موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّص الإنْجيلي (متى 18: 21-35)
21 فدَنا بُطرُس وقالَ له: ((يا ربّ، كم مَرَّةً يَخْطَأُ إِلَيَّ أَخي وَأَغفِرَ لَه؟ أَسَبعَ مَرَّات؟)) 22 فقالَ له يسوع: ((لا أَقولُ لكَ: سَبعَ مرَّات، بل سَبعينَ مَرَّةً سَبعَ مَرَّات)). 23 لِذلكَ مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ مَلِكٍ أَرادَ أَن يُحاسِبَ خَدَمَه. فَلَمَّا شَرَعَ في مُحاسَبتِهم أُتِيَ بِواحِدٍ مِنهُم علَيه عَشَرةُ آلافِ وَزْنَة. 25 ولَم يَكُن عندَه ما يُؤَدِّي بِه دَينَه، فَأَمَرَ مَولاهُ أَن يُباعَ هو وامرأَتُه وأَولادهُ وجَميعُ ما يَملِك لِيُؤَدَّى دَينُه. 26 فَجَثا لَه الخادِمُ ساجِداً وقال: ((أَمهِلْني أُؤَدِّ لَكَ كُلَّ شَيء)). 27 فأَشفَقَ مَولى ذلكَ الخادِم وأَطلقَه وأَعفاهُ مِنَ الدَّين. 28 ولَمَّا خرَجَ ذلكَ الخادِمُ لَقِيَ خادِماً مِن أَصحابِه مَدِيناً له بِمِائةِ دِينار. فأَخَذَ بِعُنُقِه يَخنُقُه وهو يقولُ له: ((أَدِّ ما علَيكَ)). 29 فجَثا صاحِبُه يَتَوسَّلُ إِلَيه فيَقول: ((أَمهِلْني أُؤَدِّهِ لكَ)). 30 فلَم يَرضَ، بل ذهَبَ بِه وأَلقاه في السِّجنِ إِلى أَن يُؤَدِّيَ دَيْنَه. 31 وشَهِدَ أَصحابُه ما جرى فاغتَمُّوا كثيراً، فمَضَوا وأَخبَروا مَولاهم بِكُلِّ ما جَرى. 32 فدَعاهُ مولاهُ وقالَ له: ((أَيُّها الخادِمُ الشِّرِّير، ذاكَ الدَّينُ كُلُّه أَعفَيتُك مِنه، لأَنَّكَ سأَلتَني. 33 أَفما كانَ يجِبُ عليكَ أَنتَ أَيضاً أَن تَرحَمَ صاحِبَكَ كما رحِمتُكَ أَنا؟)) 34 وغَضِبَ مَولاهُ فدَفعَه إِلى الجَلاَّدين، حتَّى يُؤَدِّيَ لَه كُلَّ دَيْنِه. 35 فَهَكذا يَفعلُ بِكم أَبي السَّماويّ، إِن لم يَغفِرْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم لأَخيهِ مِن صَميمِ قَلبِه.
المُقَدِّمَةُ
يُسَلِّطُ نَصُّ إِنْجِيلِ مَتَّى (مَتَّى 18: 21–35) الضَّوْءَ عَلَى مَوْضُوعِ المَغْفِرَةِ، الَّذِي يَخْتِمُ بِهِ يَسُوعُ تَعْلِيمَهُ عَنِ الحَيَاةِ الأَخَوِيَّةِ فِي الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ (مَتَّى 18). فَبَعْدَ أَنْ تَحَدَّثَ عَنْ خَطَرِ العَثَرَاتِ، وَعَنِ الخَرُوفِ الضَّالِّ، وَعَنِ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ وَالمُصَالَحَةِ (مَتَّى 18: 6–20)، يَنْتَقِلُ يَسُوعُ إِلَى مَسْأَلَةٍ أَعْمَقَ: كَمْ مَرَّةً يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ يَغْفِرَ لِأَخِيهِ الَّذِي يُخْطِئُ إِلَيْهِ؟
وَيَأْتِي هٰذَا التَّعْلِيمُ إِجَابَةً عَنْ سُؤَالِ بُطْرُسَ: "يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَغْفِرُ لَهُ؟ أَإِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟" (مَتَّى 18: 21). فَيَرُدُّ يَسُوعُ: "لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مَتَّى 18: 22). وَبِذٰلِكَ لَا يَضَعُ يَسُوعُ عَدَدًا جَدِيدًا لِلمَغْفِرَةِ، بَلْ يَرْفَعُهَا فَوْقَ مَنْطِقِ العَدِّ وَالحِسَابِ، لِتُصْبِحَ مَوْقِفًا دَائِمًا وَأُسْلُوبَ حَيَاةٍ يَمِيزُ تِلْمِيذَ المَسِيحِ.
وَيَنْفَرِدُ مَتَّى بِنَقْلِ مَثَلِ العَبْدِ الَّذِي لَا يَغْفِرُ (مَتَّى 18: 23–35)، حَيْثُ يَكْشِفُ يَسُوعُ عَنِ الرَّابِطَةِ العَمِيقَةِ بَيْنَ مَغْفِرَةِ اللهِ لِلإِنْسَانِ وَمَغْفِرَةِ الإِنْسَانِ لأَخِيهِ. فَالعَبْدُ الأَوَّلُ نَالَ مِنْ سَيِّدِهِ مَغْفِرَةَ دَيْنٍ هَائِلٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ، وَلٰكِنَّهُ رَفَضَ أَنْ يَغْفِرَ لِرَفِيقِهِ دَيْنًا ضَئِيلًا. وَهُنَا تَظْهَرُ المُفَارَقَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ: مَنْ يَخْتَبِرُ رَحْمَةَ اللهِ حَقًّا، يُدْعَ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْ هٰذِهِ الرَّحْمَةِ مِقْيَاسًا لِعَلَاقَتِهِ بِالآخَرِينَ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَثَلِ، مُبَيِّنًا أَنَّ السَّيِّدَ ذَكَّرَ العَبْدَ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي سَبَقَ أَنْ نَالَهَا، لِكَيْ يَتَعَلَّمَ أَنْ يَكُونَ رَحِيمًا بِرَفِيقِهِ؛ فَالإِنْسَانُ الَّذِي نَالَ الغُفْرَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْتَكِرَ الرَّحْمَةَ لِنَفْسِهِ، بَلْ هُوَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَمُدَّهَا إِلَى الآخَرِينَ (PG 58, 591–596).
وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ هٰذَا التَّرَابُطَ بَيْنَ مَغْفِرَةِ اللهِ وَمَغْفِرَةِ الإِنْسَانِ، عِنْدَمَا يَشْرَحُ طَلِبَةَ الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: "وَاغْفِرْ لَنَا دُيُونَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِمَدْيُونِينَا" (مَتَّى 6: 12). فَالإِنْسَانُ الَّذِي يَطْلُبُ مَغْفِرَةَ اللهِ يُدْعَى، فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، إِلَى أَنْ يَغْفِرَ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ؛ وَبِذٰلِكَ تَصِيرُ المَغْفِرَةُ الَّتِي نَنَالُهَا مِنَ اللهِ مِقْيَاسًا لِعَلَاقَتِنَا بِإِخْوَتِنَا (PL 34, 1280–1281).
وَلِهٰذَا أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يُذَكِّرَ بُطْرُسَ وَسَائِرَ التَّلَامِيذِ بِالمَغْفِرَةِ الَّتِي نَالُوهَا مِنَ اللهِ، وَبِالمُتَطَلَّبَاتِ الأَخَوِيَّةِ الَّتِي تَنْبَعُ مِنْ هٰذِهِ المَغْفِرَةِ. فَهُوَ يَرْبِطُ رَبْطًا وَثِيقًا بَيْنَ عَلَاقَةِ الإِنْسَانِ بِاللهِ وَعَلَاقَتِهِ بِإِخْوَتِهِ؛ إِذْ لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَطْلُبَ رَحْمَةَ اللهِ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يُغْلِقَ قَلْبَهُ أَمَامَ أَخِيهِ. وَهٰذَا مَا يُلَخِّصُهُ قَوْلُ الرَّبِّ فِي خِتَامِ المَثَلِ: "هٰكَذَا يَفْعَلُ بِكُمْ أَبِي السَّمَاوِيُّ، إِنْ لَمْ يَغْفِرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لأَخِيهِ مِنْ قَلْبِهِ" (مَتَّى 18: 35).
وَمِنَ المُؤْسِفِ أَنَّ خِبْرَةَ المَغْفِرَةِ تَبْدُو نَادِرَةً فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ، الَّذِي تَتَقَاذَفُهُ أَمْوَاجُ العُنْفِ وَالانْتِقَامِ وَالأَحْقَادِ وَالانْقِسَامَاتِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَالمَغْفِرَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَا تَعْنِي تَبْرِيرَ الشَّرِّ، وَلَا إِلْغَاءَ الحَقِّ وَالعَدَالَةِ، وَلَا التَّغَاضِيَ عَنِ الإِسَاءَةِ، بَلْ تَعْنِي رَفْضَ أَنْ يَكُونَ الحِقْدُ وَالانْتِقَامُ هُمَا الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ فِي العَلَاقَةِ بَيْنَ البَشَرِ. إِنَّهَا طَرِيقٌ يَفْتَحُ القَلْبَ أَمَامَ عَمَلِ نِعْمَةِ اللهِ، وَيَسْعَى إِلَى اسْتِعَادَةِ الأَخِ وَالمُصَالَحَةِ وَبِنَاءِ الجَمَاعَةِ.
وَمِنْ هُنَا تَنْطَلِقُ الأَسْئِلَةُ الَّتِي يَطْرَحُهَا هٰذَا النَّصُّ عَلَى كُلِّ تِلْمِيذٍ لِلمَسِيحِ: مَا مَوْقِفُنَا مِنَ الأَخِ الَّذِي يُخْطِئُ إِلَيْنَا؟ وَكَمْ مَرَّةً نَغْفِرُ لَهُ؟ وَكَيْفَ نَنْتَقِلُ مِنْ مَغْفِرَةٍ نَنْطِقُ بِهَا بِالشِّفَاهِ إِلَى مَغْفِرَةٍ "مِنَ القَلْبِ"؟ وَكَيْفَ تُصْبِحُ مَغْفِرَةُ اللهِ لَنَا مَنْبَعًا لِمَغْفِرَتِنَا لِلآخَرِينَ؟ وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَدَلَالَاتِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَتَطْبِيقَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، لِنَكْتَشِفَ أَنَّ المَغْفِرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَاجِبٍ أَخْلَاقِيٍّ، بَلْ هِيَ ثَمَرَةُ اخْتِبَارِ رَحْمَةِ اللهِ، وَطَرِيقٌ إِلَى المُصَالَحَةِ وَوَحْدَةِ الجَمَاعَةِ وَالخَلَاصِ.
أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 18: 21–35)
21. "فَدَنَا بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يَخْطَأُ إِلَيَّ أَخِي وَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَسَبْعَ مَرَّاتٍ؟"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَدَنَا بُطْرُسُ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ προσελθὼν ὁ Πέτρος، إِلَى مُبَادَرَةِ بُطْرُسَ بِالاقْتِرَابِ مِنْ يَسُوعَ وَطَرْحِ سُؤَالٍ يَتَعَلَّقُ بِحُدُودِ المَغْفِرَةِ فِي حَيَاةِ الجَمَاعَةِ. وَالفِعْلُ προσέρχομαι يَعْنِي "يَقْتَرِبُ، يَدْنُو، يَتَقَدَّمُ إِلَى"، وَهُوَ تَعْبِيرٌ يَسْتَعْمِلُهُ مَتَّى مِرَارًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى الاقْتِرَابِ مِنْ يَسُوعَ لِلطَّلَبِ أَوِ السُّؤَالِ أَوِ التَّعَلُّمِ.
أَمَّا اسْمُ "بُطْرُس"، فَيَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ Πέτρος، وَمَعْنَاهُ "صَخْرَةٌ" أَوْ "حَجَرٌ". وَكَانَ اسْمُ الرَّسُولِ أَصْلًا سِمْعَانَ، وَيُسَمِّيهِ يَسُوعُ "سِمْعَانَ بْنَ يُونَا" (مَتَّى 16: 17)، وَكَانَ أَخُوهُ أَنْدَرَاوُسَ (مَتَّى 4: 18). وَهُمَا مِنْ بَيْتِ صَيْدَا (يُوحَنَّا 1: 44). وَقَدْ أَطْلَقَ يَسُوعُ عَلَيْهِ اسْمَ "كِيفَا"، بِالآرَامِيَّةِ כֵּיפָא، أَيْ "الصَّخْرَة"، وَيَقَابِلُهُ فِي اليُونَانِيَّةِ Πέτρος: "أَنْتَ سِمْعَانُ بْنُ يُوحَنَّا، وَسَتُدْعَى كِيفَا، أَيْ بُطْرُس" (يُوحَنَّا 1: 42؛ مَتَّى 16: 18). وَكَانَ بُطْرُسُ صَيَّادًا لِلسَّمَكِ (مَتَّى 4: 18)، وَتَكْشِفُ رِوَايَةُ شِفَاءِ حَمَاتِهِ عَنْ وُجُودِ بَيْتٍ عَائِلِيٍّ لَهُ (مَتَّى 8: 14–15؛ مَرْقُس 1: 29–31). وَقَدِ احْتَلَّ بُطْرُسُ مَكَانَةً بَارِزَةً بَيْنَ التَّلَامِيذِ، وَخَاصَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، حَيْثُ أَوْكَلَ إِلَيْهِ المَسِيحُ مَسْؤُولِيَّةً خَاصَّةً فِي جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ (مَتَّى 16: 17–19). وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا يَقُولُ لَهُ يَسُوعُ: "وَأَنْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ مَتَى رَجَعْتَ" (لُوقَا 22: 32). وَمِنْ هُنَا يَكْتَسِبُ سُؤَالُهُ عَنِ المَغْفِرَةِ بُعْدًا جَمَاعِيًّا وَكَنَسِيًّا، لَا فَرْدِيًّا فَحَسْبُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "يَخْطَأُ إِلَيَّ أَخِي"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ: ἁμαρτήσει εἰς ἐμὲ ὁ ἀδελφός μου وَالفِعْلُ ἁμαρτάνω يَعْنِي "يُخْطِئُ، يَرْتَكِبُ خَطِيئَةً"، وَيَحْمِلُ فِي الاسْتِعْمَالِ الكِتَابِيِّ مَعْنَى الإِخْفَاقِ فِي العَلَاقَةِ الصَّحِيحَةِ بِاللهِ وَبِالقَرِيبِ.
أَمَّا التَّعْبِيرُ " إِلَيَّ " εἰς ἐμέ، أَيْ "إِلَيَّ" أَوْ "ضِدِّي"، فَيُحَدِّدُ هُنَا الخَطِيئَةَ الَّتِي تَمَسُّ بُطْرُسَ شَخْصِيًّا وَتَجْرَحُ العَلَاقَةَ الأَخَوِيَّةَ.
وَتُشِيرُ كَلِمَةُ "أَخِي"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ὁ ἀδελφός μου ، فِي سِيَاقِ مَتَّى 18 إِلَى الأَخِ فِي جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ أَوَّلًا؛ فَالفَصْلُ كُلُّهُ يَتَنَاوَلُ العَلَاقَاتِ دَاخِلَ الجَمَاعَةِ: الاهْتِمَامَ بِالصِّغَارِ، وَالبَحْثَ عَنِ الضَّالِّ، وَإِصْلَاحَ الأَخِ المُخْطِئِ، وَالمُصَالَحَةَ وَالمَغْفِرَةَ (مَتَّى 18: 1–35). غَيْرَ أَنَّ المَبْدَأَ الإِنْجِيلِيَّ لِلمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ لَا يَنْغَلِقُ عَلَى حُدُودِ الجَمَاعَةِ، بَلْ يَنْفَتِحُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ (مَتَّى 5: 43–48).
أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَغْفِرَ لَهُ"، فَالأَصْلُ اليُونَانِيُّ هُوَ ἀφήσω αὐτῷ وَالفِعْلُ ἀφίημι يَتَّسِعُ مَدَاهُ الدَّلَالِيُّ لِيَعْنِيَ: "يَتْرُكُ، يُطْلِقُ، يُعْفِي، يُسْقِطُ دَيْنًا، يَغْفِرُ". وَهٰذَا التَّنَوُّعُ الدَّلَالِيُّ مُهِمٌّ لِفَهْمِ المَثَلِ الَّذِي سَيَرْوِيهِ يَسُوعُ بَعْدَ ذٰلِكَ، حَيْثُ يُعَبَّرُ عَنِ الخَطِيئَةِ بِصُورَةِ الدَّيْنِ الَّذِي يَعْجِزُ الإِنْسَانُ عَنْ وَفَائِهِ (مَتَّى 18: 23–35). وَفِي العَالَمِ القَدِيمِ، كَانَ الدَّيْنُ الْمَالِيُّ يَحْمِلُ تَبِعَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةً وَقَانُونِيَّةً خَطِيرَةً، وَقَدْ يُفْضِي العَجْزُ عَنِ السَّدَادِ إِلَى فَقْدَانِ المُمْتَلَكَاتِ أَوِ الحُرِّيَّةِ. وَيَسْتَخْدِمُ يَسُوعُ هٰذِهِ الصُّورَةَ المَأْلُوفَةَ لِيَكْشِفَ حَقِيقَةً لَاهُوتِيَّةً أَعْمَقَ: الإِنْسَانُ، بِسَبَبِ خَطِيئَتِهِ، يَقِفُ أَمَامَ اللهِ كَمَدِينٍ عَاجِزٍ عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ فَالمَغْفِرَةُ هِبَةٌ مَجَّانِيَّةٌ تَنْبَعُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. وَيَتَّضِحُ هٰذَا المَعْنَى أَكْثَرَ فِي المَثَلِ، حَيْثُ يَرِدُ الفِعْلُ نَفْسُهُ ἀφίημι فِي العِبَارَةِ: τὸ δάνειον ἀφῆκεν αὐτῷ، أَيْ "أَعْفَاهُ مِنَ الدَّيْنِ" (مَتَّى 18: 27)، ثُمَّ يَعُودُ المَعْنَى مِنَ الدَّيْنِ المَادِّيِّ إِلَى المَغْفِرَةِ الأَخَوِيَّةِ فِي قَوْلِ السَّيِّدِ: "أَفَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَرْحَمَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" (مَتَّى 18: 33). وَهٰكَذَا يُقِيمُ النَّصُّ صِلَةً وَثِيقَةً بَيْنَ إِسْقَاطِ الدَّيْنِ وَمَغْفِرَةِ الخَطِيئَةِ. وَلِهٰذَا يَرْبِطُ يَسُوعُ بَيْنَ مَغْفِرَةِ اللهِ وَالمَغْفِرَةِ الأَخَوِيَّةِ: "فَإِنْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ" (مَتَّى 6: 14؛ رَاجِعْ يَشُوعَ بْنَ سِيرَاخ 28: 1–5). وَهٰذَا المَبْدَأُ نَفْسُهُ مُتَضَمَّنٌ فِي الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: "وَاغْفِرْ لَنَا دُيُونَنَا كَمَا نَحْنُ أَيْضًا غَفَرْنَا لِمَدْيُونِينَا" (مَتَّى 6: 12). وَيَسْتَعْمِلُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ هُنَا صِيغَةَ المَاضِي ἀφήκαμεν "غَفَرْنَا/أَعْفَيْنَا"، فَيَجْعَلُ الاسْتِعْدَادَ لِمَغْفِرَةِ الآخَرِ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ صِدْقِ صَلَاةِ المُؤْمِنِ. وَلَيْسَ مَعْنَى ذٰلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ "يَشْتَرِي» مَغْفِرَةَ اللهِ بِمَغْفِرَتِهِ لِلآخَرِينَ، بَلْ إِنَّ مَغْفِرَتَهُ لَهُمْ تَكْشِفُ أَنَّهُ قَبِلَ رَحْمَةَ اللهِ وَسَمَحَ لَهَا بِأَنْ تَعْمَلَ فِي حَيَاتِهِ.
أَمَّا سُؤَالُ بُطْرُسَ "أَسَبْعَ مَرَّاتٍ؟"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἕως ἑπτάκις، أَيْ "إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟». وَالظَّرْفُ ἑπτάκις يَعْنِي "سَبْعَ مَرَّاتٍ". وَيَحْمِلُ العَدَدُ سَبْعَةٌ فِي الرَّمْزِيَّةِ الكِتَابِيَّةِ دَلَالَةَ التَّمَامِ وَالكَمَالِ؛ وَلِذٰلِكَ يَبْدُو أَنَّ بُطْرُسَ يَعْرِضُ مِقْدَارًا كَبِيرًا مِنَ التَّسَامُحِ وَالحِلْمِ، وَلٰكِنَّهُ مَا زَالَ يُفَكِّرُ فِي المَغْفِرَةِ بِمَنْطِقِ العَدِّ وَالحُدُودِ. وَيُمْكِنُ فَهْمُ سُؤَالِ بُطْرُسَ أَيْضًا عَلَى خَلْفِيَّةِ التَّقْلِيدِ اليَهُودِيِّ الَّذِي نَاقَشَ حُدُودَ تَكْرَارِ المَغْفِرَةِ، وَرَبَطَ بَعْضُ التَّفَاسِيرِ الرَّبَّانِيَّةِ ذٰلِكَ بِصِيغَةِ "ثَلَاثَ مَعَاصٍ... وَأَرْبَعٍ" الوَارِدَةِ فِي سِفْرِ عَامُوسَ (عَامُوس 1–2). وَمِنْ ثَمَّ، فَاقْتِرَاحُ بُطْرُسَ سَبْعَ مَرَّاتٍ يَتَجَاوَزُ هٰذَا الحَدَّ تَجَاوُزًا مَلْحُوظًا؛ غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ سَيَنْقُلُهُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ مِنْ مَنْطِقِ "كَمْ مَرَّةً؟" إِلَى مَنْطِقِ المَغْفِرَةِ الَّتِي لَا تُقَاسُ بِالعَدَدِ. وَيُعَلِّقُ الكَرْدِينَال بِييرباتيستا بِيتْسَابَالَّا عَلَى سُؤَالِ بُطْرُسَ بِأَنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ مَنْطِقٍ مَا زَالَ يَبْحَثُ عَنْ حُدُودِ المَغْفِرَةِ: "كَمْ مَرَّةً؟"، فِي حِينِ أَنَّ مَنْطِقَ المَلَكُوتِ يَنْطَلِقُ مِنْ خِبْرَةِ مَحَبَّةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ غَيْرِ المَحْدُودَتَيْنِ. (عظة الاحد 31/9/2020). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا السُّؤَالِ مُبَيِّنًا أَنَّ بُطْرُسَ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَقْتَرِحُ قَدْرًا عَظِيمًا مِنَ السَّخَاءِ بِقَوْلِهِ "سَبْعَ مَرَّاتٍ"، فَإِنَّ المَسِيحَ يَقُودُهُ إِلَى مَا يَتَجَاوَزُ الحِسَابَ وَالعَدَدَ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ لَا تُحَدُّ بِمِقْدَارٍ حِسَابِيٍّ (PG 58, cols. 591–592). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ السُّؤَالُ الأَوَّلُ فِي النَّصِّ عَنْ مُوَاجَهَةٍ بَيْنَ مَنْطِقَيْنِ: مَنْطِقِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَسْأَلُ عَنْ حُدُودِ المَغْفِرَةِ، وَمَنْطِقِ اللهِ الَّذِي يَجْعَلُ الرَّحْمَةَ أُسْلُوبَ حَيَاةٍ. وَسَيُوَضِّحُ يَسُوعُ هٰذَا المَبْدَأَ فِي جَوَابِهِ: "لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مَتَّى 18: 22).
22 "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لَا أَقُولُ لَكَ: سَبْعَ مَرَّاتٍ، بَلْ سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἑβδομηκοντάκις ἑπτά، إِلَى عَدَدٍ رَمْزِيٍّ لَا يُرَادُ بِهِ وَضْعُ حَدٍّ حِسَابِيٍّ جَدِيدٍ لِلمَغْفِرَةِ، بَلْ تَجَاوُزُ مَنْطِقِ العَدِّ نَفْسِهِ. فَيَسُوعُ لَا يَنْقُلُ بُطْرُسَ مِنَ الرَّقْمِ "سَبْعَة" إِلَى رَقْمٍ أَكْبَرَ فَحَسْبُ، بَلْ يَنْقُلُهُ مِنْ مَغْفِرَةٍ تُحْسَبُ إِلَى مَغْفِرَةٍ لَا تُحْصَى. وَيَحْتَمِلُ التَّعْبِيرُ اليُونَانِيُّ ἑβδομηκοντάκις ἑπτά تَرْجَمَتَيْنِ مَعْرُوفَتَيْنِ: «: "سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ"، أَيْ أَرْبَعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ مَرَّةً، أَوْ "سَبْعًا وَسَبْعِينَ مَرَّةً". وَلَيْسَ هٰذَا نَاتِجًا مِنْ قِرَاءَتَيْنِ نَصِّيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، بَلْ مِنْ إِمْكَانَيْنِ لِفَهْمِ التَّرْكِيبِ اليُونَانِيِّ نَفْسِهِ. وَفِي كِلَا الحَالَتَيْنِ، يَبْقَى المَقْصُودُ وَاحِدًا" لَا تَضَعْ رَقْمًا نِهَائِيًّا لِلمَغْفِرَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ العِبَارَةِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ لَا "يَضَعُ رَقْمًا" هُنَا، بَلْ يُشِيرُ إِلَى مَا هُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَدَائِمٌ؛ أَيْ إِنَّ الغُفْرَانَ لَا يَخْضَعُ لِدَفْتَرِ حِسَابٍ تُسَجَّلُ فِيهِ المَرَّةُ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ حَتَّى نَصِلَ إِلَى حَدٍّ نَقُولُ بَعْدَهُ: "لَا غُفْرَانَ بَعْدَ اليَوْم". فَالمَسِيحُ، بِحَسَبِ الذَّهَبِيِّ الفَمِ، لَا يَحُدُّ المَغْفِرَةَ بِرَقْمٍ، بَلْ يَطْلُبُ اسْتِعْدَادًا دَائِمًا لَهَا (PG 58, 591–592). وَيَشْرَحُ القِدِّيسُ البَابَا يُوحَنَّا بُولُسُ الثَّانِي هٰذَا المَعْنَى فِي رِسَالَتِهِ العَامَّةِ "الغَنِيُّ بِالمَرَاحِمِ" (Dives in Misericordia)، العَدَد 14، إِذْ يُؤَكِّدُ أَنَّ العَدَدَ "سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" هُوَ عَدَدٌ رَمْزِيٌّ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى مَغْفِرَةِ الجَمِيعِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَيُضِيفُ أَنَّ هٰذَا المَطْلَبَ السَّخِيَّ لِلمَغْفِرَةِ لَا يُلْغِي مُتَطَلَّبَاتِ العَدَالَةِ، وَلَا يَعْنِي التَّسَاهُلَ مَعَ الشَّرِّ أَوِ الإِسَاءَةِ. وَهٰذَا مَا يَجْعَلُ قَوْلَ النَّبِيِّ إِشَعْيَاءَ مُنَاسِبًا لِفَهْمِ المَعْنَى: "لِيَرْجِعْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلٰهِنَا فَإِنَّهُ يُكْثِرُ العَفْوَ" (إِشَعْيَاء 55: 7). فَرَحْمَةُ اللهِ لَا تُقَاسُ بِمَنْطِقِ الحِسَابِ البَشَرِيِّ الضَّيِّقِ، وَمَنْ يَعِيشُ مِنْ هٰذِهِ الرَّحْمَةِ يَتَعَلَّمُ هُوَ أَيْضًا أَلَّا يَعُدَّ إِسَاءَاتِ أَخِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وَيَتَّضِحُ هٰذَا المَعْنَى أَكْثَرَ إِذَا قَارَنَّا جَوَابَ يَسُوعَ بِمَا وَرَدَ عَنْ لَامَكَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ: "إِنْ كَانَ يُنْتَقَمُ لِقَايِينَ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، فَلِلَامَكَ سَبْعَةً وَسَبْعِينَ" (تَكْوِين 4: 24). فَفِي نَشِيدِ لَامَكَ يَتَصَاعَدُ مَنْطِقُ الانْتِقَامِ وَالعُنْفِ، أَمَّا فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ فَيَنْقَلِبُ هٰذَا المَنْطِقُ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ: بَدَلَ أَنْ يَتَضَاعَفَ الانْتِقَامُ، يَجِبُ أَنْ تَتَضَاعَفَ المَغْفِرَةُ. فَلَامَكُ يُعْلِنُ تَصَاعُدَ العُنْفِ، أَمَّا المَسِيحُ فَيُعْلِنُ تَصَاعُدَ الرَّحْمَةِ. وَإِذَا كَانَ العُنْفُ يَلِدُ عُنْفًا، فَإِنَّ يَسُوعَ يَدْعُو تِلْمِيذَهُ إِلَى كَسْرِ هٰذِهِ الدَّائِرَةِ بِالمَغْفِرَةِ، عَمَلًا بِقَوْلِ بُولُسَ الرَّسُولِ: "لَا تَدَعِ الشَّرَّ يَغْلِبُكَ، بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالخَيْرِ" (رُومَة 12: 21). وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَنْبَغِي فَهْمُ قَوْلِ يَسُوعَ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا: "وَإِذَا خَطِئَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي اليَوْمِ، وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: أَنَا تَائِبٌ، فَاغْفِرْ لَهُ" (لُوقَا 17: 4). فَلُوقَا يُبْرِزُ هُنَا عِلَاقَةَ المَغْفِرَةِ بِالتَّوْبَةِ، أَمَّا مَتَّى فَيُرَكِّزُ عَلَى إِزَالَةِ الحَدِّ العَدَدِيِّ الَّذِي أَرَادَ بُطْرُسُ أَنْ يَضَعَهُ لِلمَغْفِرَةِ. وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَنَا إِنَّ المَغْفِرَةَ "بِلَا حُدُودٍ" لَا يَعْنِي إِلْغَاءَ التَّوْبَةِ، أَوِ العَدَالَةِ، أَوِ المُسَاءَلَةِ، أَوِ الحُدُودِ الضَّرُورِيَّةِ لِحِمَايَةِ الإِنْسَانِ مِنَ الإِسَاءَةِ. إِنَّمَا يَعْنِي أَنَّ القَلْبَ المَسِيحِيَّ لَا يَجْعَلُ الحِقْدَ وَالانْتِقَامَ آخِرَ كَلِمَةٍ فِي العَلَاقَةِ مَعَ الآخَرِ. وَإِذَا أَعْلَنَ المُخْطِئُ تَوْبَتَهُ، فَلَيْسَ مِنْ وَاجِبِ المَسِيحِيِّ أَنْ يَدَّعِيَ مَعْرِفَةَ مَا فِي قَلْبِهِ وَيَحْكُمَ مُسْبَقًا أَنَّهُ كَاذِبٌ؛ فَالحُكْمُ النِّهَائِيُّ عَلَى القُلُوبِ لِلَّهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَالتَّمْيِيزُ الرُّوحِيُّ وَالحِكْمَةُ يَبْقَيَانِ ضَرُورِيَّيْنِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِإِعَادَةِ الثِّقَةِ أَوْ بِمَنْعِ اسْتِمْرَارِ الإِسَاءَةِ. وَغُفْرَانُ المَسِيحِ لَا يَخْضَعُ لِحِسَابِ الأَرْقَامِ؛ فَهُوَ لَا يَعْجِزُ عَنْ غُفْرَانِ أَشَدِّ الخَطَايَا لِمَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِقَلْبٍ تَائِبٍ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الوَصِيَّةَ الَّتِي يَعْطِيهَا يَسُوعُ لِبُطْرُسَ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى قُوَّةِ الإِنْسَانِ وَحْدَهَا، بَلْ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي سَبَقَ أَنْ نَالَهَا. وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُنَا إِنَّ يَسُوعَ يَطْلُبُ أَمْرًا يَفُوقُ طَاقَةَ الإِنْسَانِ، إِذْ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَغْفِرَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؟ لٰكِنَّ الرَّبَّ الَّذِي يُعْطِي هٰذِهِ الوَصِيَّةَ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَسْبِقُنَا بِرَحْمَتِهِ وَيَمْنَحُنَا القُوَّةَ لِنَتَشَبَّهَ بِهِ. وَلِهٰذَا السَّبَبِ يُتْبِعُ يَسُوعُ جَوَابَهُ لِبُطْرُسَ مُبَاشَرَةً بِقَوْلِهِ: "لِذٰلِكَ مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ مَلِكٍ أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ خَدَمَهُ" (مَتَّى 18: 23). فَمَثَلُ الخَادِمِ الَّذِي لَا يَغْفِرُ هُوَ التَّفْسِيرُ العَمَلِيُّ لِعِبَارَةِ "سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" إِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَغْفِرَ لأَنَّنَا نَحْنُ أَوَّلًا نَعِيشُ مِنْ غُفْرَانٍ أَكْبَرَ بِمَا لَا يُقَاسُ. وَمِنْ هُنَا يَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي يَضَعُهُ يَسُوعُ أَمَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: مَا الَّذِي يُزْعِجُنَا أَوْ يُخِيفُنَا فِي وَصِيَّةِ المَغْفِرَةِ؟ أَهُوَ الخَوْفُ مِنْ ضَيَاعِ حَقِّنَا؟ أَمِ الخَوْفُ مِنْ أَنْ نَبْدُوَ ضُعَفَاءَ؟ أَمْ لأَنَّنَا لَمْ نُدْرِكْ بَعْدُ بِعُمْقٍ كَمْ هُوَ عَظِيمٌ الغُفْرَانُ الَّذِي نِلْنَاهُ مِنَ اللهِ؟ فَحَدُّ المَغْفِرَةِ فِي مَنْطِقِ المَسِيحِ هُوَ أَلَّا نَضَعَ لَهَا حَدًّا؛ وَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، يَتَعَلَّمُ أَنْ يَغْفِرَ.
