موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مقالتي اليوم هامة لكل من يريد التأمّل في أهم حدث في تاريخ البشرية. هي وجبة دسمة، مركّزة ومختصرة، تستند إلى مراجع كتابية وكنسيّة معتمدة. أوجزتُ قدر الإمكان، مع أنّ صفحاتٍ عديدة قد لا تكفي للإحاطة بكل فقرة وشرح معانيها.
أولاً: موت المسيح
كيف مات المسيح؟
للمسيح طبيعتان، فهو إله كامل وإنسان كامل. الطبيعة الإلهية لا تموت: «قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الذي لا يموت، ارحمنا».
بتجسّد المسيح في بطن أمه مريم، اتخذ لاهوتُه (الأقنوم الثاني) طبيعةً بشرية (ناسوت)، باتحادٍ دون انفصال للطبيعتين في شخص المسيح. ولما تحقّق الموت للطبيعة البشرية (للناسوت)، انفصلت النفس البشرية للمسيح عن جسده البشري، وظلّ لاهوت المسيح (الألوهة) متّحدًا بالنفس والجسد على السواء. حيث بقي لاهوت المسيح متّحدًا بجسده الموضوع في القبر، واللاهوت نفسه ظل أيضًا متحدًا بنفس المسيح الإنسانية التي انحدرت إلى الجحيم لتخليص النفوس المُحتجزة فيه.
لماذا مات المسيح؟
«المسيح مات من أجل خطايانا على ما في الكتب» (1 كو 15: 3).
نقرأ في الليتورجيا اللاتينية، في مقدّمة القربان المقدس لأحد الشعانين، ما يلي: «هو الذي غفر بموته زلّاتنا».
كيف يجني المسيحي ثمار موت المسيح الخلاصية؟
المسيح «في شخصه الإلهي المتأنّس، قد اتّحد هو نفسه، على وجهٍ ما، بكل إنسان»، فهو يقدّم لجميع البشر، على وجهٍ يعرفه الله، إمكان اشتراكهم في السرّ الفصحي (618). وبالمعمودية يتم هذا الاتحاد مع المسيح، ويتحقق اشتراك المعمَّد في هذا السر الفصحي: «لقد دُفنّا معه بالمعمودية للموت» (رو 6: 4)، فالمسيحي يموت للخطيئة مع المسيح (راجع 628). «وبمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا» (قانون الإيمان).
ثانياً: قيامة المسيح
كيف قام المسيح؟
قام المسيح بقدرته الخاصة، فقد سبق فقال يسوع عن نفسه: «لي سلطان أن أبذلها، ولي سلطان أن أسترجعها أيضًا» (يو 10: 17-18). والقيامة أيضًا، كما هي كل أعمال الله الخلاصية (خلق، تجسد، فداء)، هي عمل الثالوث الأقدس.
إن قيامة المسيح كانت بعودة اتحاد الطبيعة الإنسانية فيه (جسده ونفسه)، مع التأكيد أن اللاهوت ظل غير منفصل عن جسد المسيح ونفسه الإنسانية في الحالتين، سواء خلال انفصالهما بالموت أو اتحادهما بالقيامة.
ما هو حال الطبيعة الإنسانية للمسيح بعد قيامته؟
قام المسيح بجسده الخاص، فالمسيح القائم من القبر لم يكن روحًا محضًا.
ناسوت المسيح القائم لم يكن مقيّدًا بالأرض، لذلك أصبح المسيح القائم مطلق الحرية في أن يظهر كما يشاء.
لم تكن قيامة المسيح عودةً إلى الحياة الأرضية، كما كانت الحال بالنسبة للقيامات التي أجراها قبل الفصح (ابنة يائيروس، فتى نائين، ولعازر)، فهؤلاء جميعًا ماتوا مجددًا. أما جسد المسيح القائم، فقد انتقل إلى حياة أخرى فوق الزمان والمكان (جسد ممجّد).
لماذا كان يجب أن يقوم المسيح؟
«إن كان المسيح لم يقم، فكرازتنا إذن باطلة، وإيمانكم أيضًا باطل» (1 كو 15: 14).
القيامة برهان أنّ المسيح إله.
