موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٨ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

عظة الأحد الثالث للفصح - السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
عمواس هي تحفة من الحوار المعزي

عمواس هي تحفة من الحوار المعزي

 

تُعتبر القراءة الأولى من أعمال الرسل، والقراءة الثانية من رسالة القديس بطرس الأولى، نموذجاً لكرازة الرسل الأوائل، وهي كرازة تصلح لنا أيضا، ولا غنى لنا عنها اليوم. إنها إعلان للحقائق الأساسية للوحي المسيحي ولمتطلبات الخلاص ووعوده.

 

بدأ القديس بطرس بالتبشير يوم العنصرة، مستهلاً وعظه بإعلان جوهري عن عمل يسوع الخلاصي، لحث السامعين على الإيمان به. وفي رسالته الأولى يتوجه إلى المسيحيين الذين يعيشون بين الوثنيين، ك "مختارين" و"غرباء". نحن أيضاً "مختارون" و"غرباء"، لأن هذه هي قصة المسيحيين في كل العصور: فالتبشير بالإنجيل يواجه دائماً صعوبات كثيرة، داخلية وخارجية.

 

لقد انكسر رجاء تلميذي عمواس، وأصبح شيئاً من الماضي: "كنا نحن نرجو أنه هو الذي سيفتدي إسرائيل" (الآية 21). ومع ذلك، ومن خلال "شقوق" في هذا الرجاء المنكسر، يمكن لخيط من النور أن يدخل ليضيء ظلمات اللحظة.

 

إن قيامة يسوع، رغم أنه أعلنها للرسل (راجع متى 16، 21)، قد أذهلتهم. في البداية؛ لم يعرفوا الرب: كانت هناك حاجة لظهورات متتالية حتى يتأكد الجميع، بما في ذلك توما الشكاك، من حقيقة القيامة. فقط، بعد التغلب على شكوك اللحظات الأولى وترددها، آمن الرسل إيماناً راسخاً بقيامة يسوع، وأصبحوا شهوداً مقتنعين بهذا الحدث ومبشرين شجعانا به حتى بذل الدم.

 

بالنسبة للتلميذين اللذين كانا في طريقهما إلى عمواس، التي تبعد نحو أحد عشر كيلومتراً غرب القدس، كان المصير الذي حل بيسوع غير مفهوم. وبخيبة أمل عميقة ومرارة شديدة "كانا يتحدثان ويتجادلان" فيما حدث. إن رجاءهما بمحرِر "مقتدر على العمل والقول" قد أصبح الآن من الماضي: "كنا نحن نرجو". اليقين والحيرة يثقلان كاهلهما. لكن كل شيء يتغير عندما يلحق بهما رفيق درب مجهول، يستمع إليهما، يكلمهما، ويقبل البقاء معهما في ذلك المساء.

 

قبل أن نواصل تأملنا في هذا الحدث الفصحي الفريد، هناك معلومة مميَّزة حول موقع عمواس. هذا ما كتبته في هذا الشأن الراهبة الكرملية مريم ليسوع المصلوب (1846-1878) - التي طوّبها البابا يوحنا بولس الثاني عام 1983 وأعلن قداستها البابا فرنسيس في 17 أيار 2015- في رسالة إلى أبيها الروحي بتاريخ 5 أيار 1878:

 

"لقد أراني الرب مكاناً، وأنه ستكون هناك كنيسة كبيرة وسيذهب إليها الكثيرون. قيل لي إن هناك كنيسة تحت الأرض، وفي تلك الكنيسة، وفي العصور القديمة، قبل وصول الصليبيين، كانت هناك كنيسة إكراماً للمكان الحقيقي لعمواس حيث بارك ربنا الخبز وعرفه التلاميذ".

 

عندما كنت في المعهد الإكليريكي، كنا نذهب في كل يوم اثنين بعد الفصح في حج إلى عمواس، للاحتفال بالقداس الإلهي في ذلك الموقع الهام ولزيارة دير اللطرون القريب.

 

إن مشهد عمواس هو تحفة فنية في التنشئة الليتورجية والرسولية، فهو يصف مسيرة التلميذين الذين غادرا القدس وهما يعيشان وهماً وخيبة أمل، وعادا إليها لينطلقا بفرح وثقة نحو الشهادة، لأنهما التقيا بالمصلوب القائم من بين الأموات، الذي شرح لهما الكتب المقدسة وكشف عن نفسه لهما في سر "كسر الخبز". القائم من بين الأموات هو المفسر الأفضل للكتب المقدسة، وخبزه الفصحي هو الدواء الواقي من الموت، والذي يعطي القوة والفرح على طريق الحياة الذي يقودنا إلى رؤية وجهه تعالى عندما نعبر عتبة الأبدية.

 

إن القلب الذي اتقد بالكلمة المشروحة وتغذى بالخبز المكسور لا يمكن إلا أن يبشر بما سمع ورأى. ولا تستطيع الكنيسة أن تُبقي بشرى قيامة يسوع أسيرة علّية يسكنها الخوف، بل عليها أن تنشر بشرى القيامة وفرحها إلى أقاصي الأرض.

 

عمواس هي تحفة من الحوار المعزي. عمواس تؤكد لنا أنه عندما نستمع إلى كلمة الله في الكتب المقدسة ونشارك في كسر الخبز في الليتورجيا الإفخارستية، فإننا نلتقي بالمسيح حقاً ونستعيد الإيمان والرجاء.

 

"امنحنا يا أبتِ أن نعرف المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات، الذي يفتح قلوبنا لفهم الكتب المقدسة ويكشف عن نفسه لنا في كسر الخبز".