23 "لِذٰلِكَ مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ مَلِكٍ أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ خَدَمَهُ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "لذلك"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Διὰ τοῦτο " لِهٰذَا السَّبَبِ، مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ"، إِلَى رَابِطٍ مَنْطِقِيٍّ وَثِيقٍ بَيْنَ المَثَلِ وَتَعْلِيمِ يَسُوعَ السَّابِقِ عَنِ المَغْفِرَةِ (مَتَّى 18: 21–22)، وَفِي الإِطَارِ الأَوْسَعِ مَعَ تَعْلِيمِهِ عَنِ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ وَالمُصَالَحَةِ (مَتَّى 18: 15–20). فَالمَثَلُ لَيْسَ مَوْضُوعًا جَدِيدًا مُنْفَصِلًا، بَلْ هُوَ التَّعْلِيلُ اللَّاهُوتِيُّ لِوَصِيَّةِ المَغْفِرَةِ غَيْرِ المَحْدُودَةِ الَّتِي أَعْلَنَهَا يَسُوعُ فِي قَوْلِهِ: "لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مَتَّى 18: 22).
أَمَّا عِبَارَةُ "مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ مَلِكٍ"، فَالنَّصُّ اليُونَانِيُّ يَقُولُ: ὡμοιώθη ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν ἀνθρώπῳ βασιλεῖ، وَمَعْنَاهَا حَرْفِيًّا: "شُبِّهَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ بِإِنْسَانٍ مَلِكٍ". وَالفِعْلُ ὁμοιόω يَعْنِي "يُشَبِّهُ، يَجْعَلُ شَيْئًا مِثْلَ شَيْءٍ"، وَهُوَ مِنَ الأَفْعَالِ المُمَيِّزَةِ لِأَمْثَالِ المَلَكُوتِ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (مَتَّى 13: 24؛ 22: 2؛ 25: 1).
وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ "مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ"، ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν، مَعْنًى أَسَاسِيًّا فِي لَاهُوتِ مَتَّى؛ فَالمَقْصُودُ لَيْسَ مَكَانًا جُغْرَافِيًّا فِي السَّمَاءِ بِقَدْرِ مَا هُوَ مُلْكُ اللهِ وَسِيَادَتُهُ وَعَمَلُهُ الخَلَاصِيُّ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَثَلُ يَكْشِفُ كَيْفَ تَعْمَلُ رَحْمَةُ اللهِ فِي مَلَكُوتِهِ، وَكَيْفَ يَنْبَغِي لِمَنْ قَبِلَ هٰذِهِ الرَّحْمَةَ أَنْ يَتَعَامَلَ مَعَ إِخْوَتِهِ. وَتَسْتَعْمِلُ الآيَةُ تَعْبِيرًا لَافِتًا هُوَ ἀνθρώπῳ βασιλεῖ، أَيْ "بِإِنْسَانٍ مَلِكٍ". وَهُوَ تَعْبِيرٌ مَتَّاوِيٌّ نَجِدُهُ أَيْضًا فِي مَثَلِ وَلِيمَةِ العُرْسِ (مَتَّى 22: 2). وَفِي المُسْتَوَى الرَّمْزِيِّ لِلمَثَلِ، يُمَثِّلُ المَلِكُ اللهَ الَّذِي يَطْلُبُ مِنَ الإِنْسَانِ حِسَابًا، ثُمَّ يَكْشِفُ عَنْ رَحْمَةٍ تَفُوقُ كُلَّ حِسَابٍ بَشَرِيٍّ. وَيَقْرَأُ العَلَّامَةُ أوريجانوس صُورَةَ "الإِنْسَانِ المَلِكِ" قِرَاءَةً مَسِيحَانِيَّةً، فَيَرَى فِيهَا إِشَارَةً إِلَى ابْنِ اللهِ الَّذِي اتَّخَذَ الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ وَصَارَ إِنْسَانًا، مَعَ بَقَائِهِ المَلِكَ وَالدَّيَّانَ. وَبِذٰلِكَ يَرْبِطُ أوريجانوس بَيْنَ سِرِّ التَّجَسُّدِ وَصُورَةِ المَلِكِ فِي المَثَلِ (PG 13, cols. 1197–1200).
أَمَّا عِبَارَةُ "أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ὃς ἠθέλησεν συνᾶραι λόγον تَعْبِيرٌ حِسَابِيٌّ وَإِدَارِيٌّ يَعْنِي "يُرَاجِعُ الحِسَابَ، يُسَوِّي الحِسَابَ، يَطْلُبُ كَشْفًا بِمَا فِي الذِّمَّةِ". وَسَيَعُودُ مَتَّى إِلَى التَّعْبِيرِ نَفْسِهِ فِي مَثَلِ الوَزَنَاتِ: "وَجَاءَ سَيِّدُ أُولٰئِكَ الخَدَمِ وَحَاسَبَهُمْ" συναίρει λόγον μετ’ αὐτῶν(مَتَّى 25: 19). وَلِهٰذَا فَلَا يَنْبَغِي حَصْرُ "المُحَاسَبَةِ" فِي مُجَرَّدِ تَعَامُلِ اللهِ مَعَ الإِنْسَانِ فِي الحَيَاةِ الحَاضِرَةِ، وَلَا فَصْلُهَا عَنِ البُعْدِ الأُخْرَوِيِّ. فَفِي سِيَاقِ لَاهُوتِ مَتَّى، تَحْمِلُ صُورَةُ السَّيِّدِ الَّذِي يَعُودُ لِيُحَاسِبَ عَبِيدَهُ بُعْدًا إِسْكَاتُولُوجِيًّا، أَيْ إِشَارَةً إِلَى مُسَاءَلَةِ الإِنْسَانِ أَمَامَ اللهِ وَالدَّيْنُونَةِ (مَتَّى 25: 19–30). وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ خِتَامُ المَثَلِ نَفْسُهُ: "هٰكَذَا يَفْعَلُ بِكُمْ أَبِي السَّمَاوِيُّ، إِنْ لَمْ يَغْفِرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لأَخِيهِ مِنْ قَلْبِهِ"» (مَتَّى 18: 35). غَيْرَ أَنَّ هٰذَا البُعْدَ الإِسْكَاتُولُوجِيَّ لَا يُلْغِي البُعْدَ الحَاضِرَ؛ فَالدَّيْنُونَةُ المُسْتَقْبَلِيَّةُ تَجْعَلُ زَمَنَ الحَاضِرِ زَمَنَ الرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ وَالمُصَالَحَةِ. فَالآنَ يُدْعَى الإِنْسَانُ إِلَى أَنْ يَغْفِرَ، وَأَنْ يُصَالِحَ، وَأَنْ يَعْكِسَ فِي عَلَاقَتِهِ بِأَخِيهِ الرَّحْمَةَ الَّتِي نَالَهَا مِنَ اللهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "خَدَمَهُ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ τῶν δούλων αὐτοῦ ، وَمُفْرَدُهَا δοῦλος ، وَمَعْنَاهَا الأَسَاسِيُّ "عَبْدٌ" أَوْ "مَمْلُوكٌ"، وَتُتَرْجَمُ أَيْضًا، بِحَسَبِ السِّيَاقِ، "خَادِمًا". وَلَا يَنْبَغِي إِلْغَاءُ مَعْنَى العُبُودِيَّةِ مِنَ اللَّفْظِ اليُونَانِيِّ؛ إِلَّا أَنَّ δοῦλος فِي العَالَمِ القَدِيمِ لَمْ يَكُنْ يَدُلُّ دَائِمًا عَلَى عَامِلٍ يَدَوِيٍّ وَضِيعِ المَكَانَةِ، بَلْ كَانَ بَعْضُ عَبِيدِ البَلَاطِ وَخَدَمِ المَلِكِ يُكَلَّفُونَ بِمَهَامَّ إِدَارِيَّةٍ وَمَالِيَّةٍ كَبِيرَةٍ. وَيُرَجِّحُ حَجْمُ الدَّيْنِ الهَائِلِ الَّذِي سَيَظْهَرُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ ــ "عَشَرَةَ آلَافِ وَزْنَةٍ" (مَتَّى 18: 24) ــ أَنَّ الخَادِمَ فِي الصُّورَةِ القَصَصِيَّةِ لَيْسَ عَبْدًا عَادِيًّا، بَلْ شَخْصٌ يَتَوَلَّى مَسْؤُولِيَّةً مَالِيَّةً كَبِيرَةً فِي خِدْمَةِ المَلِكِ؛ كَوَكِيلٍ أَوْ مُدَبِّرٍ أَوْ مُسْؤُولٍ عَنْ أَمْوَالٍ وَإِيرَادَاتٍ ضَخْمَةٍ. وَعَلَى المُسْتَوَى اللَّاهُوتِيِّ، تَكْشِفُ هٰذِهِ الصُّورَةُ عَنْ حَقِيقَةِ الإِنْسَانِ أَمَامَ اللهِ: فَهُوَ مَدِينٌ لِلرَّحْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ، وَعَاجِزٌ عَنْ أَنْ يُوَفِّيَ بِذَاتِهِ كُلَّ مَا عَلَيْهِ. وَلٰكِنَّ اللهَ لَا يَكْشِفُ حِسَابَ الإِنْسَانِ لِيَقُودَهُ إِلَى اليَأْسِ، بَلْ لِيَكْشِفَ لَهُ عِظَمَ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَمْنَحُهَا مَجَّانًا. وَسَيَبْلُغُ هٰذَا المَعْنَى ذِرْوَتَهُ عِنْدَمَا يَقُولُ الإِنْجِيلُ عَنِ المَلِكِ: "فَأَشْفَقَ سَيِّدُ ذٰلِكَ الخَادِمِ، فَأَطْلَقَهُ وَأَعْفَاهُ مِنَ الدَّيْنِ" (مَتَّى 18: 27). وَمِنْ هُنَا، فَالمَثَلُ لَا يَبْدَأُ أَسَاسًا بِمَا يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ، بَلْ بِمَا يَفْعَلُهُ اللهُ مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ: يَكْشِفُ دَيْنَهُ، وَيَسْمَعُ تَوَسُّلَهُ، وَيَتَحَنَّنُ عَلَيْهِ، وَيَمْنَحُهُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْصُلَ عَلَيْهِ بِقُوَّتِهِ، أَيْ الغُفْرَانَ المَجَّانِيَّ. وَمِنْ هٰذِهِ الخِبْرَةِ تَنْبَعُ مَسْؤُولِيَّةُ الإِنْسَانِ فِي أَنْ يَغْفِرَ لِأَخِيهِ.
24. "فَلَمَّا شَرَعَ فِي مُحَاسَبَتِهِمْ، أُتِيَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِ عَشَرَةُ آلَافِ وَزْنَةٍ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلَمَّا شَرَعَ فِي مُحَاسَبَتِهِمْ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἀρξαμένου δὲ αὐτοῦ συναίρειν ، إِلَى بَدْءِ المَلِكِ فِعْلِيًّا بِمُرَاجَعَةِ الحِسَابَاتِ مَعَ خَدَمِهِ. وَالفِعْلُ συναίρω يَعْنِي "يُسَوِّي الحِسَابَ، يُرَاجِعُهُ، يَجْمَعُ مَا عَلَى الإِنْسَانِ مِنْ دُيُونٍ"، وَهُوَ يُكَمِّلُ الصُّورَةَ القَضَائِيَّةَ وَالمَالِيَّةَ الَّتِي بَدَأَتْ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "أُتِيَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ"، فَفِي prosēnechthē heis autō)، وَالفِعْلُ προσφέρω يَعْنِي "يُقَدِّمُ، يُحْضِرُ، يَأْتِي بِـ". وَالصِّيغَةُ المَبْنِيَّةُ لِلْمَجْهُولِ تُظْهِرُ أَنَّ هٰذَا الخَادِمَ أُحْضِرَ أَمَامَ المَلِكِ لِيُقَدِّمَ حِسَابَهُ، فَهُوَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَتَجَنَّبَ المُسَاءَلَةَ.
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "عَلَيْهِ عَشَرَةُ آلَافِ وَزْنَةٍ" إِلَى الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ὀφειλέτης μυρίων ταλάντων، أَيْ: "مَدِينٌ بِعَشَرَةِ آلَافِ وَزْنَةٍ". وَكَلِمَةُ ὀφειλέτης تَعْنِي "مَدِينًا"، وَتَرْتَبِطُ بِالفِعْلِ ὀφείλω، أَيْ "يَدِينُ، يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ أو التزام". وَهٰذَا اللَّفْظُ يُقَرِّبُ المَثَلَ مِنْ لُغَةِ الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: "وَاغْفِرْ لَنَا دُيُونَنَا" (مَتَّى 6: 12)، حَيْثُ تُسْتَعْمَلُ صُورَةُ الدَّيْنِ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَطِيئَةِ وَمَسْؤُولِيَّةِ الإِنْسَانِ أَمَامَ اللهِ.
أَمَّا "الوَزْنَةُ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ τάλαντον، فَلَيْسَتْ قِطْعَةً نَقْدِيَّةً صَغِيرَةً، بَلْ هِيَ وَحْدَةُ وَزْنٍ وَقِيمَةٍ مَالِيَّةٍ كَبِيرَةٍ جِدًّا، وَتَخْتَلِفُ قِيمَتُهَا الدَّقِيقَةُ بِحَسَبِ النِّظَامِ المَالِيِّ وَالمَنْطِقَةِ. وَفِي البِيئَةِ الهِلِّينِيَّةِ–الرُّومَانِيَّةِ كَانَتِ الوَزْنَةُ تُقَدَّرُ عَادَةً بِعَشَرَاتِ الكِيلُوغْرَامَاتِ مِنَ المَعْدِنِ، وَتُمَثِّلُ ثَرْوَةً هَائِلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى دَخْلِ الإِنْسَانِ العَادِيِّ.
وَاللَّافِتُ أَكْثَرَ هُوَ اسْتِعْمَالُ العَدَدِ "عَشَرَةُ آلَافٍ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ μύρια وَالكَلِمَةُ μύριος لَا تَدُلُّ فَقَطْ عَلَى الرَّقْمِ الحِسَابِيِّ "عَشَرَةِ آلَافٍ"، بَلْ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ أَيْضًا لِلتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَدٍ لَا يُحْصَى أَوْ كَمِّيَّةٍ هَائِلَةٍ جِدًّا. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الجَمْعَ بَيْنَ μύρια وَτάλαντα يُكَوِّنُ صُورَةً مُتَعَمَّدَةً لِأَضْخَمِ دَيْنٍ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ: أَقْصَى عَدَدٍ مَعَ أَضْخَمِ وَحْدَةٍ مَالِيَّةٍ مَأْلُوفَةٍ. وَلِهٰذَا لَا يَهْدِفُ يَسُوعُ إِلَى إِعْطَاءِ حِسَابٍ مَالِيٍّ دَقِيقٍ، بَلْ إِلَى إِبْرَازِ الاسْتِحَالَةِ العَمَلِيَّةِ لِسَدَادِ الدَّيْنِ. فَالمَبْلَغُ لَيْسَ كَبِيرًا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ فِي مَنْطِقِ المَثَلِ دَيْنٌ يَفُوقُ قُدْرَةَ الإِنْسَانِ عَلَى الوَفَاءِ بِهِ طُولَ حَيَاتِهِ. وَبِذٰلِكَ يُعِدُّ يَسُوعُ السَّامِعَ لِفَهْمِ عَظَمَةِ الرَّحْمَةِ الَّتِي سَيُظْهِرُهَا المَلِكُ عِنْدَمَا يَعْفُو عَنِ الدَّيْنِ كُلِّهِ. وَيُمْكِنُ مُقَارَنَةُ ضَخَامَةِ هٰذَا الرَّقْمِ بِالأَرْقَامِ الوَارِدَةِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ عِنْدَ الحَدِيثِ عَنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ المُعَدَّيْنِ لِلهَيْكَلِ (1 أَخْبَار 29: 4–7)، لِيَتَّضِحَ أَنَّ عَشَرَةَ آلَافِ وَزْنَةٍ تُمَثِّلُ ثَرْوَةً مَلَكِيَّةً هَائِلَةً، لَا دَيْنًا شَخْصِيًّا عَادِيًّا. أَمَّا التَّفْسِيرُ الرَّمْزِيُّ الَّذِي يَرَى فِي العَدَدِ عَشَرَةٍ إِشَارَةً إِلَى الوَصَايَا العَشْرِ، وَفِي الأَلْفِ إِشَارَةً إِلَى الكَثْرَةِ أَوِ الامْتِدَادِ، فَهُوَ قِرَاءَةٌ رُوحِيَّةٌ وَآبَائِيَّةٌ مُمْكِنَةٌ، وَلٰكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى أَنَّهَا المَعْنَى الحَرْفِيُّ الأَوَّلُ لِلنَّصِّ. فَالمَعْنَى الأَسَاسِيُّ فِي السِّيَاقِ هُوَ ضَخَامَةُ الدَّيْنِ وَاسْتِحَالَةُ سَدَادِهِ، ثُمَّ يُمْكِنُ لِلقِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ أَنْ تَرَى فِيهِ صُورَةً لِضَخَامَةِ خَطَايَا الإِنْسَانِ أَمَامَ اللهِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمُ ضَخَامَةَ الدَّيْنِ عَلَى أَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِإِظْهَارِ عِظَمِ مَرَاحِمِ السَّيِّدِ؛ فَكُلَّمَا ظَهَرَ الدَّيْنُ أَكْبَرَ، ظَهَرَ العَفْوُ أَعْظَمَ، وَازْدَادَ قُبْحُ رَفْضِ العَبْدِ أَنْ يَرْحَمَ رَفِيقَهُ فِي مَا بَعْدُ. فَالمَثَلُ يَقِيسُ صِغَرَ دَيْنِ الأَخِ إِلَيْنَا بِإِزَاءِ ضَخَامَةِ مَا غَفَرَهُ اللهُ لَنَا (PG 58, cols. 592–593). وَيَرَى العَلَّامَةُ أوريجانوس فِي هٰذَا الدَّيْنِ الهَائِلِ صُورَةً لِمَا يَكُونُ عَلَى الإِنْسَانِ أَمَامَ اللهِ مِنْ دَيْنٍ رُوحِيٍّ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُوَفِّيَهُ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ؛ وَمِنْ ثَمَّ يَصِيرُ العَفْوُ عَنْهُ إِعْلَانًا عَنْ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي تَسْبِقُ كُلَّ اسْتِحْقَاقٍ بَشَرِيٍّ (PG 13, cols. 1200–1204). وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ المَلِكُ فِي المَثَلِ صُورَةً لِلدَّيَّانِ وَالرَّحِيمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ: فَالإِنْسَانُ يَقِفُ أَمَامَهُ مَدِينًا بِدَيْنٍ لَا يَسْتَطِيعُ وَفَاءَهُ، وَاللهُ وَحْدَهُ يَمْلِكُ أَنْ يُبَادِرَ بِالعَفْوِ عَنْهُ. وَهٰذَا هُوَ وَضْعُ الإِنْسَانِ أَمَامَ نِعْمَةِ اللهِ؛ فَالخَلَاصُ لَا يَبْدَأُ مِنْ قُدْرَةِ الإِنْسَانِ عَلَى تَسْدِيدِ دَيْنِهِ، بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ المُبَادِرَةِ: "أَمَّا اللهُ فَقَدْ دَلَّ عَلَى مَحَبَّتِهِ لَنَا بِأَنَّ المَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِنَا إِذْ كُنَّا خَاطِئِينَ" (رُومَة 5: 8). وَهٰكَذَا تَضَعُ الآيَةُ أَمَامَنَا المُفَارَقَةَ الأَسَاسِيَّةَ فِي المَثَلِ: دَيْنٌ لَا يُمْكِنُ سَدَادُهُ، وَرَحْمَةٌ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُسْقِطَهُ كُلَّهُ. وَهٰذَا هُوَ الأَسَاسُ الَّذِي سَيَبْنِي عَلَيْهِ يَسُوعُ وَصِيَّةَ مَغْفِرَةِ الأَخِ: مَنْ نَالَ مِنَ اللهِ مَغْفِرَةً لَا تُقَاسُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ لِرَحْمَتِهِ تُجَاهَ أَخِيهِ حُدُودًا ضَيِّقَةً.
25. "وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنَهُ، فَأَمَرَ مَوْلَاهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلَادُهُ وَجَمِيعُ مَا يَمْلِكُ، لِيُؤَدَّى دَيْنُهُ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنَهُ" إِلَى الأَصْلِ اليُونَانِيِّ μὴ ἔχοντος δὲ αὐτοῦ ἀποδοῦναι، وَمَعْنَاهُ الحَرْفِيُّ: "وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ مَا يُوَفِّي بِهِ". وَالفِعْلُ ἀποδίδωμι يَعْنِي "يَرُدُّ، يُؤَدِّي، يُوَفِّي مَا عَلَيْهِ". وَتَكْشِفُ هٰذِهِ العِبَارَةُ عَنْ عَجْزٍ كَامِلٍ لَا عَنْ تَقْصِيرٍ عَابِرٍ؛ فَالخَادِمُ لَا يَمْلِكُ مَا يُمَكِّنُهُ مِنْ سَدَادِ الدَّيْنِ الهَائِلِ الَّذِي عَلَيْهِ. وَهٰذَا العَجْزُ هُوَ نُقْطَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ أَسَاسِيَّةٌ فِي المَثَلِ: فَالإِنْسَانُ، أَمَامَ دَيْنِ الخَطِيئَةِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَلَا أَنْ يُوَفِّيَ حَقَّ اللهِ بِمُجَرَّدِ أَعْمَالِهِ. إِنَّ الخَلَاصَ يَبْدَأُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَمُبَادَرَتِهِ، لَا مِنْ قُدْرَةِ الإِنْسَانِ عَلَى سَدَادِ مَا عَلَيْهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَأَمَرَ مَوْلَاهُ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἐκέλευσεν αὐτὸν ὁ κύριος، وَالفِعْلُ κελεύω يَعْنِي "يَأْمُرُ، يُصْدِرُ أَمْرًا". وَكَلِمَةُ κύριος تَعْنِي "السَّيِّدَ" أَوْ "المَوْلَى"، وَتُسْتَعْمَلُ فِي سِيَاقِ المَثَلِ لِلْمَلِكِ الَّذِي لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى خَدَمِهِ وَعَلَى مُحَاسَبَتِهِمْ.
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلَادُهُ وَجَمِيعُ مَا يَمْلِكُ" إِلَى الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: πραθῆναι καὶ τὴν γυναῖκα καὶ τὰ τέκνα καὶ πάντα ὅσα ἔχει وَالفِعْلُ πιπράσκω يَعْنِي "«يَبِيعُ"، وَهُنَا وَرَدَ فِي صِيغَةِ المَجْهُولِ πραθῆναι، أَيْ "أَنْ يُبَاعَ". وَتَعْكِسُ هٰذِهِ الصُّورَةُ وَاقِعًا اجْتِمَاعِيًّا وَقَانُونِيًّا مَعْرُوفًا فِي أَجْزَاءٍ مِنَ العَالَمِ القَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ العَجْزُ عَنْ سَدَادِ الدَّيْنِ قَدْ يَفْضِي إِلَى فَقْدَانِ الحُرِّيَّةِ أَوْ إِلَى بَيْعِ المُمْتَلَكَاتِ، وَفِي بَعْضِ البِيئَاتِ إِلَى اسْتِرْقَاقِ المَدِينِ وَأُسْرَتِهِ. وَيَعْرِفُ العَهْدُ القَدِيمُ أَيْضًا ظَاهِرَةَ بَيْعِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِسَبَبِ الفَقْرِ، مَعَ وُجُودِ تَشْرِيعَاتٍ تُقَيِّدُ هٰذِهِ المُمَارَسَةَ وَتَحْمِي العِبْرَانِيَّ مِنَ الاسْتِعْبَادِ الدَّائِمِ: "إِذَا افْتَقَرَ أَخُوكَ مَعَكَ فَبَاعَكَ نَفْسَهُ، فَلَا تَسْتَخْدِمْهُ خِدْمَةَ العَبِيدِ، بَلْ كَأَجِيرٍ وَنَزِيلٍ يَكُونُ مَعَكَ، إِلَى سَنَةِ اليُوبِيلِ يَخْدُمُ عِنْدَكَ» (أَحْبَار 25: 39–40؛ رَاجِعْ خُرُوج 21: 2). وَلٰكِنَّ الأَمْرَ بِبَيْعِ الزَّوْجَةِ وَالأَوْلَادِ فِي المَثَلِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ عَلَى أَنَّهُ تَشْرِيعٌ إِلٰهِيٌّ يُقَرِّهُ يَسُوعُ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الصُّورَةِ القَصَصِيَّةِ المُسْتَمَدَّةِ مِنْ أَعْرَافِ المَدِينِيَّةِ وَالعُبُودِيَّةِ فِي العَالَمِ القَدِيمِ، وَغَايَتُهُ إِبْرَازُ هَوْلِ الوَضْعِ الَّذِي بَلَغَهُ الخَادِمُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "لِيُؤَدَّى دَيْنُهُ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ καὶ ἀποδοθῆναι، وَهِيَ مِنَ الفِعْلِ نَفْسِهِ ἀποδίδωμι، أَيْ "لِيُوَفَّى" أَوْ "لِيُرَدَّ مَا عَلَيْهِ". وَمِنَ الوَاضِحِ أَنَّ ثَمَنَ بَيْعِ الخَادِمِ وَأُسْرَتِهِ وَمُمْتَلَكَاتِهِ لَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى سَدَادِ دَيْنٍ يَبْلُغُ عَشَرَةَ آلَافِ وَزْنَةٍ؛ وَهُنَا يَبْلُغُ المَثَلُ ذِرْوَةَ المُفَارَقَةِ: حَتَّى أَقْصَى مَا يَمْلِكُهُ الإِنْسَانُ لَا يَكْفِي لِوَفَاءِ دَيْنِهِ. وَبِهٰذَا يَكْشِفُ يَسُوعُ عَنْ عَجْزِ الإِنْسَانِ عَنْ فِدَاءِ نَفْسِهِ بِقُوَّتِهِ، وَهُوَ مَعْنًى يَتَنَاغَمُ مَعَ قَوْلِ المَزْمُورِ: "لَا يَفْتَدِي أَخٌ أَخَاهُ، وَلَا يُعْطِي اللهَ فِدَاهُ؛ فِدْيَةُ نُفُوسِهِمْ بَاهِظَةٌ" (مَزْمُور 49: 8–9). فَلَا مُمْتَلَكَاتُ الإِنْسَانِ، وَلَا قُدْرَاتُهُ، وَلَا مَا يَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَهُ، يَكْفِي لِمَحْوِ دَيْنِ الخَطِيئَةِ؛ إِنَّمَا يَأْتِي الفِدَاءُ مِنَ اللهِ نَفْسِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَوْقِفِ مُبَيِّنًا أَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَأْمُرْ بِالبَيْعِ لأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ أَنْ يُسَدَّدَ بِهِ الدَّيْنُ كُلُّهُ، بَلْ لِيَكْشِفَ لِلخَادِمِ عِظَمَ دَيْنِهِ وَعَجْزَهُ، فَيَدْفَعَهُ ذٰلِكَ إِلَى التَّضَرُّعِ وَطَلَبِ الرَّحْمَةِ. وَمِنْ ثَمَّ تَظْهَرُ الرَّحْمَةُ الآتِيَةُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ أَكْثَرَ عَظَمَةً (PG 58, 592–593). وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ التَّعْلِيمِ البُولُسِيِّ عَنِ الخَلَاصِ كَنِعْمَةٍ إِلٰهِيَّةٍ مُبَادِرَةٍ: "أَمَّا اللهُ فَقَدْ دَلَّ عَلَى مَحَبَّتِهِ لَنَا بِأَنَّ المَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِنَا إِذْ كُنَّا خَاطِئِينَ" (رُومَة 5: 8). فَالإِنْسَانُ لَا يَخْرُجُ مِنْ دَيْنِهِ لأَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يُوَفِّيَهُ، بَلْ لأَنَّ اللهَ بَادَرَ بِالفِدَاءِ وَالرَّحْمَةِ. وَمِنْ هُنَا تَكْشِفُ الآيَةُ عَنْ حَقِيقَتَيْنِ مُتَلَازِمَتَيْنِ: عَجْزِ الإِنْسَانِ عَنِ الوَفَاءِ بِدَيْنِهِ، وَضَرُورَةِ الرَّحْمَةِ الَّتِي تَأْتِي مِنَ السَّيِّدِ. وَهٰذَا يُمَهِّدُ مُبَاشَرَةً لِلآيَةِ التَّالِيَةِ، حَيْثُ لَنْ يَطْلُبَ الخَادِمُ مِنْ سَيِّدِهِ إِلَّا المُهْلَةَ، بَيْنَمَا سَيَمْنَحُهُ السَّيِّدُ مَا هُوَ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ" إِسْقَاطَ الدَّيْنِ كُلِّهِ.
26. "فَجَثَا لَهُ الخَادِمُ سَاجِدًا وَقَالَ: أَمْهِلْنِي أُؤَدِّ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَجَثَا لَهُ الخَادِمُ سَاجِدًا"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ πεσὼν οὖν ὁ δοῦλος προσεκύνει αὐτῷ، إِلَى حَرَكَةِ تَذَلُّلٍ وَتَضَرُّعٍ شَدِيدَيْنِ أَمَامَ المَلِكِ. فَالفِعْلُ πίπτω يَعْنِي "يَسْقُطُ" أَوْ "يَخِرُّ"، أَمَّا الفِعْلُ προσκυνέω فَيَعْنِي "يَسْجُدُ، يَنْحَنِي تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا"، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي السِّيَاقِ البَشَرِيِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّكْرِيمِ وَالخُضُوعِ أَمَامَ شَخْصٍ ذِي سُلْطَانٍ، كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي سِيَاقَاتٍ أُخْرَى لِلسُّجُودِ الدِّينِيِّ. وَفِي هٰذَا المَثَلِ، يَحْمِلُ سُجُودُ الخَادِمِ مَعْنَى الاسْتِرْحَامِ وَالاعْتِرَافِ الضِّمْنِيِّ بِسُلْطَانِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ. فَهُوَ، بَعْدَ أَنْ وَاجَهَ حَقِيقَةَ دَيْنِهِ وَالعَجْزَ عَنْ سَدَادِهِ، لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ إِلَّا أَنْ يَلْتَمِسَ الرَّحْمَةَ.
أَمَّا عِبَارَةُ "أَمْهِلْنِي"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ μακροθύμησον ἐπ’ ἐμοί، وَالفِعْلُ μακροθυμέω يَعْنِي "يَصْبِرُ، يَتَأَنَّى، يُطِيلُ أَنَاتَهُ، يُمْهِلُ". وَهُوَ فِعْلٌ غَنِيٌّ لَاهُوتِيًّا، لِأَنَّ الجِذْرَ μακροθυμία يُسْتَعْمَلُ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ أَنَاةِ اللهِ وَطُولِ رُوحِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى الخَاطِئِ. وَبِذٰلِكَ لَا يَطْلُبُ الخَادِمُ فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ إِسْقَاطَ الدَّيْنِ، بَلْ يَطْلُبُ مُهْلَةً فَحَسْبُ. وَهُنَا تَظْهَرُ مُفَارَقَةٌ دَقِيقَةٌ فِي المَثَلِ: الخَادِمُ يَطْلُبُ أَقَلَّ مِمَّا سَيَمْنَحُهُ السَّيِّدُ؛ فَهُوَ يَطْلُبُ زَمَنًا أَطْوَلَ لِلسَّدَادِ، بَيْنَمَا سَيَمْنَحُهُ السَّيِّدُ إِعْفَاءً كَامِلًا مِنَ الدَّيْنِ.
