موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يروي لنا إنجيل متّى (مت 2: 22–23) مقطوعة إنجيلية لا تحمل هدوء الميلاد، بل قلق ما بعده: حلمٌ في الليل، وأمرٌ عاجل، وهروبٌ تحت وطأة الخوف، ثم استقرارٌ متواضع في الناصرة. وما ادراك مالناصرة، ناصرة الجليل. صفحةٌ مليئة بالحركة، لكن بطلها الأساسي رجل صامت: يوسف الصدّيق.
ما إن وُلد يسوع، حتى تدخّل الله من جديد في حياة يوسف، لا بكلامٍ علني، بل بحلم. «قم، خذ الطفل وأمّه واهرب إلى مصر». أمرٌ قاسٍ، غير مفسَّر، يتطلّب اقتلاع العائلة من أمانها الوليد. ومع ذلك، لا نسمع في الإنجيل أي سؤالٍ أو احتجاجٍ من يوسف. الإنجيلي يكتفي بالفعل: «فقام يوسف».
هنا تكمن عظمة هذا الرجل: صمته ليس فراغًا، بل طاعة؛ وعدم كلامه ليس ضعفًا، بل ثقة عميقة بالله.
يعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: « لم يسأل يوسف: لماذا؟ ولا قال: إلى متى؟ بل أطاع فورًا، لأن الإيمان لا يطلب تفسيرًا عندما يتكلّم الله»
يوسف لا يفهم كل شيء، لكنه يسلّم كل شيء. يعرف أن الله الذي أوكل إليه الطفل، لن يتركه في الطريق، متأكد ومقتنعٌ في هذا. لذلك يتحوّل صمته إلى لغة إيمان، وعمله إلى صلاة حيّة. هو رجل لا يحمي العائلة بالكلام، بل بالمسير، ولا يثبت محبته بالشعارات، بل بالسهر والتعب وتحمل المجهول.
الهروب إلى مصر يكشف لنا حقيقة مهمّة: قداسة العائلة المقدسة لا تعني غياب الألم، بل حضور الله وسطه. لم تُعفَ هذه العائلة من الخطر، بل عبرت فيه. عاشت الخوف، وعدم الاستقرار، والغربة، واللجوء، والبدء من جديد في أرض غريبة ذو سمعة سيئة. ومع ذلك بقيت عائلة مقدّسة، لأنها بقيت متّحدة حول مشيئة الله.
يقول القديس أغسطينوس: «يوسف لم يكن أبًا بالجسد، لكنه كان أبًا بالمحبة والأمانة والطاعة».
في يوسف نكتشف أن الأبوة الحقيقية لا تقوم على السيطرة، بل على المسؤولية؛ لا على فرض الرأي، بل على الإصغاء لمشيئة الله. هو الحارس الأمين للسرّ، الذي يفسح المجال لله ليعمل، دون أن يحتلّ هو الواجهة دون أن يكون في الصفوف الأولى، دون تصفيق او تهليل.
ثم تأتي الناصرة: حياة بسيطة، مخفيّة، بعيدة عن الأضواء. هناك، في الصمت اليومي، يكبر يسوع، وتتقدّس العائلة. لا معجزات ظاهرة، ولا أحداث عظيمة، بل أمانة في العيش، وثبات في الحب. وكأن الإنجيل يهمس لنا قائلاً: إن أعظم أعمال الله تتم غالبًا في الخفاء.
كم تشبه هذه المقطوعة الانجيلية واقع عائلاتنا اليوم! قلق، انتقالات قسرية، خوف على المستقبل، تحديات اقتصادية ونفسية. ومع ذلك، يذكّرنا يوسف أن الله حاضر، لا في العائلات المثالية، بل في تلك التي تختار الثقة بدل اليأس، والعمل بدل الشكوى، والصمت الحكيم بدل الصدام.
وهنا يبرز السؤال الروحي الذي يضعه النص أمام كل واحد منا:
ماذا يعني أن أحافظ على عائلتي اليوم؟
قد لا يكون ذلك بقرارات بطولية، بل بخيارات صغيرة: غفران يُقدَّم في الوقت المناسب، صمتٍ يمنع جرحًا، أمانةٍ يومية في التعب من أجل الآخرين، أو ثقةٍ تُزرع وسط القلق. هذه هي “معجزات” يوسف الصامتة، التي لا تُكتب في العناوين، لكنها تبني البيوت وتحفظ الحياة. فمن يتعلّم من يوسف أن يثق ويعمل بصمت، يفتح لعائلته بابًا لقداسة حقيقية، تولد في قلب العاصفة وتكبر في هدوء الناصرة.