موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٠ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

لديك قدرات خارقة لم تكتشف بعد!

بقلم :
مايكل عادل ماركو - المجر
لديك قدرات خارقة لم تكتشف بعد!

لديك قدرات خارقة لم تكتشف بعد!

 

كعادتي، عندما أتابع نمو ابني الذي بلغ عامين الآن، أقف متأملاً أمام كلمة «التطور» التي نسمعها كثيرًا في هذه المرحلة الحساسة من تربية الرضيع. ولقد شعرتُ بمزيج من الدهشة والامتنان يغمر قلبي وأنا أرى كيف يتطور جسده الصغير يومًا بعد يوم، وكيف تتفتح حواسه أمام العالم الذي أبدع الله في خلقه.

 

خلال هذه المرحلة أدركتُ أن «التطور» لا يعني خلق شيء جديد من العدم، بل تنمية وإبراز ما زرعه الله الخالق بداخل الطفل منذ لحظة تكوينه. نعم، الله الخالق زود ابني –وكل طفل– بقدرات ومواهب جسدية وحسية وعقلية وروحية كامنة، قبل أن يدخل إلى عالمنا هذا. وترك لنا نحن الوالدين والمربين مسؤولية جليلة ومشتركة: استكمال ما بدأه هو بمحبته الأبوية.

 

يشير الكتاب المقدس إلى هذه الحقيقة إذ يقول: «أعرفك قبل أن تُشكل في البطن» (إرميا 1: 5)، وفي المزمور 139: «لأنك أنت اقتنيتني في كليتي، نسجتني في بطن أمي... عجيبة هي أعمالك». كما يؤكد التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، مزود بكرامة وإمكانيات فريدة تتطلب من الوالدين والمربين مسؤولية مقدسة في مساعدته على بلوغ كماله.

 

هذه الفكرة تملأ قلبي ببهجة كبيرة: لأن الله يدعونا لنشاركه في عمل الخلق! فهو يمنحنا القدرات، ونحن نُنمّيها بفرح وجهد. وفي الوقت نفسه، أشعر بالرهبة أمام الحقيقة أن كل طفل يولد بداخله قدرات ومواهب لا تُحصى، تنتظر من يُضيء عليها ويُخرجها إلى النور. دعوني أبسّط الفكرة بمثال من حياتنا اليومية: نرى أشخاصًا يهتمون بتطوير قدراتهم الجسدية، فيقضون ساعات في تمارين رفع الأثقال أو الرياضات المختلفة ككرة القدم والسباحة والملاكمة. تظهر عضلاتهم بارزة وقوية، ليس لأنهم يملكون عضلات لا نملكها نحن، بل لأنهم ركزوا اهتمامهم وجهدهم على تنمية هذا الجانب. وقس على ذلك تطوير القدرات العقلية بالقراءة والتأمل، أو القدرات الروحية بالصلاة والسكون أمام الله.

 

أحيانًا أتساءل، وأنا ألعب مع ابني: لماذا يتمكن بعض الأطفال من حل المشاكل بسرعة أكبر وإبداع أعمق من غيرهم؟ الجواب يكمن في مرحلة النمو المبكرة. فالأطفال الذين لقوا اهتمامًا عاطفيًا وتربويًا من أسرهم أثناء اللعب، ينمون قدراتهم بشكل أفضل. وللأسف، لا يزال الكثيرون حتى اليوم لا يدركون أهمية اللعب في حياة الطفل، ولا يعرفون أنواع الألعاب التي تُطوّر جوانب حسية معينة مثل حاسة الشم، أو الحركات الدقيقة، أو التوازن الجسدي. ومن الناحية النفسية، يُعد اللعب «عمل الطفل» الأساسي الذي يبني الثقة بالنفس، ويُعزز الذكاء العاطفي، ويُنمّي القدرة على التركيز والإبداع. أما من الناحية الروحية، فهو يساعد الطفل على اكتشاف جمال الخلق الذي صنعه الله، ويشعره بحضور الآب السماوي من خلال حنان الوالدين.

 

ونحن نتمتع جميعًا بقدرات خارقة لم نكتشف بعضها بعد. قد يركز بعضنا على جانب معين ويهمل الآخرين. لكن السؤال المهم: هل نفقد هذه القدرات إذا لم نُطوّرها؟ الإجابة بالطبع لا. فهي كامنة فينا، ويمكننا في أي وقت أن نبحث عنها ونُسلط الضوء عليها ونُنمّيها، وإن احتاج الأمر إلى وقت وصبر أكبر. دعوني أذكركم بقصة "كولونيل ساندرز" مؤسس سلسلة كنتاكي، فقد اكتشف موهبته في الطبخ بعد أن تجاوز الخامسة والستين من عمره، فاستثمر فيها بإصرار، وأصبحت مطاعمه في كل مكان. هذه القصة تُشعل في قلبي الأمل، وتذكرني بأن الله لا يضع حدًا زمنيًا لإثمار مواهبنا.

 

وكما في مثل الوزنات الذي رواه السيد المسيح (متى 25: 14-30)، فإن الوزنة التي نستثمرها تكثر، أما التي نهملها فتضعف. هذا المبدأ ينطبق على حياتنا اليومية وعلى تربية أبنائنا. كم من الأبناء يفتقدون الاهتمام اليومي من والديهم لاكتشاف مواهبهم، فيكتفون بأقل القليل!

لذلك، أدعو نفسي وأدعوكم: لنتوقف قليلاً، ولننظر بعمق إلى أنفسنا وإلى أبنائنا. دعونا نكتشف القدرات الجديدة الكامنة بداخلنا وبداخلهم، ونبذل الوقت والجهد والحب في تنميتها. إنها مسؤولية ثقيلة أحيانًا، ومرهقة، لكنها تستحق كل قطرة عرق وكل تعب، لأننا بهذا نشارك الله في إكمال خلقه الجميل.

 

يا رب، اشكرك على ابني الحبيب،

وعلى كل طفل لأنه عطية جميلة وفريدة من يديك.

أعطنا قلبًا أبويًا يرى في كل نمو وكل تطور انعكاسًا لحبك اللامتناهي،

وامنحنا الحكمة والصبر لنرافق أبناءنا في رحلة اكتشاف ما أودعته فيهم. آمين.