أَمَّا قَوْلُهُ "أُؤَدِّ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ καὶ πάντα ἀποδώσω σοι، وَالفِعْلُ ἀποδίδωμι يَعْنِي "يَرُدُّ، يُؤَدِّي، يُوَفِّي". وَتَكْشِفُ هٰذِهِ العِبَارَةُ عَنْ تَنَاقُضٍ بَيْنَ وَعْدِ الخَادِمِ وَوَاقِعِهِ؛ فَقَدْ سَبَقَ أَنْ أَكَّدَ النَّصُّ أَنَّهُ "لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنَهُ" (مَتَّى 18: 25)، وَمَعَ ذٰلِكَ يَعِدُ الآنَ بِأَنْ يُؤَدِّيَ "كُلَّ شَيْءٍ". وَلِذٰلِكَ فَلَا يَنْبَغِي فَهْمُ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّهُ تَقْيِيمٌ وَاقِعِيٌّ لِقُدْرَتِهِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ صَرْخَةُ إِنْسَانٍ مَذْعُورٍ يَتَعَلَّقُ بِأَيِّ رَجَاءٍ لِتَأْجِيلِ الحُكْمِ. فَحَجْمُ الدَّيْنِ السَّابِقُ — "عَشَرَةُ آلَافِ وَزْنَةٍ" — يَجْعَلُ وَعْدَهُ بِالسَّدَادِ الكَامِلِ غَيْرَ قَابِلٍ لِلتَّحَقُّقِ عَمَلِيًّا. وَيَكْشِفُ هٰذَا المَوْقِفُ لَاهُوتِيًّا عَنْ مَيْلِ الإِنْسَانِ إِلَى أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ، بِجُهْدِهِ وَزَمَنِهِ وَأَعْمَالِهِ، أَنْ يُوَفِّيَ مَا عَلَيْهِ أَمَامَ اللهِ. غَيْرَ أَنَّ المَثَلَ يُعِدُّهُ لِاكْتِشَافِ أَنَّ الخَلَاصَ لَا يَأْتِي مِنْ قُدْرَةِ المَدِينِ عَلَى السَّدَادِ، بَلْ مِنْ رَحْمَةِ السَّيِّدِ عَلَى الإِعْفَاءِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَوْقِفِ مُبَيِّنًا أَنَّ الخَادِمَ لَمْ يَسْأَلْ إِسْقَاطَ الدَّيْنِ، بَلْ سَأَلَ المُهْلَةَ، غَيْرَ أَنَّ السَّيِّدَ فِي رَحْمَتِهِ أَعْطَاهُ أَكْثَرَ مِمَّا طَلَبَ، إِذْ أَعْفَاهُ مِنَ الدَّيْنِ كُلِّهِ. وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ عَطِيَّةَ السَّيِّدِ فَاقَتْ طَلَبَ العَبْدِ وَتَوَقُّعَهُ (PG 58, 592–593). وَهٰكَذَا تَتَحَوَّلُ هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى مَدْخَلٍ لِفَهْمِ نِعْمَةِ اللهِ: فَالإِنْسَانُ يَطْلُبُ الإِمْهَالَ، أَمَّا اللهُ فَيَمْنَحُ الغُفْرَانَ؛ وَالإِنْسَانُ يَعِدُ بِالسَّدَادِ، أَمَّا اللهُ فَيَكْشِفُ أَنَّ الخَلَاصَ لَيْسَ ثَمَنًا يُدْفَعُ، بَلْ رَحْمَةً تُوهَبُ.
27. "فَأَشْفَقَ مَوْلَى ذٰلِكَ الخَادِمِ، وَأَطْلَقَهُ وَأَعْفَاهُ مِنَ الدَّيْنِ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَشْفَقَ مَوْلَى ذٰلِكَ الخَادِمِ" إِلَى الأَصْلِ اليُونَانِيِّ σπλαγχνισθεὶς δὲ ὁ κύριος τοῦ δούλου ἐκείνου، وَتَحْمِلُ إِحْدَى أَعْمَقِ الكَلِمَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ فِي هٰذَا المَثَلِ، وَهِيَ σπλαγχνισθείς، مِنَ الفِعْلِ σπλαγχνίζομαι، أَيْ "يَتَحَنَّنُ، يُشْفِقُ، تَتَحَرَّكُ أَحْشَاؤُهُ رَحْمَةً". وَتَرْجِعُ هٰذِهِ الدَّلَالَةُ إِلَى كَلِمَةِ σπλάγχνα ، الَّتِي تَعْنِي فِي أَصْلِهَا "الأَحْشَاءَ"، وَكَانَتْ تُعَدُّ مَقَرًّا لِلعَوَاطِفِ العَمِيقَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى شُعُورٍ عَابِرٍ بِالشَّفَقَةِ، بَلْ عَلَى رَحْمَةٍ تَنْبَعُ مِنْ أَعْمَاقِ الكِيَانِ وَتَتَحَوَّلُ إِلَى فِعْلٍ خَلَاصِيٍّ مَلْمُوسٍ. وَهٰذَا الفِعْلُ نَفْسُهُ يَحْتَلُّ مَكَانَةً مُهِمَّةً فِي الأَنَاجِيلِ، إِذْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ تَحَنُّنِ يَسُوعَ عَلَى الجُمُوعِ: "فَلَمَّا رَأَى الجُمُوعَ أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ" (مَتَّى 9: 36؛ 14: 14؛ 15: 32؛ 20: 34). وَبِذٰلِكَ يَجْعَلُ مَتَّى الرَّحْمَةَ المُتَحَرِّكَةَ نَحْوَ الإِنْسَانِ مِنْ سِمَاتِ عَمَلِ اللهِ الَّذِي يَتَجَلَّى فِي يَسُوعَ المَسِيحِ. وَالمُهِمُّ أَنَّ رَحْمَةَ المَلِكِ لَمْ تَبْقَ شُعُورًا دَاخِلِيًّا، بَلْ تَحَوَّلَتْ فَوْرًا إِلَى فِعْلَيْنِ حَاسِمَيْنِ: "أَطْلَقَهُ" وَ"أَعْفَاهُ مِنَ الدَّيْنِ". فَالرَّحْمَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَيْسَتْ عَاطِفَةً مُجَرَّدَةً، بَلْ قُوَّةٌ تُحَرِّرُ الإِنْسَانَ وَتَرْفَعُ عَنْهُ عِبْءَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَطْلَقَهُ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἀπέλυσεν αὐτόν ، مِنَ الفِعْلِ ἀπολύω ، أَيْ "يُطْلِقُ، يُخَلِّي سَبِيلَهُ، يَتْرُكُهُ يَذْهَبُ حُرًّا". وَتَكْتَسِبُ هٰذِهِ الكَلِمَةُ أَهَمِّيَّتَهَا مِنَ الآيَةِ السَّابِقَةِ، حَيْثُ كَانَ الخَادِمُ مُهَدَّدًا بِالبَيْعِ هُوَ وَأُسْرَتُهُ وَمُمْتَلَكَاتُهُ (مَتَّى 18: 25). أَمَّا الآنَ، فَإِنَّ رَحْمَةَ السَّيِّدِ تُبْطِلُ هٰذَا المَصِيرَ وَتُعِيدُ إِلَى الخَادِمِ حُرِّيَّتَهُ.
تَبْلُغُ المُفَارَقَةُ ذِرْوَتَهَا فِي عِبَارَةِ "وَأَعْفَاهُ مِنَ الدَّيْنِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ καὶ τὸ δάνειον ἀφῆκεν αὐτῷ ، أَيْ حَرْفِيًّا: "وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ/أَسْقَطَ عَنْهُ الدَّيْنَ". وَكَلِمَةُ δάνειον تَعْنِي "الدَّيْنَ" أَوْ "القَرْضَ"، أَمَّا الفِعْلُ ἀφίημι فَيَعْنِي "يَتْرُكُ، يُطْلِقُ، يُعْفِي، يَغْفِرُ". وَهُنَا تَظْهَرُ رَابِطَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَلَاهُوتِيَّةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا مَعَ سُؤَالِ بُطْرُسَ فِي بِدَايَةِ النَّصِّ: "كَمْ مَرَّةً يَخْطَأُ إِلَيَّ أَخِي وَأَغْفِرَ لَهُ؟" (ἀφήσω αὐτῷ؛ مَتَّى 18: 21). فَالفِعْلُ اليُونَانِيُّ نَفْسُهُ ἀφίημι يُسْتَعْمَلُ لِمَغْفِرَةِ الأَخِ وَلِإِسْقَاطِ دَيْنِ الخَادِمِ. وَبِذٰلِكَ يَبْنِي يَسُوعُ رَابِطَةً مُبَاشِرَةً بَيْنَ مَغْفِرَةِ اللهِ لِلإِنْسَانِ وَمَغْفِرَةِ الإِنْسَانِ لأَخِيهِ. وَيَتَّضِحُ سَخَاءُ السَّيِّدِ عِنْدَ مُقَارَنَةِ طَلَبِ الخَادِمِ بِمَا نَالَهُ. فَقَدْ طَلَبَ الخَادِمُ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ شَيْئًا وَاحِدًا: "أَمْهِلْنِي" μακροθύμησον ἐπ’ ἐμοί؛ مَتَّى 18: 26)، وَوَعَدَ قَائِلًا: "ُأؤَدِّي لَكَ كُلَّ شَيْءٍ". أَمَّا السَّيِّدُ فَلَمْ يَمْنَحْهُ مُجَرَّدَ مُهْلَةٍ، بَلْ أَعْطَاهُ أَكْثَرَ مِمَّا طَلَبَ: أَطْلَقَهُ وَأَسْقَطَ عَنْهُ الدَّيْنَ كُلَّهُ. وَهُنَا يَكْمُنُ قَلْبُ المَثَلِ: الخَادِمُ طَلَبَ تَأْجِيلَ الدَّيْنِ، وَالسَّيِّدُ مَحَا الدَّيْنَ؛ الخَادِمُ طَلَبَ زَمَنًا، وَالسَّيِّدُ أَعْطَاهُ رَحْمَةً؛ الخَادِمُ وَعَدَ بِالسَّدَادِ، وَالسَّيِّدُ أَعْفَاهُ مِنَ السَّدَادِ. وَبِذٰلِكَ تَتَجَاوَزُ الهِبَةُ الإِلٰهِيَّةُ كُلَّ مَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَطْلُبَهُ أَوْ يَتَوَقَّعَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ مُبَيِّنًا أَنَّ العَبْدَ طَلَبَ مِنْ سَيِّدِهِ المُهْلَةَ، أَمَّا السَّيِّدُ فَأَعْطَاهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ: المَغْفِرَةَ الكَامِلَةَ لِلدَّيْنِ. وَفِي ذٰلِكَ يَظْهَرُ فَيْضُ رَحْمَةِ السَّيِّدِ، الَّذِي لَا يَقِيسُ عَطِيَّتَهُ بِحُدُودِ طَلَبِ العَبْدِ (PG 58, 592–593). وَفِي قِرَاءَةِ المَثَلِ لَاهُوتِيًّا، يَصِيرُ المَلِكُ صُورَةً لِلهِ الرَّحِيمِ، وَالخَادِمُ المَدِينُ صُورَةً لِلإِنْسَانِ الخَاطِئِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ. وَالمُبَادَرَةُ كُلُّهَا تَأْتِي مِنَ السَّيِّدِ: هُوَ الَّذِي يَتَحَنَّنُ، وَهُوَ الَّذِي يُطْلِقُ، وَهُوَ الَّذِي يُسْقِطُ الدَّيْنَ. وَهٰذَا مَا يَجْعَلُ المَغْفِرَةَ، فِي جَوْهَرِهَا، نِعْمَةً مَجَّانِيَّةً قَبْلَ أَنْ تَكُونَ اسْتِحْقَاقًا بَشَرِيًّا. وَهٰذَا المَعْنَى يَنْسَجِمُ مَعَ إِعْلَانِ العَهْدِ الجَدِيدِ عَنْ حَالِ الإِنْسَانِ وَرَحْمَةِ اللهِ. فَالإِنْسَانُ يَخْتَبِرُ عَجْزَهُ وَيَصْرُخُ مَعَ بُولُسَ: "مَا أَشْقَانِي مِنْ إِنْسَانٍ! فَمَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ المَوْتِ هٰذَا؟" (رُومَة 7: 24)، وَيَجِدُ جَوَابَهُ فِي عَمَلِ اللهِ الخَلَاصِيِّ بِيَسُوعَ المَسِيحِ (رُومَة 7: 25). وَكَذٰلِكَ يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا: "إِذَا قُلْنَا: إِنَّنَا بِلَا خَطِيئَةٍ، ضَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ يَكُنِ الحَقُّ فِينَا. وَإِذَا اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا، فَإِنَّهُ أَمِينٌ بَارٌّ، يَغْفِرُ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1 يُوحَنَّا 1: 8–9). فَالاعْتِرَافُ بِالدَّيْنِ لَا يَقُودُ المُؤْمِنَ إِلَى اليَأْسِ، بَلْ يَفْتَحُهُ عَلَى قَبُولِ الرَّحْمَةِ. غَيْرَ أَنَّ المَغْفِرَةَ الَّتِي نَالَهَا الخَادِمُ لَيْسَتْ نِهَايَةَ المَثَلِ، بَلْ بَدَايَةُ مَسْؤُولِيَّتِهِ. فَكُلَّمَا كَانَتِ الهِبَةُ الَّتِي نَالَهَا أَعْظَمَ، كَانَتْ دَعْوَتُهُ إِلَى الرَّحْمَةِ أَكْبَرَ. وَهٰذَا مَا سَيُعَبِّرُ عَنْهُ السَّيِّدُ صَرَاحَةً: "أَفَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَرْحَمَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" (مَتَّى 18: 33). وَمِنْ هُنَا تَتَّضِحُ القَاعِدَةُ الرُّوحِيَّةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا المَثَلُ كُلُّهُ: مَنْ اخْتَبَرَ رَحْمَةَ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْتَكِرَهَا لِنَفْسِهِ؛ فَالمَغْفِرَةُ الَّتِي نَنَالُهَا مِنَ اللهِ تُصْبِحُ دَعْوَةً وَمِقْيَاسًا لِلمَغْفِرَةِ الَّتِي نَمْنَحُهَا لإِخْوَتِنَا.
28. "وَلَمَّا خَرَجَ ذٰلِكَ الخَادِمُ، لَقِيَ خَادِمًا مِنْ أَصْحَابِهِ مَدِينًا لَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ. فَأَخَذَ بِعُنُقِهِ يَخْنُقُهُ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: أَدِّ مَا عَلَيْكَ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَلَمَّا خَرَجَ ذٰلِكَ الخَادِمُ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἐξελθὼν δὲ ὁ δοῦλος ἐκεῖνος ، إِلَى انْتِقَالٍ سَرِيعٍ وَمَقْصُودٍ فِي سِيَاقِ المَثَلِ. فَالخَادِمُ يَخْرُجُ مِنْ حَضْرَةِ سَيِّدِهِ بَعْدَ أَنْ نَالَ رَحْمَةً لَا تُقَاسُ، وَلٰكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَطْرَحُهُ النَّصُّ ضِمْنِيًّا هُوَ: هَلْ خَرَجَ وَهُوَ إِنْسَانٌ جَدِيدٌ غَيَّرَتْهُ الرَّحْمَةُ الَّتِي نَالَهَا؟ وَيَكْشِفُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ خُرُوجِهِ أَنَّهُ نَالَ إِسْقَاطَ الدَّيْنِ، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ بَعْدُ لِخِبْرَةِ الرَّحْمَةِ أَنْ تَتَحَوَّلَ فِي دَاخِلِهِ إِلَى رَحْمَةٍ تُجَاهَ الآخَرِ. وَهُنَا يَبْدَأُ الجُزْءُ الثَّانِي مِنَ المَثَلِ، الَّذِي يَكْشِفُ الفَرْقَ بَيْنَ نَيْلِ المَغْفِرَةِ وَعَيْشِ المَغْفِرَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "لَقِيَ خَادِمًا مِنْ أَصْحَابِهِ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ εὗρεν ἕνα τῶν συνδούλων αὐτοῦ، وَتَسْتَعْمِلُ كَلِمَةً مُهِمَّةً هِيَ σύνδουλος، المُؤَلَّفَةَ مِنْ σύν "مَعَ" وَδοῦλος "خَادِم/عَبْد"، وَمَعْنَاهَا "الخَادِمُ الرَّفِيقُ" أَوْ "العَبْدُ مَعَهُ لِلسَّيِّدِ نَفْسِهِ". هٰذِهِ الكَلِمَةُ لَهَا دَلَالَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ فِي سِيَاقِ المَثَلِ؛ فَكِلَا الرَّجُلَيْنِ خَادِمَانِ لِسَيِّدٍ وَاحِدٍ. فَالأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ دَائِنًا لِلثَّانِي، فَهُوَ نَفْسُهُ مَدِينٌ أَمَامَ السَّيِّدِ. وَبِذٰلِكَ يُذَكِّرُ المَثَلُ الإِنْسَانَ بِأَنَّهُ، قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَخِيهِ كَمَدِينٍ لَهُ، عَلَيْهِ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ هُوَ أَيْضًا مَدِينٌ لِرَحْمَةِ اللهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "مَدِينًا لَهُ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ὃς ὤφειλεν αὐτῷ، مِنَ الفِعْلِ ὀφείλω ، أَيْ "يَدِينُ، يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ". وَالنَّصُّ لَا يُنْكِرُ حَقَّ الخَادِمِ الأَوَّلِ، وَلَا يَقُولُ إِنَّ دَيْنَ رَفِيقِهِ وَهْمِيٌّ أَوْ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. فَالدَّيْنُ حَقِيقِيٌّ، كَمَا أَنَّ الإِسَاءَةَ الَّتِي يُسِيءُ بِهَا الآخَرُونَ إِلَيْنَا قَدْ تَكُونُ حَقِيقِيَّةً وَمُؤْلِمَةً. إِنَّمَا تَكْمُنُ المُشْكِلَةُ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَعَامَلَ بِهَا مَعَ المَدِينِ بَعْدَ أَنْ نَالَ هُوَ نَفْسُهُ رَحْمَةً لَا حُدُودَ لَهَا.
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "مِائَةِ دِينَارٍ" إِلَى اليُونَانِيَّةِ ἑκατὸν δηνάρια وَالدِّينَارُ، δηνάριον، عُمْلَةٌ فِضِّيَّةٌ رُومَانِيَّةٌ، وَكَانَ الدِّينَارُ يُمَثِّلُ، فِي الصُّورَةِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا إِنْجِيلُ مَتَّى، أُجْرَةَ يَوْمِ عَمَلٍ لِعَامِلٍ زِرَاعِيٍّ؛ فَفِي مَثَلِ عُمَّالِ الكَرْمِ "اتَّفَقَ مَعَ العَمَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي اليَوْمِ" (مَتَّى 20: 1–2). وَبِذٰلِكَ تُمَثِّلُ مِائَةُ دِينَارٍ نَحْوَ أُجْرَةِ مِائَةِ يَوْمِ عَمَلٍ. وَمِنْ ثَمَّ، فَهِيَ لَيْسَتْ مَبْلَغًا تَافِهًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ دَيْنٌ حَقِيقِيٌّ وَمُعْتَبَرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَامِلٍ عَادِيٍّ. وَلٰكِنَّ المَغْزَى يَظْهَرُ عِنْدَ مُقَارَنَتِهَا بِالدَّيْنِ الَّذِي أُعْفِيَ مِنْهُ الخَادِمُ الأَوَّلُ: عَشَرَةُ آلَافِ وَزْنَةٍ (مَتَّى 18: 24). وَإِذَا أُخِذَتِ الوَزْنَةُ، فِي الحِسَابِ التَّقْرِيبِيِّ المَأْلُوفِ، بِمَا يُعَادِلُ نَحْوَ سِتَّةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَإِنَّ عَشَرَةَ آلَافِ وَزْنَةٍ تُعَادِلُ نَحْوَ سِتِّينَ مِلْيُونَ دِينَارٍ، فِي مُقَابِلِ مِائَةِ دِينَارٍ فَقَطْ. وَبِهٰذَا يَكُونُ الدَّيْنُ الأَوَّلُ أَكْبَرَ مِنَ الثَّانِي نَحْوَ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ مَرَّةٍ. وَالمَقْصُودُ مِنْ هٰذِهِ المُبَالَغَةِ القَصَصِيَّةِ لَيْسَ إِجْرَاءَ حِسَابٍ مَالِيٍّ دَقِيقٍ، بَلْ إِظْهَارُ الفَارِقِ الَّذِي لَا يُقَاسُ بَيْنَ مَا غَفَرَهُ السَّيِّدُ لِلخَادِمِ وَمَا رَفَضَ الخَادِمُ أَنْ يَغْفِرَهُ لِرَفِيقِهِ. وَهُنَا تَظْهَرُ دِقَّةُ التَّعْلِيمِ الإِنْجِيلِيِّ: فَيَسُوعُ لَا يَقُولُ إِنَّ مَا يَفْعَلُهُ الآخَرُونَ بِنَا لَا يُؤْلِمُ، وَلَا إِنَّ دَيْنَ الأَخِ لَا قِيمَةَ لَهُ؛ بَلْ يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَرَى مَا لَنَا عَلَى الآخَرِينَ فِي ضَوْءِ مَا غَفَرَهُ اللهُ لَنَا. فَالمَغْفِرَةُ لَا تُنْكِرُ الإِسَاءَةَ، بَلْ تَمْنَعُ الإِسَاءَةَ مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى سِلْسِلَةٍ لَا تَنْتَهِي مِنَ الحِقْدِ وَالانْتِقَامِ.
أَمَّا عِبَارَةُ «"فَأَخَذَ بِعُنُقِهِ يَخْنُقُهُ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ κρατήσας αὐτὸν ἔπνιγεν وَالفِعْلُ κρατέω يَعْنِي "يُمْسِكُ بِقُوَّةٍ، يَقْبِضُ عَلَى"، أَمَّا πνίγω فَيَعْنِي "يَخْنُقُ". وَالصُّورَةُ عَنِيفَةٌ وَمَقْصُودَةٌ: فَالرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَ لِلتَّوِّ مِنْ حَضْرَةِ سَيِّدٍ تَحَنَّنَ عَلَيْهِ σπλαγχνισθείς (مَتَّى 18: 27)، يُمْسِكُ الآنَ بِرَفِيقِهِ مِنْ عُنُقِهِ وَيَخْنُقُهُ. وَهُنَا يُقِيمُ مَتَّى مُقَابَلَةً دَرَامِيَّةً بَيْنَ يَدِ السَّيِّدِ الَّتِي تُطْلِقُ وَيَدِ الخَادِمِ الَّتِي تَخْنُق: السَّيِّدُ "أَطْلَقَهُ" ἀπέλυσεν (18: 27)، أَمَّا هُوَ فَـ"أَمْسَكَ" (κρατήσας؛ 18: 28) رَفِيقَهُ. السَّيِّدُ أَسْقَطَ عَنْهُ دَيْنًا لَا يُسَدَّدُ، أَمَّا هُوَ فَيُطَالِبُ رَفِيقَهُ بِدَيْنٍ مَحْدُودٍ بِالعُنْفِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "أَدِّ مَا عَلَيْكَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἀπόδος εἴ τι ὀφείλεις، أَيْ: "أَدِّ مَا أَنْتَ مَدِينٌ بِهِ". وَالفِعْلُ ἀπόδος هُوَ صِيغَةُ الأَمْرِ مِنْ ἀποδίδωμι، أَيْ "أَدِّ، أَوْفِ، رُدَّ". وَهُوَ الفِعْلُ نَفْسُهُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ الخَادِمُ أَمَامَ سَيِّدِهِ حِينَ قَالَ: "أُؤَدِّي لَكَ كُلَّ شَيْءٍ" (πάντα ἀποδώσω σοι؛ مَتَّى 18: 26). وَهُنَا تَظْهَرُ مُفَارَقَةٌ أُخْرَى: مَنْ كَانَ قَبْلَ لَحَظَاتٍ يَتَوَسَّلُ، أَصْبَحَ الآنَ يُهَدِّدُ؛ وَمَنْ طَلَبَ المُهْلَةَ لِنَفْسِهِ، رَفَضَ أَنْ يَمْنَحَهَا لِغَيْرِهِ؛ وَمَنْ نَالَ الرَّحْمَةَ، لَمْ يَصِرْ رَحِيمًا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ مُبَيِّنًا أَنَّ ذِكْرَى الرَّحْمَةِ الَّتِي نَالَهَا الخَادِمُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَجْعَلَهُ أَكْثَرَ رِفْقًا بِرَفِيقِهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِسَيِّدِهِ، تَصَرَّفَ بِقَسْوَةٍ تُظْهِرُ عِظَمَ التَّنَاقُضِ بَيْنَ مَا نَالَهُ وَمَا صَنَعَهُ (PG 58, cols. 593–594). وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُقَارِنُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ بَيْنَ الدَّيْنِ الكَبِيرِ الَّذِي يُغْفَرُ لِلإِنْسَانِ أَمَامَ اللهِ وَالدُّيُونِ الَّتِي تَنْشَأُ بَيْنَ البَشَرِ، وَيَرْبِطُ ذٰلِكَ بِطَلِبَةِ الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: "وَاغْفِرْ لَنَا دُيُونَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِمَدْيُونِينَا". فَمَنْ يَطْلُبُ غُفْرَانَ اللهِ، وَهُوَ يَرْفُضُ أَنْ يَغْفِرَ لِأَخِيهِ، يَجْعَلُ صَلَاتَهُ نَفْسَهَا شَاهِدَةً عَلَيْهِ (PL 38, cols. 514–519). وَمِنْ هُنَا يَنْسَجِمُ المَثَلُ مَعَ قَوْلِ المَسِيحِ: "وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ، لَا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ زَلَّاتِكُمْ" (مَتَّى 6: 15). وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ مَغْفِرَتَنَا لِلآخَرِينَ تَشْتَرِي مَغْفِرَةَ اللهِ، بَلْ إِنَّهَا تَكْشِفُ عَمَّا إِذَا كُنَّا قَدْ قَبِلْنَا حَقًّا رَحْمَةَ اللهِ وَسَمَحْنَا لَهَا بِأَنْ تُغَيِّرَ قُلُوبَنَا. وَبِذٰلِكَ لَا تَكْمُنُ خَطِيئَةُ الخَادِمِ فِي أَنَّ لَهُ حَقًّا مَالِيًّا عَلَى رَفِيقِهِ، بَلْ فِي أَنَّهُ فَصَلَ الحَقَّ عَنِ الرَّحْمَةِ، وَطَالَبَ بِحَقِّهِ بِقَسْوَةٍ بَعْدَ أَنْ عَاشَ هُوَ نَفْسُهُ مِنْ رَحْمَةِ سَيِّدِهِ. فَالخَادِمُ لَمْ يَتَعَلَّمْ أُسْلُوبَ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَسْمَحْ لِلامْتِنَانِ أَنْ يُغَيِّرَ قَلْبَهُ. وَهٰذَا الخَادِمُ يُصْبِحُ صُورَةً لِلإِنْسَانِ حِينَ يَطْلُبُ الرَّحْمَةَ لِنَفْسِهِ وَالعَدَالَةَ الصَّارِمَةَ لِغَيْرِهِ؛ يَتَذَكَّرُ مَا لَهُ عَلَى أَخِيهِ، وَيَنْسَى مَا غَفَرَهُ اللهُ لَهُ. أَمَّا الإِنْجِيلُ فَيَدْعُونَا إِلَى مَنْطِقٍ آخَرَ: أَنْ نَنْظُرَ إِلَى دَيْنِ أَخِينَا فِي ضَوْءِ الدَّيْنِ الَّذِي أَسْقَطَهُ اللهُ عَنَّا، وَأَنْ نَجْعَلَ الرَّحْمَةَ الَّتِي نِلْنَاهَا مِنَ اللهِ رَحْمَةً نَمْنَحُهَا لِلآخَرِينَ.
29 "فَجَثَا صَاحِبُهُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ فَيَقُولُ: أَمْهِلْنِي أُؤَدِّهِ لَكَ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَجَثَا صَاحِبُهُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ πεσὼν οὖν ὁ σύνδουλος αὐτοῦ παρεκάλει αὐτόν، إِلَى تَكْرَارٍ مُتَعَمَّدٍ لِلمَشْهَدِ السَّابِقِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ الخَادِمُ الأَوَّلُ أَمَامَ سَيِّدِهِ. فَالفِعْلُ πίπτω يَعْنِي "يَسْقُطُ، يَجْثُو"، أَمَّا παρακαλέω فَيَعْنِي "يَتَوَسَّلُ، يَلْتَمِسُ، يَرْجُو بِإِلْحَاحٍ". وَيَسْتَعْمِلُ مَتَّى هُنَا كَلِمَةَ σύνδουλος ، أَيْ "الخَادِمُ الرَّفِيقُ"، لِيُذَكِّرَ القَارِئَ بِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ يَقِفَانِ فِي الأَصْلِ تَحْتَ سُلْطَانِ سَيِّدٍ وَاحِدٍ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي المُفَارَقَةُ: مَنْ كَانَ قَبْلَ قَلِيلٍ مَدِينًا وَمُتَوَسِّلًا، أَصْبَحَ الآنَ دَائِنًا يُوَاجِهُ مُتَوَسِّلًا آخَرَ.
أَمَّا قَوْلُهُ "أَمْهِلْنِي أُؤَدِّهِ لَكَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ μακροθύμησον ἐπ’ ἐμοί, καὶ ἀποδώσω σοι ، وَهِيَ عِبَارَةٌ تُكَرِّرُ بِصُورَةٍ شِبْهِ حَرْفِيَّةٍ كَلَامَ الخَادِمِ الأَوَّلِ فِي الآيَةِ 26: "أَمْهِلْنِي أُؤَدِّ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ" (μακροθύμησον ἐπ’ ἐμοί, καὶ πάντα ἀποδώσω σοι). وَهٰذَا التَّكْرَارُ لَيْسَ عَرَضِيًّا، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ أَدَبِيَّةٌ لِكَشْفِ قَسْوَةِ الخَادِمِ الأَوَّلِ. فَالكَلِمَاتُ الَّتِي يَسْمَعُهَا الآنَ مِنْ رَفِيقِهِ هِيَ نَفْسُهَا، تَقْرِيبًا، الَّتِي نَطَقَ بِهَا هُوَ أَمَامَ سَيِّدِهِ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُوقِظَ فِيهِ ذِكْرَى ضِيقِهِ وَخَوْفِهِ وَعَجْزِهِ، وَأَنْ تُعِيدَ إِلَى ذَاكِرَتِهِ الرَّحْمَةَ العَظِيمَةَ الَّتِي نَالَهَا. وَتَكْمُنُ المُفَارَقَةُ أَيْضًا فِي أَنَّ وَعْدَ الخَادِمِ الثَّانِي بِالسَّدَادِ أَقْرَبُ إِلَى التَّحَقُّقِ مِنْ وَعْدِ الأَوَّلِ. فَدَيْنُهُ هُوَ مِائَةُ دِينَارٍ، وَهُوَ دَيْنٌ كَبِيرٌ نِسْبِيًّا وَلٰكِنَّهُ مَحْدُودٌ وَقَابِلٌ لِلسَّدَادِ مَعَ الزَّمَنِ. أَمَّا دَيْنُ الخَادِمِ الأَوَّلِ فَكَانَ عَشَرَةَ آلَافِ وَزْنَةٍ، أَيْ دَيْنًا مُسْتَحِيلَ الوَفَاءِ عَمَلِيًّا. وَبِذٰلِكَ يَكْشِفُ النَّصُّ أَنَّ الخَادِمَ الأَوَّلَ لَمْ يُخْفِقْ فِي إِظْهَارِ الرَّحْمَةِ فَقَطْ، بَلْ أَخْفَقَ أَيْضًا فِي فَهْمِ مَا حَدَثَ لَهُ هُوَ نَفْسُهُ. فَلَوْ كَانَ قَدْ أَدْرَكَ عَظَمَةَ المَغْفِرَةِ الَّتِي نَالَهَا، لَكَانَتْ ذِكْرَاهَا قَدْ حَوَّلَتْ مَوْقِفَهُ مِنَ القَسْوَةِ إِلَى الرَّحْمَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَوْضِعِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الخَادِمَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَذَكَّرَ مِنْ كَلِمَاتِ رَفِيقِهِ كَلِمَاتِهِ هُوَ أَمَامَ السَّيِّدِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ مَا نَالَهُ مِنْ رَحْمَةٍ، فَيَصِيرَ رَحِيمًا بِمَنْ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ (PG 58, 593–594). وَلَاهُوتِيًّا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ ذِكْرَى الرَّحْمَةِ هِيَ مَدْرَسَةُ الرَّحْمَةِ. فَمَنْ يَتَذَكَّرُ كَيْفَ غَفَرَ اللهُ لَهُ، وَكَيْفَ أَمْهَلَهُ وَرَحِمَهُ، يَصِيرُ أَقْدَرَ عَلَى أَنْ يَغْفِرَ لِغَيْرِهِ. أَمَّا مَنْ يَنْسَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَالَهَا، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ الآخَرِ مَا لَمْ يَطْلُبْهُ اللهُ مِنْهُ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ المُشْكِلَةَ الحَقِيقِيَّةَ فِي الخَادِمِ الأَوَّلِ لَيْسَتْ فَقْطْ أَنَّهُ لَمْ يَغْفِرْ، بَلْ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ لِلمَغْفِرَةِ الَّتِي نَالَهَا أَنْ تُغَيِّرَهُ. فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَضْرَةِ سَيِّدِهِ وَدَيْنُهُ مَمْحُوٌّ، وَلٰكِنَّ قَلْبَهُ بَقِيَ أَسِيرًا لِلقَسْوَةِ وَالأَنَانِيَّةِ. وَبِذٰلِكَ تُصْبِحُ هٰذِهِ الآيَةُ مِرْآةً لِلحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ: لَا يَكْفِي أَنْ نَطْلُبَ الرَّحْمَةَ مِنَ اللهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي نَنَالُهَا كَيْفَ نَرْحَمُ الآخَرِينَ. فَالمَغْفِرَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَبْقَى ذِكْرَى شَخْصِيَّةً، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى أُسْلُوبِ حَيَاةٍ.
