موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٨ مايو / أيار ٢٠٢٦

في الأردن نلتقي… ومن القدس نستمدّ الرجاء

د. مارسيل جوينات

د. مارسيل جوينات

د. مارسيل جوينات :

 

في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، تتكاثر فيها بؤر التوتر، وتتسع خرائط الحروب، وتتصاعد خطابات الكراهية والإقصاء، تبدو الحاجة أكثر إلحاح إلى خطابٍ إنساني عاقل يعيد الاعتبار لقيم الحوار والكرامة الإنسانية والعيش المشترك. ومن هذا المنطلق، اكتسبت زيارة غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا إلى جامعة اليرموك أهمية تتجاوز الطابع البروتوكولي أو الأكاديمي، لتتحول إلى محطة فكرية وروحية تحمل أبعاد سياسية وأخلاقية عميقة، في زمن باتت فيه المنطقة بأمسّ الحاجة إلى أصوات الحكمة والاتزان.

 

فالزيارة لم تكن لقاء تقليدي داخل مؤسسة تعليمية، بل مثلت  مساحة لإعادة إنتاج خطاب الاعتدال في مواجهة مناخات الاستقطاب والتشظي والانغلاق. كما عكست التقاء  ثلاث رسائل: رسالة الجامعة بوصفها حاضنة للوعي النقدي وبناء الإنسان، ورسالة الكنيسة القائمة على صون الكرامة الإنسانية وترسيخ ثقافة الرجاء والانفتاح ورسالة الوطن الهوية الأردنية التي نفتخر بها .

 

ومنذ اللحظات الأولى للقاء، بدا واضح أن الخطاب لم يكن موجه  إلى جمهور أكاديمي فحسب، بل إلى جيل  من الشباب ومن أبناء الوطن ، يعيش حالة من القلق الوجودي والارتباك السياسي وسط مشهد إقليمي مأزوم، تتداخل فيه الأزمات الأمنية بالتحولات الفكرية والاجتماعية. ولهذا جاءت كلمات البطريرك بيتسابالا محمّلة بدلالات إنسانية وأخلاقية عابرة للحدود والانتماءات الضيقة، مركزه على حق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة والأمل.

 

وفي واحدة من أبرز الرسائل التي حملها اللقاء، شدد البطريرك على أن الجامعات ليست مؤسسات لتلقين المعرفة فحسب، بل منصات استراتيجية لصناعة الوعي وتعزيز التفكير النقدي وترسيخ ثقافة الحوار. فالجامعة الحقيقية، وفق هذا التصور، لا تقاس فقط بحجم إنجازاتها الأكاديمية أو تصنيفاتها العالمية، بل بقدرتها على تخريج إنسان يمتلك الوعي والمسؤولية والقدرة على احترام التعددية والانفتاح على الآخر.

 

وتكتسب هذه الرؤية أهمية استثنائية في ظل تصاعد الشعبوية والتطرف وخطابات التحريض، حيث تتحول المؤسسات التعليمية إلى خطوط دفاع متقدمة في مواجهة الانقسام المجتمعي والتآكل القيمي. فالجامعة التي تعلم طلبتها كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون فقط، تسهم في إنتاج مجتمعات أكثر توازن ومناعة، وقادرة على مقاومة مشاريع الكراهية والتفكيك.

 

وفي هذا السياق، برزت جامعة اليرموك كنموذج أردني يعكس فلسفة الدولة الأردنية القائمة على الاعتدال والتعددية واحترام التنوع الديني والثقافي. فالبيئة الأكاديمية التي تجمع الطلبة المسلمين والمسيحيين ضمن إطار من الاحترام المتبادل والانفتاح الفكري، تمثل صورة حقيقية للهوية الوطنية الأردنية الجامعة، القائمة على التماسك الاجتماعي والانسجام الوطني والعيش المشترك.

 

أما القدس، فقد حضرت في اللقاء باعتبارها جوهر القضية الإنسانية والروحية في المنطقة، لا مجرد عنوان سياسي للصراع. فقد تحدث البطريرك بيتسابالا عن المدينة المقدسة بوصفها “مدينة السلام”، والحاضنة التاريخية للديانات، والرمز الحضاري الذي يجب أن يبقى مفتوح أمام الإنسانية جمعاء.

 

وفي استدعائه لرمزية أبواب القدس المفتوحة، أعاد البطريرك التذكير بأن المدينة التي بُنيت أسوارها للحماية لا للعزل، ظلت عبر التاريخ مساحة للتلاقي الحضاري والتفاعل الإنساني. وهي رسالة تحمل دلالات عميقة في مواجهة محاولات تكريس الانقسام وإنتاج الجدران النفسية والسياسية والثقافية بين الشعوب.

 

كما أكد أن مستقبل القدس لا يمكن عزله عن هويتها التاريخية والروحية والقانونية، مشدد  على أن الشرعية الدولية والقانون الدولي يشكلان مرجعية أساسية في حماية هوية المدينة وصون حقوق سكانها، في ظل ما تواجهه من تحديات ديموغرافية وسياسية متسارعة.

 

وفي محور بالغ الأهمية، تناول اللقاء الدور التاريخي للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، وللحفاظ على الهوية الروحية والحضارية للمدينة. ويعكس هذا التوصيف إدراك متزايد لحجم الدور الأردني المحوري في حماية المقدسات والدفاع عن الطابع التاريخي للقدس.

 

ويواصل الأردن، بقيادة الملك عبد الله الثاني، أداء هذا الدور انطلاقا من مسؤولية تاريخية وأخلاقية وسياسية، جعلت من المملكة صوت عقلاني متزن في محيط إقليمي مضطرب، ونموذجًا للدولة التي نجحت في ترسيخ معادلة الاستقرار والتسامح والاعتدال.

 

وفي العمق، حملت زيارة البطريرك بيتسابالا رسالة تتجاوز حدود اللقاء الأكاديمي والديني، لتؤكد أن الحوار ما يزال خيارًا ممكنًا، وأن بناء الجسور أكثر جدوى من صناعة المتاريس، وأن المؤسسات التعليمية والدينية قادرة على لعب دور محوري في مواجهة الانقسام وحماية الوعي الجمعي من الانجراف نحو التطرف والكراهية.

 

كما عكست الزيارة صورة الأردن بوصفه دولة تؤمن بأن التنوع مصدر قوة، وأن التعددية عنصر استقرار، وأن الإنسان يبقى القيمة العليا التي يجب الدفاع عنها في مواجهة كل مشاريع الإقصاء والتفكيك.

 

وفي زمنٍ تتعالى فيه أصوات العزل والتعصب والانغلاق، جاءت هذه الزيارة لتؤكد أن القدس ما تزال قادرة على إنتاج خطابٍ إنساني جامع، وأن الأردن سيبقى حاملًا لرسالة الاعتدال، ومدافعا عن قيم الكرامة الإنسانية والعيش المشترك والسلام.