موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٩ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٥

البابا لاون والشرق الأوسط: رسالة سلام وحوار

د. مارسيل جوينات

د. مارسيل جوينات

د. مارسيل جوينات :

 

يُعَدّ حضور البابا لاون إلى تركيا ولبنان حدثًا دينيًا وسياسيًا بالغ الأهمية، يندرج ضمن إطار جهود الفاتيكان لتعزيز ثقافة الحوار بين الأديان وتأصيل مبادئ التفاهم المشترك بين المجتمعات. فتركيا، بما تمثله من موقع حضاري فريد بين الشرق والغرب، شكّلت محطة أساسية ركّزت فيها مساعي البابا لتأكيد الروابط التاريخية بين الكنيسة الكاثوليكية والبطريركية المسكونية، ولإبراز أهمية استمرار التعاون المسكوني بين الكنائس المتعددة ضمن احترام متبادل للتقاليد الدينية المختلفة. وقد شدد البابا خلال زيارته على البعد الحضاري الذي تمثله تركيا، وعلى ضرورتها كجسر تواصل بين الشعوب والثقافات.

 

أما لبنان، بصفته نموذجًا رائدًا للتعددية الدينية والتوازن الطائفي في الشرق الأوسط، فإن الزيارة البابوية ستمثل دعمًا لبلد الأرز بشكل عام، وللمجتمع المسيحي اللبناني وتعزيز دوره في بناء الهوية الوطنية الجامعة بشكل خاص، إذ ستؤكد ضرورة تدعيم قيم العيش المشترك، وإبراز دور لبنان كجسر فكري وروحي بين العالمين العربي والغربي، وكبلد يمتلك رسالة حضارية إنسانية يجب الحفاظ عليها وتطويرها، إلى جانب دعم الكنائس الشرقية المرتبطة تاريخيًا وثقافيًا بالمنطقة.

 

وتتجاوز أهمية هذه الزيارة حدود تركيا ولبنان لتشمل عموم المسيحيين في الشرق الأوسط، وخاصة في الأردن، الذي يحتضن أبرز المواقع المسيحية التاريخية في المنطقة. فعلى أرض الأردن يوجد موقع عمّاد السيد المسيح، بالإضافة إلى مواقع مقدسة عديدة كجبل نيبو الذي ارتبط تاريخيًا بالنبي موسى، ومواقع أخرى ذات أهمية دينية وروحية عميقة. ومن المتوقع أن تُسهم زيارة بابوية مستقبلية إلى الأردن في تعزيز الحضور المسيحي في المنطقة وتعزيز جهود المملكة في رسالة السلام والوئام، وإبراز دورها كوجهة للحج المسيحي العالمي. كما ستوفر هذه الزيارة فرصة لتسليط الضوء على جهود الدولة الأردنية في حماية التراث الديني وتعزيز الحوار بين الأديان، وتقديم نموذج اجتماعي متوازن للعيش المشترك.

 

تأتي الزيارات البابوية ضمن إطار دبلوماسية الكرسي الرسولي، التي تعتمد على التأثير الثقافي والمعنوي بدل الأدوات السياسية التقليدية. وقد انعكس هذا النهج في خطاب البابا لاون الذي ركّز على احترام التنوع الديني وعلى ضرورة تطوير رؤية مشتركة تقوم على الأخلاق والتسامح والتفاهم باعتبارها أسسًا لاستقرار المجتمعات وازدهارها. كما تسهم الزيارات في ترسيخ الروابط بين الفاتيكان وكنائس الشرق، وتعزيز التجذّر المسيحي التاريخي في المنطقة، وتأكيد أهميته في النسيج الثقافي والاجتماعي للشرق الأوسط.

 

إن زيارة البابا لاون إلى تركيا ولبنان، والأهمية المأمولة لزيارة مستقبلية إلى الأردن، لا تشكل أحداثًا بروتوكولية فحسب، بل مبادرات استراتيجية تهدف إلى ترسيخ قيم الحوار الديني وإثبات أن التسامح والاحترام المتبادل يشكلان القاعدة الأساسية لصنع السلام وبناء مستقبل متوازن في الشرق الأوسط. فمن خلال هذه الجهود، تبرز رسالة واضحة بأن تعزيز ثقافة الاختلاف الإيجابي والحوار بين الأديان يمثل إطارًا حضاريًا لا غنى عنه في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى التفاهم الإنساني العميق.