30 "فَلَمْ يَرْضَ، بَلْ ذَهَبَ بِهِ وَأَلْقَاهُ فِي السِّجْنِ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ دَيْنَهُ» (مَتَّى 18: 30)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلَمْ يَرْضَ" إِلَى الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ὁ δὲ οὐκ ἤθελεν، وَمَعْنَاهَا الأَدَقُّ: "أَمَّا هُوَ فَلَمْ يُرِدْ". وَالفِعْلُ θέλω يَعْنِي "يُرِيدُ، يَشَاءُ". وَمِنْ هُنَا تَتَّضِحُ خُطُورَةُ مَوْقِفِ الخَادِمِ: فَالمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرْحَمَ رَفِيقَهُ، بَلْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ ذٰلِكَ. وَهٰذِهِ العِبَارَةُ القَصِيرَةُ تَكْشِفُ عَنْ جَوْهَرِ خَطِيئَتِهِ: إِنَّهُ رَفْضٌ إِرَادِيٌّ لِمَنْطِقِ الرَّحْمَةِ الَّذِي اخْتَبَرَهُ قَبْلَ قَلِيلٍ. فَقَدْ سَمِعَ رَفِيقَهُ يَقُولُ لَهُ نَفْسَ الكَلِمَاتِ الَّتِي قَالَهَا هُوَ لِسَيِّدِهِ: "أَمْهِلْنِي أُؤَدِّهِ لَكَ" (مَتَّى 18: 29؛ 18: 26)، وَمَعَ ذٰلِكَ أَغْلَقَ قَلْبَهُ أَمَامَ التَّوَسُّلِ. وَيَبْرُزُ هُنَا تَنَاقُضٌ دَرَامِيٌّ بَيْنَ إِرَادَةِ السَّيِّدِ وَإِرَادَةِ الخَادِمِ: فَالسَّيِّدُ، حِينَ رَأَى عَجْزَ خَادِمِهِ، "أَشْفَقَ" عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ وَأَعْفَاهُ مِنَ الدَّيْنِ (مَتَّى 18: 27)؛ أَمَّا الخَادِمُ، فَحِينَ وَجَدَ رَفِيقَهُ فِي المَوْقِفِ نَفْسِهِ، "لَمْ يُرِدْ" أَنْ يُمْهِلَهُ. وَبِذٰلِكَ فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ نَقْصَ المَعْرِفَةِ بِالرَّحْمَةِ، بَلْ رَفْضَ تَحْوِيلِ الرَّحْمَةِ الَّتِي نَالَهَا إِلَى سُلُوكٍ نَحْوَ الآخَرِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "بَلْ ذَهَبَ بِهِ وَأَلْقَاهُ فِي السِّجْنِ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἀλλὰ ἀπελθὼν ἔβαλεν αὐτὸν εἰς φυλακήν ، أَيْ: "بَلْ مَضَى وَطَرَحَهُ فِي السِّجْنِ". وَالفِعْلُ βάλλω يَعْنِي "يُلْقِي، يَطْرَحُ"، أَمَّا φυλακή فَتَعْنِي "السِّجْنَ، الحَبْسَ، مَكَانَ الحِرَاسَةِ". وَتَعْكِسُ هٰذِهِ الصُّورَةُ مُمَارَسَاتٍ مَعْرُوفَةً فِي بَعْضِ مُجْتَمَعَاتِ العَالَمِ القَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ المَدِينُ العَاجِزُ عَنْ سَدَادِ دَيْنِهِ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلْحَبْسِ أَوْ لِإِجْرَاءَاتٍ قَاسِيَةٍ حَتَّى يُسَوَّى دَيْنُهُ. وَكَانَ السَّدَادُ، فِي مِثْلِ هٰذِهِ الحَالَةِ، قَدْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ المَدِينُ خَارِجَ السِّجْنِ، أَوْ عَلَى مُسَاعَدَةِ أَقْرِبَائِهِ وَمَعَارِفِهِ. وَلٰكِنَّ المَثَلَ لَا يَهْدِفُ إِلَى شَرْحِ نِظَامِ السُّجُونِ وَالدُّيُونِ فِي العَالَمِ القَدِيمِ، بَلْ إِلَى إِبْرَازِ قَسْوَةِ الخَادِمِ وَتَنَاقُضِ سُلُوكِهِ مَعَ الرَّحْمَةِ الَّتِي نَالَهَا.
أَمَّا عِبَارَةُ "إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ دَيْنَهُ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἕως ἀποδῷ τὸ ὀφειλόμενον ، أَيْ: "إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مَا هُوَ مَدِينٌ بِهِ". وَالفِعْلُ ἀποδίδωμι يَعُودُ هُنَا مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ ظَهَرَ مِرَارًا فِي المَثَلِ فِي لُغَةِ السَّدَادِ وَالوَفَاءِ. وَتُبْرِزُ هٰذِهِ العِبَارَةُ قَسْوَةَ المَوْقِفِ أَكْثَرَ؛ فَالخَادِمُ الأَوَّلُ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ الهَائِلِ وَنَالَ مَعَ ذٰلِكَ إِعْفَاءً كَامِلًا، يَفْرِضُ الآنَ عَلَى رَفِيقِهِ شَرْطًا صَارِمًا: لَا حُرِّيَّةَ حَتَّى السَّدَادِ. وَهُنَا يَبْنِي المَثَلُ سِلْسِلَةً مِنَ المُقَابَلَاتِ القَوِيَّةِ: مَنْ طَلَبَ المُهْلَةَ، رَفَضَ أَنْ يُمْهِلَ؛ وَمَنْ نَالَ الإِعْفَاءَ، أَبَى أَنْ يَعْفُوَ؛ وَمَنْ أُطْلِقَ حُرًّا، أَلْقَى رَفِيقَهُ فِي السِّجْنِ؛ وَمَنْ نَالَ الرَّحْمَةَ، رَفَضَ أَنْ يَصِيرَ رَحِيمًا. وَبِهٰذَا تَتَّضِحُ خَطِيئَةُ الخَادِمِ فِي عُمْقِهَا: فَهُوَ لَمْ يَنْسَ فَقَطْ مَا فَعَلَهُ سَيِّدُهُ مَعَهُ، بَلْ نَقَضَ فِي سُلُوكِهِ مَنْطِقَ المَغْفِرَةِ الَّذِي أَنْقَذَهُ. فَقَدْ عَاشَ مِنْ رَحْمَةِ سَيِّدِهِ، ثُمَّ عَامَلَ رَفِيقَهُ كَأَنَّ الرَّحْمَةَ لَمْ تَدْخُلْ حَيَاتَهُ قَطُّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا التَّنَاقُضِ مُبَيِّنًا أَنَّ قَسْوَةَ الخَادِمِ تَصِيرُ أَشَدَّ قُبْحًا حِينَ تُقَارَنُ بِالمَغْفِرَةِ الهَائِلَةِ الَّتِي نَالَهَا مِنْ سَيِّدِهِ؛ فَالدَّيْنُ الَّذِي طَالَبَ بِهِ رَفِيقَهُ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا إِذَا قِيسَ بِالدَّيْنِ الَّذِي أُسْقِطَ عَنْهُ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ تَلِنْ إِرَادَتُهُ وَلَمْ يَرْحَمْ (PG 58, cols. 593–594). وَيُمْكِنُ أَنْ تُقْرَأَ هٰذِهِ الآيَةُ عَلَى ضَوْءِ تَحْذِيرِ يَسُوعَ: "لَا تَدِينُوا لِئَلَّا تُدَانُوا، فَكَمَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَيُكَالُ لَكُمْ بِمَا تَكِيلُونَ" (مَتَّى 7: 1–2). فَمَنْ يَجْعَلُ القَسْوَةَ وَالدَّيْنُونَةَ المِقْيَاسَ الوَحِيدَ لِعَلَاقَتِهِ بِأَخِيهِ، يَغْفَلُ عَنْ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ يَعِيشُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. وَلٰكِنَّ هٰذَا لَا يَعْنِي أَنَّ المَسِيحِيَّ مَدْعُوٌّ إِلَى إِلْغَاءِ العَدَالَةِ، أَوْ إِنْكَارِ الإِسَاءَةِ، أَوْ تَرْكِ الظَّالِمِ يَسْتَمِرُّ فِي ظُلْمِهِ. فَالمَغْفِرَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَا تُلْغِي الحَقَّ وَالمَسْؤُولِيَّةَ، وَلٰكِنَّهَا تَرْفُضُ أَنْ يَتَحَوَّلَ الحَقُّ إِلَى انْتِقَامٍ وَقَسْوَةٍ وَإِذْلَالٍ لِلآخَرِ. وَأَمَّا القَوْلُ المَنْسُوبُ إِلَى إِسْحَقَ النَّجْمَةِ، الرَّاهِبِ السِّسْتِرْسِيَانِيِّ، فَمَعْنَاهُ الرُّوحِيُّ مُنَاسِبٌ لِهٰذَا السِّيَاقِ: إِنَّ مَنْ يَجْعَلُ العَدَاوَةَ وَالقَسْوَةَ قَاعِدَةَ تَعَامُلِهِ مَعَ أَخِيهِ يَخْضَعُ لِمَنْطِقٍ مُنَاقِضٍ لِمَنْطِقِ المَسِيحِ. وَمِنْ هُنَا تَكْشِفُ الآيَةُ حَقِيقَةً رُوحِيَّةً خَطِيرَةً: مَنْ لَا يَسْمَحُ لِلمَغْفِرَةِ الَّتِي نَالَهَا أَنْ تُغَيِّرَ قَلْبَهُ، يَبْقَى فِي الدَّاخِلِ أَسِيرًا، حَتَّى وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ قَدْ أُسْقِطَ. فَالخَادِمُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ سَيِّدِهِ حُرًّا، وَلٰكِنَّهُ أَظْهَرَ بِقَسْوَتِهِ أَنَّ قَلْبَهُ مَا زَالَ مَسْجُونًا فِي الأَنَانِيَّةِ وَالحِقْدِ. وَلِذٰلِكَ لَا تَدْعُونَا المَغْفِرَةُ المَسِيحِيَّةُ إِلَى أَنْ نَسْأَلَ فَقَطْ: "مَاذَا يَدِينُ لِي أَخِي؟"، بَلْ قَبْلَ ذٰلِكَ: "كَمْ غَفَرَ لِي اللهُ؟". فَذِكْرَى الرَّحْمَةِ الَّتِي نِلْنَاهَا هِيَ الَّتِي تَحْمِينَا مِنْ أَنْ نُحَوِّلَ العَدَالَةَ إِلَى انْتِقَامٍ، وَمِنْ أَنْ نَنْصِبَ لإِخْوَتِنَا سُجُونًا قَدْ نَجِدُ أَنْفُسَنَا أَسْرَى فِيهَا.
31. "وَشَهِدَ أَصْحَابُهُ مَا جَرَى فَاغْتَمُّوا كَثِيرًا، فَمَضَوْا وَأَخْبَرُوا مَوْلَاهُمْ بِكُلِّ مَا جَرَى"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَشَهِدَ أَصْحَابُهُ مَا جَرَى"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἰδόντες οὖν οἱ σύνδουλοι αὐτοῦ τὰ γενόμενα، إِلَى أَنَّ بَقِيَّةَ الخَدَمِ صَارُوا شُهُودًا عَلَى مَا فَعَلَهُ رَفِيقُهُمْ. وَتَعُودُ هُنَا كَلِمَةُ σύνδουλοι أَيْ "الخُدَّامُ الرُّفَقَاءُ"، لِتُؤَكِّدَ أَنَّ الجَمِيعَ يَنْتَمُونَ إِلَى السَّيِّدِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ مَا يَحْدُثُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَبْقَى شَأْنًا فَرْدِيًّا مَعْزُولًا. وَهٰذَا يَكْشِفُ بُعْدًا جَمَاعِيًّا مُهِمًّا فِي المَثَلِ: فَالقَسْوَةُ بَيْنَ الأَشْخَاصِ لَا تَبْقَى مَحْصُورَةً فِي العَلَاقَةِ بَيْنَ الدَّائِنِ وَالمَدِينِ، بَلْ تَجْرَحُ الجَمَاعَةَ كُلَّهَا. فَحِينَ يَغِيبُ الغُفْرَانُ وَتَسُودُ القَسْوَةُ، لَا يَتَأَلَّمُ المَظْلُومُ وَحْدَهُ، بَلْ يَتَأَثَّرُ جَسَدُ الجَمَاعَةِ كُلُّهُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَاغْتَمُّوا كَثِيرًا"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἐλυπήθησαν σφόδρα، وَالفِعْلُ λυπέω يَعْنِي "يُحْزِنُ، يُؤْلِمُ، يُسَبِّبُ أَسًى"، أَمَّا الظَّرْفُ σφόδρα فَيَعْنِي "جِدًّا، بِشِدَّةٍ". وَمِنْ ثَمَّ فَالتَّعْبِيرُ الحَرْفِيُّ: "فَحَزِنُوا حُزْنًا شَدِيدًا". وَاخْتِيَارُ الحُزْنِ هُنَا لَافِتٌ. فَالخَدَمُ لَا يُقَدَّمُونَ عَلَى أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ تَطْلُبُ الانْتِقَامَ، بَلْ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَأَلَّمُونَ لِرُؤْيَةِ الظُّلْمِ وَالقَسْوَةِ. وَهٰذَا الحُزْنُ يَحْمِلُ طَابَعًا أَخْلَاقِيًّا وَجَمَاعِيًّا: إِنَّهُ حُزْنُ مَنْ يَرَى أَنَّ رَحْمَةَ السَّيِّدِ لَمْ تَتَحَوَّلْ إِلَى رَحْمَةٍ بَيْنَ خَدَمِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي هٰذَا الحُزْنِ صَوْتَ الجَمَاعَةِ الَّذِي يَرْفُضُ تَطْبِيعَ القَسْوَةِ. فَالإِنْجِيلُ لَا يَدْعُو إِلَى السُّكُوتِ عَنِ الظُّلْمِ بِاسْمِ المَغْفِرَةِ، بَلْ يُظْهِرُ أَنَّ الجَمَاعَةَ المُؤْمِنَةَ تَتَأَلَّمُ لِمَا يُصِيبُ أَحَدَ أَعْضَائِهَا، وَتَحْمِلُ الأَمْرَ إِلَى السَّيِّدِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَمَضَوْا وَأَخْبَرُوا مَوْلَاهُمْ بِكُلِّ مَا جَرَى"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ καὶ ἐλθόντες διεσάφησαν τῷ κυρίῳ ἑαυτῶν πάντα τὰ γενόμενα ، وَالفِعْلُ διασαφέω يَعْنِي "يُبَيِّنُ، يُوضِّحُ، يُخْبِرُ بِالتَّفْصِيلِ". وَمِنْ ثَمَّ فَهُمْ لَا يَنْقُلُونَ إِشَاعَةً، بَلْ يَعْرِضُونَ أَمَامَ السَّيِّدِ مَا حَدَثَ بِوُضُوحٍ.
وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ "مَوْلَاهُمْ" دَلَالَةً مُهِمَّةً؛ فَالسَّيِّدُ الَّذِي غَفَرَ لِلخَادِمِ الأَوَّلِ هُوَ أَيْضًا سَيِّدُ الخَادِمِ المَظْلُومِ وَسَيِّدُ الجَمَاعَةِ كُلِّهَا. وَبِذٰلِكَ يَصِيرُ الظُّلْمُ بَيْنَ الإِخْوَةِ أَمْرًا يَمَسُّ سُلْطَانَ السَّيِّدِ وَنِظَامَ رَحْمَتِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ تُقْرَأَ هٰذِهِ الحَرَكَةُ لَاهُوتِيًّا عَلَى أَنَّهَا صُورَةٌ لِرَفْعِ أَنِينِ المَظْلُومِينَ إِلَى اللهِ. فَاللهُ لَا يَتَجَاهَلُ صَرْخَةَ المَكْرُوبِ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ مَا يَحْدُثُ فِي العَلَاقَاتِ البَشَرِيَّةِ. وَفِي هٰذَا المَعْنَى يَتَنَاغَمُ المَثَلُ مَعَ الشَّهَادَةِ الكِتَابِيَّةِ لِلَّهِ الَّذِي يَسْمَعُ صَرْخَةَ المَظْلُومِ وَيَرَى مَذَلَّةَ شَعْبِهِ (خُرُوج 3: 7). وَلٰكِنْ يَنْبَغِي أَلَّا نَفْهَمَ إِخْبَارَ السَّيِّدِ عَلَى أَنَّهُ وِشَايَةٌ أَوْ طَلَبُ انْتِقَامٍ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ رَفْعٌ لِلحَقِيقَةِ إِلَى مَنْ لَهُ سُلْطَانُ الحُكْمِ العَادِلِ. فَالخَدَمُ لَا يَأْخُذُونَ الحُكْمَ بِأَيْدِيهِمْ، بَلْ يَتْرُكُونَ السَّيِّدَ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ. وَهُنَا تَظْهَرُ نُقْطَةٌ رُوحِيَّةٌ دَقِيقَةٌ: المَغْفِرَةُ لَا تَعْنِي إِلْغَاءَ الحَقِيقَةِ، وَالرَّحْمَةُ لَا تَعْنِي السُّكُوتَ عَنِ الظُّلْمِ. فَيَسُوعُ الَّذِي دَعَا إِلَى مَغْفِرَةِ الأَخِ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي عَلَّمَ، فِي السِّيَاقِ السَّابِقِ، كَيْفَ تُوَاجِهُ الجَمَاعَةُ الخَطَأَ وَتَعْمَلُ عَلَى إِصْلَاحِ الأَخِ (مَتَّى 18: 15–20). وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الحُزْنَ الَّذِي يُظْهِرُهُ الخَدَمُ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى الحُزْنِ النَّابِعِ مِنَ المَحَبَّةِ وَالإِحْسَاسِ بِالجَمَاعَةِ مِنْهُ إِلَى الغَضَبِ الانْتِقَامِيِّ. فَهُمْ يَحْزَنُونَ لأَنَّ أَحَدَ إِخْوَتِهِمْ ظُلِمَ، وَلأَنَّ خَادِمًا آخَرَ أَفْسَدَ بِقَسْوَتِهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ امْتِدَادًا لِرَحْمَةِ السَّيِّدِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَوْقِفِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الخَدَمَ حَزِنُوا لِمَا رَأَوْهُ، وَهٰذَا الحُزْنُ يَكْشِفُ بَشَاعَةَ التَّصَرُّفِ الَّذِي صَدَرَ عَنِ الخَادِمِ القَاسِي، لأَنَّ مَنْ شَهِدُوا المَوْقِفَ أَدْرَكُوا التَّنَاقُضَ بَيْنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي نَالَهَا وَالقَسْوَةِ الَّتِي مَارَسَهَا (PG 58, cols. 593–594). وَيُمْكِنُ رَبْطُ هٰذَا المَشْهَدِ بِالمَبْدَإِ الَّذِي أَعْلَنَهُ يَسُوعُ: "بِالكَيْلِ الَّذِي تَكِيلُونَ بِهِ يُكَالُ لَكُمْ" (مَتَّى 7: 2). فَمَنْ يَطْلُبُ الرَّحْمَةَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَرْفُضُهَا عَنْ غَيْرِهِ يَضَعُ نَفْسَهُ فِي تَنَاقُضٍ مَعَ المِقْيَاسِ الَّذِي عَاشَ مِنْهُ. وَيَنْسَجِمُ مَعَ هٰذَا المَعْنَى التَّعْبِيرُ الرَّعَوِيُّ المَعْرُوفُ: حِينَ نَكُونُ نَحْنُ المَدِينِينَ نَرْجُو الرَّحْمَةَ، وَحِينَ يَكُونُ غَيْرُنَا مَدِينًا لَنَا نَمِيلُ إِلَى طَلَبِ العَدَالَةِ الصَّارِمَةِ. وَالمَثَلُ يَكْشِفُ خُطُورَةَ هٰذَا الازدِوَاجِ، لِأَنَّ مَنْ اخْتَبَرَ رَحْمَةَ اللهِ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَجْعَلَهَا مِقْيَاسًا لِعَلَاقَتِهِ بِالآخَرِينَ. وَبِذٰلِكَ تُعَلِّمُنَا الآيَةُ أَنَّ الجَمَاعَةَ المَسِيحِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تَفْرَحُ بِسُقُوطِ أَحَدٍ، وَلَا تَسْكُتُ عَنِ الظُّلْمِ، بَلْ تَحْزَنُ لِلانْقِسَامِ وَالقَسْوَةِ، وَتَحْمِلُ الحَقِيقَةَ أَمَامَ اللهِ، وَتَطْلُبُ أَنْ تَنْتَصِرَ الرَّحْمَةُ مِنْ دُونِ أَنْ تُلْغِيَ العَدَالَةَ.
32. "فَدَعَاهُ مَوْلَاهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الخَادِمُ الشِّرِّيرُ، ذَاكَ الدَّيْنُ كُلُّهُ أَعْفَيْتُكَ مِنْهُ، لأَنَّكَ سَأَلْتَنِي"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَيُّهَا الخَادِمُ الشِّرِّيرُ" إِلَى الأَصْلِ اليُونَانِيِّ δοῦλε πονηρέأَيْ: "أَيُّهَا العَبْدُ الشِّرِّيرُ". وَالصِّفَةُ πονηρός تَعْنِي "الشِّرِّيرَ، الرَّدِيءَ، الفَاسِدَ أَخْلَاقِيًّا". وَالسَّيِّدُ لَا يَصِفُهُ بِالشَّرِّ لأَنَّهُ طَالَبَ بِدَيْنٍ وَهْمِيٍّ أَوْ بِحَقٍّ لَا يَمْلِكُهُ، بَلْ لأَنَّهُ طَالَبَ بِحَقِّهِ بِقَسْوَةٍ وَبِدُونِ رَحْمَةٍ، بَعْدَ أَنْ نَالَ هُوَ نَفْسُهُ رَحْمَةً لَا تُقَاسُ. وَهُنَا يَكْشِفُ المَثَلُ أَنَّ الشَّرَّ لَا يَقُومُ فَقَطْ فِي الكَذِبِ أَوِ السَّرِقَةِ أَوْ إِنْكَارِ الحَقِّ، بَلْ قَدْ يَظْهَرُ أَيْضًا فِي مُمَارَسَةِ الحَقِّ بِقَلْبٍ خَالٍ مِنَ الرَّحْمَةِ. فَالعَبْدُ لَمْ يُدَنْ لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عَلَى رَفِيقِهِ، بَلْ لأَنَّهُ فَصَلَ الحَقَّ عَنِ الرَّحْمَةِ، وَتَصَرَّفَ كَأَنَّهُ لَمْ يَذُقْ رَحْمَةَ سَيِّدِهِ قَطُّ. وَلٰكِنْ يَنْبَغِي أَلَّا نَذْهَبَ أَبْعَدَ مِنَ النَّصِّ فَنَقُولَ إِنَّ مِثْلَ هٰذَا الإِنْسَانِ "لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَسِيحِيًّا بِالحَقِّ" بِمَعْنًى حُكْمِيٍّ نِهَائِيٍّ عَلَى شَخْصِهِ؛ فَالمَثَلُ يُدِينُ السُّلُوكَ غَيْرَ الرَّحِيمِ وَيُحَذِّرُ مِنْهُ، وَلَا يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَحْكُمَ عَلَى بَاطِنِ الإِنْسَانِ أَوْ عَلَى مَصِيرِهِ النِّهَائِيِّ.
أَمَّا عِبَارَةُ "ذَاكَ الدَّيْنُ كُلُّهُ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ πᾶσαν τὴν ὀφειλὴν ἐκείνην، وَهِيَ تَضَعُ التَّشْدِيدَ عَلَى شُمُولِ الإِعْفَاءِ وَعَظَمَةِ مَا غُفِرَ. فَلَيْسَ المَقْصُودُ جُزْءًا مِنَ الدَّيْنِ، بَلْ "كُلَّ ذٰلِكَ الدَّيْنِ". وَالكَلِمَةُ ὀφειλή تَعْنِي "الدَّيْنَ" أَوْ "مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ"، وَهِيَ مِنَ الجِذْرِ نَفْسِهِ الَّذِي يَرِدُ فِي الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: ": «وَاغْفِرْ لَنَا دُيُونَنَا".
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "أَعْفَيْتُكَ مِنْهُ" إِلَى اليُونَانِيَّةِ ἀφῆκά σοι، مِنَ الفِعْلِ ἀφίημι ، الَّذِي يَعْنِي "يَتْرُكُ، يُطْلِقُ، يُعْفِي، يَغْفِرُ". وَهُوَ الفِعْلُ نَفْسُهُ الوَارِدُ فِي الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: ἄφες ἡμῖν τὰ ὀφειλήματα ἡμῶν، أَيْ: "وَاغْفِرْ لَنَا دُيُونَنَا" (مَتَّى 6: 12). وَهٰذِهِ الرَّابِطَةُ اللُّغَوِيَّةُ مُهِمَّةٌ جِدًّا؛ فَالمَثَلُ يَشْرَحُ عَمَلِيًّا مَا تُعَلِّمُهُ الصَّلَاةُ الرَّبَّانِيَّةُ: مَنْ يَطْلُبُ مِنَ اللهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ دُيُونَهُ، مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَغْفِرَ هُوَ أَيْضًا لِمَدْيُونِيهِ. فَالفِعْلُ ἀφίημι فِي مَتَّى 18 لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ تَرْكِ العُقُوبَةِ مَعَ بَقَاءِ الدَّيْنِ قَائِمًا، بَلْ يَعْنِي إِسْقَاطَ الدَّيْنِ نَفْسِهِ وَتَرْكَ المُطَالَبَةِ بِهِ. وَمِنْ ثَمَّ فَالمَغْفِرَةُ، فِي صُورَةِ المَثَلِ، هِيَ تَحْرِيرٌ حَقِيقِيٌّ مِنَ الدَّيْنِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "لأَنَّكَ سَأَلْتَنِي"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἐπεὶ παρεκάλεσάς με، وَالفِعْلُ παρακαλέω يَعْنِي "يَتَوَسَّلُ، يَلْتَمِسُ، يَرْجُو". وَهُنَا يَذْكُرُ السَّيِّدُ الخَادِمَ بِأَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ بَدَأَ مِنْ تَوَسُّلِهِ هُوَ. وَالمُفَارَقَةُ أَنَّ الخَادِمَ لَمْ يَطْلُبْ إِسْقَاطَ الدَّيْنِ، بَلْ طَلَبَ مُجَرَّدَ المُهْلَةِ: "أَمْهِلْنِي أُؤَدِّ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ" (مَتَّى 18: 26). أَمَّا السَّيِّدُ فَتَجَاوَزَ طَلَبَهُ وَأَعْطَاهُ أَكْثَرَ مِمَّا رَجَا: لَمْ يُمْهِلْهُ فَقَطْ، بَلْ أَسْقَطَ عَنْهُ الدَّيْنَ كُلَّهُ. وَهٰذَا يَكْشِفُ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا جَمِيلًا فِي المَثَلِ: اللهُ لَا يَقِيسُ عَطَاءَهُ بِحُدُودِ طَلَبِنَا، بَلْ تَفُوقُ رَحْمَتُهُ مَا نَسْأَلُهُ وَمَا نَتَوَقَّعُهُ. وَهٰذَا المَعْنَى يَنْسَجِمُ مَعَ قَوْلِ بُولُسَ عَنِ اللهِ القَادِرِ "أَنْ يَفْعَلَ، بِقُوَّتِهِ العَامِلَةِ فِينَا، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَسْأَلُ أَوْ نَتَصَوَّرُ" (أَفَسُس 3: 20). وَيُمْكِنُ مُقَارَنَةُ هٰذَا المَوْقِفِ بِمَثَلِ الابْنِ الضَّالِّ (لُوقَا 15: 11–32). فَالابْنُ رَجَعَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ أَنْ يَقُولَ: "اجْعَلْنِي كَأَحَدِ أُجَرَائِكَ"، أَمَّا الأَبُ فَلَمْ يَضَعْهُ فِي صَفِّ الأُجَرَاءِ، بَلْ رَدَّ إِلَيْهِ عَلَامَاتِ البُنُوَّةِ، وَأَلْبَسَهُ الحُلَّةَ، وَجَعَلَ الخَاتَمَ فِي يَدِهِ، وَأَقَامَ لَهُ وَلِيمَةَ الفَرَحِ. وَفِي الحَالَتَيْنِ، تَتَجَاوَزُ الرَّحْمَةُ مَا يَطْلُبُهُ الإِنْسَانُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَوْضِعِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُذَكِّرُ الخَادِمَ بِعَظَمَةِ مَا غَفَرَهُ لَهُ، لِيُظْهِرَ أَنَّ خَطِيئَتَهُ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ قَسْوَةٍ عَلَى رَفِيقٍ، بَلْ صَارَتْ جُحُودًا لِلرَّحْمَةِ الَّتِي نَالَهَا (PG 58, cols. 594–595). وَبِذٰلِكَ تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ أَخْطَرَ مَا فِي الخَادِمِ لَيْسَ أَنَّهُ نَسِيَ رَقْمًا أَوْ دَيْنًا، بَلْ أَنَّهُ نَسِيَ الرَّحْمَةَ. وَنِسْيَانُ الرَّحْمَةِ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ يَتَحَوَّلُ مِنْ مُتَوَسِّلٍ إِلَى مُعَنِّفٍ، وَمِنْ مَدِينٍ طَالِبٍ لِلعَفْوِ إِلَى دَائِنٍ قَاسٍ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي الرِّسَالَةُ الرُّوحِيَّةُ لِلآيَةِ: مَنْ يَتَذَكَّرُ مَا غَفَرَهُ اللهُ لَهُ، يَصْعُبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَشَدَّدَ مَعَ غَيْرِهِ؛ أَمَّا مَنْ يَنْسَى رَحْمَةَ اللهِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ الآخَرِينَ مَا لَمْ يَطْلُبْهُ اللهُ مِنْهُ.
33. "أَفَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْتَ أَيْضًا أَنْ تَرْحَمَ صَاحِبَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَنْ تَرْحَمَ صَاحِبَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἐλεῆσαι τὸν σύνδουλόν σου, ὡς κἀγὼ σὲ ἠλέησα، إِلَى المَبْدَإِ اللَّاهُوتِيِّ الأَسَاسِيِّ فِي هٰذَا المَثَلِ: مَنْ نَالَ الرَّحْمَةَ مِنَ اللهِ، فَهُوَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَرْحَمَ الآخَرِينَ. فَالرَّحْمَةُ الَّتِي نَنَالُهَا مِنَ اللهِ لَا تَبْقَى عَطِيَّةً شَخْصِيَّةً مُغْلَقَةً عَلَيْنَا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَبْدَإٍ يَحْكُمُ عِلَاقَاتِنَا بِالآخَرِينَ.
وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ "أَفَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ" فِي اليُونَانِيَّةِ οὐκ ἔδει καὶ σέ دَلَالَةً قَوِيَّةً؛ فَالفِعْلُ δεῖ يَدُلُّ عَلَى مَا "يَجِبُ" أَوْ "يَنْبَغِي". وَمِنْ ثَمَّ، فَإِظْهَارُ الرَّحْمَةِ لَيْسَ، فِي مَنْطِقِ المَثَلِ، أَمْرًا ثَانَوِيًّا أَوْ اخْتِيَارِيًّا، بَلْ هُوَ مُقْتَضَى الرَّحْمَةِ الَّتِي سَبَقَ أَنْ نَالَهَا الخَادِمُ مِنْ سَيِّدِهِ.
أَمَّا الفِعْلُ "أَنْ تَرْحَمَ"، ἐλεῆσαι، فَهُوَ مِنْ ἐλεέω، أَيْ "يَرْحَمُ، يُشْفِقُ". وَيُقَابِلُهُ فِي آخِرِ الآيَةِ الفِعْلُ ἠλέησα، "رَحِمْتُ". وَهٰذَا التَّوَازِي اللُّغَوِيُّ مُتَعَمَّدٌ: رَحْمَةُ السَّيِّدِ هِيَ النَّمُوذَجُ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَكِسَ فِي رَحْمَةِ الخَادِمِ بِرَفِيقِهِ.
وَيَسْتَعْمِلُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ لِعِبَارَةِ "صَاحِبَكَ" كَلِمَةَ σύνδουλος، أَيْ "رَفِيقُكَ فِي الخِدْمَةِ". وَهٰذَا التَّعْبِيرُ يُذَكِّرُ الخَادِمَ بِأَنَّهُ وَرَفِيقَهُ يَقِفَانِ مَعًا تَحْتَ سُلْطَانِ سَيِّدٍ وَاحِدٍ. فَقَبْلَ أَنْ يَرَى فِي الآخَرِ "مَدِينًا لَهُ"، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَرَى فِيهِ رَفِيقًا يَشْتَرِكُ مَعَهُ فِي الحَاجَةِ إِلَى الرَّحْمَةِ. وَقَدْ أَغْلَقَ الخَادِمُ قَلْبَهُ أَمَامَ رَفِيقِهِ، فَرَفَضَ أَنْ يَجْعَلَ النِّعْمَةَ الَّتِي نَالَهَا مَبْدَأً لِسُلُوكِهِ. وَمِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا أَنْ نَقُولَ إِنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلدَّيْنُونَةِ بِرَفْضِهِ الرَّحْمَةَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا التَّعْلِيمِ مُبَيِّنًا أَنَّ التَّأَمُّلَ فِي خَطَايَانَا يَجْعَلُ مَغْفِرَةَ خَطَايَا الآخَرِينَ أَسْهَلَ؛ لأَنَّ مَنْ يَعْرِفُ عُمْقَ حَاجَتِهِ هُوَ نَفْسُهُ إِلَى الرَّحْمَةِ يَصِيرُ أَقَلَّ قَسْوَةً تُجَاهَ أَخِيهِ. فَالمَطْلُوبُ هُوَ أَنْ نَدِينَ خَطَايَانَا، لَا أَنْ نُدِينَ إِخْوَتَنَا، وَأَنْ نَجْعَلَ ذِكْرَى مَا غُفِرَ لَنَا دَافِعًا لِمَغْفِرَةِ مَا يُسِيءُ بِهِ الآخَرُونَ إِلَيْنَا (PG 58, cols. 594–595). وَلَمْ يُدْرِكِ الخَادِمُ الأَوَّلُ أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ عَلَى رَفِيقِهِ، عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَهَمِّيَّتِهِ، يَبْقَى ضَئِيلًا جِدًّا إِذَا قُورِنَ بِالدَّيْنِ الهَائِلِ الَّذِي أَعْفَاهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ. فَمَنْ غُفِرَ لَهُ عَشَرَةُ آلَافِ وَزْنَةٍ رَفَضَ أَنْ يُمْهِلَ مَنْ كَانَ مَدِينًا لَهُ بِـمِائَةِ دِينَارٍ. وَالمَقْصُودُ مِنْ هٰذِهِ المُقَارَنَةِ لَيْسَ إِنْكَارَ حَقِيقَةِ الإِسَاءَاتِ الَّتِي نَتَعَرَّضُ لَهَا، بَلْ وَضْعُهَا فِي ضَوْءِ عَظَمَةِ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي نَعِيشُ مِنْهَا. وَفِي هٰذَا الصَّدَدِ يَقُولُ يَعْقُوبُ الرَّسُولُ: "لأَنَّ الدَّيْنُونَةَ لَا رَحْمَةَ فِيهَا لِمَنْ لَمْ يَرْحَمْ، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الدَّيْنُونَةِ" (يَعْقُوب 2: 13). وَهٰذَا التَّحْذِيرُ يَتَنَاغَمُ تَمَامًا مَعَ مَثَلِ الخَادِمِ القَاسِي: فَمَنْ يَطْلُبُ الرَّحْمَةَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَرْفُضُهَا عَنْ أَخِيهِ، يَضَعُ نَفْسَهُ فِي تَنَاقُضٍ مَعَ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَرْجُوهَا مِنَ اللهِ. وَكَذٰلِكَ يُعَلِّمُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ الإِسَاءَةَ إِلَى الأَخِ تَمَسُّ المَسِيحَ نَفْسَهُ، إِذْ يَقُولُ: "وَإِذَا خَطِئْتُمْ هٰكَذَا إِلَى إِخْوَتِكُمْ وَجَرَحْتُمْ ضَمَائِرَهُمُ الضَّعِيفَةَ، فَإِلَى المَسِيحِ قَدْ خَطِئْتُمْ" (1 قُورِنْثُس 8: 12). وَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ المُبَاشِرُ لِهٰذِهِ الآيَةِ يَتَعَلَّقُ بِضَمِيرِ الأَخِ الضَّعِيفِ، فَإِنَّ المَبْدَأَ الرُّوحِيَّ يَبْقَى وَاضِحًا: عَلَاقَتُنَا بِالأَخِ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ عَلَاقَتِنَا بِالمَسِيحِ. وَلَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا مِنَ الخَادِمِ أَنْ يُسَاوِيَ رَحْمَةَ سَيِّدِهِ فِي مِقْدَارِهَا، فَهٰذَا مُسْتَحِيلٌ، بَلْ أَنْ يَتَّخِذَ رَحْمَةَ سَيِّدِهِ نَمُوذَجًا وَمِقْيَاسًا لِمُعَامَلَتِهِ رَفِيقَهُ. فَرَحْمَةُ الإِنْسَانِ مَحْدُودَةٌ، أَمَّا رَحْمَةُ اللهِ فَلَا حَدَّ لَهَا؛ غَيْرَ أَنَّ المَسِيحِيَّ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَتَشَبَّهَ بِهَا وَيَسْتَمِدَّ مِنْهَا قُوَّةَ الغُفْرَانِ. وَهٰذَا لَا يَعْنِي وَضْعَ العَدَالَةِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي تَعَارُضٍ مَعَ الرَّحْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ؛ فَالعَدَالَةُ وَالرَّحْمَةُ لَيْسَتَا نَقِيضَيْنِ. إِنَّمَا يَرْفُضُ المَثَلُ أَنْ تَنْفَصِلَ العَدَالَةُ عَنِ الرَّحْمَةِ فَتَتَحَوَّلَ إِلَى قَسْوَةٍ وَانْتِقَامٍ. وَقَدْ وَضَعَ يَسُوعُ أَمَامَنَا فِي هٰذِهِ الكَلِمَاتِ قَاعِدَةً بَسِيطَةً وَعَمِيقَةً: مَنْ رُحِمَ، يَنْبَغِي أَنْ يَرْحَمَ. وَهٰذَا المَبْدَأُ نَفْسُهُ يَرِدُ فِي قَوْلِ الرَّسُولِ بُولُس: "كُونُوا مُلَاطِفِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ، مُشْفِقِينَ، يَغْفِرُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ، كَمَا غَفَرَ اللهُ لَكُمْ فِي المَسِيحِ" (أَفَسُس 4: 32). وَمِنْ ثَمَّ، فَكَمَا نَخْتَبِرُ لُطْفَ اللهِ وَإِمْهَالَهُ وَطُولَ أَنَاتِهِ، يَنْبَغِي أَنْ نَتَّخِذَ ذٰلِكَ مِثَالًا لَنَا فِي مُعَامَلَةِ الآخَرِينَ، فَنَغْفِرَ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا كَمَا غَفَرَ اللهُ لَنَا. فَالمَغْفِرَةُ المَسِيحِيَّةُ تَبْدَأُ مِنْ ذَاكِرَةِ النِّعْمَةِ: أَنَا أَرْحَمُ لأَنَّنِي قَدْ رُحِمْتُ، وَأَغْفِرُ لأَنَّنِي قَدْ غُفِرَ لِي.
34 "وَغَضِبَ مَوْلَاهُ فَدَفَعَهُ إِلَى الجَلَّادِينَ، حَتَّى يُؤَدِّيَ لَهُ كُلَّ دَيْنِهِ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَغَضِبَ مَوْلَاهُ" إِلَى الأَصْلِ اليُونَانِيِّ καὶ ὀργισθεὶς ὁ κύριος αὐτοῦ، أَيْ: "وَإِذْ غَضِبَ سَيِّدُهُ". وَالفِعْلُ ὀργίζομαι يَدُلُّ عَلَى الغَضَبِ وَالسَّخَطِ فِي سِيَاقِ الحُكْمِ عَلَى الشَّرِّ. وَهُنَا يَنْتَقِلُ السَّيِّدُ مِنْ مَوْقِفِ الرَّاحِمِ الَّذِي أَسْقَطَ الدَّيْنَ إِلَى مَوْقِفِ الدَّيَّانِ الَّذِي يُحَاسِبُ الخَادِمَ عَلَى رَفْضِهِ الرَّحْمَةَ. وَلَيْسَ غَضَبُ السَّيِّدِ فِي المَثَلِ تَقَلُّبًا فِي طَبْعِهِ، بَلْ هُوَ الصُّورَةُ القَضَائِيَّةُ لِجِدِّيَّةِ الشَّرِّ. فَالسَّيِّدُ الَّذِي رَحِمَ بِسَخَاءٍ لَا يَتَجَاهَلُ قَسْوَةَ الخَادِمِ عَلَى رَفِيقِهِ؛ وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ الرَّحْمَةَ الإِلٰهِيَّةَ لَا تَعْنِي اللَّامُبَالَاةَ تُجَاهَ الظُّلْمِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَدَفَعَهُ إِلَى الجَلَّادِينَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ παρέδωκεν αὐτὸν τοῖς βασανισταῖς وَالفِعْلُ παραδίδωμι يَعْنِي "يُسَلِّمُ، يَدْفَعُ، يُسَلِّمُ إِلَى سُلْطَانِ آخَرَ"، أَمَّا βασανισταί فَتُطْلَقُ عَلَى "المُعَذِّبِينَ" أَوْ "القَائِمِينَ عَلَى التَّعْذِيبِ وَالاسْتِجْوَابِ فِي السِّجْنِ". وَيُظْهِرُ هٰذَا التَّعْبِيرُ أَنَّ الوَضْعَ الَّذِي آلَ إِلَيْهِ الخَادِمُ أَشَدُّ مِنَ التَّهْدِيدِ الأَوَّلِ بِبَيْعِهِ وَبَيْعِ مَا لَهُ (مَتَّى 18: 25). فَهُنَا لَا يَعُودُ الأَمْرُ مُجَرَّدَ تَسْوِيَةِ دَيْنٍ، بَلْ يَتَّخِذُ طَابَعَ الدَّيْنُونَةِ عَلَى القَسْوَةِ وَالجُحُودِ. وَمِنَ المُهِمِّ، مَعَ ذٰلِكَ، أَلَّا نُحَوِّلَ صُورَةَ "الجَلَّادِينَ" إِلَى وَصْفٍ حَرْفِيٍّ مُفَصَّلٍ لِعَذَابِ الآخِرَةِ. فَالمَثَلُ يَسْتَعْمِلُ صُوَرًا قَضَائِيَّةً وَمَالِيَّةً قَوِيَّةً لِيُعَبِّرَ عَنْ خُطُورَةِ الدَّيْنُونَةِ الَّتِي يَسْتَجْلِبُهَا الإِنْسَانُ حِينَ يَرْفُضُ الرَّحْمَةَ بَعْدَ أَنْ نَالَهَا. وَيَتَنَاغَمُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ قَوْلِ يَعْقُوبَ الرَّسُولِ: "لأَنَّ الدَّيْنُونَةَ لَا رَحْمَةَ فِيهَا لِمَنْ لَمْ يَرْحَمْ" (يَعْقُوب 2: 13). فَالمَثَلُ يُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ مَنْ يَجْعَلُ القَسْوَةَ مِقْيَاسًا لِعَلَاقَتِهِ بِالآخَرِينَ يَضَعُ نَفْسَهُ تَحْتَ مِقْيَاسِ الدَّيْنُونَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "حَتَّى يُؤَدِّيَ لَهُ كُلَّ دَيْنِهِ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἕως οὗ ἀποδῷ πᾶν τὸ ὀφειλόμενον، أَيْ: "إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ كُلَّ مَا عَلَيْهِ". وَيَعُودُ هُنَا الفِعْلُ ἀποδίδωμι، "يُؤَدِّي، يُوَفِّي"، وَكَذٰلِكَ تَعْبِيرُ τὸ ὀφειλόμενον، أَيْ "مَا هُوَ مَدِينٌ بِهِ". وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الخَاتِمَةُ مُفَارَقَةً مُؤْلِمَةً؛ فَالخَادِمُ نَفْسُهُ كَانَ قَدْ وُصِفَ فِي البِدَايَةِ بِأَنَّهُ "لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنَهُ" (مَتَّى 18: 25). فَإِعَادَتُهُ إِلَى شَرْطِ السَّدَادِ تُظْهِرُ خُطُورَةَ مَوْقِفِهِ وَشِدَّةَ الحُكْمِ عَلَيْهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ تَفْسِيرِيًّا أَلَّا نَجْعَلَ عِبَارَةَ "حَتَّى يُؤَدِّيَ" بُرْهَانًا لُغَوِيًّا مُبَاشِرًا عَلَى "العِقَابِ الأَبَدِيِّ" بِالمَعْنَى التَّقْنِيِّ. فَالمَثَلُ يَسْتَعْمِلُ صُورَةَ دَيْنٍ مُسْتَحِيلِ السَّدَادِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ يَرْفُضُ الرَّحْمَةَ يَجِدُ نَفْسَهُ أَمَامَ دَيْنُونَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ. وَهٰذَا يُعِيدُنَا إِلَى المَبْدَإِ الَّذِي بَنَاهُ المَثَلُ مُنْذُ البِدَايَةِ: الخَلَاصُ لَا يَقُومُ عَلَى قُدْرَةِ الإِنْسَانِ عَلَى سَدَادِ دَيْنِهِ، بَلْ عَلَى قَبُولِ رَحْمَةِ اللهِ وَالسَّمَاحِ لِهٰذِهِ الرَّحْمَةِ أَنْ تُغَيِّرَ قَلْبَهُ وَعَلَاقَتَهُ بِالآخَرِينَ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الخَادِمَ لَمْ يُدَنْ لأَنَّهُ كَانَ مَدِينًا فَحَسْبُ، بَلْ لأَنَّهُ نَالَ الرَّحْمَةَ ثُمَّ رَفَضَ أَنْ يَرْحَمَ. فَالقَضِيَّةُ لَيْسَتْ قَسْوَةَ السَّيِّدِ، بَلْ قَسْوَةَ الخَادِمِ الَّذِي أَغْلَقَ قَلْبَهُ أَمَامَ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ ثَمَرَ المَغْفِرَةِ فِي حَيَاتِهِ. وَبِذٰلِكَ تَصِيرُ الآيَةُ تَحْذِيرًا أَخْرَوِيًّا جِدِّيًّا: رَحْمَةُ اللهِ لَيْسَتْ عُذْرًا لِلْقَسْوَةِ، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَى تَغْيِيرِ القَلْبِ. وَمَنْ يَرْفُضُ أَنْ يَعِيشَ مِنْطِقَ الرَّحْمَةِ الَّتِي نَالَهَا، يَعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلدَّيْنُونَةِ الَّتِي يُعْلِنُهَا المَثَلُ بِهٰذِهِ الصُّورَةِ القَوِيَّةِ.
35. "فَهٰكَذَا يَفْعَلُ بِكُمْ أَبِي السَّمَاوِيُّ، إِنْ لَمْ يَغْفِرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لأَخِيهِ مِنْ صَمِيمِ قَلْبِهِ"
تُقَابِلُ عِبَارَةَ "فَهٰكَذَا" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ كَلِمَةُ Οὕτως، أَيْ: "هٰكَذَا، عَلَى هٰذَا النَّحْوِ". وَهِيَ تَرْبِطُ تَطْبِيقَ يَسُوعَ بِكُلِّ مَا سَبَقَ فِي المَثَلِ، وَخَاصَّةً بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِالخَادِمِ بَعْدَ أَنْ رَفَضَ أَنْ يَرْحَمَ رَفِيقَهُ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالعِبْرَةُ لَا تَقِفُ عِنْدَ الإِعْجَابِ بِرَحْمَةِ السَّيِّدِ، بَلْ تَسْأَلُ كُلَّ وَاحِدٍ: هَلِ الرَّحْمَةُ الَّتِي نِلْتُهَا مِنَ اللهِ أَصْبَحَتْ رَحْمَةً أَعِيشُهَا مَعَ الآخَرِينَ؟
أَمَّا عِبَارَةُ "يَفْعَلُ بِكُمْ أَبِي السَّمَاوِيُّ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ: καὶ ὁ πατήρ μου ὁ οὐράνιος ποιήσει ὑμῖν أَيْ: "وَأَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ أَيْضًا هٰكَذَا". وَيَسْتَعْمِلُ يَسُوعُ هُنَا التَّعْبِيرَ"أَبِي السَّمَاوِيُّ" ὁ πατήρ μου ὁ οὐράνιος. وَقَدْ لَفَتَ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ إِلَى اسْتِعْمَالِ يَسُوعَ عِبَارَةَ "أَبِي" فِي هٰذَا السِّيَاقِ، مُشَدِّدًا عَلَى خُطُورَةِ القَسْوَةِ وَالحِقْدِ اللَّذَيْنِ يَتَنَاقَضَانِ مَعَ سُلُوكِ أَبْنَاءِ اللهِ (PG 58, 595–596). وَيَنْبَغِي فَهْمُ هٰذَا التَّعْلِيقِ فِي إِطَارِ التَّحْذِيرِ الرُّوحِيِّ وَالأَخْلَاقِيِّ، لَا عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ مِنَّا عَلَى بُنُوَّةِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ لِلَّهِ. فَالمَقْصُودُ أَنَّ الحِقْدَ المُتَعَمَّدَ وَرَفْضَ الرَّحْمَةِ يَتَنَاقَضَانِ مَعَ حَيَاةِ مَنْ يَدْعُو اللهَ أَبًا لَهُ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ سِفْرُ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ بِقُوَّةٍ: "مَنِ انْتَقَمَ يُدْرِكُهُ الانْتِقَامُ مِنْ لَدُنِ الرَّبِّ الَّذِي يُحْصِي خَطَايَاهُ" (يَشُوع بْن سِيرَاخ 28: 1).
تُقَابِلُ عِبَارَةَ "إِنْ لَمْ يَغْفِرْ" فِي اليُونَانِيَّةِ ἐὰν μὴ ἀφῆτε، وَالفِعْلُ ἀφῆτε هُوَ مِنْ ἀφίημι، أَيْ: "يَتْرُكُ، يُطْلِقُ، يُعْفِي، يَغْفِرُ". وَهُوَ الفِعْلُ نَفْسُهُ الَّذِي رَافَقَنَا مُنْذُ سُؤَالِ بُطْرُسَ فِي بِدَايَةِ المَقْطَعِ: "كَمْ مَرَّةً يَخْطَأُ إِلَيَّ أَخِي وَأَغْفِرُ لَهُ؟" (مَتَّى 18: 21)، وَهُوَ أَيْضًا الفِعْلُ المُسْتَعْمَلُ فِي إِعْفَاءِ السَّيِّدِ مِنَ الدَّيْنِ (18: 27، 32). وَهٰكَذَا يَبْنِي مَتَّى وَحْدَةً لُغَوِيَّةً وَلَاهُوتِيَّةً بَيْنَ مَغْفِرَةِ اللهِ لِلإِنْسَانِ وَمَغْفِرَةِ الإِنْسَانِ لأَخِيهِ. وَهٰذَا التَّعْلِيمُ لَهُ جُذُورٌ عَمِيقَةٌ فِي العَهْدِ القَدِيمِ، إِذْ يَقُولُ يَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ: "أَيَحْقِدُ إِنْسَانٌ عَلَى إِنْسَانٍ ثُمَّ يَلْتَمِسُ مِنَ الرَّبِّ الشِّفَاءَ؟ أَمْ لَا يَرْحَمُ إِنْسَانًا مِثْلَهُ ثُمَّ يَطْلُبُ غُفْرَانَ خَطَايَاهُ؟ إِنْ أَمْسَكَ الحِقْدَ وَهُوَ بَشَرٌ، فَمَنْ يُكَفِّرُ خَطَايَاهُ؟" (يَشُوع بْن سِيرَاخ 28: 3–). وَيَرْتَبِطُ مَتَّى 18: 35 ارْتِبَاطًا وَثِيقًا بِالطَّلَبِ الخَامِسِ مِنَ الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: "وَاغْفِرْ لَنَا دُيُونَنَا كَمَا نَحْنُ أَيْضًا غَفَرْنَا لِمَدْيُونِينَا" (مَتَّى 6: 12). وَالفِعْلُ ἄφες، "اغْفِرْ"، هُوَ مِنَ الجِذْرِ نَفْسِهِ ἀφίημι، وَبِذٰلِكَ فَالمَثَلُ فِي مَتَّى 18 يُمَثِّلُ، إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ، شَرْحًا سَرْدِيًّا لِلطَّلَبِ الخَامِسِ مِنَ الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ. وَلٰكِنْ يَنْبَغِي أَنْ نَحْذَرَ مِنْ فَهْمِ هٰذِهِ العَلَاقَةِ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ يَشْتَرِي مَغْفِرَةَ اللهِ بِمَغْفِرَتِهِ لِلآخَرِينَ. فَالمَثَلُ نَفْسُهُ يَبْدَأُ بِمُبَادَرَةِ السَّيِّدِ: هُوَ الَّذِي أَشْفَقَ أَوَّلًا، وَهُوَ الَّذِي أَطْلَقَ الخَادِمَ، وَهُوَ الَّذِي أَسْقَطَ عَنْهُ الدَّيْنَ الهَائِلَ (مَتَّى 18: 27). فَمَغْفِرَةُ اللهِ هِيَ الَّتِي تَسْبِقُ وَتُؤَسِّسُ مَغْفِرَتَنَا؛ وَمَغْفِرَتُنَا لِلآخَرِينَ هِيَ الثَّمَرَةُ الَّتِي تَكْشِفُ أَنَّنَا قَبِلْنَا رَحْمَةَ اللهِ وَسَمَحْنَا لَهَا أَنْ تُغَيِّرَ قُلُوبَنَا. وَهٰذَا مَا يَتَنَاغَمُ مَعَ تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ: "لْيَصْفَحْ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ كَمَا صَفَحَ اللهُ عَنْكُمْ فِي المَسِيحِ" (أَفَسُس 4: 32). فَاللهُ يُبَادِرُ إِلَى الرَّحْمَةِ، وَنَحْنُ، كَأَبْنَاءٍ أَحِبَّاءَ، نَتَشَبَّهُ بِهِ وَنَنْقُلُ إِلَى غَيْرِنَا مَا سَبَقَ أَنْ نِلْنَاهُ مِنْهُ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لأَخِيهِ" إِلَى الطَّابَعِ الشَّخْصِيِّ لِلوَصِيَّةِ. فَيَسُوعُ لَا يَتَكَلَّمُ عَنْ مَغْفِرَةٍ نَظَرِيَّةٍ تُطَالَبُ بِهَا "الجَمَاعَةُ" فَقَطْ، بَلْ يَضَعُ المَسْؤُولِيَّةَ أَمَامَ كُلِّ وَاحِدٍ. وَصَحِيحٌ أَنَّ لَفْظَ "الأَخ"، ἀδελφός، يَرِدُ فِي السِّيَاقِ المُبَاشِرِ لِمَتَّى 18 بِمَعْنَى الأَخِ فِي جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ، وَلٰكِنَّ تَعْلِيمَ يَسُوعَ عَنِ المَغْفِرَةِ لَا يَنْحَصِرُ فِي أَعْضَاءِ الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ؛ فَهُوَ يَقُولُ بِصُورَةٍ أَعَمَّ: "فَإِنْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ" (مَتَّى 6: 14). وَلَا يَنْبَغِي أَيْضًا حَصْرُ الاسْتِعْدَادِ لِلمَغْفِرَةِ فِي مَنْ "طَلَبَ المَسَامَحَةَ" فَقَطْ؛ فَالتَّلْمَذَةُ المَسِيحِيَّةُ تَرْفُضُ الحِقْدَ وَالانْتِقَامَ، مَعَ بَقَاءِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ المَغْفِرَةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالمُصَالَحَةِ، وَإِعَادَةِ الثِّقَةِ. فَالمَغْفِرَةُ لَا تَعْنِي إِنْكَارَ الإِسَاءَةِ، وَلَا إِلْغَاءَ العَدَالَةِ، وَلَا إِعَادَةَ الثِّقَةِ آليًّا بِمَنْ يَسْتَمِرُّ فِي الإِسَاءَةِ.
تَبْلُغُ الآيَةُ ذِرْوَتَهَا فِي العِبَارَةِ اليُونَانِيَّةِ: "مِنْ قُلُوبِكُمْ"، ἀπὸ τῶν καρδιῶν ὑμῶν أَوْ بِالتَّعْبِيرِ العَرَبِيِّ البَلِيغِ: "مِنْ صَمِيمِ قَلْبِهِ". وَالقَلْبُ، فِي المَفْهُومِ الكِتَابِيِّ، لَيْسَ مَجَرَّدَ مَقَرِّ العَوَاطِفِ، بَلْ هُوَ مَرْكَزُ الإِنْسَانِ الدَّاخِلِيِّ، وَالإِرَادَةِ، وَالفِكْرِ، وَالقَرَارِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَغْفِرَةُ الَّتِي يَطْلُبُهَا يَسُوعُ لَيْسَتْ كَلِمَةً تُقَالُ بِالشَّفَتَيْنِ فَقَطْ، بَلْ قَرَارًا يَصْدُرُ مِنَ الإِنْسَانِ الدَّاخِلِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى خَاتِمَةِ المَثَلِ مُشَدِّدًا عَلَى أَنَّ المَغْفِرَةَ المَطْلُوبَةَ لَا تَكُونُ بِالكَلِمَاتِ فَقَطْ، بَلْ مِنَ القَلْبِ؛ لأَنَّ الحِقْدَ الَّذِي نَحْمِلُهُ عَلَى الآخَرِ يَرْتَدُّ أَوَّلًا عَلَى حَيَاتِنَا الرُّوحِيَّةِ (PG 58, 595–596). وَلَا تَعْنِي المَغْفِرَةُ "مِنَ القَلْبِ" أَنَّ الأَلَمَ يَخْتَفِي فَوْرًا، أَوْ أَنَّ الذَّاكِرَةَ تُمحَى، أَوْ أَنَّ الجُرْحَ النَّفْسِيَّ يُشْفَى فِي لَحْظَةٍ. فَقَدْ يَبْقَى الأَلَمُ وَتَحْتَاجُ الجِرَاحُ إِلَى زَمَنٍ لِتَلْتَئِمَ. إِنَّمَا تَعْنِي أَنْ يَرْفُضَ الإِنْسَانُ فِي عُمْقِهِ الحِقْدَ وَالانْتِقَامَ وَالرَّغْبَةَ فِي تَدْمِيرِ الآخَرِ، وَأَنْ يَضَعَ الحُكْمَ النِّهَائِيَّ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَتَّضِحُ مَعْنَى وَعْدِ العَهْدِ الجَدِيدِ: "أَغْفِرُ إِثْمَهُمْ وَلَا أَذْكُرُ خَطِيئَتَهُمْ مِنْ بَعْدُ" (إِرْمِيَا 31: 34). فَعَدَمُ "ذِكْرِ" الخَطِيئَةِ لَا يَعْنِي فَقْدَ الذَّاكِرَةِ، بَلْ أَلَّا يَبْقَى الذَّنْبُ أَسَاسًا لِلدَّيْنُونَةِ وَالعَلَاقَةِ. وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي تَدْقِيقُ القَوْلِ إِنَّ «مَغْفِرَةَ الآخَرِينَ هِيَ الشَّرْطُ الوَحِيدُ لِمَغْفِرَةِ اللهِ». فَهٰذَا أَوْسَعُ مِمَّا يَقُولُهُ النَّصُّ. إِنَّمَا يُشَدِّدُ يَسُوعُ عَلَى أَنَّ رَفْضَ المَغْفِرَةِ وَالإِصْرَارَ عَلَى الحِقْدِ يَتَنَاقَضَانِ جَذْرِيًّا مَعَ قَبُولِ رَحْمَةِ اللهِ. فَنَحْنُ لَا نَغْفِرُ لِكَيْ نَشْتَرِيَ غُفْرَانَ اللهِ، بَلْ نَغْفِرُ لأَنَّ اللهَ سَبَقَ فَغَفَرَ لَنَا وَدَعَانَا إِلَى أَنْ نَعِيشَ مَا نِلْنَاهُ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَغْفِرَةُ لِلآخَرِ هِيَ إِحْدَى العَلَامَاتِ الأَسَاسِيَّةِ عَلَى إِيمَانٍ حَيٍّ يَسْمَحُ لِنِعْمَةِ اللهِ أَنْ تُثْمِرَ فِي الحَيَاةِ. وَلِذٰلِكَ يَقُولُ يَسُوعُ بَعْدَ الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ مُبَاشَرَةً: "فَإِنْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ لَا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ زَلَّاتِكُمْ" (مَتَّى 6: 14–15). وَلَيْسَ فِي ذٰلِكَ تَنَاقُضٌ مَعَ أَوَّلِيَّةِ النِّعْمَةِ؛ بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ أَنَّ النِّعْمَةَ الَّتِي تُقْبَلُ حَقًّا تُغَيِّرُ القَلْبَ. فَالمَثَلُ نَفْسُهُ يُظْهِرُ أَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الَّذِي بَادَرَ أَوَّلًا إِلَى إِسْقَاطِ الدَّيْنِ، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ الخَادِمِ أَنْ يَجْعَلَ الرَّحْمَةَ الَّتِي نَالَهَا مِقْيَاسًا لِمُعَامَلَتِهِ رَفِيقَهُ: "أَفَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْتَ أَيْضًا أَنْ تَرْحَمَ صَاحِبَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" (مَتَّى 18: 33). تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ خَاتِمَةَ المَثَلِ وَمِفْتَاحَ تَفْسِيرِهِ؛ فَبَعْدَ أَنْ رَوَى يَسُوعُ قِصَّةَ السَّيِّدِ الرَّحِيمِ وَالخَادِمِ القَاسِي، يَنْتَقِلُ مِنْ لُغَةِ المَثَلِ إِلَى خِطَابٍ مُبَاشِرٍ لِلتَّلَامِيذِ. وَبِذٰلِكَ لَا يَبْقَى المَثَلُ حِكَايَةً عَنْ خَادِمٍ عَاشَ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، بَلْ يَصِيرُ دَعْوَةً شَخْصِيَّةً إِلَى كُلِّ تِلْمِيذٍ لِيَفْحَصَ مَوْقِفَهُ مِنْ مَغْفِرَةِ أَخِيهِ.
تُلَخِّصُ الآيَةُ الأَخِيرَةُ مَسِيرَةَ المَثَلِ كُلِّهِ: اللهُ يُبَادِرُ إِلَى الرَّحْمَةِ، وَالإِنْسَانُ يَقْبَلُهَا، ثُمَّ يَصِيرُ مَدْعُوًّا إِلَى أَنْ يَجْعَلَهَا رَحْمَةً لِلآخَرِينَ. فَالمَغْفِرَةُ المَسِيحِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ نَقُولُهَا، وَلَا شُعُورًا عَابِرًا، بَلْ هِيَ ثَمَرَةُ قَلْبٍ اخْتَبَرَ رَحْمَةَ اللهِ وَسَمَحَ لَهَا أَنْ تُغَيِّرَهُ. وَبِهٰذَا يَكْتَمِلُ جَوَابُ يَسُوعَ عَنْ سُؤَالِ بُطْرُسَ: "كَمْ مَرَّةً أَغْفِرُ؟". فَالجَوَابُ النِّهَائِيُّ لَيْسَ رَقْمًا، بَلْ قَلْبًا: قَلْبًا يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، فَيَغْفِرُ؛ وَأَنَّهُ مَرْحُومٌ، فَيَرْحَمُ؛ وَأَنَّهُ يَعِيشُ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ، فَيَجْعَلُ مِنْ هٰذِهِ النِّعْمَةِ طَرِيقًا لِعَلَاقَتِهِ بِإِخْوَتِهِ. فَمَنْ غَفَرَ لَهُ اللهُ مِنْ صَمِيمِ رَحْمَتِهِ، مَدْعُوٌّ أَنْ يَغْفِرَ لأَخِيهِ مِنْ صَمِيمِ قَلْبِهِ.
ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 18: 21–35)
بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 18: 21–35)، يَتَّضِحُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ المَغْفِرَةِ: مَعْنَاهَا، وَصُعُوبَتِهَا، وَمَصْدَرِهَا، وَكَيْفِيَّةِ الوُصُولِ إِلَيْهَا وَعَيْشِهَا فِي العَلَاقَةِ مَعَ الآخَرِينَ.
1. مَفْهُومُ المَغْفِرَةِ وَالأَلْفَاظُ المُرْتَبِطَةُ بِهَا
يَسْتَعْمِلُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ عِدَّةَ أَلْفَاظٍ وَصُوَرٍ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَغْفِرَةِ اللهِ لِلخَطِيئَةِ. وَمِنْ أَهَمِّهَا الفِعْلُ العِبْرِيُّ סָלַח، أَيْ "غَفَرَ، صَفَحَ"، وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ خُصُوصًا لِمَغْفِرَةِ اللهِ، كَمَا فِي تَضَرُّعِ مُوسَى: "اغْفِرْ إِثْمَ هٰذَا الشَّعْبِ بِحَسَبِ عَظِيمِ رَحْمَتِكَ" (عَدَد 14: 19)، حَيْثُ يَرِدُ الفِعْلُ סְלַח־נָא، "اغْفِرْ، أَرْجُوكَ".
وَيَسْتَعْمِلُ العَهْدُ القَدِيمُ أَيْضًا صُوَرًا بَلَاغِيَّةً غَنِيَّةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ المَغْفِرَةِ. فَيُصَوِّرُ الخَطِيئَةَ كَشَيْءٍ يَطْرَحُهُ اللهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ: "نَبَذْتَ جَمِيعَ خَطَايَايَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ" (إِشَعْيَاء 38: 17)، أَوْ كَشَيْءٍ يُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ البَحْرِ: "وَتَطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ البَحْرِ جَمِيعَ خَطَايَاهُمْ" (مِيخَا 7: 19). وَهٰذِهِ الصُّوَرُ تُعَبِّرُ عَنْ إِزَالَةِ الخَطِيئَةِ وَعَدَمِ إِبْقَائِهَا حَاجِزًا فِي العَلَاقَةِ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَانِ.
وَنَجِدُ أَيْضًا الفِعْلَ العِبْرِيَّ נָשָׂא، الَّذِي يَعْنِي فِي أَصْلِهِ "حَمَلَ، رَفَعَ"، وَيُسْتَعْمَلُ أَحْيَانًا بِمَعْنَى حَمْلِ الذَّنْبِ أَوْ رَفْعِهِ، كَمَا فِي تَوَسُّلِ مُوسَى: "وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيئَتَهُمْ..." (خُرُوج 32: 32)، وَفِي قَوْلِ إِخْوَةِ يُوسُفَ: "نَرْجُوكَ أَنْ تَغْفِرَ ذَنْبَ إِخْوَتِكَ وَخَطِيئَتَهُمْ" (تَكْوِين 50: 17).
