موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أريد أن أتناول هذه الحادثة من زاويتين متكاملتين: زاوية تاريخية توثّق حياة الأب باتريسيو وموته، وزاوية إيمانية تتأمل كيف يمكن أن تتحوّل عظة أُلقيت في قداس عادي إلى رسالة تمسّ حياة أناس كثيرين، وتدعوهم إلى إعادة النظر في علاقتهم بالله وبالوقت وبالموت.
وهنا نقطة لاهوتية مهمّة أودّ أن أحافظ عليها في صياغة التأمل: ليس علينا أن نعتبر الحادثة تدبيرًا إلهيًا مباشرًا أو أن نجزم بأن الله أراد موته بهذه الطريقة، لكي نرى كيف استطاع الله أن يُخرج من المأساة نداءً إلى الحياة والرجاء. فهناك فرق بين أن نقول إن الله أراد الموت، وبين أن نؤمن بأنه يستطيع أن يجعل حتى الموت المفاجئ مناسبةً لصحوة الضمير وتجديد الحياة.
الأب باتريسيو سانشيز موليناري: عظة عن الحياة، وموت مفاجئ، ورسالة لا تزال تتردّد.
الأب باتريسيو ألفريدو سانشيز موليناري 6/10/ 1973 – 17/ 10/2026، كاهن إكوادوري ومرسل من رهبانية الفادي الأقدس. وُلد في مدينة كوينكا في الإكوادور، انتمى إلى الرهبانية في 15 آب 2000، ثم سيم كاهنًا في 15 تشرين الأول 2005.
خدم في جماعات كنسية عديدة، وكان آخرها رعيّة سيدة المعونة الدائمة في غواياكيل، حيث خدم كاهنًا للرعيّة.
بحسب شهادة الرهبانية الفاديّة، تميّزت خدمته بالبساطة والهدوء والأخوّة، وبالقرب من الشباب والاهتمام بالمرضى. وفي خدمته الرعوية، اهتمّ أيضًا بالسجود للقربان الأقدس، واستمرّ في خدمة الجماعات التي أُرسل إليها حتى أيامه الأخيرة.
لم يكن قد مضى على سيامته الكهنوتية سوى أيام قليلة بعد إتمامه عامه الحادي والعشرين في الكهنوت.
مساء السبت 17/10/ 2026، كان الأب باتريسيو يحتفل بالقداس الإلهي في كنيسة سيدة المعونة الدائمة في غواياكيل، وكان القداس يُبث مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كان واقفًا خلف المذبح، مواجِهًا المؤمنين، بينما كان صليب خشبي كبير معلّقًا على الحائط خلفه. وفي أثناء الاحتفال، وبعد أن أنهى عظته وانتقل إلى الصلوات التالية، انفصل الصليب عن موضع تثبيته وسقط عليه بصورة مفاجئة.
هرع المؤمنون إلى مساعدته، وتعالت أصوات تطلب الاتصال بالإسعاف. لكن الكاهن فارق الحياة في الحادثة نفسها، وأعلنت أبرشية غواياكيل وفاته. ما يجعل الحادثة مؤلمة على نحو خاص ليس فقط أن كاهنًا فقد حياته وهو يحتفل بالقداس، بل أن كلماته عن الموت وقيمة الحياة كانت قد قيلت قبل الحادث بدقائق، في القداس نفسه.
إنه مشهد يضعنا أمام هشاشة الحياة، ويذكّرنا بأن الإنسان لا يملك دائمًا معرفة اللحظة التي تتغيّر فيها حياته، مهما بدت الأمور عادية ومستقرة.
كان الأب باتريسيو يتأمل في جواب يسوع للفريسيين والهيراودسيين: «أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» (متى 22:21) انطلاقاً من هذا الإنجيل طرح سؤالًا عمليًا: ما المكان الذي نعطيه لله في حياتنا؟ فالمشكلة ليست في المال والعمل والنشاطات العائلية، فهذه أمور لها قيمتها وضرورتها، بل في أن تستحوذ علينا حتى لا يبقى لله وللأشخاص الذين نحبهم إلا ما يتبقّى من وقتنا.
