موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١ مايو / أيار ٢٠٢٦

عظة الأحد الخامس من الزمن الفصحي - السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
المونسنيور خالد عكشة

المونسنيور خالد عكشة

 

في الأحد الماضي، ركزنا تأملنا على يسوع باعتباره "الباب"، "باب الخراف" (يوحنا 10، 7). أما إنجيل اليوم فيضع أمامنا اللقب الأكثر كمالا وجلالا الذي يقدّم به السيد نفسه: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14، 6).

 

نحن نجد أنفسنا روحيًا في قلب العشاء الأخير، عندما تحدث يسوع إلى تلاميذه المضطربين، وهو عالم بآلامه الوشيكة. كلماته هي دعوة للثقة: "إنكم تؤمنون بالله فآمنوا بي أيضًا" (يوحنا 14، 1). ورغم ظلمة تلك اللحظة، يفتح يسوع لهم أفقًا جديدًا: "في بيت أبي منازل كثيرة" (يوحنا 14، 2). يبدو أن اضطراب التلاميذ، الضائعين بالفعل بسبب إعلان معلمهم عن آلامه وموته، كان دافعه الخوف من ألا يكون لهم نصيب في ملكوت الله الذي جاء يسوع ليحققه ويعلنه.

 

اضطراب التلاميذ هو اضطرابنا نحن أيضًا. من خلال حديثي مع الكثيرين، ومن خلال الملاحظة والتأمل، أدركتُ قلق الكثيرين لأننا نشعر نحن أيضًا بالضياع والإحباط، وبضيق لا يمكننا تفسيره. نتساءل عن حاضرنا، وأكثر من ذلك عن مستقبل أبنائنا وأحفادنا، قائلين: "أي عالم سنترك لهم؟".

 

يمسنا الاضطراب أيضًا كجماعة راعوية بسبب تساؤلات ملحّة: لماذا لم ننجح دائما في نقل الإيمان إلى أبنائنا؟ لماذا نحن قلة نسبية في المشاركة في الشعائر الدينية؟ لماذا نرى مشكلات كثيرة بين الأزواج تؤول أحيانا إلى الانفصال أو نهاية الزواج؟ لماذا لا ننجب أطفالاً بما يكفي؟ لماذا نملك كل شيء في الخارج ونشعر بالفراغ في الداخل؟ قد تكون هناك تساؤلات وأسباب أخرى للاضطراب تنبع من ظروف شخصية وعائلية.

 

لكي يطمئن يسوع التلاميذ ويطمئننا نحن أيضًا، يكشف لنا أنه في بيت أبيه، الذي يستعد للعودة إليه، منازل كثيرة. رحيل يسوع ليس هروبًا، بل هو لفتة مَن يسبق أصدقاءه ليعدّ لهم مكانًا يستقبلهم فيه.

 

تلميذان، توما وفيلبس، يطرحان أسئلة تكشف عن شكوكهما، وهي شكوك غالبية البشر. هذا الموقف يعطي يسوع الفرصة ليكشف عن هويته الأعمق التي تلخص رسالته تجاهنا: "أنا الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14، 6) فهو لا يكتفي بإظهار الطريق، بل هو يجسده؛ ولا يقدّم تعاليم فحسب، بل هو الحق ذاته؛ ولا يعِد بمجرد حياة، بل يمنح الحياة بملئها. من يقبله يعرف الآب، ومن خلاله، يدخل في الشركة الإلهية. وفي هذا الصدد، كتب شاب: "لقد جاء رجل منذ ألفي عام ولا يزال يشغلنا برسالتة الثورية؛ ولكن على عكس جميع العظماء الآخرين -بوذا، كونفوشيوس، فرنسيس الأسيزي، غاندي، ماركس، مارتن لوثر كينغ- لم يقل: «أنا نبي... أو منظّر... أو مصلح... أو ثوري (رغم أنه كان كذلك)، بل قال ببساطة: «أنا هو الطريق والحق والحياة». يستطيع المسيح أن يؤكد أنه هو شخصيًا الطريق إلى الآب لأنه هو الحق، صورة الآب في العالم، وفي الوقت نفسه، حياة من يؤمن به. لأن الآب هو المصدر الأصلي للحياة... للقوة الحيوية التي يمنحها للمؤمنين".

 

· "أنا هو الطريق": يسوع يصير رفيقًا في حجّنا الأرضي نحو بيت الآب. الطريق ليس مجرد معرفة، بل هو مسيرة مشتركة. لسنا متروكين وحدنا لنتلمّس خطانا في متاهات الحياة؛ فباتباع يسوع نجد الاتجاه والمعنى.

 

· "أنا هو الحق": في زمن يبدو فيه الحق متغيرًا أو مجزأً أو مختزلًا في مجرد آراء، يدعونا يسوع لنتعرف فيه على الحق الذي لا يخدع: محبة الآب التي تبذل ذاتها. الحق ليس مفهومًا مجردًا، بل هو علاقة تنير القلب.

 

· "أنا هو الحياة": ليست حياة جزئية أو محدودة، بل الحياة الكاملة التي تهزم الموت. يسوع يدعونا لنعيش لا بالخوف، بل بالرجاء؛ لا بالحسابات، بل بالثقة.

 

هذه الكلمات في إنجيل يوحنا كانت من بين أكثر الكلمات التي علق عليها آباء الكنيسة، الذين رأوا في هذا المفردات الثلاثة ملخصًا لتدبير الخلاص بأكمله.

 

يُعد القديس أغسطينوس ربما أكثر من تعمق في هذه الآية، حيث رأى فيها حلاً لتناقض المسيرة البشرية:  "سِر من خلال الإنسان لتصل إلى الله. من الأفضل أن تعرج في الطريق الصحيح على أن تمشي بثبات خارج الطريق. فالأعرج في الطريق، وإن تقدم قليلاً، يقترب من الهدف؛ أما من يركض خارج الطريق، فبقدر ما يسرع، بقدر ما يبتعد". ويضيف حول التمييز بين المصطلحات الثلاثة: "نحن إذًا على الطريق، نتبع الحق، ونرجو الحياة. المسيح هو الطريق كونه إنسانًا؛ وهو الحق والحياة كونه إلهًا".

 

بالنسبة للقديس البابا لاون الكبير، هذه الآية هي المفتاح لفهم الاتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلهية في المسيح: "هو طريق السلوك المقدس، وحق العقيدة الإلهية، وحياة السعادة الأبدية. إذا كنت تبحث عن ممر، فهو الطريق؛ إذا كنت تبحث عن ركيزة، فهو الحق؛ إذا كنت تبحث عن مستقر، فهو الحياة".

 

أما القديس يوحنا ذهبي الفم، فيركّز على الطمأنينة التي يمنحها يسوع لتلاميذه، موضحًا أنه لا داعي لطرق أخرى: "بما أني أنا الطريق، فلا حاجة لكم لمن يمسك بيديكم ليقودكم؛ وبما أني أنا الحق، فلا كذب في كلماتي؛ وبما أني أنا الحياة، فلن يستطيع حتى الموت أن يؤذيكم".

 

يمكننا أن نختم تأملنا بتلاوة صلاة الجماعة مرة أخرى: "أيها الآب، يا من كشفت لنا وجهك في المسيح، الطريق والحق والحياة، اجعلنا باتحادنا به، كحجارة حية، نُبنى بها هيكلاً لمجدك".