وَيَرِدُ كَذٰلِكَ جِذْرُ כפר، الَّذِي يَرْتَبِطُ بِفِكْرَةِ التَّكْفِيرِ وَإِزَالَةِ الإِثْمِ، كَمَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ إِشَعْيَاءَ: "فَأُزِيلَ إِثْمُكَ وَكُفِّرَتْ خَطِيئَتُكَ" (إِشَعْيَاء 6: 7). وَمِنْ هُنَا نَرَى أَنَّ العَهْدَ القَدِيمَ لَا يُعَبِّرُ عَنِ المَغْفِرَةِ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ بِحَقْلٍ لُغَوِيٍّ وَرَمْزِيٍّ وَاسِعٍ: مَغْفِرَة، وَرَفْع، وَطَرْح، وَإِزَالَة، وَتَكْفِير.
أَمَّا فِي العَهْدِ الجَدِيدِ، فَإِنَّ أَهَمَّ الأَلْفَاظِ اليُونَانِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ فِي هٰذَا المَجَالِ هِيَ الآتِيَةُ:
أ ἀφίημι — يَغْفِرُ، يَتْرُكُ، يُطْلِقُ، يُسْقِطُ. يَرِدُ هٰذَا الفِعْلُ فِي سُؤَالِ بُطْرُسَ: "كَمْ مَرَّةً يَخْطَأُ إِلَيَّ أَخِي وَأَغْفِرُ لَهُ؟" (مَتَّى 18: 21)، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἀφήσω وَالمَجَالُ الدَّلَالِيُّ لِلْفِعْلِ ἀφίημι وَاسِعٌ، إِذْ يَعْنِي "يَتْرُكُ، يُطْلِقُ، يُعْفِي، يُسْقِطُ دَيْنًا، يَغْفِرُ". وَهٰذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَ صُورَةَ الدَّيْنِ فِي مَثَلِ مَتَّى 18 صُورَةً مُنَاسِبَةً لِمَغْفِرَةِ الخَطِيئَةِ. فَالمَغْفِرَةُ، فِي هٰذَا المَعْنَى، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَعْلِيقِ العُقُوبَةِ، بَلْ تَرْكُ المُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ وَإِطْلَاقُ المَدِينِ مِنْهُ.
ب αἴρω — يَرْفَعُ، يَحْمِلُ، يُزِيلُ: يَعْنِي الفِعْلُ αἴρω "يَرْفَعُ، يَحْمِلُ، يَأْخُذُ، يُزِيلُ". وَيَرِدُ فِي شَهَادَةِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ لِيَسُوعَ: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَمِ" (يُوحَنَّا 1: 29)، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ὁ αἴρων τὴν ἁμαρτίαν τοῦ κόσμου وَيَحْمِلُ التَّعْبِيرُ مَعْنَى أَنْ يَحْمِلَ المَسِيحُ الخَطِيئَةَ وَيُزِيلَ سُلْطَانَهَا.
ج ἀπολύω — يُطْلِقُ، يَحُلُّ، يُعْفِي: يَرِدُ الفِعْلُ ἀπολύω فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ: "أَعْفُوا يُعْفَ عَنْكُمْ" (لُوقَا 6: 37)، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἀπολύετε καὶ ἀπολυθήσεσθε وَالمَعْنَى الأَسَاسِيُّ لِلْفِعْلِ هُوَ "يُطْلِقُ، يُحَرِّرُ، يَدَعُ الإِنْسَانَ يَمْضِي". وَمِنْ هُنَا تَأْتِي صُورَةُ المَغْفِرَةِ بِوَصْفِهَا إِطْلَاقًا وَتَحْرِيرًا مِنَ القَيْدِ.
د χαρίζομαι — يَمْنَحُ بِالنِّعْمَةِ، يَصْفَحُ: يَرِدُ الفِعْلُ χαρίζομαι فِي قَوْلِ بُولُسَ: "يَغْفِرُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ، كَمَا غَفَرَ اللهُ لَكُمْ فِي المَسِيحِ" (أَفَسُس 4: 32)، وَفِي اليُونَانِيَّةِ χαριζόμενοι ἑαυτοῖς... ὁ Θεὸς ἐχαρίσατο ὑμῖν. وَهٰذَا الفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنْ χάρις، "النِّعْمَة"، وَمِنْ ثَمَّ يَحْمِلُ مَعْنَى المَنْحِ المَجَّانِيِّ وَالصَّفْحِ النَّابِعِ مِنَ النِّعْمَةِ.
هـ ἵλεως ἔσομαι — أَكُونُ رَحِيمًا وَصَفُوحًا: وَيَرِدُ التَّعْبِيرُ ἵλεως ἔσομαι فِي عِبْرَانِيِّينَ 8: 12:"لأَنِّي أَكُونُ صَفُوحًا عَنْ آثَامِهِمْ، وَلَا أَذْكُرُ خَطَايَاهُمْ مِنْ بَعْدُ". وَالصِّفَةُ ἵλεως تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَالرَّحْمَةِ وَالصَّفْحِ.
المَغْفِرَةُ وَالعَفْوُ وَالمُسَامَحَةُ وَالصَّفْحُ: وَفِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ نَسْتَعْمِلُ أَلْفَاظًا مُتَقَارِبَةً، مِثْلَ المَغْفِرَةِ، وَالعَفْوِ، وَالمُسَامَحَةِ، وَالصَّفْحِ. وَيُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا مِنَ النَّاحِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، وَلٰكِنْ لَا يَنْبَغِي تَحْوِيلُ هٰذِهِ الفُرُوقِ إِلَى تَعْرِيفَاتٍ لَاهُوتِيَّةٍ جَامِدَةٍ، لأَنَّ الأَلْفَاظَ الكِتَابِيَّةَ تَتَدَاخَلُ فِي دَلَالَاتِهَا بِحَسَبِ السِّيَاقِ.
فَـالعَفْوُ يُفِيدُ تَرْكَ العُقُوبَةِ أَوِ المُطَالَبَةِ بِالحَقِّ،
وَالمُسَامَحَةُ تُبْرِزُ تَرْكَ اللَّوْمِ وَالمُؤَاخَذَةِ وَالتَّجَاوُزَ عَنِ الإِسَاءَةِ،
وَالصَّفْحُ يَحْمِلُ مَعْنَى تَجَاوُزِ الإِسَاءَةِ وَعَدَمِ مُوَاصَلَةِ مُعَامَلَةِ المُخْطِئِ عَلَى أَسَاسِهَا،
أَمَّا المَغْفِرَةُ فَفِي السِّيَاقِ الكِتَابِيِّ فَهِيَ عَمَلُ رَحْمَةٍ يُزِيلُ حَاجِزَ الخَطِيئَةِ وَيَفْتَحُ بَابَ العَلَاقَةِ المُتَجَدِّدَةِ.
المَغْفِرَةُ هِيَ إِزَالَةُ الذَّنْبِ مِنْ وَجْهِ العَلَاقَةِ، وَالتَّخَلِّي عَنِ المُطَالَبَةِ الانْتِقَامِيَّةِ، وَفَتْحُ بَابِ الرَّحْمَةِ وَالتَّجَدُّدِ وَالمُصَالَحَةِ. وَلَا تَعْنِي المَغْفِرَةُ النِّسْيَانَ النَّفْسِيَّ الحَرْفِيَّ؛ فَقَدْ يَبْقَى الإِنْسَانُ ذَاكِرًا لِلإِسَاءَةِ وَآلَامِهَا. إِنَّمَا تَعْنِي أَلَّا يَبْقَى ذٰلِكَ الحَدَثُ أَسَاسًا لِلحِقْدِ وَالانْتِقَامِ وَالرَّغْبَةِ فِي إِهْلَاكِ الآخَرِ. وَعِنْدَمَا يَقُولُ اللهُ: "لَا أَذْكُرُ خَطِيئَتَهُمْ مِنْ بَعْدُ"، فَالمَقْصُودُ لَيْسَ فَقْدَانَ الذَّاكِرَةِ، بَلْ عَدَمَ مُعَامَلَةِ الإِنْسَانِ بَعْدَ ذٰلِكَ عَلَى أَسَاسِ ذَنْبٍ غُفِرَ لَهُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللهُ هُوَ الغَافِرَ، كَمَا فِي تَوَسُّلِ مُوسَى: "اغْفِرْ إِثْمَ هٰذَا الشَّعْبِ بِحَسَبِ عَظِيمِ رَحْمَتِكَ" (عَدَد 14: 19)، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ مَدْعُوًّا إِلَى أَنْ يَغْفِرَ لأَخِيهِ، كَمَا فِي قَوْلِ إِخْوَةِ يُوسُفَ: "نَرْجُوكَ أَنْ تَغْفِرَ ذَنْبَ إِخْوَتِكَ وَخَطِيئَتَهُمْ" (تَكْوِين 50: 17).
أَمَّا "مَغْفِرَةُ الإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ" فَهِيَ عِبَارَةٌ رَعَوِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ مُعَاصِرَةٌ مُفِيدَةٌ فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ، وَلٰكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ التَّعَابِيرِ الكِتَابِيَّةِ الأَسَاسِيَّةِ لِلمَغْفِرَةِ. فَالكِتَابُ المُقَدَّسُ يُرَكِّزُ أَوَّلًا عَلَى مَغْفِرَةِ اللهِ لِلإِنْسَانِ وَمَغْفِرَةِ الإِنْسَانِ لأَخِيهِ.
وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ المَغْفِرَةَ الكِتَابِيَّةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى عَمَلٍ سَلْبِيٍّ، كَأَنْ نَمْتَنِعَ عَنِ الانْتِقَامِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ حَرَكَةُ تَحَرُّرٍ دَاخِلِيٍّ، وَتَرْكٌ لِلْحِقْدِ، وَقَبُولٌ لِرَحْمَةِ اللهِ، وَاسْتِعْدَادٌ لِفَتْحِ طَرِيقٍ نَحْوَ الشِّفَاءِ وَالمُصَالَحَةِ مَتَى أَصْبَحَتْ مُمْكِنَةً. المَغْفِرَةُ هِيَ أَنْ أَتْرُكَ حَقَّ الانْتِقَامِ، وَأَلَّا أَجْعَلَ إِسَاءَةَ الآخَرِ آخِرَ كَلِمَةٍ فِي عِلَاقَتِي بِهِ، وَأَنْ أَفْتَحَ قَلْبِي لِرَحْمَةِ اللهِ الَّتِي تُحَرِّرُنِي مِنْ سُلْطَانِ الحِقْدِ وَتَجْعَلُنِي قَادِرًا عَلَى الرَّحْمَةِ.
2. مَغْفِرَةُ اللهِ
إِنَّ مَغْفِرَةَ اللهِ لِلإِنْسَانِ هِيَ المَصْدَرُ وَالنَّمُوذَجُ الَّذِي تَنْبَعُ مِنْهُ مَغْفِرَةُ الإِنْسَانِ لأَخِيهِ. فَاللهُ هُوَ، فِي المَعْنَى اللَّاهُوتِيِّ العَمِيقِ، غَافِرُ الخَطَايَا؛ لأَنَّ الخَطِيئَةَ تَمَسُّ أَوَّلًا عِلَاقَةَ الإِنْسَانِ بِاللهِ، وَاللهُ وَحْدَهُ يَمْلِكُ أَنْ يَرُدَّ الخَاطِئَ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَهُ وَيَمْنَحَهُ نِعْمَةَ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ.
وَمَعَ ذٰلِكَ، لَا يَنْبَغِي أَنْ نَجْعَلَ تَمْيِيزًا مُطْلَقًا بَيْنَ الغُفْرَانِ الإِلٰهِيِّ وَالصَّفْحِ البَشَرِيِّ، كَأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ "يَغْفِرَ" حَقًّا؛ فَيَسُوعُ نَفْسُهُ يَأْمُرُ تَلَامِيذَهُ أَنْ يَغْفِرُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ (مَتَّى 18: 21–35). إِنَّمَا الفَرْقُ هُوَ أَنَّ اللهَ يَغْفِرُ الخَطِيئَةَ فِي عِلَاقَةِ الإِنْسَانِ بِهِ، وَيَهَبُ النِّعْمَةَ وَالتَّجْدِيدَ الدَّاخِلِيَّ؛ أَمَّا الإِنْسَانُ فَيَغْفِرُ الإِسَاءَةَ الَّتِي وُجِّهَتْ إِلَيْهِ، وَيَتْرُكُ الحِقْدَ وَالانْتِقَامَ وَالمُطَالَبَةَ الشَّخْصِيَّةَ بِالثَّأْرِ.
فَعِنْدَمَا يَغْفِرُ لِي إِنْسَانٌ إِسَاءَةً صَدَرَتْ مِنِّي، فَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْفُضَ مُوَاصَلَةَ إِدَانَتِي وَمُعَامَلَتِي عَلَى أَسَاسِ خَطَإٍ مَاضٍ، وَأَنْ يَفْتَحَ مَعِي، مَتَى أَمْكَنَ ذٰلِكَ، طَرِيقًا جَدِيدًا نَحْوَ المُصَالَحَةِ. لٰكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ، بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، أَنْ يَهَبَنِي نِعْمَةَ التَّجَدُّدِ الدَّاخِلِيِّ، أَوْ أَنْ يُحَرِّرَنِي مِنْ سُلْطَانِ الخَطِيئَةِ فِي عِلَاقَتِي بِاللهِ. هٰذَا هُوَ عَمَلُ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ فِي الإِنْسَانِ.
وَمَغْفِرَةُ اللهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَغَاضٍ عَنِ الخَطِيئَةِ، بَلْ هِيَ عَمَلٌ خَلَاصِيٌّ فَعَّالٌ يُعِيدُ الإِنْسَانَ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ وَيَفْتَحُ أَمَامَهُ بَابَ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ. وَيُعَبِّرُ النَّبِيُّ إِشَعْيَاءُ عَنْ قُوَّةِ هٰذَا التَّحْوِيلِ بِقَوْلِ الرَّبِّ: "لَوْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ، وَلَوْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالأُرْجُوَانِ تَصِيرُ كَالصُّوفِ" (إِشَعْيَاء 1: 18).
وَيَرِدُ المَعْنَى نَفْسُهُ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ: "وَلَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ وَآثَامَهُمْ مِنْ بَعْدُ" (عِبْرَانِيِّينَ 10: 17؛ إِرْمِيَا 31: 34). وَلَا يَعْنِي قَوْلُ اللهِ "لَنْ أَذْكُرَ" أَنَّ اللهَ يَنْسَى بِالمَعْنَى البَشَرِيِّ، فَاللهُ كُلِّيُّ العِلْمِ؛ بَلْ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَعُودُ يُحَاسِبُ الخَاطِئَ عَلَى خَطِيئَةٍ غُفِرَتْ، وَلَا يَجْعَلُهَا حَاجِزًا فِي عِلَاقَتِهِ بِهِ.
وَيُقَدِّمُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ الخَاطِئَ أَيْضًا فِي صُورَةِ المَدِينِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوَفِّيَ دَيْنَهُ، وَاللهَ فِي صُورَةِ السَّيِّدِ الَّذِي يُسْقِطُ الدَّيْنَ بِرَحْمَتِهِ (رَاجِعْ مَتَّى 18: 23–27). غَيْرَ أَنَّ المَغْفِرَةَ الإِلٰهِيَّةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى إِلْغَاءِ الدَّيْنِ، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا تَحْرِيرَ الإِنْسَانِ مِنْ سُلْطَانِ الخَطِيئَةِ وَإِعَادَتَهُ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ.
وَيَبْلُغُ هٰذَا العَمَلُ الخَلَاصِيُّ ذِرْوَتَهُ فِي يَسُوعَ المَسِيحِ، إِذْ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "ذَاكَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفِ الخَطِيئَةَ جَعَلَهُ اللهُ خَطِيئَةً مِنْ أَجْلِنَا، كَيْمَا نَصِيرَ فِيهِ بِرَّ اللهِ" (2 قُورِنْثُس 5: 21). وَالمَقْصُودُ لَيْسَ أَنَّ المَسِيحَ أَصْبَحَ خَاطِئًا، بَلْ أَنَّهُ حَمَلَ، فِي سِرِّ الصَّلِيبِ، وَاقِعَ الخَطِيئَةِ وَنَتَائِجَهَا مِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا.
وَمِنْ هُنَا، فَالإِنْسَانُ الَّذِي يَقْبَلُ نِعْمَةَ المَسِيحِ لَا يَبْقَى تَحْتَ حُكْمِ الخَطِيئَةِ كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ، إِذْ يَقُولُ بُولُسُ: "فَلَيْسَ بَعْدَ الآنَ مِنْ حُكْمٍ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ" (رُومَة 8: 1). وَكَذٰلِكَ: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المَسِيحِ فَهُوَ خَلْقٌ جَدِيدٌ" (2 قُورِنْثُس 5: 17). فَالغُفْرَانُ الإِلٰهِيُّ، إِذًا، لَا يَقُولُ لِلإِنْسَانِ فَقَطْ: "لَا أُعَاقِبُكَ"، بَلْ يَفْتَحُ أَمَامَهُ أُفُقًا جَدِيدًا: "قُمْ وَعِشْ حَيَاةً جَدِيدَةً". فَهُوَ مَغْفِرَةٌ تُصَالِحُ، وَنِعْمَةٌ تُجَدِّدُ، وَرَحْمَةٌ تُحَرِّرُ.
وَهُنَا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ مَغْفِرَةِ اللهِ وَمَغْفِرَةِ الإِنْسَانِ فِي عُمْقِهِ: الإِنْسَانُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتْرُكَ الإِسَاءَةَ وَيَغْفِرَ لِمَنْ أَخْطَأَ إِلَيْهِ؛ أَمَّا اللهُ فَيَسْتَطِيعُ، فَوْقَ ذٰلِكَ، أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الخَاطِئِ إِنْسَانًا جَدِيدًا بِنِعْمَتِهِ. بوقلنا "اللهَ يَنْسَى عِنْدَمَا يَغْفِرُ، أَمَّا الإِنْسَانُ فَيَغْفِرُ وَلَا يَنْسَى" تعني ان َاللهُ لَا يَنْسَى بِمَعْنَى فَقْدَانِ المَعْرِفَةِ، بَلْ يَغْفِرُ بِحَيْثُ لَا يَعُودُ يَنْسِبُ الخَطِيئَةَ إِلَى الخَاطِئِ كَحَاجِزٍ بَيْنَهُمَا. وَالإِنْسَانُ أَيْضًا لَا يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَمْحُوَ ذَاكِرَتَهُ، بَلْ أَنْ يَمْنَعَ الذَّاكِرَةَ مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى حِقْدٍ وَانْتِقَامٍ.
وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ مَغْفِرَةَ اللهِ هِيَ مَغْفِرَةٌ خَالِقَةٌ وَمُجَدِّدَةٌ: تَمْحُو الذَّنْبَ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَاجِزٌ فِي العَلَاقَةِ مَعَ اللهِ، وَتُحَرِّرُ مِنْ سُلْطَانِ الخَطِيئَةِ، وَتُعِيدُ الإِنْسَانَ إِلَى الشَّرِكَةِ، وَتَفْتَحُ أَمَامَهُ طَرِيقَ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ فِي المَسِيحِ. فَاللهُ لَا يَغْفِرُ لَنَا فَقَطْ مَا كُنَّا عَلَيْهِ، بَلْ بِنِعْمَتِهِ يَفْتَحُ أَمَامَنَا أَنْ نَصِيرَ مَا يَدْعُونَا إِلَيْهِ.
3. مواقف ضرورية لقبول المَغْفِرَةِ والعيش فيها
المَوْقِفُ الأول: الاعْتِرَافَ بِالخَطِيئَةِ وَالتَّوْبَةَ عَنْهَا: يُعَلِّمُنَا القِدِّيسُ يُوحَنَّا الرَّسُولُ فِي رِسَالَتِهِ الأُولَى أَنَّ مِنَ المَوَاقِفِ الأَسَاسِيَّةِ لِقَبُولِ مَغْفِرَةِ اللهِ الاعْتِرَافَ بِالخَطِيئَةِ وَالتَّوْبَةَ عَنْهَا، إِذْ يَقُولُ:" وَإِذَا اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَإِنَّهُ أَمِينٌ بَارٌّ، يَغْفِرُ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1 يُوحَنَّا 1: 9). وَالفِعْلُ اليُونَانِيُّ ὁμολογῶμεν ، "نَعْتَرِفُ"، يَعْنِي أَصْلًا "نَقُولُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ، نُقِرُّ، نَعْتَرِفُ بِالحَقِيقَةِ". وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَتَلَقَّى المَغْفِرَةَ وَهُوَ يُنْكِرُ خَطِيئَتَهُ أَوْ يُبَرِّرُهَا، بَلْ حِينَ يَقِفُ أَمَامَ اللهِ بِصِدْقٍ، وَيُسَمِّي الخَطِيئَةَ بِاسْمِهَا، وَيَطْلُبُ الرَّحْمَةَ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ صَاحِبُ المَزْمُورِ فِي صَلَاةِ التَّوْبَةِ: "ارْحَمْنِي يَا أَللهُ بِحَسَبِ رَحْمَتِكَ... فَإِنِّي عَالِمٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيئَتِي أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ" (مَزْمُور 51 [50]: 3، 5). فَالاعْتِرَافُ بِالخَطِيئَةِ لَا يَقُودُ إِلَى اليَأْسِ، بَلْ إِلَى الرَّحْمَةِ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ حِينَ يَكْشِفُ جُرْحَهُ أَمَامَ اللهِ يَفْتَحُهُ أَمَامَ عَمَلِ النِّعْمَةِ.
وَلَا تَتَغَلَّبُ خَطِيئَةُ الإِنْسَانِ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ حِينَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِقَلْبٍ تَائِبٍ؛ فَاللهُ يَقُولُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ هُوشَعَ: "أَرْحَمُ لَا رُحْمَةَ" (هُوشَع 2: 23). وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ الرَّحْمَةَ الإِلٰهِيَّةَ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تَفْتَحَ أَمَامَ الخَاطِئِ بَدَايَةً جَدِيدَةً. وَتَظْهَرُ سَعَةُ هٰذِهِ الرَّحْمَةِ أَيْضًا فِي خَاتِمَةِ سِفْرِ يُونَانَ، حِينَ يَقُولُ اللهُ: "أَفَلَا أُشْفِقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى، المَدِينَةِ العَظِيمَةِ، الَّتِي فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رِبْوَةً مِنْ أُنَاسٍ لَا يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، مَا عَدَا بَهَائِمَ كَثِيرَةً؟" (يُونَان 4: 11). فَالرَّحْمَةُ لَا تَكْتَفِي بِالتَّغَاضِي عَنِ المَاضِي، بَلْ تَخْلُقُ إمْكَانَ بَدَايَةٍ جَدِيدَةٍ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الاعْتِرَافَ وَالتَّوْبَةَ لَيْسَا ثَمَنًا يُدْفَعُ لِشِرَاءِ الغُفْرَانِ، بَلْ هُمَا انْفِتَاحُ القَلْبِ لِقَبُولِ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَبْدَأُ بِهَا اللهُ.
أَمَّا المَوْقِفُ الثَّانِي: فَهُوَ مَغْفِرَةُ الآخَرِينَ
يُبْرِزُ يَسُوعُ فِي مَثَلِ الخَادِمِ الَّذِي لَا يَغْفِرُ أَنَّ مَنْ نَالَ رَحْمَةَ اللهِ يُدْعَى إِلَى أَنْ يُحَوِّلَ هٰذِهِ الرَّحْمَةَ إِلَى سُلُوكٍ تُجَاهَ إِخْوَتِهِ. وَهٰذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ السَّيِّدِ لِخَادِمِهِ: "أَفَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْتَ أَيْضًا أَنْ تَرْحَمَ صَاحِبَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" (مَتَّى 18: 33). وَاللَّافِتُ فِي هٰذِهِ الآيَةِ هُوَ التَّعْبِيرُ اليُونَانِيُّ ὡς κἀγὼ σὲ ἠλέησα، أَيْ: "كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا". فَرَحْمَةُ اللهِ لَا تَكُونُ فَقَطْ عَطِيَّةً نَتَلَقَّاهَا، بَلْ مِقْيَاسًا نَتَعَلَّمُ مِنْهُ كَيْفَ نُعَامِلُ الآخَرِينَ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَغْفِرَةَ الآخَرِ لَيْسَتْ شَرْطًا خَارِجِيًّا يُفْرَضُ عَلَى الإِنْسَانِ لِيَسْتَحِقَّ مَغْفِرَةَ اللهِ، بَلْ هِيَ ثَمَرَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِقَلْبٍ قَبِلَ الرَّحْمَةَ الإِلٰهِيَّةَ حَقًّا. فَمَنْ يَطْلُبُ الغُفْرَانَ لِنَفْسِهِ وَيَرْفُضُهُ رَفْضًا مُطْلَقًا عَنْ غَيْرِهِ، يَكْشِفُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ بَعْدُ لِرَحْمَةِ اللهِ أَنْ تَتَجَذَّرَ فِي قَلْبِهِ.
وَيُقَدِّمُ يَسُوعُ الآبَ السَّمَاوِيَّ مِثَالًا أَعْلَى لِلرَّحْمَةِ، إِذْ يَقُولُ: "كُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ رَحِيمٌ" (لُوقَا 6: 36). فَالمَطْلُوبُ مِنَ التِّلْمِيذِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الامْتِنَاعِ عَنِ الانْتِقَامِ، بَلْ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِقَلْبِ الآبِ الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى الرَّحْمَةِ. وَبِالمَعْنَى نَفْسِهِ يَقُولُ يَسُوعُ: "لِكَيْ تَكُونُوا بَنِي أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُطْلِعُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالأَخْيَارِ" (مَتَّى 5: 45). فَالتَّشَبُّهُ بِاللهِ يَظْهَرُ خُصُوصًا فِي القُدْرَةِ عَلَى إِظْهَارِ الخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ حَتَّى حِينَ لَا يَكُونُ الآخَرُ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا.
وَهٰذَا لَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ إِسَاءَةٍ صَدَرَتْ مِنَ الآخَرِينَ هِيَ تَافِهَةٌ أَوْ غَيْرُ مُؤْلِمَةٍ، بَلْ إِنَّ يَسُوعَ يَضَعُهَا فِي ضَوْءِ الرَّحْمَةِ الأَعْظَمِ الَّتِي نِلْنَاهَا مِنَ اللهِ. فَمِائَةُ الدَّنَانِيرِ فِي المَثَلِ دَيْنٌ حَقِيقِيٌّ، وَلٰكِنَّهُ يَبْقَى ضَئِيلًا أَمَامَ عَشَرَةِ آلَافِ وَزْنَةٍ الَّتِي أَسْقَطَهَا السَّيِّدُ عَنْ خَادِمِهِ.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ حَجْبَ المَغْفِرَةِ عَنِ الآخَرِينَ بَعْدَ أَنْ نِلْنَا المَغْفِرَةَ يَكْشِفُ عَنْ نَقْصٍ فِي فَهْمِنَا لِرَحْمَةِ اللهِ وَتَقْدِيرِنَا لَهَا. فَالخَادِمُ القَاسِي لَمْ يُدَنْ لأَنَّهُ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَفِيقِهِ، بَلْ لأَنَّهُ نَسِيَ الرَّحْمَةَ الَّتِي نَالَهَا وَرَفَضَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُسْلُوبَ حَيَاتِهِ. وَيُعَبِّرُ يَسُوعُ عَنْ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ بِوُضُوحٍ فِي تَعْلِيمِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: "فَإِنْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ لَا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ زَلَّاتِكُمْ" (مَتَّى 6: 14–15).
وَمَرَّةً أُخْرَى، لَا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ مَغْفِرَتَنَا لِلآخَرِينَ تَسْبِقُ نِعْمَةَ اللهِ أَوْ تَشْتَرِيهَا؛ بَلْ إِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يُبَادِرُ، وَمَغْفِرَتُنَا لِلآخَرِينَ تُظْهِرُ أَنَّنَا قَبِلْنَا هٰذِهِ المُبَادَرَةَ وَسَمَحْنَا لَهَا أَنْ تُغَيِّرَ قُلُوبَنَا. وَمِنْ ثَمَّ، يُمْكِنُ تَلْخِيصُ مَوَاقِفِ قَبُولِ المَغْفِرَةِ فِي أَمْرَيْنِ مُتَرَابِطَيْنِ: الاعْتِرَافُ بِالخَطِيئَةِ وَالتَّوْبَةُ أَمَامَ اللهِ، ثُمَّ الاسْتِعْدَادُ لِمَغْفِرَةِ الآخَرِينَ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ. فَالقَلْبُ الَّذِي يَقُولُ لِلَّهِ: "ارْحَمْنِي" يُدْعَى فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ إِلَى أَنْ يَقُولَ لأَخِيهِ: "أَنَا أَيْضًا أَرْحَمُكَ، لأَنَّنِي أَوَّلًا قَدْ رُحِمْتُ".
4. مَغْفِرَةُ الإِنْسَانِ لأَخِيهِ الإِنْسَانِ
إِذَا اخْتَبَرَ الإِنْسَانُ مَغْفِرَةَ اللهِ وَرَحْمَتَهُ، فَهُوَ يُدْعَى بِدَوْرِهِ إِلَى أَنْ يَغْفِرَ لأَخِيهِ الإِنْسَانِ. وَيُعَبِّرُ يَسُوعُ عَنْ هٰذَا التَّرَابُطِ بِوُضُوحٍ فِي قَوْلِهِ: "فَإِنْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ لَا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ زَلَّاتِكُمْ" (مَتَّى 6: 14–15). فَمَغْفِرَةُ الآخَرِ لَيْسَتْ عَمَلًا إِضَافِيًّا فِي الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ، بَلْ هِيَ ثَمَرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لِمَنْ قَبِلَ رَحْمَةَ اللهِ وَسَمَحَ لَهَا أَنْ تُغَيِّرَ قَلْبَهُ.
وَمُنْذُ العَهْدِ القَدِيمِ، لَمْ تَقْتَصِرِ الشَّرِيعَةُ عَلَى وَضْعِ حَدٍّ لِلتَّصَاعُدِ فِي الانْتِقَامِ مِنْ خِلَالِ مَبْدَإِ "عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ" (خُرُوج 21: 23–25)، بَلْ مَنَعَتْ أَيْضًا الحِقْدَ وَالانْتِقَامَ الشَّخْصِيَّ: "لَا تَنْتَقِمْ وَلَا تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، وَأَحْبِبْ قَرِيبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ" (أَحْبَار 19: 18). وَيَبْقَى الحُكْمُ النِّهَائِيُّ لِلَّهِ: "لِيَ الانْتِقَامُ وَالمُجَازَاةُ" (تَثْنِيَة 32: 35). وَيُقَدِّمُ العَهْدُ القَدِيمُ أَمْثِلَةً مُهِمَّةً عَلَى تَجَاوُزِ الإِسَاءَةِ وَإِعَادَةِ بِنَاءِ العَلَاقَةِ؛ مِنْهَا لِقَاءُ عِيسُو بِأَخِيهِ يَعْقُوبَ وَاسْتِقْبَالُهُ لَهُ (تَكْوِين 33)، وَخَاصَّةً مَوْقِفُ يُوسُفَ مِنْ إِخْوَتِهِ الَّذِينَ بَاعُوهُ إِلَى مِصْرَ، حِينَ قِيلَ لَهُ: "نَرْجُوكَ أَنْ تَغْفِرَ ذَنْبَ إِخْوَتِكَ وَخَطِيئَتَهُمْ، فَقَدْ فَعَلُوا بِكَ سُوءًا" (تَكْوِين 50: 17).
أَمَّا فِي العَهْدِ الجَدِيدِ، فَتَأْخُذُ وَصِيَّةُ المَغْفِرَةِ بُعْدًا أَكْثَرَ جِذْرِيَّةً. يَقُولُ يَسُوعُ: "وَإِذَا خَطِئَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي اليَوْمِ، وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: أَنَا تَائِبٌ، فَاغْفِرْ لَهُ" (لُوقَا 17: 4)، وَيَقُولُ أَيْضًا: "لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مَتَّى 18: 22). فَالمَغْفِرَةُ المَسِيحِيَّةُ لَا تَخْضَعُ لِمَنْطِقِ العَدِّ وَالحِسَابِ.
وَكَذٰلِكَ، حِينَ يَقُولُ يَسُوعُ: "لَا تُقَاوِمُوا الشِّرِّيرَ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ" (مَتَّى 5: 39)، فَهُوَ لَا يَدْعُو إِلَى تَبْرِيرِ الشَّرِّ أَوِ الاسْتِسْلَامِ لَهُ، بَلْ إِلَى رَفْضِ مُقَابَلَةِ العُنْفِ بِعُنْفٍ مُمَاثِلٍ، وَرَفْضِ جَعْلِ الانْتِقَامِ قَاعِدَةً لِلسُّلُوكِ.
وَيَظْهَرُ هٰذَا التَّمْيِيزُ فِي مَوْقِفِ يَسُوعَ نَفْسِهِ حِينَ لَطَمَهُ أَحَدُ الحَرَسِ؛ فَلَمْ يَرُدَّ الضَّرْبَةَ بِضَرْبَةٍ، وَلَمْ يَسْكُتْ عَنِ الظُّلْمِ، بَلْ قَالَ: "إِنْ كُنْتُ أَسَأْتُ فِي الكَلَامِ فَبَيِّنِ الإِسَاءَةَ، وَإِنْ كُنْتُ أَحْسَنْتُ فِي الكَلَامِ فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟" (يُوحَنَّا 18: 23). فَالمَغْفِرَةُ لَا تَعْنِي الصَّمْتَ عَنِ الظُّلْمِ، بَلْ تَعْنِي مُوَاجَهَتَهُ مِنْ دُونِ السُّقُوطِ فِي مَنْطِقِ الانْتِقَامِ. وَيُعَبِّرُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَنْ هٰذَا المَبْدَإِ بِقَوْلِهِ: "لَا تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَفْسِحُوا مَجَالًا لِلْغَضَبِ؛ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِيَ الانْتِقَامُ، أَنَا الَّذِي أُجَازِي، يَقُولُ الرَّبُّ" (رُومَة 12: 19)، ثُمَّ يَخْتِمُ: "لَا تَدَعِ الشَّرَّ يَغْلِبُكَ، بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالخَيْرِ" (رُومَة 12: 21).