أشار إلى الساعات التي نقضيها أمام الهاتف، أو في مشاهدة المسلسلات والأفلام، والانشغال بأمور كثيرة، فيما قد يمرّ يوم كامل من دون أن نمنح الله وقتًا حقيقيًا، أو نصغي بعمق إلى أحد أفراد عائلتنا.
ثم جاءت الفكرة المحورية في عظته، التي نقلتها وسائل الإعلام الإكوادورية: «يومًا ما، سنموت جميعًا نحن الموجودين هنا. وأحيانًا، لا تكون للأشياء التي أمضينا وقتنا فيها القيمة نفسها التي للوقت الذي أمضيناه مع الله». وأضاف أن الوقت الذي نمنحه لله، ولإخوتنا وأخواتنا، وللزوج والزوجة والأولاد والعائلة، هو الوقت الذي يستحق أن نعتبره الأفضل استثمارًا. وختم بالتذكير بأن نعطي الله مكانه في حياتنا، وأن يكون حاضرًا في كل لحظة، ثم طلب من الرب أن يرافق المؤمنين ويساعدهم ويبارك نشاطاتهم خلال الأسبوع المقبل.
ما الذي أراد أن يقوله لنا؟
لم تكن العظة دعوة إلى ترك العمل أو إهمال المسؤوليات، ولا إلى الخوف من الموت. كانت دعوة إلى استعادة ترتيب الأولويات.
قد يقضي الإنسان يومه كله في أمور تبدو مهمة، ثم يكتشف أنه لم يعش فعلًا مع الأشخاص الذين يحبهم. قد ينجح في عمله، لكنه لا يجد وقتًا للإصغاء إلى ابنه. وقد ينشغل بخدمة الآخرين، لكنه ينسى أن يجلس قليلًا أمام الله من دون أن يطلب شيئًا، بل أن يكون معه فحسب.
نحن لا نهدر الوقت فقط عندما نفعل أشياء سيئة؛ قد نهدره أيضًا عندما نملأه بأشياء كثيرة، وننسى الأشياء التي تمنح حياتنا معناها.
والسؤال الذي تتركه العظة في قلبنا هو: لو نظرنا إلى الطريقة التي نعيش بها اليوم، فهل تعكس فعلًا ما نقول إنه الأهم في حياتنا؟
5/10/ 2005 سيامته الكهنوتية، بدأ خدمته الكهنوتية بوصفه مرسلًا في الرهبانية الفاديّة.
15/10/ 2026 الذكرى الحادية والعشرون لسيامته، وتهنئة أبرشية غواياكيل بمناسبة ذكرى سيامته الكهنوتية.
17/10/ 2026 وفاته أثناء الاحتفال بالقداس، بعد يومين من ذكرى سيامته، فارق الحياة عن عمر 52 عامًا.
ثمة تفصيل لافت هنا: لم يمت الأب باتريسيو بعد سنوات طويلة من اعتزاله الخدمة، ولا في مرض طويل أتاح له أن يستعدّ لساعة الرحيل؛ بل مات فجأة، وهو يمارس خدمته المعتادة، في المكان الذي اعتاد أن يلتقي فيه المؤمنين بالله.
لكن علينا أن نميّز بين ما نعرفه وما نتأمله. نحن نعرف تاريخ وفاته، ونعرف ما قاله في عظته، ونعرف أن الصليب سقط عليه. أما أن نجزم بأن الله رتّب الحادثة لكي يموت في تلك اللحظة، أو لكي تنتشر عظته، فهذا أمر لا نستطيع إثباته، وليس ضروريًا للإيمان بأن الله يستطيع أن يخرج من المأساة ثمارًا روحية.
