موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
»توبوا، فقد اقترب ملكوت الله« (متى 4: 17).
بهذه العبارة البسيطة والعميقة تفتح الكنيسة أبواب الصوم الكبير، لا كمن يقرع باب الخوف، بل كأمّ توقظ أبناءها على الرجاء. فالتوبة التي ينادي بها الإنجيل ليست سوطًا يُرفع فوق الرؤوس، ولا إنذاراً يزرع القلق في القلوب، بل دعوة إلى العودة، إلى البيت، إلى القلب الذي لم يتعب يومًا من الانتظار.
كثيرون يسمعون كلمة "توبة" فيرتبط في أذهانهم فقط التقشف، والإماتة، وثقل الذنب، وصورة الله القاضي الصارم. غير أنّ الإنجيل يقدم لنا معنى آخر، أعمق وأجمل: التوبة ليست شرطًا للمحبّة، بل ثمرة لها. ليست بابًا نطرقه كي يسمح الله لنا بالدخول، بل هي اكتشاف أنّ الباب كان مفتوحًا منذ البدء.
فالله لا يقول لنا: "توبوا لكي أحبّكم"، بل يقول: "لأنّي أحببتكم أولًا، تستطيعون الآن أن تتوبوا".
لو لم يكن هذا الحبّ الذي يسبق خطايانا، ويتجاوز سقوطنا، ويصبر على تردّدنا، لما وجدنا في داخلنا القوّة لننهض، ولا الشجاعة لنغيّر الطريق، ولا النور لنرى أنّ حياة أخرى ممكنة. نحن لا نستطيع أن نترك الخطيئة خوفًا، بل نتركها حين نكتشف أنّنا محبوبون أكثر ممّا نظنّ.
لهذا لا يضع الله شروطًا على رحمته، ولا يفاوض الإنسان على محبّته، ولا يحصي عدد المرّات التي فشل فيها. محبّته لا تقول: "كفى"، بل تقول دائمًا: "ابدأ من جديد". سبعين مرّة سبع مرّات… إلى ما لا نهاية.
ومع ذلك، فهذه الرحمة ليست تساهلًا مع الشرّ، ولا تبريرًا للخطأ، ولا تجاهلًا للحقيقة. "إنّها رحمة تعرف أن تسمّي الخطيئة باسمها، ولكنّها ترفض أن تسمّي الإنسان بها". هي لا تقول لنا إنّ السقوط أمر عادي، بل تقول لنا إنّ البقاء في السقوط ليس قدرًا.
الصوم الكبير، إذًا، ليس موسم حزنٍ عقيم، بل زمن شفاء. ليس محكمة، بل مستشفى. ليس تعدادًا للأخطاء، بل رحلة عودة إلى بيت الآب، إلى الحبّ الأول.
وإن عدنا في هذا الزمن المقدّس لمجرّد أننا متأثّرون، فالعاطفة ستخبو. أمّا إن عدنا حاملين في قلوبنا رغبة صادقة في اتخاذ قرار جديد – ولو كان القرار ضعيفًا، متردّدًا، صغيرًا – فهذا يعني أنّ الرحمة بدأت تعمل فينا عملها الخلاصي.
وفي أفق هذا الحبّ الذي لا يُقاس، نفهم عمق ما صنعه المسيح من أجلنا. ففي ذهنيّة العهد القديم، ووفق العرف السائد آنذاك، إذا تجرّأ أحد ودافع عن خاطئٍ محكومٍ بالرجم – كالمرأة الزانية – كان يُعدّ شريكًا في جريمته، ويُرجم معها. كان من يقف في صفّ الخاطئ يختار، عمليًّا، أن يحمل مصيره. وهذا بالضبط ما فعله يسوع. لم يبرّر الخطيئة، لكنّه رفض أن يترك الخاطئ وحيدًا أمام الموت. تقدّم خطوة إلى الأمام، ووقف في موضعنا، واختار أن يتحمّل هو الحجارة التي كانت موجّهة إلينا. كأنّه قال بصمته على الصليب: "ارجموني أنا، ودعوا هذا الإنسان يحيا".
فمحبّة الله ليست فكرة مجرّدة، بل شخص حيّ. هي المسيح نفسه، محبّة لا تخاف أن تُجرَح لكي تشفينا، ولا أن تموت لكي نحيا.
لهذا، يدخل المسيحي الصوم الكبير لا بدافع الشعور بالذنب، بل بدافع الامتنان؛
لا هربًا من العقاب، بل انجذابًا إلى المحبّة؛
لا ليصير إنسانًا أفضل فحسب، بل ليصير إنسانًا محبوبًا يعرف أنّه محبوب.
توبوا، فقد اقترب ملكوت الله« أي: افتحوا قلوبكم، لأنّ المحبّة صارت قريبة.
اقتربت إلى درجة أنّها تمشي معنا، وتحملنا، وتنتظرنا في نهاية كلّ طريق.
هكذا صارت التوبة، في نور الصليب، ليست صعودًا متعبًا نحو الله، بل سقوطًا واثقًا بين ذراعيه. وصار الصوم الكبير مسيرة نحو ذاك الذي أحبّنا إلى المنتهى، ودفع الثمن عنّا، لا لكي نخجل، بل لكي نبدأ من جديد.
فلا خوف بعد اليوم، بل عودة.