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المَغْفِرَةَ لَا تَعْنِي إِلْغَاءَ العَدَالَةِ. وَقَدْ شَدَّدَ القِدِّيسُ البَابَا يُوحَنَّا بُولُسُ الثَّانِي عَلَى هٰذَا التَّوَازُنِ فِي رِسَالَتِهِ العَامَّةِ "الغَنِيُّ بِالمَرَاحِمِ" (Dives in Misericordia)، العَدَد 14، إِذْ يُؤَكِّدُ أَنَّ المَغْفِرَةَ لَا تُلْغِي المُتَطَلَّبَاتِ المَوْضُوعِيَّةَ لِلْعَدَالَةِ، وَلَا تَعْنِي التَّسَاهُلَ مَعَ الشَّرِّ أَوِ الإِسَاءَةِ؛ بَلْ إِنَّ إِصْلَاحَ الشَّرِّ وَجَبْرَ الضَّرَرِ وَالتَّعْوِيضَ عَنِ الإِسَاءَةِ تَبْقَى عَنَاصِرَ مُهِمَّةً فِي طَرِيقِ المُصَالَحَةِ. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يُؤَكِّدُ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَا تُنَاقِضُ العَدَالَةَ، بَلْ تَمْنَحُهَا بُعْدًا أَعْمَقَ يَحْفَظُ كَرَامَةَ الإِنْسَانِ.
وَبِذٰلِكَ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ المَغْفِرَةِ وَالمُصَالَحَةِ وَإِعَادَةِ الثِّقَةِ. فَقَدْ يَغْفِرُ الإِنْسَانُ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، أَيْ يَرْفُضُ الحِقْدَ وَالانْتِقَامَ وَيَتْرُكُ الحُكْمَ النِّهَائِيَّ لِلَّهِ، بَيْنَمَا تَحْتَاجُ المُصَالَحَةُ الكَامِلَةُ إِلَى تَوْبَةٍ وَصِدْقٍ وَإِصْلَاحٍ لِلضَّرَرِ، وَقَدْ تَحْتَاجُ إِعَادَةُ الثِّقَةِ إِلَى زَمَنٍ وَإِلَى بَرَاهِينِ عَمَلِيَّةٍ عَلَى تَغَيُّرِ السُّلُوكِ. وَلِذٰلِكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ المَغْفِرَةَ تَعْنِي "أَنْ يَتَصَرَّفَ المُسَاءُ إِلَيْهِ كَأَنَّ الإِسَاءَةَ لَمْ تَحْدُثْ"؛ فَالإِسَاءَةُ قَدْ حَدَثَتْ فِعْلًا، وَقَدْ تَرَكْتْ جُرْحًا حَقِيقِيًّا. إِنَّمَا المَغْفِرَةُ تَعْنِي أَلَّا يَجْعَلَ الإِنْسَانُ ذٰلِكَ الجُرْحَ مَصْدَرًا لِحِقْدٍ دَائِمٍ أَوْ رَغْبَةٍ فِي الانْتِقَامِ.
وَكَذٰلِكَ فَالمَغْفِرَةُ لَيْسَتْ نِسْيَانًا؛ فَقَدْ تَبْقَى الذِّكْرَى، وَقَدْ يَبْقَى الأَلَمُ مُدَّةً طَوِيلَةً. وَالنِّسْيَانُ، إِذَا حَصَلَ، لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ المَغْفِرَةِ. بَلِ المَغْفِرَةُ هِيَ أَنْ نَذْكُرَ مِنْ دُونِ أَنْ نَسْمَحَ لِلذِّكْرَى أَنْ تَسْتَعْبِدَنَا بِالحِقْدِ.
وَلَيْسَتِ المَغْفِرَةُ ضَعْفًا، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى شَجَاعَةٍ دَاخِلِيَّةٍ وَحُرِّيَّةٍ رُوحِيَّةٍ؛ لأَنَّ الانْتِقَامَ قَدْ يَكُونُ رَدَّ فِعْلٍ فَوْرِيًّا، أَمَّا المَغْفِرَةُ فَتَتَطَلَّبُ قَرَارًا بِأَلَّا نَدَعَ الشَّرَّ الَّذِي فُعِلَ بِنَا يُنْتِجُ فِينَا شَرًّا جَدِيدًا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَعْنَى بِأَنَّ مَنْ يَحْمِلُ الحِقْدَ وَيَطْلُبُ الانْتِقَامَ يُسِيءُ إِلَى نَفْسِهِ رُوحِيًّا قَبْلَ أَنْ يُسِيءَ إِلَى خَصْمِهِ؛ لأَنَّهُ يَحْرِمُ نَفْسَهُ مِنْ ثَمَرِ الرَّحْمَةِ الَّتِي دُعِيَ إِلَى عَيْشِهَا. وَفِي شَرْحِهِ لِمَثَلِ الخَادِمِ القَاسِي، يَشَدِّدُ عَلَى أَنَّ تَذَكُّرَ خَطَايَانَا وَمَا نِلْنَاهُ مِنْ مَغْفِرَةٍ يَجْعَلُنَا أَقَلَّ قَسْوَةً تُجَاهَ الآخَرِينَ (PG 58, 591–596).
وَمِنْ أَجْمَلِ الأَمْثِلَةِ المُعَاصِرَةِ عَلَى المَغْفِرَةِ مَوْقِفُ القِدِّيسِ البَابَا يُوحَنَّا بُولُسِ الثَّانِي مِنْ مُحَمَّد عَلِي أَغْجَا، الَّذِي أَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّارَ فِي سَاحَةِ القِدِّيسِ بُطْرُسَ فِي 13 أَيَّار 1981. فَقَدْ أَعْلَنَ البَابَا غُفْرَانَهُ لِمُهَاجِمِهِ، ثُمَّ زَارَهُ فِي السِّجْنِ فِي رُومَا فِي كانون الأول 1983، وَالْتَقَى بِهِ شَخْصِيًّا. وَهُنَا تَظْهَرُ المَغْفِرَةُ لَا كَإِنْكَارٍ لِخُطُورَةِ الجَرِيمَةِ، وَلَا كَإِلْغَاءٍ لِلعَدَالَةِ القَضَائِيَّةِ، بَلْ كَرَفْضٍ لِلحِقْدِ وَرَغْبَةِ الانْتِقَامِ.
وَيَتَّضِحُ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّ المَغْفِرَةَ لَا تَعْنِي أَنْ يَنْتَظِرَ المُسَاءُ إِلَيْهِ دَائِمًا حَتَّى يَطْلُبَ المُسِيءُ العَفْوَ قَبْلَ أَنْ يَتْرُكَ الحِقْدَ. فَإِنْ طَلَبَ المُسِيءُ المَغْفِرَةَ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، فَيَدْعُونَا الإِنْجِيلُ بِوُضُوحٍ إِلَى الغُفْرَانِ (لُوقَا 17: 4). وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا، فَلَا يُبَرِّرُ ذٰلِكَ الحِقْدَ وَالانْتِقَامَ؛ بَلْ يَبْقَى الإِنْسَانُ مَدْعُوًّا إِلَى تَرْكِ الثَّأْرِ وَالصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ خَيْرِ الآخَرِ، مَعَ الحِفَاظِ عَلَى الحَقِّ وَالحُدُودِ الضَّرُورِيَّةِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المَغْفِرَةَ لَا تُسَاوِي دَائِمًا المُصَالَحَةَ؛ لأَنَّ المُصَالَحَةَ عِلَاقَةٌ مُتَبَادَلَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى طَرَفَيْنِ، أَمَّا المَغْفِرَةُ فَيُمْكِنُ أَنْ تَبْدَأَ مِنْ قَلْبِ الطَّرَفِ المُسَاءِ إِلَيْهِ، بِأَنْ يَرْفُضَ الانْتِقَامَ وَأَنْ يَتْرُكَ الدَّيْنُونَةَ النِّهَائِيَّةَ لِلَّهِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ نَخْتَصِرَ المَغْفِرَةَ الإِنْسَانِيَّةَ بِهٰذِهِ الصِّيغَةِ: هِيَ قَرَارٌ حُرٌّ بِالتَّخَلِّي عَنِ الحِقْدِ وَالثَّأْرِ، مِنْ دُونِ إِنْكَارِ الإِسَاءَةِ أَوْ إِلْغَاءِ العَدَالَةِ، وَبِالاسْتِعْدَادِ لِفَتْحِ طَرِيقِ المُصَالَحَةِ إِذَا وُجِدَتِ التَّوْبَةُ وَأَصْبَحَتِ العَلَاقَةُ آمِنَةً وَمُمْكِنَةً.
وَبِهٰذَا المَعْنَى، فَالغُفْرَانُ هُوَ تَحَرُّرٌ مِنْ سُلْطَانِ المَاضِي؛ لَا بِمَحْوِ مَا حَدَثَ، بَلْ بِرَفْضِ السَّمَاحِ لَهُ بِأَنْ يُحَدِّدَ مُسْتَقْبَلَنَا. إِنَّهُ قَرَارٌ دَاخِلِيٌّ يَقُولُ: لَنْ أَسْمَحَ لِمَا فَعَلْتَهُ بِي أَنْ يَجْعَلَنِي أَسِيرَ الحِقْدِ؛ سَأَطْلُبُ الحَقَّ، وَلٰكِنِّي سَأَرْفُضُ الانْتِقَامَ، وَسَأَتْرُكُ لِنِعْمَةِ اللهِ أَنْ تَفْتَحَ أَمَامِي طَرِيقَ الحُرِّيَّةِ وَالشِّفَاءِ.
5. كَيْفَ نَصِلُ إِلَى مَغْفِرَةِ الآخَرِينَ؟
يَهْدِفُ تَعْلِيمُ يَسُوعَ عَنِ المَغْفِرَةِ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ الإِنْسَانُ مِنَ الغُفْرَانِ مَسْؤُولِيَّةً شَخْصِيَّةً وَمَسِيرَةً رُوحِيَّةً يَتَعَلَّمُهَا وَيَنْمُو فِيهَا، لَا مُجَرَّدَ شُعُورٍ عَابِرٍ يَنْتَظِرُ حُدُوثَهُ. فَالمَغْفِرَةُ لَا تَتَوَقَّفُ فَقَطْ عَلَى حَجْمِ الإِسَاءَةِ، بَلْ تَرْتَبِطُ أَيْضًا بِعُمْقِ الجُرْحِ الَّذِي خَلَّفَتْهُ، وَبِالصُّعُوبَةِ الَّتِي يُعَانِيهَا الإِنْسَانُ فِي التَّحَرُّرِ مِنْ آثَارِهَا.
وَمَعَ أَنَّ الإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ عَلَى صُورَةِ اللهِ وَمَدْعُوٌّ إِلَى المَحَبَّةِ (تَكْوِين 1: 26–27)، فَإِنَّهُ، بِسَبَبِ ضَعْفِهِ وَجُرْحِ الخَطِيئَةِ، يَخْتَبِرُ مَيْلًا إِلَى حُبِّ الذَّاتِ المُنْغَلِقِ، وَإِلَى مُقَابَلَةِ الإِسَاءَةِ بِالإِسَاءَةِ، وَرُبَّمَا إِلَى الحِقْدِ وَالانْتِقَامِ. لِذٰلِكَ لَا تَكُونُ المَغْفِرَةُ دَائِمًا سَهْلَةً أَوْ فَوْرِيَّةً، بَلْ قَدْ تَكُونُ مَسِيرَةَ شِفَاءٍ وَتَحَرُّرٍ دَاخِلِيٍّ.
وَيُشَدِّدُ الكُتَّابُ الَّذِينَ تَنَاوَلُوا مَوْضُوعَ المَغْفِرَةِ عَلَى أَنَّ بَدَايَتَهَا لَا تَكْمُنُ دَائِمًا فِي تَغَيُّرِ المَشَاعِرِ، بَلْ فِي قَرَارِ الإِرَادَةِ بِعَدَمِ الاسْتِسْلَامِ لِلْغَضَبِ وَالكَرَاهِيَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي الانْتِقَامِ. فَقَدْ يَتَّخِذُ الإِنْسَانُ قَرَارَ المَغْفِرَةِ فِي حِينٍ تَبْقَى مَشَاعِرُهُ مُضْطَرِبَةً، ثُمَّ تَبْدَأُ هٰذِهِ المَشَاعِرُ بِالتَّغَيُّرِ تَدْرِيجِيًّا مَعَ مَسِيرَةِ الشِّفَاءِ.
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَى مَسِيرَةِ المَغْفِرَةِ مِنْ خِلَالِ ثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ مُتَكَامِلَةٍ: طَرِيقِ العَقْلِ، وَطَرِيقِ القَلْبِ، وَطَرِيقِ الرُّوحِ. فَبِالعَقْلِ نُعِيدُ قِرَاءَةَ الإِسَاءَةِ وَفَهْمَهَا، وَبِالقَلْبِ نَعْمَلُ عَلَى تَحْرِيرِ مَشَاعِرِنَا مِنَ الحِقْدِ، وَبِالرُّوحِ نَسْتَمِدُّ مِنَ اللهِ النِّعْمَةَ الَّتِي تُمَكِّنُنَا مِنَ المَغْفِرَةِ عَلَى مِثَالِ المَسِيحِ.
أ) طَرِيقُ العَقْلِ: "مَرْحَلَةُ فَهْمِ الأَلَمِ وَالمُسِيءِ"
يَبْدَأُ طَرِيقُ العَقْلِ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الفِعْلِ وَالفَاعِلِ؛ أَيْ بَيْنَ الإِسَاءَةِ الَّتِي ارْتُكِبَتْ وَالشَّخْصِ الَّذِي ارْتَكَبَهَا. فَالمَغْفِرَةُ لَا تَعْنِي إِنْكَارَ الفِعْلِ أَوْ تَبْرِيرَهُ أَوِ القَوْلَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَاطِئًا، بَلْ تَعْنِي أَنْ نَرْفُضَ اخْتِزَالَ الإِنْسَانِ كُلِّهِ فِي خَطَئِهِ. فَالإِنْسَانُ الَّذِي أَسَاءَ إِلَيَّ لَا يَتَحَوَّلُ بِسَبَبِ إِسَاءَتِهِ إِلَى "الإِسَاءَةِ نَفْسِهَا"؛ بَلْ يَبْقَى إِنْسَانًا لَهُ كَرَامَتُهُ، وَتَارِيخُهُ، وَضَعْفُهُ، وَجِرَاحُهُ، وَهُوَ أَيْضًا مُحْتَاجٌ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ وَإِلَى الخَلَاصِ. وَهٰذَا لَا يُلْغِي مَسْؤُولِيَّتَهُ عَمَّا فَعَلَ، بَلْ يَمْنَعُنِي مِنْ أَنْ أَجْعَلَ خَطَأَهُ الحُكْمَ النِّهَائِيَّ عَلَى شَخْصِهِ. وَمِنْ هُنَا يَأْتِي فَهْمُ الفَاعِلِ. فَقَبْلَ أَنْ نُدِينَهُ إِدَانَةً مُطْلَقَةً، نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَسْأَلَ: مَا الَّذِي دَفَعَهُ إِلَى هٰذَا التَّصَرُّفِ؟ هَلْ كَانَ وَرَاءَهُ جَهْلٌ، أَوْ خَوْفٌ، أَوْ ضَعْفٌ، أَوْ أَلَمٌ، أَوْ تَرْبِيَةٌ خَاطِئَةٌ، أَوْ جُرْحٌ قَدِيمٌ؟
وَلَيْسَ الفَهْمُ تَبْرِيرًا، كَمَا أَنَّ الرَّحْمَةَ لَا تُلْغِي المَسْؤُولِيَّةَ. فَقَدْ نَفْهَمُ الدَّوَافِعَ الَّتِي قَادَتِ الإِنْسَانَ إِلَى الإِسَاءَةِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ نُقِرُّ بِأَنَّ مَا فَعَلَهُ كَانَ خَطَأً وَأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِتَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّتِهِ وَإِصْلَاحِ الضَّرَرِ مَا أَمْكَنَ. وَهٰذَا هُوَ مَا نَرَاهُ فِي يَسُوعَ عَلَى الصَّلِيبِ، حِينَ صَلَّى مِنْ أَجْلِ صَالِبِيهِ قَائِلًا: "يَا أَبَتِ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا يَفْعَلُونَ" (لُوقَا 23: 34). فَيَسُوعُ لَمْ يُنْكِرْ شَرَّ مَا فَعَلُوهُ، بَلْ نَظَرَ إِلَى مَا وَرَاءَ الفِعْلِ، وَرَأَى فِي صَالِبِيهِ بَشَرًا يَحْتَاجُونَ إِلَى الغُفْرَانِ.
وَبَعْدَ فَهْمِ الفَاعِلِ، يَأْتِي فَهْمُ الفِعْلِ نَفْسِهِ. وَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ نَسْمَحَ لِلْحَدَثِ المَاضِي بِأَنْ يَأْخُذَ مَكَانَهُ الصَّحِيحَ فِي تَارِيخِنَا: فَهُوَ حَدَثٌ وَقَعَ وَآلَمَنَا وَرُبَّمَا غَيَّرَ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِنَا، لٰكِنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَبْقَى القُوَّةَ الَّتِي تَحْكُمُ حَاضِرَنَا وَمُسْتَقْبَلَنَا. لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُعِيدَ كِتَابَةَ الصَّفْحَةِ الَّتِي كَتَبَهَا المَاضِي، وَلٰكِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُغَيِّرَ الطَّرِيقَةَ الَّتِي نَحْمِلُ بِهَا هٰذِهِ الصَّفْحَةَ فِي ذَاكِرَتِنَا. فَالمَغْفِرَةُ لَا تَمْحُو الذَّاكِرَةَ، بَلْ تُحَرِّرُهَا مِنْ أَنْ تَبْقَى مَصْدَرًا مُسْتَمِرًّا لِلحِقْدِ وَالانْتِقَامِ. وَبِهٰذَا المَعْنَى، فَإِنَّ قَوْلَنَا "دَعِ المَاضِيَ يَمْضِي" لَا يَعْنِي إِنْكَارَ المَاضِي أَوْ التَّظَاهُرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ، بَلْ أَنْ نَرْفُضَ أَنْ نَسْمَحَ لَهُ بِأَنْ يُمْسِكَ بِحَاضِرِنَا وَيَسْرِقَ مِنَّا مُسْتَقْبَلَنَا. فَالمَغْفِرَةُ لَا تُغَيِّرُ مَا حَدَثَ بِالأَمْسِ، وَلٰكِنَّهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّرَ مَا سَيَصْنَعُهُ الأَمْسُ بِنَا غَدًا.
وَتُرْوَى فِي الحِكَمِ العَرَبِيَّةِ قِصَّةٌ عَنْ خِلَافٍ وَدِمَاءٍ وَقَعَتْ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَعَاهُمَا أَحَدُ الحُكَمَاءِ إِلَى الصُّلْحِ، وَسَأَلَهُمْ: "هَلْ لَكُمْ فِي الحَقِّ، أَوْ فِيمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الحَقِّ؟" فَقَالُوا: "وَهَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنَ الحَقِّ؟" فَقَالَ: "نَعَمْ، العَفْوُ"؛ فَكَانَ العَفْوُ بَابًا لِإِنْهَاءِ العَدَاوَةِ وَاسْتِعَادَةِ السَّلَامِ. وَلٰكِنَّ العَفْوَ لَا يَعْنِي أَنَّ العَدَالَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا، بَلْ يَعْنِي أَنَّ العَدَالَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى ذَرِيعَةٍ لِلثَّأْرِ. فَالمَغْفِرَةُ الحَقِيقِيَّةُ تَسْعَى إِلَى الحَقِّ وَالعَدَالَةِ وَإِصْلَاحِ الضَّرَرِ، وَلٰكِنَّهَا تَرْفُضُ أَنْ تَجْعَلَ الانْتِقَامَ هُوَ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ.
وَهٰكَذَا يَبْدَأُ طَرِيقُ العَقْلِ فِي المَغْفِرَةِ بِثَلَاثِ خُطُوَاتٍ: أَنْ أُمَيِّزَ بَيْنَ الفِعْلِ وَالفَاعِلِ، وَأَنْ أَفْهَمَ مِنْ دُونِ أَنْ أُبَرِّرَ الشَّرَّ، وَأَنْ أَضَعَ المَاضِيَ فِي مَكَانِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى مُتَحَكِّمًا فِي حَاضِرِي وَمُسْتَقْبَلِي. فَالمَغْفِرَةُ لَا تَقُولُ لِلْمُسِيءِ: "مَا فَعَلْتَهُ لَمْ يَكُنْ مُهِمًّا"، بَلْ تَقُولُ لِلإِسَاءَةِ: "لَنْ أَسْمَحَ لَكِ بَعْدَ اليَوْمِ أَنْ تَحْكُمِي حَيَاتِي".
ب) طَرِيقُ القَلْبِ: "مَرْحَلَةُ التَّغَلُّبِ عَلَى المَشَاعِرِ"
يَتَّخِذُ طَرِيقُ القَلْبِ فِي المَغْفِرَةِ اتِّجَاهَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ: اتِّجَاهًا دَاخِلِيًّا يَتَعَلَّقُ بِمُوَاجَهَةِ المَشَاعِرِ وَتَحْرِيرِ القَلْبِ مِنْ سُلْطَانِ الحِقْدِ، وَاتِّجَاهًا خَارِجِيًّا يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ النَّظَرِ إِلَى المُسِيءِ وَالتَّعَامُلِ مَعَهُ.
الاتِّجَاهُ الدَّاخِلِيُّ: مُوَاجَهَةُ المَشَاعِرِ وَتَحْرِيرُ القَلْبِ
يَبْدَأُ الاتِّجَاهُ الدَّاخِلِيُّ بِـالاعْتِرَافِ الصَّادِقِ بِالمَشَاعِرِ الَّتِي وَلَّدَتْهَا الإِسَاءَةُ: الغَضَبِ، وَالحُزْنِ، وَالإِحْبَاطِ، وَالخَيْبَةِ، وَرُبَّمَا الرَّغْبَةِ فِي الانْتِقَامِ. فَلَا يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ يُنْكِرَ هٰذِهِ المَشَاعِرَ أَوْ يَدْفِنَهَا فِي دَاخِلِهِ بِاسْمِ التَّقْوَى؛ لأَنَّ المَشَاعِرَ الَّتِي لَا يُعْتَرَفُ بِهَا قَدْ تَبْقَى تَعْمَلُ تَحْتَ السَّطْحِ، وَتُؤَثِّرُ فِي عِلَاقَاتِهِ وَقَرَارَاتِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.
وَلٰكِنَّ الاعْتِرَافَ بِالغَضَبِ لَا يَعْنِي أَنْ نَتْرُكَهُ يَقُودُنَا. فَالغَضَبُ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ ظُلْمًا قَدْ وَقَعَ، وَلٰكِنَّهُ إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى حِقْدٍ مُسْتَمِرٍّ، فَإِنَّهُ يُظْلِمُ الرُّؤْيَةَ وَيُضَيِّقُ حُرِّيَّةَ الإِنْسَانِ الدَّاخِلِيَّةَ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المَغْفِرَةَ لَا تَعْنِي إِلْغَاءَ المَشَاعِرِ، بَلْ تَرْبِيَتَهَا وَتَحْوِيلَهَا. فَقَدْ يَبْقَى الأَلَمُ بَعْدَ قَرَارِ المَغْفِرَةِ، وَقَدْ يَعُودُ الغَضَبُ مَرَّاتٍ عِدَّةً؛ وَلٰكِنَّ الإِنْسَانَ يَتَعَلَّمُ أَلَّا يَجْعَلَ هٰذِهِ المَشَاعِرَ سَيِّدَةً عَلَى إِرَادَتِهِ. وَيُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْ هٰذِهِ الخُطْوَةِ بِالقَوْلِ: أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ دَائِمًا أَنْ أَمْنَعَ الغَضَبَ مِنَ الظُّهُورِ، وَلٰكِنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرْفُضَ أَنْ أُحَوِّلَهُ إِلَى حِقْدٍ وَانْتِقَامٍ.
وَمِنَ الحِكْمَةِ أَيْضًا أَنْ يَحَاوِلَ الإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَحَ فِي قَلْبِهِ مَجَالًا لِتَفْسِيرَاتٍ أُخْرَى لِسُلُوكِ أَخِيهِ، مِنْ دُونِ أَنْ يُبَرِّرَ خَطَأَهُ. فَقَدْ يَكُونُ المُسِيءُ قَدْ تَصَرَّفَ مِنْ جَهْلٍ، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ ضَعْفٍ، أَوْ جُرْحٍ دَاخِلِيٍّ. وَهٰذَا لَا يُلْغِي مَسْؤُولِيَّتَهُ، وَلٰكِنَّهُ يُسَاعِدُ المُسَاءَ إِلَيْهِ عَلَى أَنْ يَرَى فِيهِ إِنْسَانًا مُحْتَاجًا إِلَى الشِّفَاءِ، لَا مُجَرَّدَ عَدُوٍّ يَسْتَحِقُّ الانْتِقَامَ. وَيَبْلُغُ هٰذَا المَوْقِفُ ذِرْوَتَهُ فِي يَسُوعَ المَصْلُوبِ، الَّذِي، وَهُوَ يَتَأَلَّمُ مِنَ الظُّلْمِ وَالعُنْفِ، صَلَّى قَائِلًا: "يَا أَبَتِ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا يَفْعَلُونَ" (لُوقَا 23: 34). وَلَا تَعْنِي صَلَاةُ يَسُوعَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ صَالِبُوهُ لَمْ يَكُنْ شَرًّا، بَلْ تَكْشِفُ أَنَّ الشَّرَّ الَّذِي وُجِّهَ إِلَيْهِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُنْتِجَ فِي قَلْبِهِ حِقْدًا. فَالغُفْرَانُ هُنَا لَيْسَ عَلامَةَ ضَعْفٍ، بَلْ عَلامَةُ الحُرِّيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَقُوَّةِ المَحَبَّةِ.
الاتِّجَاهُ الخَارِجِيُّ: اسْتِعَادَةُ النَّظْرَةِ الإِنْسَانِيَّةِ إِلَى الآخَرِ
أَمَّا الاتِّجَاهُ الخَارِجِيُّ فَيَبْدَأُ حِينَ نَرْفُضُ أَنْ نَخْتَزِلَ الآخَرَ فِي الإِسَاءَةِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهُ. فَقَبْلَ أَنْ نَقُولَ: "هٰذَا هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي جَرَحَنِي"، يَنْبَغِي أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّهُ أَيْضًا إِنْسَانٌ لَهُ كَرَامَةٌ وَتَارِيخٌ وَضَعْفٌ وَحَاجَةٌ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ.
وَرَفْضُ المَغْفِرَةِ لَا يُبْقِي المُسِيءَ أَسِيرًا فَقَطْ، بَلْ قَدْ يُبْقِي المُسَاءَ إِلَيْهِ أَيْضًا مَرْبُوطًا بِالحَدَثِ وَبِالشَّخْصِ الَّذِي أَسَاءَ إِلَيْهِ. فَمِنَ المُفَارَقَاتِ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ يُعَاقِبُ الآخَرَ بِحِقْدِهِ، فِي حِينِ أَنَّهُ يَسْمَحُ لِلآخَرِ بِأَنْ يَبْقَى حَاضِرًا فِي دَاخِلِهِ وَمُؤَثِّرًا فِي حَيَاتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، فِي شَرْحِهِ لِمَثَلِ الخَادِمِ الَّذِي لَا يَغْفِرُ، عَلَى خُطُورَةِ الحِقْدِ وَالانْتِقَامِ، مُبَيِّنًا أَنَّ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالنَّقْمَةِ يَضُرُّ نَفْسَهُ رُوحِيًّا، لأَنَّهُ يَحْرِمُهَا مِنْ ثَمَرِ الرَّحْمَةِ الَّتِي دُعِيَ إِلَى أَنْ يَعِيشَهَا (PG 58, 591–596). وَلِهٰذَا، فَإِنَّ المَغْفِرَةَ لَيْسَتْ خَيْرًا نُقَدِّمُهُ لِلْمُسِيءِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ أَيْضًا طَرِيقُ تَحَرُّرٍ لَنَا نَحْنُ. إِنَّهَا تُحَرِّرُ القَلْبَ مِنْ أَنْ يَبْقَى مَسْكَنًا لِلغَضَبِ وَالحِقْدِ، وَتَفْتَحُهُ أَمَامَ سَلَامٍ لَا يَسْتَطِيعُ الانْتِقَامُ أَنْ يُعْطِيَهُ.
وَيَتَنَاغَمُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ مَا يُشَدِّدُ عَلَيْهِ البَابَا فَرَنْسِيس مِرَارًا فِي تَعْلِيمِهِ الرَّعَوِيِّ: أَنَّ الحِقْدَ المُغَذَّى دَاخِلَ القَلْبِ يَحْرِمُ الإِنْسَانَ مِنَ السَّلَامِ، وَأَنَّ المَغْفِرَةَ تَفْتَحُ أَمَامَهُ طَرِيقَ الحُرِّيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ. وَفِي سِيَاقِ يوبيل الرَّحْمَة، شَدَّدَ البَابَا فَرَنْسِيس عَلَى أَنَّ المَغْفِرَةَ هِيَ طَرِيقٌ إِلَى سَكِينَةِ القَلْبِ؛ لأَنَّ مَنْ يَغْفِرُ لَا يُنْكِرُ مَا حَدَثَ، بَلْ يَرْفُضُ أَنْ يَسْمَحَ لِذٰلِكَ الحَدَثِ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ فِي تَسْمِيمِ حَاضِرِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ.
المَغْفِرَةُ قَرَارٌ قَلْبِيٌّ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ شُعُورًا. وَمِنْ هُنَا، فَلَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَنْتَظِرَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَخْتَفِيَ كُلُّ مَشَاعِرِ الأَلَمِ وَالغَضَبِ لِيَبْدَأَ بِالمَغْفِرَةِ. فَقَدْ يَبْدَأُ الغُفْرَانُ بِقَرَارٍ يَقُولُ فِيهِ الإِنْسَانُ:" لَا أُرِيدُ أَنْ أَكْرَهَكَ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَنْتَقِمَ مِنْكَ، وَسَأَطْلُبُ مِنَ اللهِ أَنْ يُحَرِّرَ قَلْبِي مِنْ هٰذَا الجُرْحِ".
وَقَدْ تَحْتَاجُ المَشَاعِرُ بَعْدَ ذٰلِكَ إِلَى زَمَنٍ طَوِيلٍ حَتَّى تَهْدَأَ. وَهٰذَا لَا يَعْنِي أَنَّ المَغْفِرَةَ فَشِلَتْ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ المَغْفِرَةَ مَسِيرَةٌ، وَأَنَّ القَلْبَ يَحْتَاجُ إِلَى زَمَنٍ لِيَلْحَقَ بِالقَرَارِ الَّذِي اتَّخَذَتْهُ الإِرَادَةُ. وَفِي بَعْضِ الإِسَاءَاتِ العَمِيقَةِ، قَدْ تَحْتَاجُ مَسِيرَةُ الشِّفَاءِ إِلَى المُرَافَقَةِ الرُّوحِيَّةِ أَوِ النَّفْسِيَّةِ، وَهٰذَا لَا يُنَاقِضُ الإِيمَانَ، بَلْ يُسَاعِدُ الإِنْسَانَ عَلَى أَنْ يَعِيشَ المَغْفِرَةَ بِصُورَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَصِحِّيَّةٍ.
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ تَلْخِيصُ طَرِيقِ القَلْبِ فِي ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ" أَنْ أَعْتَرِفَ بِجُرْحِي، وَأَلَّا أَسْمَحَ لِجُرْحِي أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى حِقْدٍ، وَأَنْ أَسْتَعِيدَ فِي المُسِيءِ صُورَةَ الإِنْسَانِ الَّذِي يَحْتَاجُ هُوَ أَيْضًا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ. فَالمَغْفِرَةُ لَيْسَتْ أَنْ أُنْكِرَ أَنَّنِي تَأَلَّمْتُ، بَلْ أَنْ أَرْفُضَ أَنْ يَكُونَ أَلَمِي هُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ مَنْ سَأَكُونُ.
ج) طَرِيقُ الرُّوحِ: "مَرْحَلَةُ إِجْرَاءِ جِرَاحَةٍ رُوحِيَّةٍ"
يُمَثِّلُ طَرِيقُ الرُّوحِ البُعْدَ الثَّالِثَ فِي مَسِيرَةِ المَغْفِرَةِ؛ فَبَعْدَ أَنْ يَعْمَلَ العَقْلُ عَلَى فَهْمِ الإِسَاءَةِ وَالمُسِيءِ، وَيَعْمَلَ القَلْبُ عَلَى التَّحَرُّرِ مِنَ الحِقْدِ وَالغَضَبِ، يَبْقَى الإِنْسَانُ مُحْتَاجًا إِلَى نِعْمَةِ اللهِ لِتَشْفِيَ جُرْحَهُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتَمْنَحَهُ القُوَّةَ عَلَى مَا قَدْ يَعْجِزُ عَنْهُ بِقُدْرَتِهِ البَشَرِيَّةِ وَحْدَهَا.