الموت الذي يأتي كاللص
يقول يسوع في إنجيل متّى: «فاسهروا إذًا، لأنكم لا تعلمون في أي يوم يأتي ربكم» (متى 24:42). ويتابع: «واعلموا هذا: لو عرف رب البيت في أي هزيع من الليل يأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته يُنقب» (متى 24:43). المعنى ليس أن نعيش في رعب، ننتظر الموت في كل لحظة، بل أن نتوقف عن تأجيل الحياة الحقيقية إلى يوم مجهول. نقول أحيانًا: عندما أنتهي من عملي، سأصلّي. عندما أرتاح، سأزور أهلي. عندما تصبح الظروف أفضل، سأصالح ذلك الشخص. وعندما أجد وقتًا، سأهتم بعلاقتي بالله. لكن الحياة لا تمنحنا ضمانة بأن كل هذه اللحظات المؤجلة ستأتي.
لم يكن الأب باتريسيو، بحسب ما نعرف، يلقي عظة عن حادثة وشيكة أو يتنبأ بموته. كان يشرح الإنجيل ويذكّر المؤمنين بحقيقة عامة تخصّ كل إنسان: سنموت يومًا ما، ولذلك ينبغي ألا نعيش وكأن الوقت ملكنا إلى الأبد. والمؤلم أن هذه الكلمات نفسها أصبحت، بعد دقائق، مرتبطة بوفاته.
هنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل. لو ألقى الأب باتريسيو العظة نفسها في قداس عادي، ثم عاد إلى بيته، لربما سمعها عشرات أو مئات الأشخاص، ولربما أثّرت في بعضهم، ثم بقيت ذكرى جميلة من عظاته.
لكن موته المفاجئ أثناء القداس، وتسجيل الاحتفال، جعلا كلماته تنتشر على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل. وقد تناولت وسائل إعلام دولية الحادثة والعظة معًا، فيما كانت الرهبانية الفاديّة تنعى كاهنها وتستعيد حياته وخدمته.
لا نملك إحصاءات لعدد الأشخاص الذين اهتدوا فعلًا أو غيّروا حياتهم نتيجة سماع العظة؛ لكن من الواضح أن الرسالة وصلت إلى جمهور أوسع بكثير من جمهور الكنيسة الذي كان حاضرًا في ذلك المساء. وهنا يمكننا أن نتأمل روحيًا في ما حدث. لم تعد العظة مجرد كلمات عن الموت؛ أصبحت شهادة عن هشاشة الحياة، وعن ضرورة أن نعيش ما نؤمن به قبل أن يفوت الأوان.
قد يسمع شخص هذه الكلمات فيمرّ عليها مرورًا عابرًا. وقد يسمعها آخر، فيضع هاتفه جانبًا ويجلس مع أبيه المسنّ. وقد يتذكّر ثالث أنه لم يصلِّ منذ مدة طويلة. وربما يقرّر شخص أن يطلب المغفرة من إنسان جرحه، أو أن يعود إلى الكنيسة، أو أن يكرّس وقتًا حقيقيًا لأسرته.
لا نعرف ما حدث في قلب كل واحد من هؤلاء، لكننا نعرف أن الكلمة الصادقة يمكن أن تفتح بابًا كان مغلقًا.
وهذا ما يقودنا إلى معنى أعمق في الإيمان المسيحي: الله لا يحتاج إلى أن يكون هو سبب المأساة لكي يجعل منها مناسبة للنعمة.
لماذا سقط الصليب؟ هذا سؤال يحتاج إلى تفسير مادي وتقني، ولا يجوز أن نستبدل البحث عن السبب بإجابة دينية جاهزة. لكن بعد وقوع الحادثة، يمكن للكلمة التي نطق بها الكاهن أن تواصل عملها في ضمائر الناس.
وهكذا قد يستمرّ خادم الله في إيصال الرسالة حتى بعد موته، لا لأن الموت كان هدفًا أو وسيلة أرادها الله، بل لأن الكلمة التي زرعها خلال حياته لم تنتهِ بانتهاء حياته.
هناك فرق بين أن نقول إن موت الأب باتريسيو لم يكن عبثًا، وبين أن نقول إن موته كان ضروريًا لكي يسمع العالم عظته.
