرُونَ، وَيَرْوِي تَقْلِيدٌ قَدِيمٌ أَنَّهُ طَلَبَ أَنْ يُصْلَبَ مُنَكَّسَ الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ نَفْسَهُ أَهْلًا أَنْ يُصْلَبَ عَلَى مِثَالِ مُعَلِّمِهِ.
وَهٰكَذَا تَضَعُنَا القِصَّتَانِ أَمَامَ خِيَارَيْنِ: تَاجِرٌ جَعَلَ هَمَّهُ أَنْ يَرْبَحَ العَالَمَ، وَبُطْرُسُ الَّذِي تَعَلَّمَ أَنْ يَخْسَرَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِ المَسِيحِ لِيَجِدَهَا. وَهُنَا يَتَجَسَّدُ تَعْلِيمُ يَسُوعَ: " أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مَتَّى 16: 24).
العِبْرَةُ: لَيْسَ نَجَاحُ الإِنْسَانِ فِي مَا يَجْمَعُهُ لِنَفْسِهِ، بَلْ فِي مَا يَبْذُلُهُ فِي سَبِيلِ المَسِيحِ وَالآخَرِينَ؛ فَمَنْ يَرْبَحُ العَالَمَ وَيَخْسَرُ نَفْسَهُ يَخْسَرُ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَنْ يَبْذُلُ حَيَاتَهُ مَعَ المَسِيحِ يَجِدُهَا فِي مَجْدِ القِيَامَةِ.
قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ القِدِّيسُ مَكْسِيمِيلْيَانُ كُولْبِي: مَنْ فَقَدَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِ المَحَبَّةِ وَجَدَهَا
مِنْ أَعْمَقِ الشَّهَادَاتِ الحَدِيثَةِ الَّتِي تُجَسِّدُ كَلِمَاتِ يَسُوعَ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مَتَّى 16: 24)، قِصَّةُ القِدِّيسِ مَكْسِيمِيلْيَانُ كُولْبِي، الكَاهِنِ الفْرَنْسِيسْكَانِيِّ البُولَنْدِيِّ، الَّذِي حَوَّلَ الإِنْجِيلَ إِلَى فِعْلِ مَحَبَّةٍ حَتَّى بَذْلِ الحَيَاةِ.
فِي أَثْنَاءِ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، اعْتَقَلَهُ النَّازِيُّونَ، وَنُقِلَ سَنَةَ 1941 إِلَى مُعَسْكَرِ أَوْشْفِيتْس لِلِاعْتِقَالِ وَالإِبَادَةِ. وَهُنَاكَ عَاشَ مَعَ سَائِرِ المُعْتَقَلِينَ ظُرُوفًا قَاسِيَةً مِنَ الجُوعِ وَالإِذْلَالِ وَالعُنْفِ وَالخَوْفِ الدَّائِمِ مِنَ المَوْتِ.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، بَعْدَ فِرَارِ أَحَدِ السُّجَنَاءِ، اخْتَارَتْ إِدَارَةُ المُعَسْكَرِ عَشَرَةَ رِجَالٍ لِيَمُوتُوا جُوعًا، عِقَابًا لِسَائِرِ السُّجَنَاءِ. وَكَانَ مِنْ بَيْنِ المُخْتَارِينَ رَجُلٌ يُدْعَى فْرَنْسِيسْتْشِك غَايُوفْنِيتْشِك، وَهُوَ زَوْجٌ وَأَبٌ لِأُسْرَةٍ. فَلَمَّا سَمِعَ الحُكْمَ، صَرَخَ مُتَأَلِّمًا، مُفَكِّرًا فِي زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ.