بقيامة المسيح يفتح لنا المدخل إلى الحياة الجديدة، وهذه الحياة الجديدة هي:
· التبرير: «كما أقيم المسيح من بين الأموات، هكذا نسلك نحن أيضًا في جدّة الحياة» (رو 6: 4).
· التبنّي: نصبح إخوة للمسيح (متى 28: 10)، إخوة لا بالطبيعة بل بالنعمة التي أُعطيت لنا باستحقاق قيامة الرب يسوع المسيح.
· الرجاء بالقيامة: قيامة المسيح هي مبدأ قيامتنا الآتية، لأن المسيح هو بكر القائمين.
لو لم يقم المسيح، لما كان لنا رجاء بـ«قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي، آمين».
في الطقس البيزنطي الهتاف الشهير: «المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور». كما نقرأ أيضًا في الطقس اللاتيني، في مقدّمة القربان المقدس لأحد الشعانين: «واستحقّ لنا، بقيامته، البرّ والقداسة».
كيف يجني المسيحي ثمار قيامة المسيح؟
بالمعمودية يتّحد المؤمن بالمسيح، ويصبح عضوًا حيًا في جسد المسيح السري.
إن المسيح، بقيامته وصعوده، قد أدخل الطبيعة البشرية في الثالوث. لذلك، المسيحي المعمَّد، المتّحد برأسه (المسيح)، يدخل في حياة النعمة والقداسة الإلهية.
في الكنيسة الشرقية نجد عبارة ولا أروع تمثّل حال المعتمد: «أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم، هللويا». وكما بالمعمودية، كذلك بالقربان الأقدس (الإفخارستيا)، نتّحد بالمسيح أيضًا، لنشترك منذ الآن في حياة المسيح القائم السماوية.
«الحق الحق أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فلا حياة لكم في داخلكم» (يو 6: 53).
«من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير» (يو 6: 54).
«من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه» (يو 6: 56).
وهكذا تصبح «الحياة المسيحية، بفضل الروح القدس، منذ الآن على الأرض، اشتراكًا في موت المسيح وقيامته» (تعليم مسيحي 1002).
عطفًا على ما سبق، وفي سياقه، وبعد ذكر المعاني الروحية، نستطيع أن نفهم قول بولس الرسول: «تُدفنون مع المسيح في المعمودية، وتقومون أيضًا معه… لقد قمتم مع المسيح، فاطلبوا إذن ما هو فوق، حيث يقيم المسيح جالسًا عن يمين الله» (كو 2: 12؛ 3: 1).
«ومعه أقامنا، ومعه أجلسنا في السموات، في المسيح يسوع» (أف 2: 6).
ولمزيد من التوضيح، نؤكّد بأننا، بأجسادنا الخاصة، لم نقم ولم نصعد إلى السموات. لا يمكن تفسير أقوال بولس السابقة إلا بما ذكرنا سابقًا، والذي يمكن تلخيصه كما يلي: لقد قام الرب، وأصعد باكورتنا المتّحدة بلاهوته إلى السموات، ونحن نرجو، باستحقاق عمله الفصحي، أن نتبعه بأجسادنا الخاصة الممجّدة في اليوم الأخير. فلنفرح ونتهلل بذلك.
لقد قام الرب يسوع بجسده «الخاص»، وحمل طبيعتنا البشرية التي اتّحدت بلاهوته، وحملها معه بعد القيامة إلى السموات، وأجلسها عن يمين الآب. ونحن، باتحادنا به، أصبحنا على هذا النحو قائمين، وأصبحنا أيضًا على هذا النحو جالسين في السموات. ولأنه البكر في كل شيء، ولأننا أعضاء في جسده، فإن لنا رجاء أن نكون حيث يكون، في «اليوم الأخير». وعندها، وفي هذا اليوم فقط، يقوم كل واحد منا بجسده «الخاص»، الذي هو على مثال جسد يسوع الممجّد. آمين.
وأخيرًا، لنتأمل روعة هذه العبارة من قانون الفصح في الطقس البيزنطي، والمنسوبة إلى القديس يوحنا الدمشقي: «أمس دُفنتُ معك أيها المسيح، واليوم أنهض معك بقيامتك. أمس صُلبتُ معك، فأنت يا مخلّص مجّدني معك في ملكوتك».
المسيح قام… حقًا قام. كل عام وأنتم بخير.