وَيَقُولُ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ فِي بُسْتَانِ الجَثْسَمَانِيَّةِ: "الرُّوحُ مُنْدَفِعٌ، أَمَّا الجَسَدُ فَضَعِيفٌ" (مَتَّى 26: 41). وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: τὸ μὲν πνεῦμα πρόθυμον, ἡ δὲ σὰρξ ἀσθενής أَيْ إِنَّ الإِنْسَانَ قَدْ تَكُونُ لَدَيْهِ إِرَادَةٌ صَادِقَةٌ وَاسْتِعْدَادٌ دَاخِلِيٌّ لِفِعْلِ الخَيْرِ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَخْتَبِرُ ضَعْفَهُ البَشَرِيَّ وَحَاجَتَهُ إِلَى نِعْمَةِ اللهِ.
وَلَا يَنْبَغِي فَهْمُ هٰذِهِ العِبَارَةِ عَلَى أَسَاسِ ثُنَائِيَّةٍ تُقَسِّمُ الإِنْسَانَ إِلَى جُزْءٍ رُوحِيٍّ صَالِحٍ وَجَسَدٍ شِرِّيرٍ؛ فَالمَفْهُومُ الكِتَابِيُّ يَنْظُرُ إِلَى الإِنْسَانِ فِي وَحْدَةِ كِيَانِهِ. وَكَذٰلِكَ، فَاسْتِعْمَالُ بُولُسَ لِكَلِمَةِ "الجَسَد" σάρξ فِي بَعْضِ نُصُوصِهِ لَا يَعْنِي أَنَّ الجَسَدَ المَادِّيَّ شَرٌّ، بَلْ قَدْ يَدُلُّ عَلَى الإِنْسَانِ حِينَ يَعِيشُ مُنْغَلِقًا عَلَى ذَاتِهِ وَخَاضِعًا لِسُلْطَانِ الخَطِيئَةِ (رُومَة 8: 5–9؛ غَلَاطِيَة 5: 16–17). وَيَصِفُ بُولُسُ الرَّسُولُ هٰذَا الصِّرَاعَ الدَّاخِلِيَّ بِقَوْلِهِ: "لأَنَّ الخَيْرَ الَّذِي أُرِيدُهُ لَا أَفْعَلُهُ، وَالشَّرَّ الَّذِي لَا أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ" (رُومَة 7: 19). فَالإِنْسَانُ قَدْ يَعْرِفُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَغْفِرَ، وَقَدْ يُرِيدُ أَنْ يَغْفِرَ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَجِدُ فِي دَاخِلِهِ مَقَاوَمَةً وَمَرَارَةً وَرَغْبَةً فِي اسْتِرْجَاعِ حَقِّهِ بِالانْتِقَامِ.
وَيَتَنَاغَمُ هٰذَا مَعَ تَعْلِيمِ المَجْمَعِ الفَاتِيكَانِيِّ الثَّانِي، الَّذِي يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الإِنْسَانَ يَخْتَبِرُ فِي دَاخِلِهِ صِرَاعًا بَيْنَ تَطَلُّعِهِ إِلَى الخَيْرِ وَضَعْفِهِ وَخَطِيئَتِهِ، حَتَّى إِنَّهُ "غَالِبًا مَا يَفْعَلُ مَا لَا يُرِيدُ، وَلَا يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ"، وَأَنَّ المَسِيحَ جَاءَ لِيُحَرِّرَ الإِنْسَانَ وَيُقَوِّيَهُ وَيُجَدِّدَهُ مِنَ الدَّاخِلِ (Gaudium et Spes، 10). وَمِنْ هُنَا، فَإِذَا وَجَدَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَغْفِرَ وَلٰكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ بَعْدُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَيْأَسَ، بَلْ أَنْ يَعْتَرِفَ بِضَعْفِهِ وَيَطْلُبَ مِنَ اللهِ القُوَّةَ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْ إِنْتَاجِهَا وَحْدَهُ.
وَلَا نَعْنِي بِذٰلِكَ أَنَّ القُدْرَةَ عَلَى المَغْفِرَةِ غَرِيبَةٌ كُلِّيًّا عَنْ طَاقَاتِ الإِنْسَانِ الطَّبِيعِيَّةِ، بَلْ إِنَّ المَغْفِرَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ فِي كَمَالِهَا تَحْتَاجُ إِلَى النِّعْمَةِ؛ لأَنَّهَا تَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى مَحَبَّةٍ تَتَجَاوَزُ رَدَّ الفِعْلِ العَفْوِيَّ وَالرَّغْبَةَ فِي مُقَابَلَةِ الإِسَاءَةِ بِالإِسَاءَةِ.
فَاللهُ يُعْلِنُ عَنْ ذَاتِهِ إِلٰهًا رَحِيمًا، يَقُولُ: "وَأَصْنَعُ رَحْمَةً إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ" (خُرُوج 20: 6)، وَيَصِفُهُ سِفْرُ نَحَمْيَا بِأَنَّهُ: "إِلٰهٌ غَفُورٌ حَنُونٌ وَرَحِيمٌ، طَوِيلُ الأَنَاةِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ" (نَحَمْيَا 9: 17). وَلٰكِنْ مِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ طَبِيعَةَ الإِنْسَانِ هِيَ الغَضَبُ وَالانْتِقَامُ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ عَلَى صُورَةِ اللهِ وَمَدْعُوٌّ إِلَى الخَيْرِ. إِنَّمَا الخَطِيئَةُ جَرَحَتْ حُرِّيَّتَهُ، وَجَعَلَتْهُ عُرْضَةً لِلانْغِلَاقِ عَلَى ذَاتِهِ وَالقَسْوَةِ وَالحِقْدِ. وَهٰذَا مَا تُعَبِّرُ عَنْهُ الصُّورَةُ الكِتَابِيَّةُ "شَعْبٌ قَاسِي الرِّقَابِ" (خُرُوج 34: 9).
وَيُمْكِنُ تَشْبِيهُ عَمَلِ النِّعْمَةِ فِي مَسِيرَةِ المَغْفِرَةِ بِـ"جِرَاحَةٍ رُوحِيَّةٍ" فِي الذَّاكِرَةِ. وَلَا تَعْنِي هٰذِهِ الجِرَاحَةُ مَحْوَ الذَّاكِرَةِ أَوْ نِسْيَانَ مَا حَدَثَ، بَلْ شِفَاءَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَحْمِلُ بِهَا الذِّكْرَى. فَقَدْ نَتَذَكَّرُ الإِسَاءَةَ بَعْدَ سِنِينَ، وَلٰكِنْ مِنْ دُونِ أَنْ تَتَحَوَّلَ الذِّكْرَى إِلَى سِكِّينٍ تُعِيدُ جَرْحَنَا كُلَّ يَوْمٍ. فَالنِّعْمَةُ لَا تَمْحُو التَّارِيخَ، بَلْ تَفْتَدِي الذَّاكِرَةَ، فَتَنْقُلُ الإِنْسَانَ مِنْ ذِكْرَى تُغَذِّي الحِقْدَ إِلَى ذِكْرَى يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا فِي سَلَامٍ وَحُرِّيَّةٍ.
د) الصَّلَاةُ طَرِيقٌ إِلَى قُوَّةِ المَغْفِرَةِ
وَتَحْتَلُّ الصَّلَاةُ مَكَانًا أَسَاسِيًّا فِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ. فَحِينَ يَعْجِزُ الإِنْسَانُ عَنِ المَغْفِرَةِ، يَسْتَطِيعُ عَلَى الأَقَلِّ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ بِصِدْقٍ: "يَا رَبُّ، أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ بَعْدُ أَنْ أَغْفِرَ، وَلٰكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُرِيدَ المَغْفِرَةَ؛ فَاشْفِ قَلْبِي وَأَعْطِنِي مَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَهُ لِنَفْسِي". وَفِي هٰذَا المَعْنَى يَقُولُ بُولُسُ: "وَالرُّوحُ أَيْضًا يَأْتِي لِنَجْدَةِ ضَعْفِنَا" (رُومَة 8: 26). فَالرُّوحُ القُدُسُ لَا يُلْغِي إِرَادَةَ الإِنْسَانِ، بَلْ يَعْمَلُ فِيهَا وَيُقَوِّيهَا وَيُعَلِّمُهَا أَنْ تُحِبَّ حَيْثُ كَانَتْ مِنْ قَبْلُ تَرْغَبُ فِي الانْتِقَامِ.
وَلِذٰلِكَ، فَمِنَ المُفِيدِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَقِفَ الإِنْسَانُ أَمَامَ اللهِ أَوَّلًا، وَيَعْتَرِفَ لَهُ بِمَرَارَتِهِ وَغَضَبِهِ وَعَجْزِهِ، مِنْ دُونِ تَصَنُّعٍ أَوْ إِنْكَارٍ. ثُمَّ يَتَذَكَّرَ كَمْ غَفَرَ اللهُ لَهُ، وَكَيْفَ سَبَقَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَكَيْفَ مَاتَ المَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ وَهُوَ بَعْدُ خَاطِئٌ (رَاجِعْ رُومَة 5: 8). وَمِنْ هٰذِهِ الذَّاكِرَةِ تَنْبَعُ القُوَّةُ عَلَى مَغْفِرَةِ الآخَرِ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "احْتَمِلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَاصْفَحُوا بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ إِذَا كَانَتْ لأَحَدٍ شَكْوَى مِنَ الآخَرِ. فَكَمَا صَفَحَ عَنْكُمُ الرَّبُّ، اصْفَحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا"(قُولُسِّي 3: 13).
وَقَدْ كَانَ بُطْرُسُ يَسْأَلُ: "كَمْ مَرَّةً؟"، فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: "لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مَتَّى 18: 21–22). وَالمَقْصُودُ لَيْسَ وَضْعَ رَقْمٍ جَدِيدٍ لِلمَغْفِرَةِ، بَلْ تَحْرِيرُهَا مِنْ مَنْطِقِ العَدِّ. وَلُوقَا يُضِيفُ بُعْدَ التَّوْبَةِ: "إِذَا خَطِئَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي اليَوْمِ، وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: أَنَا تَائِبٌ، فَاغْفِرْ لَهُ" (لُوقَا 17: 4). وَلٰكِنَّ الغُفْرَانَ "بِلَا حُدُودٍ" لَا يَعْنِي أَنْ نَسْمَحَ لِلآخَرِ بِالاسْتِمْرَارِ فِي الإِسَاءَةِ بِلَا مُسَاءَلَةٍ، أَوْ أَنْ نُلْغِيَ الحُدُودَ الضَّرُورِيَّةَ لِحِمَايَةِ الإِنْسَانِ؛ بَلْ يَعْنِي أَلَّا نَضَعَ حَدًّا مُسْبَقًا لِاسْتِعْدَادِ قَلْبِنَا لِلتَّخَلِّي عَنِ الحِقْدِ وَالانْتِقَامِ.
إِنَّ المَغْفِرَةَ لِلآخَرِينَ لَيْسَتْ أَمْرًا هَامِشِيًّا فِي عِلَاقَتِنَا بِاللهِ، بَلْ تَمَسُّ صَمِيمَ حَيَاتِنَا فِي الصَّلَاةِ. يَقُولُ يَسُوعُ: "إِذَا قُمْتُمْ لِلصَّلَاةِ، وَكَانَ لَكُمْ شَيْءٌ عَلَى أَحَدٍ، فَاغْفِرُوا لَهُ، لِكَيْ يَغْفِرَ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ زَلَّاتِكُمْ" (مَرْقُس 11: 25). وَهٰذَا مَا نَرَدِّدُهُ فِي الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: "وَاغْفِرْ لَنَا دُيُونَنَا كَمَا نَحْنُ أَيْضًا غَفَرْنَا لِمَدْيُونِينَا" (مَتَّى 6: 12). فَكُلَّمَا نَطَقْنَا بِهٰذِهِ الطَّلِبَةِ، نَضَعُ أَنْفُسَنَا أَمَامَ سُؤَالٍ: هَلْ أَنَا مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْنَحَ غَيْرِي شَيْئًا مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي أَطْلُبُهَا لِنَفْسِي؟ وَلَوْ كَانَ الغُفْرَانُ مُسْتَحِيلًا بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ، لَمَا دَعَانَا يَسُوعُ إِلَيْهِ؛ لٰكِنَّهُ، إِذْ يَدْعُونَا إِلَى المَغْفِرَةِ، لَا يَتْرُكُنَا لِقُوَّتِنَا وَحْدَهَا، بَلْ يَمْنَحُنَا رُوحَهُ وَنِعْمَتَهُ لِنَسْلُكَ الطَّرِيقَ.
وَقَدْ عَبَّرَ البَابَا فَرَنْسِيس عَنْ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ إِنَّ الرَّبَّ لَا يَتْعَبُ مِنْ مَغْفِرَتِنَا، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نَتْعَبُ مِنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ. وَدَعَا المُؤْمِنِينَ إِلَى أَلَّا يَتْعَبُوا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ. وَفِي إِعْلَانِ يوبيل الرَّحْمَة، شَدَّدَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ المَغْفِرَةَ، وَإِنْ بَدَتْ صَعْبَةً، هِيَ أَدَاةٌ وُضِعَتْ فِي أَيْدِينَا الضَّعِيفَةِ لِنَبْلُغَ سَكِينَةَ القَلْبِ، وَأَنَّ التَّخَلِّيَ عَنِ الغَضَبِ وَالعُنْفِ وَالانْتِقَامِ ضَرُورِيٌّ لِلْعَيْشِ فِي الفَرَحِ. وَهٰذَا هُوَ عَمَلُ "الجِرَاحَةِ الرُّوحِيَّةِ": أَلَّا تَمْحُوَ مَا حَدَثَ، بَلْ أَنْ تُخْرِجَ سُمَّ الحِقْدِ مِنَ الجُرْحِ، لِكَيْ لَا يَبْقَى المَاضِي قَادِرًا عَلَى تَسْمِيمِ الحَاضِرِ.
وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ مَسِيرَةَ المَغْفِرَةِ تَكْتَمِلُ بِتَكَامُلِ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ: فَبِالعَقْلِ نَفْهَمُ، وَبِالقَلْبِ نَتَحَرَّرُ مِنَ الحِقْدِ، وَبِالرُّوحِ نَسْتَمِدُّ مِنَ اللهِ القُوَّةَ عَلَى مَا يَفُوقُ ضَعْفَنَا. فَالمَغْفِرَةُ لَيْسَتْ إِنْكَارًا لِلْجُرْحِ، بَلْ شِفَاءٌ لَهُ؛ وَلَيْسَتْ نِسْيَانًا لِلْمَاضِي، بَلْ تَحْرِيرًا لِلْمُسْتَقْبَلِ مِنْ سُلْطَانِهِ؛ وَلَيْسَتْ ثَمَرَةَ قُوَّتِنَا وَحْدَهَا، بَلْ ثَمَرَةَ نِعْمَةِ اللهِ العَامِلَةِ فِينَا.
الخُلَاصَةُ
سَبَقَ السَّيِّدُ المَسِيحُ فَعَلَّمَ مَنْ أَخْطَأَ إِلَى أَخِيهِ أَلَّا يَكْتَفِيَ بِالعِبَادَةِ الخَارِجِيَّةِ، بَلْ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى المُصَالَحَةِ، إِذْ قَالَ: "فَإِنْ كُنْتَ تُقَدِّمُ قُرْبَانَكَ عَلَى المَذْبَحِ، وَذَكَرْتَ هُنَاكَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَدَعْ قُرْبَانَكَ هُنَاكَ أَمَامَ المَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا فَصَالِحْ أَخَاكَ" (مَتَّى 5: 23–24).
أَمَّا فِي إِنْجِيلِ اليَوْمِ (مَتَّى 18: 21–35)، فَيُوَجِّهُ يَسُوعُ كَلَامَهُ إِلَى مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الإِسَاءَةُ، فَيَدْعُوهُ إِلَى أَنْ يَغْفِرَ لأَخِيهِ مِنْ صَمِيمِ قَلْبِهِ. وَبِذٰلِكَ يَكْتَمِلُ طَرِيقُ المُصَالَحَةِ: المُخْطِئُ يُدْعَى إِلَى التَّوْبَةِ وَإِصْلَاحِ مَا أَفْسَدَهُ، وَالمُسَاءُ إِلَيْهِ يُدْعَى إِلَى التَّخَلِّي عَنِ الحِقْدِ وَالانْتِقَامِ وَفَتْحِ بَابِ المَغْفِرَةِ.
وَفِي ذٰلِكَ يَتَشَبَّهُ التِّلْمِيذُ بِالمَسِيحِ نَفْسِهِ؛ فَنَحْنُ الَّذِينَ أَخْطَأْنَا إِلَى اللهِ لَمْ يَتْرُكْنَا اللهُ فِي بُعْدِنَا عَنْهُ، بَلْ بَادَرَ إِلَيْنَا بِالمُصَالَحَةِ فِي ابْنِهِ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "إِنَّ اللهَ كَانَ فِي المَسِيحِ مُصَالِحًا العَالَمَ مَعَ نَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ عَلَيْهِمْ زَلَّاتِهِمْ" (2 قُورِنْثُس 5: 19).
وَقَدَّمَ يَسُوعُ لَنَا مَثَلَ الخَادِمِ الَّذِي لَا يَغْفِرُ لِيَكْشِفَ الفَرْقَ الهَائِلَ بَيْنَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ وَضِيقِ قَلْبِ الإِنْسَانِ. فَالمَلِكُ امْتَلَأَ شَفَقَةً عَلَى خَادِمٍ كَانَ مَدِينًا لَهُ بِـعَشَرَةِ آلَافِ وَزْنَةٍ، وَهُوَ دَيْنٌ هَائِلٌ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ سَدَادُهُ. وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُنَفِّذَ فِيهِ الحُكْمَ، "أَشْفَقَ مَوْلَى ذٰلِكَ الخَادِمِ، وَأَطْلَقَهُ وَأَعْفَاهُ مِنَ الدَّيْنِ" (مَتَّى 18: 27).
وَلَمْ يَطْلُبِ الخَادِمُ إِلَّا المُهْلَةَ، أَمَّا السَّيِّدُ فَمَنَحَهُ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا طَلَبَ: الحُرِّيَّةَ وَإِسْقَاطَ الدَّيْنِ كُلِّهِ. وَهٰذَا هُوَ مَنْطِقُ النِّعْمَةِ: الإِنْسَانُ يَطْلُبُ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ، وَاللهُ يَهَبُهُ مِنْ رَحْمَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْأَلُ وَيَرْجُو.
وَلٰكِنَّ المَأْسَاةَ تَبْدَأُ حِينَ يَخْرُجُ هٰذَا الخَادِمُ وَيَلْتَقِي رَفِيقًا لَهُ مَدِينًا بِـمِائَةِ دِينَارٍ فَقَطْ. فَالْمُفَارَقَةُ بَيْنَ الدَّيْنَيْنِ هَائِلَةٌ: دَيْنُ الخَادِمِ الأَوَّلِ كَانَ مُسْتَحِيلَ السَّدَادِ، أَمَّا دَيْنُ رَفِيقِهِ فَكَانَ مَحْدُودًا وَقَابِلًا لِلسَّدَادِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، رَفَضَ مَنْ نَالَ الرَّحْمَةَ أَنْ يَرْحَمَ. وَهُنَا يَكْمُنُ مَغْزَى المَثَلِ: الإِسَاءَاتُ الَّتِي نَتَعَرَّضُ لَهَا قَدْ تَكُونُ حَقِيقِيَّةً وَمُؤْلِمَةً، وَلٰكِنَّهَا تُوضَعُ فِي ضَوْءِ الرَّحْمَةِ الأَعْظَمِ الَّتِي نِلْنَاهَا مِنَ اللهِ. فَيَسُوعُ لَا يُهَوِّنُ مِنْ جُرُوحِنَا، بَلْ يَدْعُونَا إِلَى أَلَّا نَسْمَحَ لِهٰذِهِ الجُرُوحِ بِأَنْ تَتَحَوَّلَ فِينَا إِلَى حِقْدٍ وَانْتِقَامٍ.
وَلِذٰلِكَ يَدْعُونَا يَسُوعُ إِلَى مَغْفِرَةٍ تَنْبَعُ مِنْ مَحَبَّةٍ فَاعِلَةٍ: مَحَبَّةٍ لَا تُسَارِعُ إِلَى إِدَانَةِ الآخَرِ، بَلْ تَسْعَى إِلَى فَهْمِهِ مِنْ دُونِ أَنْ تُبَرِّرَ خَطَأَهُ؛ وَمَحَبَّةٍ لَا تُبْقِي الإِهَانَةَ أَسَاسًا لِلحِقْدِ وَالانْتِقَامِ؛ وَمَحَبَّةٍ تَتَّسِعُ لِلْقَرِيبِ وَالغَرِيبِ، وَلِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا وَلِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا، عَلَى مِثَالِ الآبِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي "يُطْلِعُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالأَخْيَارِ" (مَتَّى 5: 45). وَهِيَ مَحَبَّةٌ مُتَجَرِّدَةٌ تَقُولُ لِلرَّبِّ: "مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِكَ لِي، أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ أَنْ أُحِبَّ وَأَغْفِرَ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيَّ". فَنَحْنُ لَا نَغْفِرُ لِأَنَّ الإِسَاءَةَ لَا تُؤْلِمُ، بَلْ لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ أَقْوَى مِنَ الإِسَاءَةِ.
وَمِنْ هُنَا نَطْلُبُ نِعْمَةَ عَيْشِ وَصِيَّةِ المَغْفِرَةِ بِـشَجَاعَةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ؛ فَاللهُ يَغْفِرُ لَنَا خَطَايَانَا، وَيَدْعُونَا إِلَى أَنْ نُحَوِّلَ المَغْفِرَةَ الَّتِي نَنَالُهَا إِلَى مَغْفِرَةٍ نَمْنَحُهَا. وَكُلَّمَا فَهِمْنَا عُمْقَ مَحَبَّةِ اللهِ لَنَا وَسَعَةَ غُفْرَانِهِ، صِرْنَا أَقْدَرَ عَلَى أَنْ نَرَى فِي الآخَرِ أَخًا لَنَا، لَا عَدُوًّا نَرْغَبُ فِي انْتِقَامٍ مِنْهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ بَدَأَتْ تُغَيِّرُ قَلْبَنَا هُوَ أَنْ نَتَعَلَّمَ أَنْ نَغْفِرَ "«مِنْ صَمِيمِ القَلْبِ" (مَتَّى 18: 35)، لَا سَبْعَ مَرَّاتٍ فَقَطْ، بَلْ "سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مَتَّى 18: 22)؛ أَيْ مِنْ دُونِ أَنْ نُحَوِّلَ الغُفْرَانَ إِلَى حِسَابٍ وَأَرْقَامٍ.
وَعِنْدَئِذٍ يَبْقَى السُّؤَالُ الشَّخْصِيُّ أَمَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: إِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ فِي حَقِّي، مَاذَا أَفْعَلُ؟ هَلْ أَتَمَسَّكُ بِجُرْحِي وَأُغَذِّي الحِقْدَ، أَمْ أَبْدَأُ مَسِيرَةَ المَغْفِرَةِ؟ هَلْ أَرَى فِي المَغْفِرَةِ تَنَازُلًا عَنْ كَرَامَتِي، أَمْ قُوَّةً تُحَرِّرُنِي مِنْ أَنْ أَبْقَى أَسِيرًا لِمَا فَعَلَهُ الآخَرُ بِي؟
إِنَّ المَغْفِرَةَ قَدْ تَتَطَلَّبُ تَضْحِيَةً وَتَسَامِيًا وَشَجَاعَةً، وَقَدْ تَكُونُ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ مَسِيرَةً طَوِيلَةً لَا قَرَارًا عَابِرًا. وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ صِحَّةَ القَوْلِ: مَا أَسْهَلَ أَنْ نَطْلُبَ الغُفْرَانَ، وَمَا أَصْعَبَ أَنْ نَمْنَحَهُ! وَلٰكِنَّ المَغْفِرَةَ تَصِيرُ مُمْكِنَةً حِينَ يَعْمَلُ فِيهَا العَقْلُ وَالقَلْبُ وَالرُّوحُ مَعًا: فَبِالعَقْلِ نَفْهَمُ، وَبِالقَلْبِ نَتَحَرَّرُ مِنَ الحِقْدِ، وَبِالرُّوحِ وَالصَّلَاةِ نَسْتَمِدُّ مِنَ اللهِ القُوَّةَ عَلَى مَا يَفُوقُ ضَعْفَنَا. وَهُنَا يَبْقَى قَوْلُ يَسُوعَ مَصْدَرَ رَجَائِنَا: "أَمَّا النَّاسُ فَهٰذَا شَيْءٌ يُعْجِزُهُمْ، وَأَمَّا اللهُ فَإِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (مَتَّى 19: 26). فَالمَغْفِرَةُ لَيْسَتْ أَنْ نَقُولَ إِنَّ الجُرْحَ لَمْ يَحْدُثْ، بَلْ أَنْ نَسْمَحَ لِنِعْمَةِ اللهِ بِأَنْ تَجْعَلَ الجُرْحَ لَا يَكُونُ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ؛ وَلَيْسَتْ أَنْ نَنْسَى المَاضِيَ، بَلْ أَنْ نَفْتَحَ مَعَ اللهِ بَابَ مُسْتَقْبَلٍ جَدِيدٍ.
دُعَاء
أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ تُشْرِقُ شَمْسَكَ عَلَى الأَشْرَارِ وَالأَخْيَارِ، وَتُغْدِقُ عَلَى الجَمِيعِ نُورَ وَجْهِكَ وَفَيْضَ مَحَبَّتِكَ، نَشْكُرُكَ لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنَا أَوَّلًا، وَغَفَرْتَ لَنَا زَلَّاتِنَا وَخَطَايَانَا، وَفَتَحْتَ أَمَامَنَا، بِرَحْمَتِكَ، طَرِيقَ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ.
أَفِضْ عَلَيْنَا رُوحَكَ القُدُسَ، لِنَسْتَطِيعَ أَنْ نُصَلِّيَ بِصِدْقٍ كَمَا عَلَّمَنَا ابْنُكَ يَسُوعُ: "وَاغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا، فَإِنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا نَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ يُذْنِبُ إِلَيْنَا" (لُوقَا 11: 4).
أَعْطِنَا قَلْبًا رَحِيمًا لِنَغْفِرَ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا، لَا بِالكَلِمَاتِ فَقَطْ، بَلْ مِنْ صَمِيمِ القَلْبِ؛ وَحَرِّرْنَا مِنَ الحِقْدِ وَالمَرَارَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي الانْتِقَامِ، وَاجْعَلْنَا شُهُودًا لِرَحْمَتِكَ، حَتَّى يَكْتَشِفَ الآخَرُونَ، مِنْ خِلَالِنَا، مَعْنَى غُفْرَانِكَ وَقُوَّةَ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ الَّتِي تَهَبُهَا لَنَا فِي المَسِيحِ.
اِجْعَلْنَا أَدَوَاتٍ لِسَلَامِكَ؛ فَنَضَعَ المَحَبَّةَ حَيْثُ البُغْضُ، وَالمَغْفِرَةَ حَيْثُ الإِسَاءَةُ، وَالإِيمَانَ حَيْثُ الشَّكُّ، وَالرَّجَاءَ حَيْثُ اليَأْسُ، وَالنُّورَ حَيْثُ الظُّلْمَةُ، وَالفَرَحَ حَيْثُ الحُزْنُ.
وَلْيَسُدْ فِي قُلُوبِنَا سَلَامُ المَسِيحِ، ذٰلِكَ السَّلَامُ الَّذِي دُعِينَا إِلَيْهِ لِنَكُونَ جَسَدًا وَاحِدًا (قُولُسِّي 3: 15). وَاجْعَلْنَا، يَا رَبُّ، نَتَذَكَّرُ دَائِمًا أَنَّنَا نَغْفِرُ لأَنَّنَا أَوَّلًا قَدْ غُفِرَ لَنَا، وَنَرْحَمُ لأَنَّنَا أَوَّلًا قَدْ رُحِمْنَا. آمِين.
قِصَّةٌ: رَفْضُ العَفْوِ
تَرْوِي قِصَّةٌ وَعْظِيَّةٌ مُتَدَاوَلَةٌ أَنَّ شَابًّا أَمْرِيكِيًّا ارْتَكَبَ جَرِيمَةَ قَتْلٍ، فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالإِعْدَامِ، وَأُودِعَ السِّجْنَ فِي انْتِظَارِ تَنْفِيذِ الحُكْمِ.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، دَخَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يَحْمِلُ لَهُ رِسَالَةً مُهِمَّةً. وَلٰكِنَّ السَّجِينَ، وَقَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ هُوِيَّةَ زَائِرِهِ أَوْ يَسْمَعَ مَا جَاءَ مِنْ أَجْلِهِ، صَاحَ بِهِ غَاضِبًا: "اُخْرُجْ مِنْ هُنَا! لَا أُرِيدُ أَنْ أَرَاكَ وَلَا أَنْ أَسْمَعَ مِنْكَ شَيْئًا".
فَحَاوَلَ الزَّائِرُ أَنْ يُهَدِّئَهُ، وَقَالَ لَهُ: "أَيُّهَا الشَّابُّ، اِسْمَعْنِي لِبَضْعِ لَحَظَاتٍ؛ فَإِنَّنِي أَحْمِلُ إِلَيْكَ خَبَرًا سَارًّا". لٰكِنَّ السَّجِينَ أَصَرَّ عَلَى رَفْضِهِ، وَهَدَّدَهُ إِنْ لَمْ يُغَادِرِ الزِّنْزَانَةَ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِهِ مِنْ دُونِ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ تَسْلِيمِهِ الرِّسَالَةَ.
وَبَعْدَ دَقَائِقَ، دَخَلَ حَارِسُ السِّجْنِ وَقَالَ لِلشَّابِّ: "أَتَعْلَمُ مَنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي طَرَدْتَهُ؟ إِنَّهُ الحَاكِمُ، وَقَدْ جَاءَ إِلَيْكَ حَامِلًا قَرَارًا بِالعَفْوِ عَنْكَ!" فَارْتَعَبَ السَّجِينُ وَصَاحَ بِمَرَارَةٍ: "مَاذَا فَعَلْتُ؟ أَسْرِعْ، أَعْطِنِي وَرَقَةً وَقَلَمًا لِأَكْتُبَ إِلَيْهِ!" وَكَتَبَ رِسَالَةَ اعْتِذَارٍ يَتَوَسَّلُ فِيهَا إِلَى الحَاكِمِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ أَنَّهُ رَفَضَ، بِتَصَرُّفِهِ المُتَسَرِّعِ، العَفْوَ الَّذِي جَاءَهُ وَهُوَ فِي أَشَدِّ الحَاجَةِ إِلَيْهِ.
وَتَخْتِمُ القِصَّةُ بِصُورَةٍ مَأْسَاوِيَّةٍ: ذَهَبَتْ فُرْصَةُ العَفْوِ، وَبَقِيَ السَّجِينُ يَنْتَظِرُ مَصِيرَهُ، وَهُوَ يَقُولُ بِحَسْرَةٍ: "إِنِّي أَمُوتُ بَعْدَ أَنْ رَفَضْتُ العَفْوَ الَّذِي قُدِّمَ لِي".
العِبْرَةُ الرُّوحِيَّةُ
تُقَرِّبُ هٰذِهِ القِصَّةُ إِلَى أَذْهَانِنَا رِسَالَةَ مَثَلِ الخَادِمِ الَّذِي لَا يَغْفِرُ (مَتَّى 18: 23–35). فَاللهُ يُبَادِرُنَا بِالرَّحْمَةِ وَيُقَدِّمُ لَنَا الغُفْرَانَ، وَلٰكِنَّ هٰذِهِ النِّعْمَةَ تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَفْتَحَ لَهَا قُلُوبَنَا، وَأَنْ نَجْعَلَهَا مَبْدَأً لِتَعَامُلِنَا مَعَ الآخَرِينَ. فَالخَادِمُ فِي المَثَلِ نَالَ إِعْفَاءً مِنْ دَيْنٍ هَائِلٍ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ لِلرَّحْمَةِ الَّتِي نَالَهَا أَنْ تُغَيِّرَ قَلْبَهُ؛ فَرَفَضَ أَنْ يَرْحَمَ رَفِيقَهُ. وَهُنَا تَكْمُنُ خُطُورَةُ رَفْضِ المَغْفِرَةِ: أَنْ يَنَالَ الإِنْسَانُ الرَّحْمَةَ، وَلٰكِنَّهُ يَرْفُضُ أَنْ يَصِيرَ رَحِيمًا.
إِنَّ مَأْسَاةَ الإِنْسَانِ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي أَنَّهُ خَاطِئٌ وَمُحْتَاجٌ إِلَى الغُفْرَانِ، بَلْ فِي أَنْ يَرْفُضَ الرَّحْمَةَ حِينَ تُقَدَّمُ لَهُ، أَوْ أَنْ يَقْبَلَهَا لِنَفْسِهِ وَيَرْفُضَهَا لِغَيْرِهِ. لِذٰلِكَ يَقُولُ يَسُوعُ: "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مَتَّى 5: 7). فَمَنْ يَخْتَبِرُ غُفْرَانَ اللهِ حَقًّا، لَا يَحْتَفِظُ بِهِ لِنَفْسِهِ، بَلْ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَصِيرَ هُوَ أَيْضًا إِنْسَانًا غَفُورًا وَرَحِيمًا.