الأولى يمكن فهمها في ضوء الإيمان بالرجاء؛ أما الثانية فتحوّل المأساة إلى وسيلة إلهية لا نستطيع إثباتها.
لم يكن الأب باتريسيو بحاجة إلى أن يموت لكي تصبح حياته ذات قيمة. كانت لحياته قيمة في سنوات خدمته، وفي الأشخاص الذين رافقهم، وفي الأسر التي اهتمّ بها، وفي المرضى والشباب الذين اقترب منهم. ولم تبدأ رسالته في اللحظة التي سقط فيها الصليب عليه؛ كانت رسالته قد بدأت يوم اختار أن يكرّس حياته للمسيح. لكن موته جعل كلمات قالها في سياق عادي تبدو وكأنها وُجّهت إلى كل واحد منا شخصيًا. كأننا نسمع صوته من جديد، لا ليخيفنا، بل ليوقظنا: "كم من الوقت نعطي لله فعلًا؟ وكم من الوقت نعطيه للأشخاص الذين نحبهم؟ وكم من الوقت نستهلكه في أمور سننساها بعد أيام، بينما نهمل أمورًا ستبقى في الذاكرة والقلب؟"
قد نكتشف، حين نقترب من نهاية حياتنا، أن ما ظننّاه يومًا أهمّ الأشياء لم يكن الأهمّ حقًا. فقد لا نتذكّر عدد الساعات التي أمضيناها أمام الشاشات، ولا عدد المهمات التي أنجزناها، بقدر ما نتذكّر وجه شخص أصغينا إليه، ويدًا أمسكنا بها، ومصالحة بادرنا إليها، وصلاة قلناها من أعماقنا.
الموت لا يمنح الحياة معناها؛ بل يكشف لنا أن الحياة التي نعيشها الآن ثمينة، وأن كل يوم هو فرصة للحبّ لم تُغلق أبوابها بعد.
وفي المسيحية، لا تقف هذه الحقيقة عند حدود الموت. فإيماننا لا يدعونا إلى الاستعداد للرحيل فحسب، بل إلى عيش الحياة بملئها، في حضور الله، وفي محبة القريب، وفي الرجاء بالقيامة. فالمسيح لم يأتِ لكي يجعلنا منشغلين بالموت، بل لكي يحرّرنا من الخوف ويقودنا إلى حياة لا ينتهي معناها عند القبر.
ربما لن نعرف أبدًا لماذا حدثت هذه المأساة في تلك اللحظة بالذات. لكننا نستطيع أن نختار ما سنفعله بالكلمات التي وصلت إلينا بسببها.
يمكننا أن نكتفي بالدهشة أمام المصادفة المؤلمة، ثم نعود إلى حياتنا كما كانت. ويمكننا أن نجعل من هذه الكلمات فرصة لمراجعة حياتنا، وإعادة ترتيب أولوياتنا، والعودة إلى الله وإلى الأشخاص الذين منحهم لنا.
عندها لا تكون المأساة قد تحوّلت إلى خير في ذاتها، ولا يكون الموت قد أصبح أمرًا جميلًا؛ بل يكون الرجاء قد وجد طريقه إلى قلب الألم.
زوادة روحية
ليس المهم أن نعرف متى تنتهي أيامنا، بل أن نعرف كيف نعيشها.
ليس المطلوب أن نراقب الساعة خوفًا من الموت، بل أن نتوقف عن تأجيل الحبّ، والصلاة، والمصالحة، واللقاء الحقيقي.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن نفعله تكريمًا لذكرى الأب باتريسيو ليس أن نعيد مشاهدة اللحظة المأساوية، بل أن نصغي إلى الرسالة التي سبقتها، ونمنحها فرصة لتغيّر شيئًا في حياتنا.
السؤال الذي أتركه بين يديك: لو كانت هذه العظة موجّهة إليك شخصيًا، فما الشيء الذي ستتوقف عن تأجيله ابتداءً من اليوم؟