عِنْدَئِذٍ خَرَجَ الأَبُ مَكْسِيمِيلْيَانُ كُولْبِي مِنْ صَفِّ السُّجَنَاءِ، وَطَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ مَكَانَ ذٰلِكَ الرَّجُلِ. وَعَرَّفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ كَاهِنٌ كَاثُولِيكِيٌّ، وَأَعْرَبَ عَنْ اسْتِعْدَادِهِ لِلْمَوْتِ بَدَلًا مِنَ الأَبِ ذِي العَائِلَةِ. وَعَلَى نَحْوٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ، قَبِلَتِ السُّلُطَاتُ طَلَبَهُ.
دَخَلَ كُولْبِي زِنْزَانَةَ الجُوعِ مَعَ المَحْكُومِينَ الآخَرِينَ. وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَجْعَلَ الخَوْفُ وَاليَأْسُ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ، رَافَقَ رِفَاقَهُ بِالصَّلَاةِ وَالتَّرَانِيمِ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الجُوعِ وَالعَطَشِ، بَقِيَ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، فَقُتِلَ بِحُقْنَةٍ قَاتِلَةٍ فِي 14 آب 1941.
أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي بَذَلَ كُولْبِي حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِهِ، فَنَجَا مِنَ المُعَسْكَرِ وَعَاشَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً بَعْدَ الحَرْبِ. وَبَقِيَتْ حَيَاةُ مَكْسِيمِيلْيَانُ كُولْبِي شَهَادَةً حَيَّةً عَلَى أَنَّ المَحَبَّةَ قَادِرَةٌ أَنْ تَنْتَصِرَ حَتَّى فِي وَسَطِ أَقْسَى أَشْكَالِ العُنْفِ وَالمَوْتِ.
لَمْ يَكُنْ صَلِيبُ كُولْبِي مُجَرَّدَ احْتِمَالٍ سَلْبِيٍّ لِلأَلَمِ، بَلْ كَانَ اخْتِيَارًا حُرًّا لِبَذْلِ الذَّاتِ مِنْ أَجْلِ الآخَرِ. وَهُنَا يَتَجَلَّى المَعْنَى العَمِيقُ لِقَوْلِ المَسِيحِ: "أَمَّا الَّذِي يَفْقِدُ حَيَاتَهُ فِي سَبِيلِي فَإِنَّهُ يَجِدُهَا" (مَتَّى 16: 25).
فَالمَسِيحُ لَا يَدْعُو تَلَامِيذَهُ إِلَى البَحْثِ عَنِ الأَلَمِ لِذَاتِهِ، بَلْ إِلَى مَحَبَّةٍ تَصِلُ، عِنْدَ الضَّرُورَةِ، إِلَى بَذْلِ الذَّاتِ. وَهٰذَا مَا فَعَلَهُ كُولْبِي: لَمْ يَرْبَحِ العَالَمَ، بَلْ بَذَلَ حَيَاتَهُ؛ وَلٰكِنَّهُ، بِمَنْطِقِ الإِنْجِيلِ، وَجَدَ الحَيَاةَ الَّتِي لَا تَزُولُ. وَلِهٰذَا أَعْلَنَهُ البَابَا القِدِّيسُ يُوحَنَّا بُولُسُ الثَّانِي قِدِّيسًا سَنَةَ 1982، مُقَدِّمًا إِيَّاهُ لِلْكَنِيسَةِ شَهِيدًا لِلْمَحَبَّةِ.
العِبْرَةُ: لَيْسَ حَمْلُ الصَّلِيبِ أَنْ نَبْحَثَ عَنِ الأَلَمِ، بَلْ أَنْ نَبْقَى أُمَنَاءَ لِلْمَسِيحِ وَالمَحَبَّةِ حَتَّى عِنْدَمَا تَكُونُ لِلْمَحَبَّةِ كُلْفَةٌ. فَمَنْ يَحْفَظُ حَيَاتَهُ لِنَفْسِهِ فَقَطْ يَفْقِدُ مَعْنَاهَا، أَمَّا مَنْ يَبْذُلُهَا فِي المَحَبَّةِ فَيَجِدُهَا فِي المَسِيحِ.