موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٣ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

القديس فرنسيس السالسي: معلّم المحبة الذي ألهم دون بوسكو

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
القديس فرنسيس السالسي: معلّم المحبة الذي ألهم دون بوسكو

القديس فرنسيس السالسي: معلّم المحبة الذي ألهم دون بوسكو

 

في الرابع والعشرين من كانون الثاني من كل عام، تحتفل الكنيسة بعيد القديس فرنسيس السالسي، ذاك الذي أعلنه البابا بيوس التاسع «معلّمًا في الكنيسة»، لما تركه من أثر عميق ومتجدد في اللاهوت والروحانية والحياة التربوية المسيحية. لقد كانت وداعة هذا القديس، ومحبتُه الودودة، ولطفُه الأبوي، نبع إلهامٍ خاص للقديس يوحنا بوسكو، حتى دفعته إلى أن يسمّي الرهبنة التي أسّسها «سالزيانية»، تكريمًا لذلك الأسقف القديس، راعي جنيف ووجهها الروحي الهادئ.

 

 

من النشأة النبيلة إلى الدعوة الكهنوتية

 

وُلد فرنسيس في 21 آب 1567 في بلدة توران-غليير في سافوا بفرنسا، في أسرة نبيلة عريقة. تلقّى علومه في أفضل المدارس والجامعات الفرنسية، ثم تابع دراسته في الحقوق في جامعة بادوفا بإيطاليا، تلبية لرغبة والده الذي كان يحلم له بمستقبل قانوني مرموق. وهناك، إلى جانب تفوقه الأكاديمي وتخرّجه بأعلى الدرجات، بدأ قلبه يميل أكثر فأكثر إلى اللاهوت وإلى طريق الكهنوت.

 

عاد إلى فرنسا سنة 1592 وانتسب إلى نقابة المحامين، لكن صوت الدعوة كان أقوى من كل طموح بشري. ففي 18 كانون الأول 1593 رُسم كاهنًا، وبعد ثلاثة أيام فقط احتفل بقداسه الأول، وهو في السادسة والعشرين من عمره، واضعًا حياته على مذبح الخدمة.

 

رسول الوداعة في زمن الانقسام

 

 

عُيّن رئيسًا لكهنة كاتدرائية جنيف، فظهر سريعًا ما كان يتحلّى به من غيرة رسولية، وحكمة متزنة، ومحبة عملية لا تعرف الضجيج. وفي زمنٍ كانت فيه الكالفينية تجتاح المنطقة، تطوّع لإعادة تبشير إقليم شابليه، وهي مهمة محفوفة بالمخاطر.

 

سار على قدميه بين القرى، وقرع الأبواب التي كثيرًا ما أُغلقت في وجهه، واحتمل البرد والجوع، والثلج والتهديد، والسخرية والعداء. لم يقابل القسوة بقسوة، ولا العنف بعنف، بل تعمّق في دراسة تعاليم كالفن ليحاور بصدق، ويشرح الإيمان الكاثوليكي بوضوح ومحبة.

 

ولما وجد أن المنابر لا تصل إلى الجميع، ابتكر وسيلة غير مسبوقة في زمنه: كتب منشورات قصيرة، مبسطة وعميقة، وعلّقها في الساحات العامة، أو وضعها على أبواب البيوت، ممهّدًا بذلك طريقًا جديدًا للبشارة عبر الكلمة المكتوبة. وهكذا، وإن لم تكن التحولات العددية كبيرة في البداية، إلا أن روح العداء خفّت، وبدأت القلوب تنفتح من جديد.

 

 

أسقفًا وقائدًا روحيًا

 

في سنة 1599 عُيّن أسقفًا معاونًا لجنيف، ثم تسلّم الأبرشية كاملة بعد ثلاث سنوات، واتخذ من مدينة أنيسي مقرًا له. هناك عاش راعيًا لا يكلّ: يزور الرعايا، ويُصلح الأديرة، ويكوّن الكهنة، ويعلّم الشعب، ويقود النفوس بالصبر واللطف.

اختار أسلوب التعليم الحواري، والإرشاد الشخصي الطويل النفس، مؤمنًا بأن القلب يُقاد بالمحبة لا بالقسر، وبالإقناع لا بالإدانة.

 

وفي سنة 1604، خلال رياضة روحية في مدينة ديجون، تعرّف إلى الأرملة التقية جوانّا فرنسيس دي شانتال، فنشأت بينهما صداقة روحية عميقة، تحوّلت إلى مدرسة في التوجيه الروحي عبر الرسائل.

 

 

روحانية في متناول الجميع

 

ثمرة هذه الخبرة كانت كتابه الشهير "المدخل إلى العبادة" ، الذي أهْداه إلى كل نفس تريد أن تحب الله وسط مشاغل العالم. لم يكتب للمتنسكين فقط، بل للآباء والأمهات، وللتجار والعمّال، ولمن يعيشون في قلب المجتمع. فيه علّم أن القداسة ليست امتيازًا للرهبان، بل دعوة لكل إنسان.

 

وفي سنة 1616 ألّف رائعته اللاهوتية "رسالة في محبة الله"، حيث لخّص رسالته الكبرى: الإنسان خُلق ليحب، والحياة الحقة هي أن نحيا في حب الله ومعه.

 

 

عائلة روحية تمتد عبر القرون

 

وفي سنة 1610، أسّس مع القديسة جوانّا دي شانتال رهبنة راهبات زيارة مريم، التي بدأت بخدمة الفقراء والمرضى، ثم تحوّلت لاحقًا إلى رهبنة تأملية، وأسهمت أيضًا في تربية الفتيات.

 

توفي القديس فرنسيس السالسي في مدينة ليون في 28 كانون الأول 1622، عن عمر ناهز 55 عامًا، ونُقلت رفاته إلى أنيسي في 24 كانون الثاني من العام التالي، وهو اليوم الذي تحتفل فيه الكنيسة بذكراه.

 

 

المعلّم الذي ألهم دون بوسكو

 

بعد أربعة قرون، ما زال فكره ينبض بالحياة. لقد استلهمت روحه الوديعة عشرات الرهبانيات والجماعات، ومنها: مرسلو القديس فرنسيس السالسي، راهبات صليب شافانود، السالسيات عابدات القلب الأقدس، معهد فرنسيس السالسي العلماني، كهنة القديس فرنسيس السالسي، الأخوات السالسيات، ناسكات القديس فرنسيس السالسي، بنات مريم أم المعونة، وسالزيان دون بوسكو.

 

وقد وجد دون بوسكو في هذا القديس النموذج الأقرب إلى قلبه: راعيًا يعرف كيف يجمع بين الحقيقة والرحمة، بين الحزم والوداعة، بين التربية والإيمان. ومن هنا وُلد الاسم: العائلة السالزيانية، عائلة تربوية قبل أن تكون  رهبنة أو جمعية وروحية.

 

 

خاتمة

 

فرنسيس السالسي لم يكن قديس الصالونات الهادئة فقط، بل قديس الطرق الوعرة، وقديس القلوب الجريحة، ومعلّمًا في فن قيادة النفوس بلطف. لقد آمن أن «قطرة عسل تصيد ذبابًا أكثر من برميل خل»، فصنع من الوداعة طريقًا للخلاص، ومن المحبة منهجًا للتربية، ومن الإنجيل خبزًا يوميًا للناس. ومن هذا الينبوع شرب دون بوسكو، وما زالت الكنيسة إلى اليوم تشرب.